Полный текст (546 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حرره لهم نظار المسلمين.
رد المنصف إشكالاتهم على قياس التمثيل:
فيقال تفريقهم بين قياس المشمول وقياس التمثيل بأن الأول قد يفيد اليقين والثاني لا يفيد إلا الظن فرق باطل بل حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن فان إفادة الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه عل صورة أحدهما دون الآخر بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد اليقين فان كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينا حصل به اليقين وان لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظنا لم يفد إلا الظن.
والذي يسمى في أحدهما حدا أوسط هو في الآخر الوصف المشترك والقضية الكبرى المتضمنة لزوم الحد الأكبر للأوسط هو بيان تأثير الوصف المشترك بين الأصل والفرع فما به يتبين صدق القضية الكبرى به يتبين أن الجامع المشترك مستلزم للحكم فلزوم الأكبر للأوسط هو لزوم الحكم للمشترك.
فإذا قلت النبيذ حرام قياسا على الخمر لأن الخمر إنما حرمت لكونها مسكرة وهذا الوصف موجود في النبيذ كان بمنزلة قولك كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فالنتيجة قولك النبيذ حرام والنبيذ هو موضوعها وهو الحد الأصغر والحرام محمولها وهو الحد الأكبر والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو الحد الأوسط المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى.
فإذا قلت النبيذ حرام قياسا على خمر العنب لأن العلة في الأصل هو الإسكار وهو موجود في الفرع فثبت التحريم لوجود علته فإنما استدللت على تحريم النبيذ ب المسكر وهو الحد الأوسط لكن زدت في قياس التمثيل ذكر الأصل الذي ضربته مثلا للفرع وهذا لأن شعور النفس بنظير الفرع أقوى في المعرفة من مجرد دخوله في الجامع الكلي وإذا قام الدليل على تأثير الوصف
стр. 212
المشترك لم يكن ذكر الأصل محتاجا إليه.
والقياس لا يخلو أما أن يكون ب إبداء الجامع أو بإلغاء الفارق والجامع أما العلة وأما دليلها وأما القياس بإلغاء الفارق فهنا إلغاء الفارق هو الحد الأوسط.
فإذا قيل هذا مساو لهذا ومساوي المساوي مساو كانت المساواة هي الحد الأوسط وإلغاء الفارق عبارة عن المساواة فإذا قيل لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وهو مهدر فهو بمنزلة قولك هذا مساو لهذا وحكم المساوي حكم مساويه.
وأما قولهم كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم فظني فيقال لا نسلم فان هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلا ثم نقول الذي يدل به على عليه المشترك هو الذي يدل به على صدق القضية الكبرى وكل ما يدل به على صدق الكبرى في قياس الشمول يدل به على علية المشترك في قياس الثمثيل سواء كان علميا أو ظنيا فان الجامع المشترك في التمثيل هو الحد الأوسط ولزوم الحكم له هو لزوم الأكبر للأوسط ولزوم الأوسط للأصغر هو لزوم الجامع المشترك للأصغر وهو ثبوت العلة في الفرع.
فإذا كان الوصف المشترك وهو المسمى ب الجامع والعلة أو دليل العلة أو المناط أو ما كان من الأسماء إذا كان ذلك الوصف ثابتا في الفرع لازما له كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الصغرى وإذا كان الحكم ثابتا للوصف لازما له كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الكبرى وذكر الأصل يتوصل به إلى إثبات إحدى المقدمتين.
فان كان القياس ب إلغاء الفارق فلا بد من الأصل المعين فان المشترك هو المساواة بينهما وتماثلهما وهو إلغاء الفارق وهو الحد الأوسط وإن كان
стр. 213
القياس بإبداء العلة فقد يستغنى عن ذكر الأصل إذا كان الاستدلال على علية الوصف لا يفتقر إليه وأما إذا احتاج إثبات علية الوصف إليه فيذكر الأصل لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك وهو الحد الأكبر.
وهؤلاء الذين فرقوا بين قياس التمثيل وقياس الشمول اخذوا يظهرون كون أحدهما ظنيا في مواد معينة وتلك المواد التي لا تفيد إلا الظن في قياس التمثيل لا تفيد إلا الظن في قياس الشمول وإلا فإذا أخذوه فيما يستفاد به اليقين من قياس الشمول أفاد اليقين في قياس التمثيل أيضا وكان ظهور اليقين به هناك أتم.
