Полный текст (546 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
كشف الحقائق وصاحب الأسرار الخفية في العلوم العقلية وأمثال هؤلاء ممن لم يجرد القول لنصر مذهبهم مطلقا ولا تخلص من إشراك ضلالهم مطلقا بل شاركهم في كثير من ضلالهم وشاركهم في كثير من محالهم وتخلص من بعض وبالهم وأن كان أيضا لم ينصفهم في بعض ما أصابوا فيه واخطأ لعدم علمه بمرادهم أو لعدم معرفته أن ما قالوه صواب.
مآخذ علوم أبي علي ابن سينا وشيء من أحواله:
ثم إن هؤلاء إنما يتبعون كلام ابن سينا وابن سينا تكلم في أشياء من الإلهيات والنبويات والمعاد والشرائع لم يتكلم فيها سلفه ولا وصلت إليها عقولهم ولا بلغتها علومهم فإنه استفادها من المسلمين وان كان إنما اخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية وكان أهل بيته من أهل دعوتهم من اتباع الحاكم العبيدي
стр. 142
الذي كان هو أهل بيته واتباعه معروفين عند المسلمين بالإلحاد أحسن ما يظهرونه دين الرفض وهم في الباطن يبطون الكفر المحض.
وقد صنف المسلمون في كشف اسرارهم وهتك استارهم كتبا كبارا وصغارا وجاهدوهم باللسان واليد إذ كانوا أحق بذلك من اليهود والنصارى ولو لم يكن إلا كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب وكتاب عبد الجبار بن احمد وكتاب أبي حامد الغزالي وكلام أبي إسحاق وكلام ابن فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل والشهر ستاني
стр. 143
وغير هؤلاء مما يطول وصفه.
والمقصود هنا أن ابن سينا اخبر عن نفسه أن أهل بيته أباه وأخاه كانوا من هؤلاء الملاحدة وانه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذاك فانه كان يسمعهم يذكرون العقل والنفس.
وهؤلاء المسلمين الذين كان ينتسب إليهم هم مع الإلحاد الظاهر والكفر الباطن اعلم بالله من سلفه الفلاسفة كأرسطو واتباعه فان أولئك ليس عندهم من العلم بالله إلا ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه.
وقد ذكرت كلام أرسطو نفسه الذي ذكره في علم ما بعد الطبيعة في مقالة اللام وغيرها وهو آخر منتهى فلسفته وبينت بعض ما فيه من الجهل فانه ليس في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الإلهي مع الخطأ والضلال مثل علماء اليهود والنصارى وأهل البدع من المسلمين وغيرهم اجهل من هؤلاء ولا ابعد عن العلم بالله تعالى منهم.
نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها ذلك وهم قد يقصدون الحق لا يظهر عليهم العناد لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ.
وابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين وكان قد تلقى ما تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله
стр. 144
من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه فتكلم في الفلسفة بكلام مركب من كلام سلفه ومما أحدثه مثل كلامه في النبوات وأسرار الآيات والمنامات بل وكلامه في بعض الطبيعيات والمنطقيات وكلامه واجب الوجود ونحو ذلك.
والا فأرسطو واتباعه ليس في كلامهم ذكر واجب الوجود ولا شيء من الأحكام التي ل واجب الوجود وإنما يذكرون العلة الأولى ويثبتونه من حيث هو علة غائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به.
فابن سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض أصلاح حتى راجت على من لم يعرف دين الإسلام من الطلبة النظار وصاروا يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده ولكن سلموا لهم أصولا فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببا إلى ضلالهم في مطالب عالية إيمانية ومقاصد سامية قرانية خرجوا بها عن حقيقة العلم والإيمان وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون بل يتسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات.
والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم كما زعموه مع أنه قول باطل فان النفس لها قوتان قوة علمية نظرية وقوة أرادية علمية فلا بد لها من كمال القوتين بمعرفة الله وعبادته.
وعبادته تجمع محبته والذل له فلا تكمل نفس قط إلا بعبادة الله وحده
стр. 145
لا شريك له والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له وبهذا بعث الله الرسل وانزل الكتب الإلهية كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها أصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس أو مقصودها أصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة العملية فيجعلون العبادات وسائل محضة إلى ما يدعونه من العلم ولهذا يرون ذلك ساقطا عمن حصل المقصود كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية ومن دخل في الإلحاد أو بعضه وانتسب إلى الصوفية أو المتكلمين أو الشيعة أو غيرهم.
تزييف القول بأن الإيمان مجرد معرفة الله:
والجهمية قالوا: "الإيمان مجرد معرفة الله" وهذا القول وان كان خيرا من قولهم فانه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولو أحقه وهذا أمر لو كان له حقيقة في الخارج لم يكن كمالا للنفس إلا بمعرفة خالقها .
فهؤلاء الجهمية من أعظم مبتدعة المسلمين بل جعلهم غير واحد خارجين عن
стр. 146
اثنتين وسبعين فرقة كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وهو قول طائفة من المتأخرين من أصحاب احمد وغيرهم وقد كفر غير واحد من الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما لمن يقول هذا القول وقالوا هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون واليهود الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم مؤمنين.
فقول الجهمية خير من قول هؤلاء فان ما ذكروه هو اصل ما تكمل به النفوس لكن لم يجمعوا بين علم النفس وبين أرادتها التي هي مبدأ القوة العملية وجعلوا الكمال في نفس العلم وان لم يصدقه قول ولا عمل ولا اقترن به من الخشية والمحبة والتعظيم وغير ذلك مما هو من أصول الإيمان ولوازمه.
وأما هؤلاء فبعدوا عن الكمال غاية البعد.
والمقصود هنا الكلام على برهانهم فقط وإنما ذكرنا بعض ما لزمهم بسبب أصولهم الفاسدة.
واعلم أن بيان ما في كلامهم من الباطل والنقض لا يستلزم كونهم أشقياء في الآخرة إلا إذا بعث الله إليهم رسولا فلم يتبعوه.
بل يعرف به أن من جاءته الرسل بالحق فعدل عن طريقهم إلى طريق هؤلاء كان من الأشقياء في الآخرة
стр. 147
والقوم لولا الأنبياء لكانوا اعقل من غيرهم لكن الأنبياء جاؤوا بالحق وبقاياه في الأمم وان كفروا ببعضه حتى مشركي العرب كان عندهم بقايا من دين إبراهيم فكانوا بها خيرا من الفلاسفة المشركين الذين يوافقون أرسطو وأمثاله على أصولهم.
الوجه السادس: البرهان لا يفيد أمورا كلية واجبة البقاء في الممكنات:
الوجه السادس: أنه أن كان المطلوب ب قياسهم البرهاني معرفة الموجودات الممكنة فتلك ليس فيها واجب البقاء على حال واحدة أزلا وأبدا بل هي قابلة للتغير والاستحالة وما قدر أنه من اللازم لموصوفه فنفس الموصوف ليس بواجب البقاء فلا يكون العلم به علما بموجود واجب الوجود.
وليس لهم على أزلية شيء من العالم دليل صحيح كما قد بسط في موضعه وإنما غاية أدلتهم تستلزم دوام نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة وذلك ممكن موجود عين بعد عين من ذلك النوع أبدا مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم كما هو مقتضى العقل الصريح والنقل الصحيح فان القول ب أن المفعول المعين مقارن لفاعله أزلا وأبدا مما يقضي صريح العقل بامتناعه أي شيء قدر فاعله لا سيما إذا كان فاعلا باختياره كما دلت عليه الدلائل اليقينية ليست التي يذكرها المقصرون في معرفة أصول العلم والدين كالرازي وأمثاله كما بسط في موضعه.
وما يذكرونه من اقتران المعلول بعلته فإذا أريد بالعلة ما يكون مبدعا للمعلول فهذا باطل بصريح العقل ولهذا تقر بذلك جميع الفطر السليمة التي لم تفسد بالتقليد الباطل ولما كان هذا مستقرا في الفطر كان نفس الإقرار بأنه خالق كل شيء وموجبا لأن يكون كل ما سواه محدثا مسبوقا بالعدم.
وان قدر دوام الخالقية لمخلوق بعد مخلوق فهذا لا ينافي أن يكون خالقا لكل
стр. 148
شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم ليس معه شيء سواه قديم بقدمه بل ذلك أعظم في الكمال والجود والأفضال.
وأما إذا أريد بالعلة ما ليس كذلك كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة اليد وحصول الشعاع عن الشمس فليس هذا من باب الفاعل من شيء بل هو من باب المشروط والشرط قد يقارن المشروط.
واما الفاعل فيمتنع أن يقارنه مفعوله المعين وان لم يمتنع أن يكون فاعلا لشيء بعد شيء فقدم نوع الفعل كقدم نوع الحركة وذلك لا ينافي حدوث كل جزء من أجزائها بل يستلزمه لامتناع قدم شيء منها بعينه.
وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الأمم حتى أرسطو واتباعه فإنهم وان قالوا بقدم العالم فهم لم يثبتوا له مبدعا ولا علة فاعلة بل علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها لأن حركة الفلك أرادية.
وهذا القول وهو "أن الأول ليس مبدعا للعالم وإنما هو علة غائية للتشبه به" وان كان في غاية الجهل والكفر فالمقصود أنهم وافقوا سائر العقلاء في أن الممكن المعلول لا يكون قديما بقدم علته كما يقول ذلك ابن سينا وموافقوه.
ولهذا أنكر هذا القول ابن رشد وأمثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا طريقة أرسطو وسائر العقلاء في ذلك وبينوا أن ما ذكره ابن سينا مما خالف به سلفه وجماهير العقلاء وكان قصده أن يركب مذهبا من مذهب المتكلمين ومذهب سلفه فيجعل الموجود الممكن معلول الواجب مفعولا له مع كونه أزليا قديما بقدمه واتبعه على إمكان ذلك اتباعه في ذلك كالسهروردي الحلبي
стр. 149
والرازي والآمدي والطوسي وغيرهم.
زعم الرازي ما ذكره في محصلة أن القول ب كون الممكن المفعول المغلول يكون قديما للموجب بالذات مما اتفق عليه الفلاسفة والمتكلمون لكن المتكلمون يقولون بالحدوث ولكون الفاعل عندهم فاعلا بالاختيار.
وهذا غلط على الطائفتين بل لم يقل ذلك احد لا من المتكلمين ولا من الفلاسفة المتقدمين الذين نقلت إلينا أقوالهم كأرسطو وأمثاله وإنما قاله ابن سينا وأمثاله.
والمتكلمون إذا قالوا بقدم ما يقوم بالرب من الصفات ونحوها فلا يقولون أنها مفعولة ولا معلولة لعلة فاعلة بل الذات القديمة هي الموصوفة بتلك الصفات عندهم فصفاتها من لوازمها يمتنع تحقق كون الواجب واجبا قديما إلا ب صفاته اللازمة له كما قد بسط في موضعه ويمتنع عندهم قدم ممكن يقبل الوجود والعدم مع قطع النظر عن فاعله.
وكذلك أساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم ويمتنع أن يكون الممكن لم يزل واجبا سواء قيل أنه واجب بنفسه أو بغيره.
ولكن ما ذكره ابن سينا وأمثاله في أن الممكن قد يكون قديما واجبا بغيره أزليا أبديا كما يقولونه في الفلك هو الذي فتح عليهم في الإمكان من الأسئلة القادحة في قولهم ما لا يمكنهم أن يجيبوا عنه كما قد بسط في موضعه فان ليس موضع تقريره هذا ولكن نبهنا به على أن برهانهم القياسي إلي لا يفيد أمورا كلية واجبة البقاء في الممكنات
стр. 150
وأما واجب الوجود ﵎ فالقياس الذي يدعونه لا يدل على ما يختص به وإنما يدل على أمر مشترك كلى بينه وبين غيره إذا كان مدلول القياس الشمولي عندهم ليس إلا أمور كلية مشتركة وتلك لا تختص بواجب الوجود رب العالمين .
فلم يعرفوا ببرهانهم شيئا من الأمور التي يجب دوامها لا من الواجب ولا من الممكنات.
وإذا كانت النفس إنما تكمل بالعلم الذي يبقى ببقاء معلومه وهم لم يعلموا علما يبقى ببقاء معلومه لم يستفيدوا ببرهانهم ما تكمل به النفس من العلم فضلا عن أن يقال أن ما تكمل به النفس من العلم لا يحصل إلا ببرهانهم.
طريقة الأنبياء في الاستدلال:
ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه الاستدلال على الرب تعالى بذكر آياته وان استعملوا في ذلك القياس استعملوا القياس إلا ولى ولم يستعملوا قياس شمول يستوي أفراده ولا قياس تمثيل محض فان الرب تعالى لا مثل له ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي يستوي أفراده بل ما ثبت بغيره من كمال لا نقص فيه فثبوته له بطريق الأولى وما تنزه عنه غيره من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى.
استعمال قياس الأولى في القران:
ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القران من هذا الباب كما يذكره في دلائل ربو بيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وإمكان المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السنية والمعالم الإلهية التي هي اشرف العلوم وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف وان كان كما لها لا بد فيه من كمال علمها وقصدها جميعا فلا بد من عبادة الله وحده المتضمنة لمعرفته ومحبته والذل له.
стр. 151
الاستدلال بالآيات في القران:
وأما استدلاله تعالى بالآيات فكثير في القران والفرق بين الآيات وبين القياس أن الآية هي العلامة وهي الدليل الذي يستلزم عين المدلول لا يكون مدلوله أمرا كليا مشتركا بين المطلوب وغيره بل نفس العلم به يوجب العلم بعين المدلول كما أن الشمس آية النهار قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فنفس العلم بطلوع الشمس يوجب العلم بوجود النهار.
وكذلك آيات نبوة محمد ﷺ نفس العلم بها يوجب العلم بنبوته بعينه لا يوجب أمرا كليا مشتركا بينه وبين غيره.
وكذلك آيات الرب تعالى نفس العلم بها يوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى لا يوجب علما كليا مشتركا بينه وبين غيره.
والعلم بكون هذا مستلزما لهذا هو جهة الدليل.
فكل دليل في الوجود لا بد أن يكون مستلزما للمدلول والعلم باستلزام المعين للمعين المطلوب أقرب إلى الفطرة من العلم بأن كل معين من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة والقضايا الكلية هذا شأنها فان القضايا الكلية أن لم تعلم معيناتها بغير التمثيل وإلا لم تعلم إلا بالتمثيل فلا بد من معرفة لزوم المدلول للدليل الذي هو الحد الأوسط.
فلا بد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الحكم الكلي المطلوب يلزم كل فرد من أفراد الدليل كما إذا قيل كل اب وكل ب ج فكل ج افلا بد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الجيم يلزم كل فرد من أفراد الباء وكل فرد من أفراد الباء يلزم كل فرد من أفراد الألف ومعلوم أن العلم بلزوم الجيم المعين للباء المعين والباء المعين للألف المعين أقرب إلى الفطرة من هذا.
وهذا كما قدمناه في أمثلة أقيستهم البرهانية مثل قولهم الكل أعظم من الجزء
стр. 152
والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ونحو ذلك فان هذه قضايا كلية.
ومعلوم أن الإنسان إذا تصور ما يتصوره من معين أو جزئه فان تصوره لكون هذا الكل المعين أعظم من جزئه أسبق إلى عقله من أن يتخيل أن كل كل أعظم من جزئه فهو يتصور أن بدنه أعظم من يده ورجله وان السماء أعظم من كواكبها والجبل أعظم من بعضه والمدينة أعظم من بعضها ونحو ذلك قبل أن يتصور القضية الكلية الشاملة لجميع هذه الأفراد.
ولذلك إذا تصور شيئا معينا يعلم أنه لا يكون موجودا معدوما في حال واحدة قبل أن يتصور أن كل نقيضين لا يجتمعان ولذلك إذا تصور سوادا معينا علم أنه لا يكون اللون الواحد سوادا بياضا قبل أن يتصور أن كل ضدين لا يجتمعان وأمثال ذلك كثيرة.
وإذا قيل تلك القضية الكلية تحصل في الذهن ضرورة أو بديهة من واهب العقل قيل فحصول تلك القضية المعينة في الذهن من واهب العقل أقرب.
عظم الفرق بين إثبات الرب بالآيات وبين إثباته بالقياس البرهاني:
ومعلوم أن كل ما سوى الله من الممكنات فانه مستلزم لذات الرب تعالى يمتنع وجوده بدون وجود ذات الرب تعالى وتقدس.