فإذا قيل في قياس الشمول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم كان الحيوان هو الحد الأوسط وهو المشترك في قياس التمثيل بأن يقال الإنسان جسم قياسا على الفرس وغيره من الحيوانات فان كون تلك الحيوانات حيوانا هو مستلزم لكونها أجساما سواء كان علة أو دليل العلة والحيوانية موجودة في الإنسان فيكون جسما.
وإذا نوزع في علية الحكم في الأصل فقيل له لا نسلم أن الحيوانية تستلزم الجسمية كان هذا نزاعا في قوله كل حيوان جسم وذلك أن المشترك بين الأصل والفرع إذا سمى علة فانما يراد به ما يستلزم الحكم سواء كان هو العلة الموجبة لوجوده في الخارج أو كان مستلزما لذلك يسمى الأول قياس علة والثاني قياس دلالة.
ومن الناس من يسمى الجميع علة لا سيما من يقول أن العلة إنما يراد بها المعرف وهو الأمارة والعلامة والدليل لا يراد بها الباعث والداعي.
ومن قال أنه قد يراد بها الداعي وهو الباعث وهذا قول أئمة الفقهاء وجمهور المسلمين فانه يقول ذلك في علل الأفعال وأما غير الأفعال فقد تفسر العلة فيها بالوصف المستلزم كاستلزام الإنسانية ل الحيوانية والحيوانية
стр. 214
للجسمية وإن لم يكن أحد الوصفين هو المؤثر في الآخر.
عل أنا قد بينا في غير هذا الموضع أن ما به يعلم كون الحيوان جسما به يعلم أن الإنسان جسم حيث بينا أن قياس الشمول الذي يذكرونه قليل الفائدة أو عديمها وأن ما به يعلم صدق الكبرى في العقليات به يعلم صدق أفرادها التي منها الصغرى بل وبذلك يعلم صدق النتيجة كما في قول القائل الكل أعظم من الجزء والأشياء المساوية لشئ واحد متساوية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان.
حقيقة توحيد الفلاسفة:
وهذا كقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه أن ثبت لهم أن الرب تعالى بمعنى الواحد الذي يدعونه وهو أنه ليس له صفة ثبوتية أصلا بل هو مسلوب لكل أمر ثبوتي لا يوصف إلا بالسلب المحض أو بما لا يتضمن إلا السلب كالإضافة التي هي معنى السلب وجعلوا إبداعه للعالم أمرا عدميا لكونه إضافة عندهم وجعلوا العلم والعالم والمعلوم والعشق والعاشق والمعشوق واللذة كل ذلك أمورا عدمية ليس فيها أمر ثبوتي وادعوا أن نفس العلم والعناية والقدرة هو نفس العالم القادر المريد ونفس العلم هو نفس القدرة ونفس القدرة هو نفس العناية وهذا كله هو العشق وهو اللذة والعشق واللذة هو العاشق الملتذ والعشق واللذة هو نفس العلم ونفس القدرة وعلمه بنفسه هو علمه بالمعلومات إلى أمثال ذلك مما يتضمنه قولهم الذي يسمونه توحيد واجب الوجود.
رد قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد:
فان قدر ثبوت هذا المعنى الذي يسمونه توحيدا مع أن جماهير العقلاء من جميع الأمم إذا تصوروا ذلك علموا بضرورة العقل أن هذا قول باطل متناقض فان قدر ثبوته قيل حينئذ الواحد لا يصدر عنه إلا واحد يقررونه بقولهم
стр. 215
لأنه لو صدر عنه اثنان لكان مصدر الألف غير مصدر الجيم وكان المصدر مع هذا الصادر مخالفا لهذا المصدر مع هذا الصادر فيكون في المصدر جهتان وذلك ينافى الوحدة وبهذا اثبتوا أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا لئلا يكون فيه جهتان جهة فعل وجهة قبول فيكون مركبا.
فيقال لهم إذا كان صدور الصادرات عنه هو فعله لها والفعل إضافة محضة إليه وهو عندكم لا يوصف بصفة ثبوتية بل لا يوصف إلا بما هو سلب وقلتم أن الإضافة هنا سلب لم يكن ولو صدر عنه ألف صادر إلا بمنزلة سلب الأشياء عنه وإذا قلتم ليس هو بعرض ولا ممكن ولا محدث ونحو ذلك لم تكن كثرة السلوب توجب أمرا ثبوتيا والإبداع عندكم لا يوجب له وصفا ثبوتيا فكثرة الإبداعات منه لا توجب له وصفا ثبوتيا.