وان كان مستلزما أيضا لأمور كلية مشتركة بينه وبين غيره فلأنه يلزم من وجوده وجود لوازمه وتلك الكليات المشتركة من لوازم المعين اعني يلزمه ما يخصه من ذلك الكلي العام والكلي المشترك يلزمه بشرط وجوده ووجود العالم الذي يتصور القدر المشترك وهو سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه فيعلم نفسه المقدسة بما يخصها ويعلم الكليات أنها كليات فيلزم من وجود الخاص وجود العام
стр. 153
المطلق أي حصة المعين من ذلك العام كما يلزم من وجود هذا الإنسان وجود الإنسان ومن وجود هذا الإنسان وجود الإنسانية والحيوانية القائمة به.
فكل ما سوى الرب مستلزم لنفسه المقدسة بعينها يمتنع وجود شيء سواه بدون وجود نفسه المقدسة فان الوجود المطلق الكلي لا تحقق له في الأعيان فضلا عن أن يكون خالقا لها مبدعا.
ثم يلزم من وجوده المعين الوجود المطلق المطابق للمعين فإذا تحقق الوجود الواجب تحقق الوجود المطلق المطابق للمعين وإذا تحقق الفاعل لكل شيء تحقق الفاعل المطلق المطابق وإذا تحقق القديم الأزلي تحقق القديم المطلق المطابق وإذا تحقق الغنى عن كل شيء تحقق الغنى المطابق وإذا تحقق رب كل شيء تحقق الرب المطابق كما ذكرنا أنه إذا تحقق هذا الإنسان وهذا الحيوان تحقق الإنسان المطلق المطابق والحيوان المطلق المطابق.
لكن المطلق لا يكون مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان والله تعالى هو الخالق للأمور الموجودة في الأعيان والمعلم للصور الذهنية المطابقة لما في الأعيان.
ولهذا كان أول ما انزل على رسوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ بين في أول ما انزل أنه خالق الأعيان عموما وخصوصا فكما أنه خالق الموجودات العينية فهو المعلم للماهيات الذهنية فالموجودات الخارجية آيات مستلزمة لوجود عينه وإذا تصورتها الأذهان معينة أو مطلقة فهو المعلم لهذا المتصور إذ الصور الذهنية أيضا من آياته المستلزمة لوجود عينه لكنها تدل مع ذلك على هدايته وتعليمه كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ
стр. 154
فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ وقال موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ .
كما أن الموجودات العينية من آيات وجوده والصور الذهنية من حيث أنها موجودات عينيه من هذا الباب كما أنها من جهة مطابقتها للموجودات الخارجية من الباب الأول.
لكن إذا علم إنسان وجود إنسان مطلق وحيوان مطلق لم يكن عالما بنفس المعين كذلك من علم واجبا مطلقا وفاعلا مطلقا وغنيا مطلقا لم يكن عالما بنفس رب العالمين وما يختص به عن غيره.
وذلك هو مدلول آياته تعالى فآياته تستلزم عينه التي يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها وكل ما سواه دليل على عينه وآية له فانه ملزوم لعينه وكل ملزوم فانه دليل على لازمة ويمتنع تحقق شيء من الممكنات إلا مع تحقق عينه فكلها ملزوم لنفس الرب دليل عليه آية له.
ودلالتها بطريق قياسهم على الأمر المطلق الكلى الذي لا يتحقق إلا في الذهن فلم يعلموا ب برهانهم ما يختص بالرب تعالى ولهذا ما يثبتونه من واجب الوجود عند التحقيق إنما هو أمر كلى لا يختص بالرب تعالى حتى قد يجعلونه مجرد الوجود.
دلالة قياس الأولى في إثبات صفات الكمال:
وأما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعا للقرآن فيدل على أنه يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتا لغيره مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا يحصر قدره وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق أعظم من فضل مخلوق على مخلوق كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم مما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره فكأن قياس الأولى يفيده
стр. 155
أمرا يختص به الرب مع علمه بجنس ذلك الأمر.
لا بد من الأسماء المشككة من معنى كلى مشترك:
ولهذا كان الحذاق يختارون أن الأسماء المقولة عليه وعلى غيره مقولة بطريق التشكيك الذي هو نوع من التواطؤ العام ليست بطريق الاشتراك اللفظي ولا بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتماثل أفراده بل بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتفاضل أفراده كما يطلق لفظ البياض والسواد على الشديد كبياض الثلج وعلى ما دونه كبياض العاج فكذلك لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن وهو في الواجب أكمل وأفضل من فضل هذا البياض على هذا البياض.
لكن التفاضل في الأسماء المشككة لا يمنع أن يكون اصل المعنى مشتركا كليا بينهما فلا بد في الأسماء المشككة من معنى كلي مشترك وإن كان ذلك لا يكون إلا في الذهن وذلك مورد التقسيم تقسيم الكلي إلى جزئياته إذا قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن فان مورد التقسيم مشترك بين الأقسام ثم كون وجود هذا الواجب أكمل من وجود الممكن لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنى كليا مشتركا بينهما.
وهكذا في سائر الأسماء والصفات المطلقة على الخالق والمخلوق كاسم الحي والعليم والقدير والسميع والبصير وكذلك في صفاته كعلمه وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته.
الخلاف في الأسماء التي تطلق عليه تعالى وعلى العباد:
والناس تنازعوا في هذا الباب فقالت طائفة كأبي العباس الناشئ من شيوخ
стр. 156
المعتزلة الذين كانوا أسبق من أبي علي هي حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق.
وقالت طائفة من الجهمية والباطنية والفلاسفة وبالعكس هي مجاز في الخالق حقيقة في المخلوق.
وقال جماهير الطوائف هي حقيقة فيهما وهذا قول طوائف النظار من المعتزلة والأشعرية والكرامية والفقهاء وأهل الحديث والصوفية وهو قول الفلاسفة.
لكن كثيرا من هؤلاء يتناقض فيقر في بعضها بانها حقيقة كاسم الموجود والنفس والذات والحقيقة ونحو ذلك وينازع في بعضها لشبه نفاه الجميع والقول فيما نفاه نظير القول فيما أثبته ولكن هو لقصوره فرق بين المتماثلين ونفي الجميع يمتنع أن يكون موجودا.
وقد علم أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث وغنى وفقير ومفعول وغير مفعول وأن وجود الممكن يستلزم وجود الواجب ووجود المحدث يستلزم وجود القديم ووجود الفقير يستلزم وجود الغنى ووجود المفعول يستلزم وجود غير المفعول وحينئذ فبين الوجودين أمر مشترك والواجب يختص بما يتميز به فكذلك القول في الجميع.
والأسماء المشككة هو متواطئة باعتبار القدر بالمشترك ولهذا كان المتقدمون من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم بل لفظ المتواطئة يتناول ذلك كله فالمشككة قسم من المتواطئة العامة وقسيم المتواطئة الخاصة.
وإذا كان كذلك فلا بد في المشككة من إثبات قدر مشترك كلي وهو مسمى المتواطئة العامة وذلك لا يكون مطلقا إلا في الذهن وهذا مدلول قياسهم البرهاني
стр. 157
ولا بد من إثبات التفاضل وهو مدلول المشككة التي هي قسيم المتواطئة الخاصة وذلك هو مدلول الأقيسة البرهانية القرآنية وهي قياس الأولى.
ولا بد من إثبات خاصة الرب التي بها يتميز عما سواه وذلك مدلول آياته سبحانه التي يستلزم ثبوتها ثبوت نفسه لا يدل على هذه قياس لا برهاني ولا غير برهاني.
فتبين بذلك أن قياسهم البرهاني لا يحصل المطلوب الذي به تكمل النفس في معرفة الموجودات ومعرفة خالقها فضلا عن أن يقال لا تعلم المطالب إلا به.
وهذا باب واسع لكن المقصود في هذا المقام التنبيه على بطلان قضيتهم السالبة وهي قولهم أن العلوم النظرية لا تحصل إلا بواسطة برهانهم.
شناعة زعمهم أن علم الله أيضا يحصل بواسطة القياس:
ثم لم يكفهم هذا السلب العام الذي تحجروا فيه واسعا وقصروا العلوم على طريق ضيقه لا تحصل إلا مطلوبا لا طائل فيه حتى زعموا أن علم الله وعلم أنبيائه وأوليائه إنما يحصل بواسطة القياس المشتمل على الحد الأوسط كما يذكر ذلك ابن سينا وأتباعه.
وهم في إثبات ذلك خير ممن نفى علمه وعلم أنبيائه من سلفهم الذين هم من اجهل الناس برب العالمين وبأنبيائه وبكتبه.
فابن سينا لما تميز عن أولئك بمزيد عقل وعلم سلك طريقهم المنطقي في تقرير ذلك وصاروا سالكوا هذه الطريق وإن كانوا اعلم من سلفهم وأكمل فهم أضل من اليهود والنصارى وأجهل إذ كان أولئك حصل لهم من الإيمان ب واجب الوجود وصفاته ما لم يحصل لهؤلاء الضلال لما في صدورهم من الكبر والخيال وهم من أتباع فرعون وأمثاله ولهذا تجدهم لموسى ومن معه من أهل الملل والشرائع متنقصين أو معادين
стр. 158
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ وقال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾
وقد بسط الكلام على قول فرعون ومتابعة هؤلاء له والنمرود بن كنعان وأمثالهما من رؤوس الكفر والضلال ومخالفتهم لموسى وإبراهيم وغيرهما من رسل الله صلوات الله عليهم في مواضع.
وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للمؤمنين أهل الجنة وآل فرعون أئمة لأهل النار.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أنهم إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأولى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
وقال في آل إبراهيم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا
стр. 159
بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ والمقصود أن متأخريهم الذين هم اعلم منهم جعلوا علم الرب يحصل بواسطة القياس البرهاني وكذلك علم أنبيائه وقد بسطنا الكلام في الرد عليهم في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على فساد قولهم أنه لا يحصل العلم إلا بالبرهان الذي وصفوه وإذا كان هذا السلب باطلا في حكم آحاد الناس كان بطلانه أولى في علم رب العالمين ثم ملائكته وأنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين.
فصل: أقوال المنطقيين في الدليل والقياس:
وأيضا فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس والاستقراء والتمثيل قالوا لأن الاستدلال أما أن يكون ب الكلى على الجزئي أو ب الجزئي على الكلي أو بأحد الجزئين على الآخر وربما عبروا عن ذلك ب الخاص والعام فقالوا أما أن يستدل ب العام على الخاص أو ب الخاص على العام أو بأحد الخاصين على الآخر.
قالوا والأول هو القياس يعنون به قياس الشمول فإنهم يخصونه باسم القياس وكثير من أهل الأصول والكلام يخصون باسم القياس التمثيل وأما جمهور العقلاء فاسم القياس عندهم يتناول هذا وهذا.
قالوا والاستدلال بالجزئيات على الكلي هو الاستقراء فان كان تاما فهو الاستقراء التام وهو يفيد اليقين وإن كان ناقصا لم يفد اليقين فالأول هو استقراء جميع الجزئيات والحكم عليه بما وجد في جزئياته والثاني استقراء أكثرها وقد يكذب كقول القائل الحيوان إذا أكل حرك فكه الأسفل
стр. 160
لأنا استقريناها فوجدناها هكذا فيقال له: "التمساح يحرك الأعلى".
ثم قالوا القياس ينقسم إلى الاقتراني والاستثنائي ف الاستثنائي ما تكون النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل والاقتراني ما تكون فيه بالقوة كالمؤلف من القضايا الحملية كقولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام.
والاستثنائي ما يؤلف من الشرطيات وهو نوعان:
أحدهما: متصلة كقولنا أن كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر واستثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم.
والثاني: المنفصلة هي أما مانعة الجمع والخلو كقولنا العدد أما زوج وأما فرد فان هذين لا يجتمعان ولا يخلو العدد عن أحدهما وأما مانعة الجمع فقط كقولنا هذا أما أبيض وأما اسود أي لا يجتمع السواد والبياض وقد يخلو المحل عنهما وأما مانعه الخلو فهي التي يمتنع فيها عدم الجزئين جميعا ولا يمتنع اجتماعهما.
وقد يقولون مانعة الجمع والخلو هي الشرطية الحقيقية وهي مطابقة للنقيضين في العموم والخصوص ومانعة الجمع هي أخص من النقيضين فان الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان وهما اخص من النقيضين.
وأما مانعة الخلو فإنها أعم من النقيضين وقد يصعب عليهم تمثيل ذلك بخلاف النوعين الأولين فان أمثالهما كثيرة ويمثلونه بقول القائل هذا راكب البحر أو لا يغرق فيه أي لا يخلو منهما فانه لا يغرق إلا إذا كان في البحر فإما أن لا يغرق فيه وحينئذ لا يكون راكبه وأما أن يكون راكبه وقد يجتمع أن يركب ويغرق.
والأمثال كثيرة كقولنا هذا حي أو ليس بعالم أو قادر أو سميع أو
стр. 161
بصير أو متكلم فانه أن وجدت الحيوة فهو احد القسمين وإن عدمت عدمت هذه الصفات وقد يكون حيا من لا يوصف بذلك وكذلك إذا قيل هذا متطهر أو ليس بمصل فانه أن عدمت الصلاة عدمت الطهارة وإن وجدت الطهارة فهو القسم الآخر فلا يخلو الأمر منهما.
وكذلك كل عدم شرط ووجود مشروطه فانه إذا ردد الأمر بين وجود المشروط وعدم الشرط كان ذلك مانعا من الخلو فانه لا يخلو الأمر من وجود الشرط وعدمه وإذا عدم عدم الشرط فصار الأمر لا يخلو من وجود المشروط وعدم الشرط.
ثم قسموا الاقتراني إلى الأشكال الأربعة لكون الحد الأوسط أما محمولا في الأولى موضوعا في الصغرى وهو الشكل الطبيعي وهو ينتج المطالب الأربعة الجزئي والكلى والايجابي والسلبي وأما أن يكون الأوسط محمولا فيهما وهو الثاني ولا ينتج إلا السلب وأما أن يكون موضوعا فيهما ولا ينتج إلا الجزئيات والرابع ينتج الجزئيات والسلب الكلى لكنه بعيد عن الطبع.
ثم إذا أرادوا بيان إنتاج الثاني والثالث وغير ذلك من المطالب احتاجوا إلى الاستدلال ب النقيض والعكس وعكس النقيض فانه يلزم من صدق القضية كذب نقيضها وصدق عكسها المستوى وعكس نقيضها فإذا صدق قولنا ليس احد من الحجاج بكافر صح قولنا ليس احد من الكفار حاجا وإذا صح قولنا كل حاج مسلم صح قولنا بعض المسلمين حاج وقولنا من ليس بمسلم فليس بحاج.
رد المصنف أقوالهم في الدليل والقياس:
فنقول هذا الذي قالوه أما أن يكون باطلا وأما أن يكون تطويلا يبعد
стр. 162
الطريق على الطالب المستدل فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق أو طريق طويل يتعب صاحبه حتى يصل إلى الحق مع إمكان وصوله بطريق قريب كما كان يمثله بعض سلفنا بمنزلة من قيل له أين أذنك فرفع يده فوق رأسه رفعا شديدا ثم أدارها إلى أذنه اليسرى وقد كان يمكنه الإشارة إلى اليمنى أو اليسرى من طريق مستقيم وما أشبه هؤلاء بقول القائل:
أقام يعمل أياما رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء
وبقول الآخر:
وإني وإني ثم إني وإنني ... إذا انقطعت نعلى جعلت لها شسعا
وما أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فأقوم الطرق إلى أشرف المطالب ما بعث الله به رسوله وأما طريق هؤلاء فهي مع ضلالهم في البعض واعوجاج طريقهم وطولها في البعض الأخرى إنما يوصلهم إلى أمر لا ينجى من عذاب الله فضلا عن أن يوجب لهم السعادة فضلا عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم.
بطلان حصر الأدلة في القياس والاستقراء والتمثيل:
بيان ذلك أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل حصر لا دليل عليه بل هو باطل وقولهم أيضا أن العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص قول لا دليل عليه بل هو باطل.
واستدلالهم على الحصر بقولهم: "إما أن يستدل بالكلى على الجزئي أو بالجزئي على الكلى أو بأحد الجزئين على الآخر والأول هو القياس والثاني هو الاستقراء والثالث هو التمثيل".