هذا مع أنهم متناقضون في جعلهم الإبداع أمرا عدميا بل في قولهم هو إضافة والإضافة أمرا عدميا قد قرروا في العلم الأعلى عندهم القاسم ل الوجود ولواحقه أن الوجود ينقسم إلى جوهر وعرض ومن الأعراض أن يفعل ومنها الإضافة والإبداع هو من مقولة أن يفعل وهو أمر وجودي وإبداع الباري أكمل من كل إبداع فكيف يكون أكمل أنواع أن يفعل عدميا.
ثم هم جعلوا الإضافة جنسا غير أن يفعل فان ثبت هذا بطل جعل إبداعه للعالم مجرد إضافة وإن سلم أنه إضافة ف الإضافة عندهم من جملة الأجناس الوجودية وهذا وأمثاله مما يبين فساد ما قالوه في الإلهيات من التعطيل مما يطول وصفه.
ثم إذا سلم هذا وسلم أن الإضافة عدمية وكثرة العدميات له لا توجب تكثر أمور ثبوتية فيه مثل تكثر سائر السلوب وإذا قدر أنه أبدع كل شيء بلا واسطة لم يكن في هذا إلا كثرة أمور عدمية يتصف بها وتلك لا توجب كثرة في
стр. 216
ذاته مثل سلب جميع المبدعات عنه فإذا قيل ليس بفلك ولا كوكب ولا شمس ولا جنة ولا نار ولا هواء ولا تراب ولا حيوان ولا إنسان ولا نبات كان سلبها عنه بمنزلة إضافتها إليه عندهم وإذا لم يكن هذا إثبات كثرة في ذاته فكذلك الآخر.
وقولهم مصدر ألف غير مصدر باء وهو مع هذا غير كونه مع هذا كما يقال سلب ألف عنه غير سلب باء عنه والشئ مع سلب ألف عنه ليس هو ذاك مع سلب باء عنه وإذا قيل كثرة السلوب لا توجب تعدد أمر ثبوتى له قيل وكثرة الإضافات كذلك عندكم.
ثم يقال الإضافات إليه مثل كونه علة ومبدعا وخالقا وفاعلا ونحو ذلك أما أن يوجب كون الفعل أمرا ثبوتيا يقوم به وأما أن لا يوجب ذلك فان كان الفعل أمرا ثبوتيا قام به بطل نفيكم للصفات ولزم أنه موصوف بالأمور الثبوتية التي منها تهربون وإن لم يكن ثبوتيا كان عدميا فلم يكن في كثرة المفعولات إلا كثرة الأفعال التي هي عدمية وكثرة العدميات لا توجب اتصافه بأمر ثبوتى وإذا كان كونه فاعلا عندكم ليس وصفا ثبوتيا فكونه قابلا كذلك بطريق الأولى وحينئذ فلا يمتنع كون الشيء فاعلا وقابلا.
ومعلوم أن هذا التناقض لزمهم لكونهم جعلوا الأمور الوجودية عدما كما جعلوا نفس الفعل والتأثير ليس إلا إضافة عدمية ثم ادعوا ذلك في أكمل الفاعلين فعلا وأحقهم بالوجود التام من سائر الموجودات وإلا فهم قد قرروا في العلم الكلى أن الفعل والانفعال أمران وجوديان وهما من الأعراض الموجودة وهما مقولة أن يفعل وأن ينفعل وأن يفعل هو الفعل وأن ينفعل هو القبول وأثبتوا في بعض الأفعال الطبيعية أنها أمور وجودية وأن الفعل هناك وجودي ولكن نقضوا ما ذكروا هناك في العلم الإلهي
стр. 217
وكان ما نفوه أحق بالإثبات مما أثبتوه إذ كانوا معرضين عن الله ومعرفته وعبادته جاهلين بما يجب له ويستحقه يعبدون المخلوقات ويعظمونها ويعرفون من كمالها ما يتخذونها به آلهة إشراكا منهم بالله ويدعون رب العالمين لا يعرفونه ولا يعبدونه ولا يعرفون ما يستحقه من الكمال الذي به يجب أن يعبد بل الذي يعلم به أنه لا يستحق العبادة إلا هو وهذا كله مبسوط في مواضعه.