يقال لم تقيموا دليلا على انحصار الاستدلال في هذه الثلاثة فإنكم إذا عنيتم
стр. 163
بالاستدلال بجزئي على جزئي قياس التمثيل لم يكن ما ذكرتموه حاصرا وقد بقى الاستدلال بالكلى على الكلي الملازم له وهو المطابق له في العموم والخصوص وكذلك الاستدلال بالجزئي الملازم له بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه فان هذا ليس مما سميتموه قياسا ولا استقراء ولا تمثيلا وهذه هي الآيات.
الاستدلال بالكلى على الكلى وبالجزئي على الجزئي الملازم له:
وهذا كالاستدلال بطوع الشمس على النهار وبالنهار على طلوع الشمس فليس هذا استدلالا بكلى على جزئي بل الاستدلال بطوع معين على نهار معين استدلالا بجزئي على جزئي وبجنس النهار على جنس الطلوع استدلالا بكلى على كلى.
وكذلك الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة استدلالا بجزئي على جزئي كالاستدلال ب الجدي وبنات نعش والكوكب الصغير القريب من القطب الذي يسميه بعض الناس القطب كما يسمى بعض الناس الجدي القطب وإن كان القطب في الحقيقة جزءا من الفلك قريبا من ذلك الكوكب الصغير.
وكذلك الاستدلال بظهور كوكب على ظهور نظيره في العرض والاستدلال
стр. 164
بطلوعه على غروب آخر وتوسط آخر ونحو ذلك من الأدلة التي اتفق عليها الناس قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .
والاستدلال على المواقيت والأمكنة بالأمكنة أمر اتفق عليه العرب والعجم وأهل الملل والفلاسفة فإذا استدل بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقا ومغربا ويمينا وشمالا من الكواكب كان استدلالا بجزئي على جزئي لتلازمهما وليس ذلك من قياس التمثيل وإن قضى به قضاء كليا كان استدلالا بكلى على كلى وليس استدلالا بكلى على جزئي بل بأحد الكليين المتلازمين على الآخر.
ومن عرف مقدار أبعاد الكواكب بعضها من بعض وعلم ما يقارن منها طلوع الفجر استدل بما رآه منها على مقدار ما مضى من الليل وما بقى منه وهو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر ومن علم الجبال والأنهار والرياح استدل بها على ما يلازمها من الأمكنة.
ثم اللزوم أن كان دائما لا يعرف له ابتداء بل هو منذ خلق الله الأرض كوجود الجبال والأنهار العظيمة النيل والفرات وسيحان وجيحان والبحر كان الاستدلال مطردا.
وإن كان اللزوم أقل من ذلك مدة مثل الكعبة شرفها الله فان الخليل بناها ولم تزل معظمة لم يعل عليها جبار قط استدل بها بحسب ذلك فيستدل بها وعليها فان أركان الكعبة مقابلة لجهات الأرض الأربعة الحجر الأسود يقابل المشرق والغربي الذي يقابله ويقال له الشامي يقابل المغرب واليماني يقابل الجنوب وما يقابله يقال له العراقى إذا قيل الذي من ناحية الحجر الشامي وإن قيل لذاك الشامي قيل لهذا العراقى فهذا الشامي العراقي
стр. 165
يقابل الشمال وهو يقابل القطب وحينئذ فيستدل بها على الجهات ويستدل بالجهات عليها.
وما كان مدته اقصر من مدة الكعبة كالأبنية التي في الأمصار والأشجار كان الاستدلال بها بحسب ذلك فيقال علامة الدار الفلانية أن على بابها شجرة من صفتها كذا وكذا وهما متلازمان مدة من الزمان.
فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الآخر وكلاهما معين جزئي وليس هو من قياس التمثيل.
حد الدليل عند النظار:
ولهذا عدل نظار المسلمين عن طريقهم فقالوا الدليل هو المرشد إلى المطلوب وهو الموصل إلى المقصود وهو ما يكون العلم به مستلزما للعلم بالمطلوب.
أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى المطلوب وهو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو إلى اعتقاد راجح.
ولهم نزاع اصطلاحي هل يسمى هذا الثاني دليلا أو يخص باسم الإمارة والجمهور يسمون الجميع دليلا ومن أهل الكلام من لا يسمى ب الدليل إلا الأول.
ثم الضابط في الدليل أن يكون مسستلزما للمدلول فكل ما كان مستلزما لغيره أمكن أن يستدل به عليه أن كان التلازم من الطرفين أمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر فيستدل المستدل مما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه.
ثم أن كان اللزوم قطعيا كان الدليل قطعيا وان كان ظاهرا وقد يتخلف كان الدليل ظنيا.
فالأول كدلالة المخلوقات على خالقها وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته فان وجودها مستلزم لوجود ذلك ووجودها بدون ذلك ممتنع فلا توجد إلا دالة على ذلك.
ومثل دلالة خبر الرسول على ثبوت ما اخبر به عن الله فانه لا يقول عليه إلا
стр. 166
الحق إذ كان معصوما في خبره عن الله لا يستقر في خبره عنه خطأ البتة.
فهذا دليل مستلزم لمدلوله لزوما واجبا لا ينفك عنه بحال وسواء كان الملزوم المستدل به وجودا أو عدما فقد يكون الدليل وجودا وعدما ويستدل بكل منهما على وجود وعدم فانه يستدل بثبوت الشيء على انتفاء نقيضه وضده ويستدل بانتقاء نقيضه على ثبوته ويستدل بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتقاء اللازم على انتقاء الملزوم بل كل دليل يستدل به فانه ملزوم لمدلولة وقد دخل في هذا كل ما ذكروه وما لم يذكروه.
فان ما يسمونه الشرطي المتصل مضمونه الاستدلال بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم سواء عبر عن هذا المعنى بصيغة الشرط أو بصيغة الجزم واختلاف صيغ الدليل مع اتحاد معناه لا يغير حقيقية والكلام إنما هو في المعاني لا في الألفاظ.
فإذا قال القائل أن كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر وإن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود وإن كان الفاعل عالما قادرا فهو حي ونحو ذلك فهذا معنى قوله: "صحة الصلاة تستلزم صحة الطهارة" وقوله: "يلزم من صحة الصلاة صحة ثبوت الطهارة" وقوله: "لا يكون مصليا إلا مع الطهارة" وقوله: "الطهارة شرط في صحة الصلاة وإذا عدم الشرط عدم المشروط" وقوله: "كل مصل متطهر فمن ليس بمتطهر فليس بمصل" وأمثال ذلك من أنواع التأليف للألفاظ والمعاني التي يتضمن هذا الاستدلال من غير حصر الناس في عبارة واحدة.
أستطراد.
وإذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها وإذا ضاقت العقول والتصورات بقى صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان كما يصيب أهل المنطق اليوناني تجدهم من أضيق الناس علما وبيانا وأعجزهم تصورا وتعبيرا
стр. 167
ولهذا من كان منهم ذكيا إذا تصرف في العلوم وسلك مسلك أهل المنطق طول وضيق وتكلف وتعسف وغايته بيان البين وإيضاح الواضح من العي وقد يوقعه ذلك في أنواع من السفسطة التي عافى الله منها من لم يسلك طريقهم.
مثل ما ذكروه عن يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف أنه قال في بعض مناظراته هذا من باب فقد عدم الوجود ومثل هذه العبارات الطويلة الركيكة كثير في كلامهم حتى في كلام أفضل متأخريهم مع أنه أفضلهم وأحسنهم بيانا.
وكذلك تكلفاتهم في حدودهم مثل حدهم ل الإنسان والشمس بأنها كوكب يطلع نهارا وهل من يحد الشمس مثل هذا الحد ونحوه إلا من هو من أجهل الناس وهل عند الناس شيء أظهر من الشمس حتى يحد الشمس به ومن لم يعرف الشمس فأما أن يجهل اللفظ فيترجم له وليس هذا من الحد الذي ذكروه وأما أن لا يكون رآها لعماه فهذا لا يرى النهار ولا الكواكب بطرق الأولى مع أنه لا بد أن يسمع من الناس ما يعرف ذلك دون طريقهم.
وهم معترفون بان الشكل الأول من الحمليات يغنى عن جميع صور القياس وتصويره نطرى لا يحتاح احد إلى تعلمه منهم مع أن الاستدلال لا يحتاج إلى تصوره على الوجه الذي يزعمونه.
فصل: إبطال قولهم: "أن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين"
وأما قولهم: "إن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين بلا زيادة ولا نقصان"
стр. 168
فان كان الدليل مقدمة واحدة قالوا الأخرى محذوفة وسموه هو قياس الضمير وإن كان مقدمات قالوا هي أقيسة مركبة ليس هو قياسا واحدا فهذا قول باطل طردا وعكسا.
وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة لعلمه مما سوى ذلك كما أن منهم من لا يحتاج في علمه بذلك إلى الاستدلال بل قد يعلمة بالضرورة ومنهم من يحتاج إلى مقدمتين ومنهم من يحتاج إلى ثلاث ومنهم من يحتاج إلى أربع وأكثر.
فمن أراد أن يعرف أن هذا المسكر المعين محرم فان كان يعرف أن كل مسكر محرم ولكن لا يعرف هل هذا المعين مسكر أم لا لم يحتج إلا إلى مقدمة واحدة وهو أن يعمل أن هذا مسكر فإذا قيل له هذا حرام فقال ما الدليل عليه فقال المستدل الدليل على ذلك أنه مسكر فقال لا نسلم أنه مسكر فمتى أقام الدليل على أنه مسكر تم المطلوب.
وكذلك لو تنازع اثنان في بعض أنواع الأشربة هل هو مسكر أم لا؟ كما يسأل الناس كثيرا عن بعض الأشربة فلا يكون السائل ممن يعلم أنها تسكر أو لا تسكر ولكن قد علم أن كل مسكر حرام فإذا ثبت عنده بخبر من يصدقه أو بغير من الأدلة أنه مسكر علم تحريمه وكذلك سائر ما يقع الشك في الدراجه تحت قضية كلية من الأنواع والأعيان مع العلم بحكم تلك القضية كتنازع الناس في النرد والشطرنج هل هما من الميسر أم لا؟ وتنازعهم في النبيذ المتنازع فيه هل هو من الخمر أم لا؟ وتنازعهم في الحلف بالنذر والطلاق والعتاق هل هو داخل في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أم لا؟ وتنازعهم في قوله: ﴿أو يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هل هو الزوج أو الولي المستقل؟ وأمثال ذلك
стр. 169
وقد يحتاج الاستدلال إلى مقدمتين لمن لم يعلم أن النبيذ المسكر المتنازع فيه محرم ولم يعلم أن هذا المعين مسكر فهو لا يعلم أنه محرم حتى يعلم أنه مسكر ويعلم أن كل مسكر حرام.
وقد يعلم أن هذا مسكر ويعلم أن كل مسكر خمر لكن لم يعلم أن النبي ﷺ حرم الخمر لقرب عهده بالإسلام أو لنشأه بين جهال أو زنادقة يشكون في ذلك.
أو يعلم أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام" أو يعلم أن هذا خمر وان النبي ﷺ حرم الخمر لكن لم يعلم أن محمدا رسول الله أو لم يعلم أنه حرمها على جميع المؤمنين بل ظن أنه أباحها لبعض الناس وظن أنه منهم كمن ظن أنه أباح شربها للتداوي أو غير ذلك فهذا لا يكفيه في العلم بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريما عاما إلا أن يعلم أنه مسكر وأنه خمر وأن النبي ﷺ حرم الخمر أو أن النبي ﷺ حرم كل مسكر وانه رسول الله ﷺ حقا فما حرمه فقد حرمه الله وأنه حرمه تحريما عاما لم يبحه للتداوي ولا للتلذذ.
ومما يبين أن تخصيص الاستدلال بمقدمتين باطل أنهم قالوا في حد القياس الذي يشمل البرهانى والخطابي والجدلى والشعري والسوفسطائي أنه قول مؤلف من أقوال أو عبارة عما ألف من أقوال إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر قالوا واحترزنا بقولنا من أقوال عن القضية الواحدة التي تستلزم لذاتها صدق عكسها وعكس نقيضها وكذب نقيضها وليست قياسا قالوا ولم نقل مؤلف من مقدمات لانا لا يمكننا تعريف المقدمة من حيث هي مقدمة إلا بكونها جزء القياس فلو أخذناها في حد القياس كان دورا.
والقضية الخبرية إذا كانت جزء القياس سموها مقدمة وإن كانت مستفادة بالقياس سموها نتيجة وإن كانت مجردة عن ذلك سموها قضية وتسمى
стр. 170
أيضا قضية مع تسميتها نتيجة ومقدمة وهي الخبر وليست هي المبتدأ والخبر في اصطلاح النحاة بل أعم منه فان المبتدأ والخبر لا يكون إلا جملة اسمية والقضية الخبرية قد تكون اسمية وفعلية كما لو قيل في قوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ﴾ فان هذه جملة خبرية وليست المبتدأ والخبر في اصطلاح النحاة.
والمقصود هنا أنهم أرادوا ب القول في قولهم القياس قول مؤلف من أقوال القضية التي هي جملة تامة خبرية لم يريدوا بذلك المفرد الذي هو الحد فان القياس مشتمل على ثلاثة حدود: اصغر وأوسط واكبر كما إذا قيل النبيذ المتنازع فيه مسكر وكل مسكر حرام فالنبيذ والمسكر والحرام كل منها مفرد وهي الحدود في القياس فليس مرادهم بالقول هذا بل مرادهم أن كل قضية قول كما فسروا مرادهم بذلك ولهذا قالوا قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنها قول آخر واللازم إنما هو النتيجة وهي قضية وخبر وجملة تامة ليست مفردا ولذلك قالوا القياس قول فسموا مجموع القضيتين قولا.
وإذا كانوا قد جعلوا القياس مؤلفا من أقوال وهي القضايا لم يجب أن يراد بذلك قولان فقط لأن لفظ الجمع أما أن يكون متناولا ل اثنين فصاعدا كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وأما أن يراد به الثلاثة فصاعدا وهو الأصل عند الجمهور.
ولكن قد يراد به جنس العدد فيتناول الاثنين فصاعدا ولا يكون الجمع مختصا ب اثنين فإذا قالوا هو مؤلف من أقوال أن أرادوا جنس العدد كان المعنى من اثنين فصاعدا فيجوز أن يكون مؤلفا من ثلاث مقدمات وأربع مقدمات فلا يختص بالاثنين وإن أرادوا الجمع الحقيقي لم يكن مؤلفا إلا من ثلاثة
стр. 171
فصاعدا وهم قطعا ما أرادوا هذا لم يبق إلا الأول.
فإذا قيل هم يلتزمون ذلك ويقولون نحن نقول أقل ما يكون القياس من مقدمتين وقد يكون من مقدمات فيقال أولا هذا خلاف ما في كتبكم فإنكم لا تلتزمون إلا مقدمتين فقط وقد صرحوا أن القياس الموصل إلى المطلوب سواء كان اقترانيا أو استثنائيا لا ينقص عن مقدمتين ولا يزيد عليهما.
وعللوا ذلك بان المطلوب المتحد لا يزيد على جزئين مبتدأ وخبر فان كان القياس اقترانيا فكل واحد من جزئي المطلوب لا بد وان يناسب مقدمة منه أي يكون فيها أما مبتدأ وأما خبرا ولا يكون هو نفس المقدمة قالوا وليس المطلوب أكثر من جزئين فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين وإن كان القياس استثنائيا فلا بد فيه من مقدمة شرطية متصلة أو منفصلة تكون مناسبة لكل مطلوب أو نقيضه ولا بد من مقدمة استثنائية فلا حاجة إلى ثالثة.
قالوا لكن ربما أدرج في القياس قول زائد على مقدمتي القياس أما غير متعلق بالقياس أو متعلق به والمتعلق بالقياس أما لترويج الكلام وتحسينه أو لبيان المقدمتين أو إحداهما ويسمون هذا القياس المركب قالوا وحاصله يرجع إلى أقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد إلا أن القياس المبين للمطلوب بالذات منها ليس إلا واحدا والباقي لبيان مقدمات القياس قالوا وربما حذوا بعض مقدمات القياس أما تعويلا على فهم الذههن لها أو لترويج المغلطة حتى لا يطلع على كذبها عند التصريح بها قالوا ثم أن كانت الأقيسة لبيان المقدمات قد صرح فيها بنتائجها فيسمى القياس مفصولا وإلا ف موصول.
ومثلوا الموصول بقول القائل كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان جوهر.
والمفصول بقولهم كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان
стр. 172
جسم ثم يقول كل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان حيوان فيلزم منهما أن كل إنسان جوهر.