وأرسطو وأصحابه القدماء لم يثبتوا له فعلا ولا جعلوه مبدعا لبعدهم عن معرفته ولهذا كان في قولهم من الفساد ما يطول وصفه ولكن ابن سينا وأتباعه لما جعلوه مبدعا ظهر في كلامهم مثل هذا التناقض.
والمقصود هنا الكلام على المنطق ومثلنا بهذا إلا أن هذا من اشرف المطالب الإلهية التي يختصون هم بأثباتها والمقصود أن نبين أنه لا فرق بين القياس الشمولي والتمثيلي إذا أعطى كل منهما حقه.
ما أمكن إثباته بقياس الشمول كان إثباته ب التمثيل أظهر:
ثم إذا قدر أن ما ذكروه يدلهم على أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد بهذا الطريق أثبت ذلك ب قياس التمثيل وكان أحسن مثل أن يقال الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فالأول لا يصدر عنه إلا واحد لأن الواحد بسيط والبسيط لا يصدر عنه إلا بسيط كما أن الحار لا يصدر عنه إلا الحرارة والبارد لا يصدر عنه إلا البرودة وأمثال ذلك مما يذكر في الطبيعيات.
ومن هنا قالوا في الإلهيات الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لكن إذا أرادوا أن يثبتوا ذلك في الإلهيات ب قياس شمولي وقدر صحته أمكن جعله قياسا تمثيلا وإن قدر أنهم عجزوا أما مطلقا وأما في رب العالمين لكون الوحدة التي وصفوه بها تعطيلا له في الحقيقة ونفيا لوجوده وعجزوا عنه ولم يكن معهم إلا هذا القياس التمثيلي وإذا أثبتوه بالقياس التمثيلي واثبتوا فيه أن الحكم تعلق بالقدر المشترك فقد أفاد هذا ما أفاده قياس الشمول وزيادة
стр. 218
مثل أن يقولوا أن الواحد في مورد الإجماع إنما لم يصدر عنه إلا واحد لأنه بسيط فلو صدر عنه اثنان لكان مركبا فالنار البسيطة لا تصدر عنها إلا الحرارة ومتى قدر صدور الحر والبرد جميعا لزم أن تكون مركبة فهذا أن مشى لهم في قياس التمثيل مشى لهم في قياس الشمول وإن بطل هناك كان هناك أبطل.
وأما إثباته ب قياس الشمول دون التمثيل فممتنع فلا يمكن أحدا أن يثبت قضية كلية ب قياس شمول إلا وإثباتها ب التمثيل أيسر وأظهر وإن عجز عن إثباتها ب التمثيل فعجزه عن إثباتها ب الشمول أقوى وأشد.
فإنهم إذا قالوا الحار لا يصدر عنه إلا الحار لأنه واحد والواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه قد يقال لهم ما تعنون ب الصدور أتعنون به استقلاله بصدور الأثر عنه أو أن يكون سببا في صدور الأثر بحيث إذ انضم إلى غيره حصل المؤثر التام.
ليس في الوجود واحد يفعل وحده إلا الله وحده:
فان أردتم الأول لم نسلم لكم أن في الوجود ما هو مؤثر تام ولا شيء مستقل بالفعل غير الله تعالى والحار الذي اثر حرارة والبارد الذي أثر برودة إنما اثر في محل قابل للتسخين والتبريد فكانت الحرارة الحاصلة في القابل بسببه وبسبب الحار معا وأيضا فذلك مشروط بانتفاء العائق المانع وإلا فلو حصل ما يمنع وصول الأثر إليه لم يحصل وكذلك الشعاع إذا قيل الشمس مستقلة به لم يسلم ذلك فانه مشروط بالجسم الذي ينعكس الشعاع عليه ومشروط بعدم المانع كالسحاب والسقف.
وعلى هذا فليس في الوجود واحد يفعل وحده إلا الله وحده قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قال مجاهد وغيره: "تذكرون فتعلمون أن خالق الأرواح واحد".
قال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ
стр. 219
شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فنفى التولد عنه لامتناع التولد من شيء واحد وأن التولد إنما يكون بين اثنين وهو سبحانه لا صاحبة له وأيضا فانه خلق كل شيء وخلقه لكل شيء يناقض أن يتولد عنه شيء وهو بكل شيء عليم وعلمه بكل شيء يستلزم أن يكون فاعلا بإرادته فان الشعور فارق بين الفاعل بالإرادة والفاعل بالطبع فيمتنع مع كونه عالما أن يكون كالأمور الطبيعية التي يتولد عنها الأشياء بلا شعور كالحار والبارد فلا يجوز إضافة الولد إليه بوجه سبحانه قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
والذين قالوا أن العقول والنفوس صدرت عنه خرقوا له بنين وبنات بغير علم فان أولئك لم يكونوا يجعلون شيئا من البنين والبنات مبدعة لكل ما سواه وهؤلاء يجعلون احد البنين وهو العقل أبدع كل ما سواه ويجعلون العقل كالذكر والنفس كالأنثى وهذا مما صرحوا به وكانت العرب تقر بأنه خلق السموات والأرض وأحدثهما بعد أن لم تكونا ولم يكونوا يقولون أنها قديمة أزلية معه لم تزل معه وهذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود هنا أنهم لم يعلموا في الوجود شيئا واحدا صدر عنه وحده شيء عل سبيل الاستقلال فصار قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد باطلا في قياس الشمول وباطلا في قياس التمثيل لكن الغرض أنه لو أثبت هذا وأمثاله ب قياس الشمول لكان إثباته ب قياس التمثيل أولى.
وأيضا فهذا الحار الذي يفعل الحرارة والبارد الذي يفعل برودة إنما يفعل ذلك مع عدم العلم والإرادة بخلاف ما يفعل بعلم واختيار كالإنسان فان هذا
стр. 220
يفعل أفعالا متنوعة وتصدر عنه أمور مختلفة وهم يسلمون ذلك ويقولون أن الفاعل بالطبع يتحد فعله والفاعل الاختيار يتنوع فعله وإذا كان كذلك فمعلوم أن ما يفعل بالعلم والإرادة أكمل مما يفعل بلا علم ولا أرادة فالإنسان أكمل من الجماد وحينئذ فان كان باب القياس صحيحا فقياس الرب بما يفعل بعلم واختيار أولى من قياسه بما يفعل بلا علم ولا اختيار فما بالهم شبهوا رب العالمين بالجمادات ونزهوه أن يشبهوه بالأحياء الناطقين.
وهذا الخذلان أصابهم في باب صفاته وأفعاله فهم في باب الصفات يقولون إذا قلنا أنه حي عالم قادر مريد فقد شبهناه ب النفس الفلكية أو الإنسانية فيقال لهم إذا نفيم عنه العلم والحيوة والقدرة والإرادة فقد شبهتموه بالجمادات كالتراب والماء فان كنتم إنما هربتم من التشبيه فالذي إليه شر مما هربتم منه.
ثم إنكم تزعمون أن الفلسفة هي التشبة بالآلة على قدر الطاقة وان الفلك يتشبه به بحسب الإمكان فتجعلون مخلوقاته قادرة على التشبه به من بعض الوجوه فان كان التشبه به منفيا عنه من كل وجه امتنع أن يكون مقدورا للمخلوقات وإن جاز أو وجب إثباته من بعض الوجوه كان هو أقدر عليه من مخلوقاته فكان إذا كان التشبه من بعض الوجوه ممكنا أن يخلق ما فيه من صفات الكمال ما يشبهه من بعض الوجوه أولى من أن يقدر ذلك لمخلوق على أن يحدث لنفسه ما يصير به مشابها له من بعض الوجوه سواء قيل أنه خالق أفعال المخلوقات أو لم يقل بذلك فانه على الأول يكون هو الخالق لما فيه شبه له وحينئذ فيبطل قولهم وعلى الثاني فيكون المخلوق بدون إعانة الخالق له يقدر على أن يحدث ما يشبه الرب والرب لا يقدر على ذلك.
فتبين أن قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لا يصح استدلالهم به في حق الله تعالى بأي قياس استدلوا
стр. 221
وإن قالو أن الواحد من الوجه الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وان صدر منه اثنان فمن وجهين أو قالوا هذا معلوم بالضرورة فلا يحتاج إلى دليل فانه لا بد بين المصدر والصادر من مناسبة والوجه الواحد لا يناسب اثنين قيل لهم هذا يبطل قولكم في نفي الصفات فان الرب قد صدر عنه مخلوقات كثيرة وإذا كان الواحد لا يصدر عنه من الوجه الواحد إلا واحد امتنع أن تصدر هذه المخلوقات عن خالقها من وجه واحد فدل ذلك على أنه متصف بأمور متنوعة من صفات متنوعة وأفعال متنوعة صدر عنه باعتبارها ما وجد من المخلوقات فكان اصل ضلالهم توهمهم إمكان صدور المخلوقات عما قدروه من الواحد الذي لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان ولقد أحسن بعض الفضلاء إذ قال الصفع أحسن من توحيد الفلاسفة بل قصر فيما قال.