فيقال لهم أما المطلوب الذي لا يزيد على جزئين فذاك في النطق به والمطلوب في العقل إنما هو شيء واحد لا اثنان وهو ثبوت النسبة الحكمية أو انتفاؤها وإن شئت قلت اتصاف الموصوف بالصفة نفيا أو إثباتا وإن شئت قلت نسبة المحمول إلى الموضوع والخبر إلى المبتدأ نفيا أو إثباتا وأمثال ذلك من العبارات الدالة على المعنى الواحد المقصود ب القضية.
فإذا كان النتيجة أن النبيذ حرام أو ليس بحرام أو الإنسان حساس أو ليس بحساس أو نحو ذلك فالمطلوب ثبوت التحريم للنبيذ أو انتفاؤه وكذلك ثبوت الحس للإنسان أو انتفاؤه والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ذلك المطلوب حصل بها المقصود وقولنا النبيذ خمر يناسب المطلوب وكذلك قولنا الإنسان حيوان.
فإذا كان الإنسان يعلم أن كل خمر حرام ولكن يشك في النبيذ المتنازع فيه هل يسمى في لغة الشارع خمرا فقيل النبيذ حرام لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال كل مسكر حرام كانت هذا القضية وهي قولنا قد قال النبي ﷺ أن كل مسكر خمر يفيد تحريم النبيذ وإن كان نفس قوله قد تضمن قضية أخرى.
والاستدلال بذلك مشروط بتقديم مقدمات معلومة عند المستمع وهي أن ما صححه أهل العلم بالحديث فقد وجب التصديق بأن النبي ﷺ قاله وإن ما حرمه الرسول فهو حرام ونحو ذلك.
فلو لزم أن يذكر كل ما يتوقف عليه العلم وإن كان معلوما كانت المقدمات أكثر من اثنتين بل قد تكون أكثر من عشر وعلى ما قالوه فينبغي لكل من استدل
стр. 173
بقول النبي ﷺ أن يقول: "النبي حرم ذلك وما حرمه فهو حرام" فهذا حرام وكذلك يقول النبي ﷺ : " أوجب وما أوجبه النبي فقد وجب فهذا قد وجب".
وإذا احتج على تحريم الأمهات والبنات ونحو ذلك يحتاج أن يقول أن الله حرم هذا في القران وما حرمه الله فهو حرام وإذا احتج على وجوب الصلاة والزكاة والحج بمثل قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يقول أن الله أوجب الحج في كتابه وما أوجبه الله فهو واجب وأمثال ذلك ما يعده العقلاء لكنه وعيا وإيضاحا للواضح وزيادة قول لا حاجة إليها.
وهذا التطويل الذي لا يفيد في قياسهم نظير تطويلهم في حدودهم كقولهم في حد الشمس أنها كوكب يطلع نهارا وأمثال ذلك من الكلام الذي لا يفيد إلا تضييع الزمان وإتعاب الأذهان وكثرة الهذيان ثم أن الذين يتبعونهم في حدودهم وبراهينهم لا يزالون مختلفين في تحديد الأمور المعروفة بدون تحديدهم ويتنازعون في البرهان على أمور مستغنية عن براهينهم
إبطال قولهم: "ليس المطلوب أكثر من جزئين":
وقولهم: "ليس المطلوب أكثر من جزئين فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين" فيقال: أن أردتم ليس له إلا اسمان مفردان فليس الأمر كذلك بل قد يكون التعبير عنه بأسماء متعددة مثل من شك في النبيذ هل هو حرام بالنص أم ليس حراما لا بنص ولا قياس فإذا قال المجيب النبيذ حرام بالنص كان المطلوب ثلاثة أجزاء وكذلك لو سأل هل الإجماع دليل قطعي فقال الإجماع دليل قطعي كان المطلوب ثلاثة أجزاء فإذا قال هل الإنسان جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق أم لا فالمطلوب هنا له ستة أجزاء.
وفي الجملة فالموضوع والمحمول الذي هو مبتدأ وخبر وهو جملة خبرية قد تكون جملة مركبة من لفظين وقد تكون من ألفاظ متعددة إذا كان مضمونها مقيدا قيود
стр. 174
كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أولئك يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأولئك مِنْكُمْ﴾ وأمثال ذلك من القيود التي يسميها النحاة الصفات والعطف والأحوال وظرف المكان وظرف الزمان ونحو ذلك.
فإذا كانت القضية مقيدة بقيود كثيرة لم تكن مؤلفة من لفظين بل من ألفاظ متعددة ومعان متعددة.
وإن أريد أن المطلوب ليس إلا معنيان سواء عبر عنهما بلفظين أو ألفاظ متعددة قيل وليس الأمر كذلك بل قد يكون المطلوب معنى واحدا وقد يكون معنين وقد يكون معاني متعددة فان المطلوب بحسب طلب الطالب وهو الناظر المستدل والسائل المتعلم المناظر وكل منهما قد يطلب معنى واحدا وقد يطلب معنيين وقد يطلب معاني والعبارة عن مطلوبه قد تكون بلفظ واحد وقد تكون بلفظين وقد تكون بأكثر فإذا قال النبيذ حرام قيل له نعم كان هذا اللفظ وحده كافيا في جوابه كما لو قيل له هو حرام.
فان قالوا القضية الواحدة قد تكون في تقدير قضايا كما ذكرتموه من التمثيل ب الإنسان فان هذه القضية الواحدة في تقدير خمس قضايا وهي خمس مطالب والتقدير هل هو جسم أم لا وهل هو حساس أم لا وهل هو نام أم لا وهل هو متحرك بالإرادة أم لا وهل هو ناطق أم لا وكذلك فيما تقدم هل النبيذ حرام أم لا فإذا كان حراما فهل تحريمه بالنص أو بالقياس.
فيقال إذا رضيتم بمثل هذا وهو أن تجعلوا الواحد في تقدير عدد فالمفرد قد
стр. 175
يكون في معنى قضية فإذا قال النبيذ المسكر حرام فقال المجيب نعم فلفظ نعم في تقدير قوله هو حرام.
وإذا قال ما الدليل عليه فقال الدليل عليه تحريم كل مسكر أو أن كل مسكر حرام أو قول النبي ﷺ "كل مسكر حرام" ونحو ذلك من العبارات التي جعل الدليل فيها اسما مفردا وهو جزء واحد لم يجعله قضية مؤلفه من اسمين مبتدأ وخبر فان قوله تحريم كل مسكر اسم مضاف.
وقوله أن كل مسكر حرام بالفتح مفرد أيضا فان أن وما في حيزها في تقدير المصدر المفرد وإن المكسورة وما في حيزها جملة تامة ولهذا قال النحاة قاطبة أن إن تكسر إذا كانت في موضع الجملة والجملة خبر وقضية وتفتح في موضع المفرد الذي هو جزء القضية ولهذا يكسرونها بعد القول لأنهم إنما يحكون ب القول الجملة التامة.
وكذلك إذا قلت الدليل عليه قول النبي ﷺ أو الدليل عليه النص أو اجماع الصحابة أو الدليل عليه الآية الفلانية أو الحديث الفلاني أو الدليل عليه قيام المقتضى للتحريم السالم عن المعارض المقاوم أو الدليل عليه أنه مشارك لخمر العنب فيما يستلزم التحريم وامثال ذلك مما يعبر فيه عن الدليل اسم مفرد لا بالقضية التي هي جملة تامة ثم هذا الدليل الذي عبر عنه باسم مفرد هو إذا فصل عبر عنه بألفاظ متعددة.
والمقصود أن قولكم أن الدليل الذي هو القياس لا يكون إلا جزئين فقط أن أردتم لفظين فقط وإن ما زاد على لفظين فهو أدلة لا دليل واحد لأن ذلك اللفظ الموصوف بصفات تحتاج كل صفة إلى دليل قيل لكم وكذلك يمكن أن يقال في اللفظين هما دليلان لا دليل واحد فان كل مقدمة تحتاج إلى دليل.