وإذا قالوا هو واحد ليس له صفات وأفعال تقوم به فلو صدر عنه أكثر من واحد لكان قد صدر عن الواحد من الوجه الواحد أكثر من واحد قيل لهم فذلك الأول أن كان واحدا من كل وجه لزم أن لا يصدر عنه إلا واحد من كل وجه وهذا خلاف المشاهدة وان كان فيه كثرة بوجه ما فقد صدر عن الواحد من الوجه الواحد أكثر من واحد وان قالوا تلك الوجوه التي في الصادر الأول أمور عدمية قيل فقد صدر عنه باعتبارها كثرة وإذا جاز هذا جاز أن تجعل الأمور الإضافية الكثيرة في الأول مبدأ الكثرة فكيفما أدير قولهم تبين أنه افسد من قول النصارى في التثليث.
وحقيقة قولهم الذي قرره ابن سينا وأمثاله أنه أي موجود فرض في الوجود كان أكمل من رب العالمين وذلك أنه قرر أنه وجود مشروط بسلب جميع الأمور الثبوتية عنه وهو معنى قولهم هو الوجود المقيد بسلب جميع الماهيات وقولهم الوجود الذي لا يعرض له شيء من الماهيات فان هذا بناه على قوله أن وجود الماهيات عارض لها بناء على أن في الخارج لكل ممكن وجودا وماهية غير
стр. 222
الوجود وان ذلك الوجود عرض لتلك الماهية وان كان لازما لها ولهذا قالوا أن واجب الوجود وجوده لا يعرض لشيء من الماهيات لئلا يلزم التركيب والتعليل فيكون وجودا مقيدا بأن لا يعرض لشيء من الماهيات فلا يجوز أن يكون له حقيقة في نفسه غير الوجود المحض الذي لا يتقيد بأمر ثبوتي.
فيقال له فعلى هذا التقدير قد شارك جميع الموجودات في مسمى الوجود وامتاز عنها بقيد عدمي وهو سلب كل ثبوت وامتاز به كل منها عنه بما يخصه من الحقيقة الموجودة ومعلوم أن الوجود أكمل من العدم وهم يسلمون ذلك فإذا اشترك اثنان في الوجود وامتاز أحدهما عن الآخر بأمر وجودي والآخر لم يميز إلا بأمر عدمي كان الممتاز بأمر وجودي أكمل من الممتاز بأمر عدمي لأنه شارك هذا في الوجود المشترك وامتاز عنه بالوجود المختص وذلك لم يمتز عنه إلا بعدم كل وجود خاص وسواء جعل الوجود المشترك جنسا أو عرضا عاما وجعل المميز بينهما فصلا أو خاصة فعلى كل تقدير يلزم أن يكون ما لم يتميز إلا بعدم دون ما تميز بوجود.
وهم يقولون إنما فررنا إلى هذا من التركيب فيقال أن كان التركيب نقصا لكان ما فررتم إليه شرا مما فررتم منه فان الذي فررتم إليه يوجب أن لا يكون له وجود في الخارج لأن الموجود الذي لا يختص بأمر ثبوتي لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان وإذا قدر ثبوته في الخارج فكل موجود ممكن أكمل منه فيلزم أن يكون كل مخلوق ولو أنه ذرة أو بعوضة أكمل من رب العالمين رب الأرض السموات والقول المستلزم هذا في غاية الفساد.
فالحمد لله الذي هدانا لمعرفة الحق وبيان ما التبس على هؤلاء الذين يدعون أنهم أكمل الناس وهم اجهل الناس برب العالمين.
والله تعالى اخبر عن المشركين ما ذكره في سورة الشعراء من قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ
стр. 223
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذا حال من سوى المخلوقات برب العالمين فكيف حال من فضل كل مخلوق على رب العالمين.
وإذا قيل هم لم يفهموا ولم يقصدوه قيل ونحن لم نقل أنهم تعمدوا مثل هذا الباطل لكن هذا لازم قولهم وهو دليل على غاية فساده وغاية جهلهم بالله تعالى وأنهم أضل من اليهود والنصارى ومشركي العرب وأمثالهم من المشركين الذين يعظمون الخالق أكثر من تعظيم هؤلاء المعطلين:
فان كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وان كنت تدري فالمصيبة أعظم
كون لفظ التركيب مجملا يطلق على معان:
وما فروا منه من التركيب قد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع وبينا أن لفظ التركيب مجمل يراد به تركيب الجسم من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت كتركيب السكنجبين وغيره من الأدوية بل ومن الأطعمة والأشربة والملابس والمساكن من أجزائها التي كانت متفرقة فألف بينها وركب بعضها مع بعض حتى صارت على الحال المركبة.
وقد يراد ب المركب ما لا يمتزج فيه احد الاثنين بالآخر كما يقال ركب الباب في موضعه وركب المسمار في الباب وهذا التركيب اخص من الأول وهو المشهور من الكلام وقد قال تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ومعلوم أن عاقلا لا يقول أن الله تعالى مركب بهذا المعنى الأول ولا بالثاني.
وقد يقال المركب على ما يمكن مفارقة بعض أجزائه لبعض كأخلاط الإنسان وأعضائه فإنها وان لم يعقل أنها كانت مفترقة فاجتمعت بل خلقه الله
стр. 224
من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولكن يمكن تفريق بعض أعضائه عن بعض ويعقل أيضا أنه إذا مات استحال فصار بعضه ترابا وبعضه هواء فتفرقت أعضائه وأخلاطه وكذلك سائر الحيوان والنبات ومعلوم أن عأقلا لا يقول أن هذا مركب بهذا الاعتبار.
وأما تسمية الواحد الموصوف بصفاته مركبا كتسمية الحي العالم القادر الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركبا فهذا اصطلاح لهم لا يعرف شيء من الشرائع ولا اللغات ولا عقول جماهير العقلاء جعلوا هذا تركيبا وان تسميته مركبا.
فإذا قالوا نحن نسميه تركيبا لأن فيه إثبات معان متعددة لذات واحدة ونحن نسمي ذلك تركيبا ونقيم الدليل العقلي على امتناعه قيل إذا كان إلا كذلك فالنظر في المعاني المعقولة لا في الألفاظ السمعية ونحن لا نوافقكم على جعل الإنسان مركبا من الحيوانية والناطقية ولا أن في الوجود شيئا مركبا من أجزاء عقلية بل المركب من الأجزاء العقلية إنما يكون في الأذهان لا الأعيان وكل ما في الوجود من المركبات فإنما هو مركب من أجزاء حسية موجودة في الخارج.
والناس قد تنازعوا في الجسم هل هو مركب من أجزاء حسية وهو الجواهر المفردة أو من أجزاء عقلية وهي المادة والصورة أو لا من هذا ولا من هذا على ثلاثة أقوال والصحيح عندنا القول الثالث ثم يليه قول من جعله مركبا من الأجزاء الحسية وافسد الثلاثة قول من جعله مركبا من الأجزاء العقلية كما قد بسط في موضعه.
وحينئذ فمن قال أن الباري جسم وان الجسم مركب من الأجزاء الحسية أو العقلية كان الاستدلال على بطلان هذا التركيب استدلالا مقبولا ممن يقوله
стр. 225
فان مطلوبه صحيح لكن يبقى النظر هل يحسن هذا المستدل الاستدلال عليه أو لا يحسنه.
واما من قال أنه ليس ب مركب لا هذا التركيب ولا هذا التركيب وإنما اسميه جسما أو جوهرا لأن الجسم والجوهر عندي اسم لكل موجود قائم بنفسه فهذا النزاع معه في اسم الجسم والجوهر نزاع لفظي لا عقلي ولا شرعي فان الشرع لم ينطق بهذا الاسم لا نفيا ولا إثباتا والعقل إنما ينظر في المعاني لا في مجرد اللفظ فالنظر مع هذا أما في إثبات كون الجسم مركبا احد التركيبين وهذا بحث عقلي معروف وأما في كون لفظ الجسم في اللغة لكل مركب وهذا مركب وهذا بحث لغوي له موضع آخر.
وهؤلاء ليس مقصودهم بنفي التركيب هذا المعنى فقط فان هذا يوافقهم عليه كثير من مثبتة الصفات لكن مقصودهم أنه لا يتصف بصفة ثبوتية أصلا واخذوا لفظ التركيب الذي وافقتهم بعض أهل الكلام على نفي معناه وتوسعوا فيه حتى جعلوه اعم مما وافقهم عليه أولئك المتكلمون ونفوه وصاروا كالجهمية المحضة التي تنفي الأسماء والصفات أو تثبتها على وجه المجاز.