وحينئذ فتخصيص العدد باثنين دون ما زاد تحكم لا معنى له فانه إذا كان المقصود قد يحصل بلفظ مفرد وقد لا يحصل إلا بلفظين وقد لا يحصل إلا بثلاثة
стр. 176
أو أربعة وأكثر فجعل الجاعل اللفظين هما الأصل الواجب دون ما زاد وما نقص وان الزائد أن كان في المطلوب جعل مطالب متعددة وان كان في الدليل يذكر مقدمات جعل ذلك في تقدير أقيسة متعددة تحكم محض ليس هو أولى من أن يقال بل الأصل في المطلوب أن يكون واحدا ودليله جزء واحد فإذا زاد المطلوب على ذلك جعل مطلوبين أو ثلاثة أو أربعة بحسب زيادته وجعل الدليل دليلين أو ثلاثة أو أربعة بحسب دلالته وهذا إذا قيل فهو أحسن من قولهم لأن اسم الدليل مفرد فيجعل معناه مفردا والقباس هو الدليل ولفظ القياس يقتضى التقدير كما يقال قست هذا بهذا والتقدير يحصل بواحد كما يحصل باثنين وبثلاثة فأصل التقدير بواحد وإذا قدر باثنين أو ثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرا واحدا فكون تلك التقديرات أقيسة لا قياسا واحدا.
فجعلهم ما زاد على الاثنين من المقدمات في معنى أقيسة متعددة وما نقص عن الاثنتين نصف قياس لا قياس تام اصطلاح محض لا يرجع إلى معنى معقول كما فرقوا بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة ل الماهية والوجود بمثل هذا التحكم.
تنازع اصطلاحي في مسمى العلة والدليل:.
وحينئذ فيعلم أن القوم لم يرجعوا فيما سموه حدا وبرهانا إلى حقيقة موجودة ولا إلى أمر معقول بل إلى اصطلاح مجرد كتنازع الناس في العلة هل هي اسم لما يستلزم المعلوم بحيث لا يختلف عنها بحال فلا يقبل النقيض والتخصيص أو هو اسم لما يكون مقتضيا للمعلول وقد يتخلف عنه المعلول لفوات شرط أو وجود مانع وكاصطلاح بعض أهل النظر والجدل في تسمية احدهم الدليل ل ما هو مستلزم للمدلول مطلقا حتى يدخل في ذلك عدم المعارض والآخر يسمى الدليل ل ما كان من شأنه أن يستلزم المدلول وإنما يتخلف استلزامه لفوات شرط أو وجود مانع وتنازع أهل الجدل هل على المستدل أن يتعرض في ذكر الدليل
стр. 177
لتبيين المعارض جملة أو تفصيلا حيث يمكن التفصيل أو لا يتعرض لتبيينه لا جملة ولا تفصيلا أو يتعرض لتبيينه جملة لا تفصيلا.
وهذه أمور وضعية اصطلاحية بمنزلة الألفاظ التي يصطلح عليها الناس للتعبير عما في أنفسهم وبمنزلة ما يعتاده الناس في بعض الأفعال لكونهم رأوا ذلك أولى بهم من غيره وإن كان غيره أولى منه ليست حقائق ثابتة في أنفسها لأمور معقولة يتفق فيها الأمم كما يدعيه هؤلاء في منطقهم.
بل هؤلاء الذين يجعلون العلة والدليل يراد به هذا أو هذا أقرب إلى المعقول من جعل هؤلاء الدليل لا يكون إلا من مقدمتين فان هذا تخصيص لعدد دون عدد بلا موجب وأولئك لحظوا صفات ثابتة في العلة والدليل وهو وصف التمام أو مجرد الاقتضاء فكان ما اعتبره أولئك أولى بالحق والعقل مما اعتبره هؤلاء الذين لم يرجعوا إلا إلى مجرد التحكم.
المنطق أمر اصطلاحي وضعه رجل من اليونان:
ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم بأنه أمر اصطلاحي وضعه رجل من اليونان لا يحتاج إليه العقلاء ولا طلب العقلاء للعلم موقوفا عليه كما ليس موقوفا على التعبير بلغاتهم مثل فيلاسوفيا وسوفسطيقا وانولوطيقا وإثولوجيا وقاطيغورياس وإيساغوجى ومثل تسميتهم للفعل ب الكلمة وللحرف ب الأداة ونحو ذلك من لغاتهم التي يعبرون بها عن معانيهم
стр. 178
تعلم العربية فرض على الكفاية بخلاف المنطق:
فلا يقول احد أن سائر العقلاء يحتاجون إلى هذه اللغة لا سيما من كرمه الله بأشرف اللغات الجامعة لأكمل مراتب البيان المبينة لما تتصوره الأذهان بأوجز لفظ وأكمل تعريف.
وهذا ما احتج به أبو سعيد السيرافي في مناظرته المشهورة لمتى الفيلسوف لما اخذ متى يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء إليه ورد عليه أبو سعيد بعدم الحاجة إليه وأن الحاجة إنما تدعو إلى تعلم العربية لأن المعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى اصطلاح خاص بخلاف اللغة المتقدمة التي يحتاج إليها في معرفة ما يجب معرفته من المعاني فانه لا بد فيها من التعلم ولهذا كان تعلم العربية التي يتوقف فهم القران والحديث عليها فرضا على الكفاية بخلاف المنطق
стр. 179
بطلان القول بأن تعلم المنطق فرض على الكفاية:
ومن قال من المتأخرين: "أن تعلم المنطق فرض على الكفاية" فانه يدل على جهلة بالشرع وجهله بفائدة المنطق وفساد هذا القول معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وأجهل منه من قال أنه فرض على الأعيان مع أن كثيرا من هؤلاء ليسوا مقرين بإيجاب ما أوجبه الله ورسوله وتحريم ما حرمه الله ورسوله.
ومعلوم أن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم وكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يعرف منطق اليونان فكيف يقال: أنه لا يوثق بالعلم أن لم يوزن به أو يقال أن فطر بني آدم في الغالب لا تستقيم إلا به.
فان قالوا نحن لا نقول أن الناس يحتاجون إلى اصطلاح المنطق بل إلى المعاني التي توزن بها العلوم قيل لا ريب أن المجهولات لا تعرف إلا بالمعلومات والناس يحتاجون إلى أن يزنوا ما جهلوه بما علموه وهذا من الموازين التي انزلها الله حيث قال الله: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ وهذا موجود عند أمتنا وغير أمتنا ممن لم يسمع قط بمنطق اليونان فعلم أن الأمم غير محتاجة إليه.
ملخص دعاوى أهل المنطق وكذبها:
وهم لا يدعون احتياج الناس إلى نفس ألفاظ اليونان بل يدعون الحاجة إلى المعاني المنطقية التي عبروا عنها بلسانهم وهو كلامهم في المعقولات الثانية فان موضوع المنطق هو المعقولات الثانية من حيث يتوصل بها إلى علم ما لم يعلم فانه ينظر في أحوال المعقولات الثابتة وهي النسب الثابتة للماهيات من حيث هي مطلقة عرض لها أن كانت موصولة إلى تحصيل ما ليس بحاصل أو معينة في ذلك لا على وجه جزئي بل على قانون كلي
стр. 180
ويدعون أن صاحب المنطق ينظر في جنس الدليل كما أن صاحب أصول الفقه ينظر في الدليل الشرعي ومرتبته فيميز بين ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي وينظر في مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض وهم يزعمون أن صاحب المنطق ينظر في الدليل المطلق الذي هو أعم من الشرعي ويميز بين ما هو دليل وما ليس بدليل.
ويدعون أن نسبة منطقهم إلى المعاني كنسبة العروض إلى الشعر وموازين الأموال إلى الأموال وموازين الأوقات إلى الأوقات وكنسبة الذراع إلى المذروعات.
وهذا هو الذي قاله جمهور علماء المسلمين وغيرهم من العقلاء أنه باطل فان منطقهم لا يميز بين الدليل وغير الدليل لا في صورة الدليل ولا في مادته ولا يحتاج أن يوزن به المعاني بل ولا يصح وزن المعاني به على ما هو عليه وإن كان فيه ما هو حق فلا بد في كلام كل مصنف من حق بل فيه أمور باطلة إذا وزنت بها العلوم أفسدتها.
ودعواهم أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره دعوى كاذبة بل من أكذب الدعاوى.
والكلام معهم إنما هو في المعاني التي وضعوها في المنطق وزعموا أن التصورات المطلوبة لا تنال إلا بها والتصديقات المطلوبة لا تنال إلا بها فذكروا لمنطقهم أربع دعاوى دعوتان سالبتان ودعوتان موجبتان.
أدعوا أنه لا تنال التصورات بغير ما ذكروه فيه من الطريق وأن
следующие страницы →