دليل نفاة الصفات والرد عليه:
والمقصود هنا أن نقول قولهم الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركب من هذا وهذا يقال لهم سموا هذا تركيبا أو تجسيما أو ما شئتم من الأسماء فما الدليل على نفي هذا عقلا أو سمعا قالوا الدليل على ذلك أن كل مركب مفتقر إلى أجزائه وجزؤه غيره ف المركب مفتقر إلى غيره والمفتقر إلى غيره ليس واجبا بنفسه.
فيقال أجزاء هذا الدليل وألفاظه التي تسمونها حدودا كلها ألفاظ مجملة تحتمل حقا وباطلا واستعمال الألفاظ المجملة في الحدود والقياس من باب السفسطة.
فيقال لكم قد عرف أن لفظ المركب مجمل وان المراد به هنا ذات تقوم بها صفات وحينئذ فالمراد ب الافتقار تلازم الذات والصفات بمعنى
стр. 226
انه لا توجد الذات إلا مع وجود صفتها الملازمة لها ولا توجد الصفة إلا مع وجود الذات الملازمة لها ولو قدر أنه أريد بالتركيب التركيب من الأجزاء الحسية أو العقلية مع تلازم الأجزاء فهذا معناه.
فإذا قيل كل مركب مفتقر إلى جزئه أن عني به أنه مستلزم لجزئه وانه لا يوجد إلا بوجود جزئه فهذا صحيح فان وجود المجموع بدون كل من آحاده ممتنع وان أريد أنه يفتقر إليه افتقار المفعول إلى فاعله والمعلول إلى علته الفاعلة أو القابلة أو الغائية أو الصورية فهذا باطل فان الواحد من العشرة والجزء من الجملة لا يجوز أن يكون فاعلا ولا غاية ولا هي هو الصورة.
ثم قولكم وجزؤه غيره يقال لفظ الغير يراد به ما كان مباينا للشيء وما يجوز مفارقته له وما ليس إياه فان أردتم أن جزء المجموع ما هو مباين له فهذا باطل فانه يمتنع أن يكون مباينا له مع كونه جزءا منه فيمتنع أن يكون غيرا له بهذا الاعتبار وان قلتم يجوز أن يفارقه فهذا ليس عام على الإطلاق بل يجوز في بعض الأفراد أن يفارق غيره من الأجزاء ويفارق المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية ولا يلزم ذلك في كل مجموع لا سيما على أصلهم فان الفلك عندهم مركب من أجزائه وصفاته ولا يجوز عندهم على أجزائه التفرق.
والمسلمون وجمهور العقلاء عندهم أن الله حي عليم قدير ولا يجوز أن يفارقه كونه حيا عالما قادرا بل لم يزل ولا يزال كذلك وكونه حيا عالما قادرا من لوازم ذاته وهي ملازمة لذاته لا يجوز عليه الافتراق بوجه من الوجوه فامتنع أن تكون صفاته هذه أغيارا بهذا الاعتبار.
وان فسر الغيران بما ليس أحدهما هو الآخر أو بما يجوز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر فلا ريب أن صفة الموصوف التي يمكن معرفتها
стр. 227
بدونه غير له بهذا الاعتبار لكن إذا كانت تلك الصفة لازمة له وهو لازم لها لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون أحدهما مفتقرا إلى الآخر مفعولا للآخر ولا علة فاعلة ولا غائية ولا صورية أكثر ما في ذلك أن تكون الصفة مفتقرة إلى الذات افتقار الحال إلى محله القابل له وهم يسمون القابل علة قابلة لكن فيما يحدث لها من المقبولات لا فيما يكون لازما لها ازلا وأبدا وان قدر أنهم يسمون جميع ذلك علة ومعلولا فتكون الذات علة قابلة للصفة بهذا الاعتبار وكون الصفة معلولة هو معنى كونها صفة قائمة بالموصوف.
مجموع الذات والصفة لا يفتقر إلى العلل الأربع:
ومع هذا فليس مجموع الذات والصفة مفتقرا إلى شيء من أنواع العلل الأربع لا إلى الفاعل ولا إلى الغاية ولا إلى القابل ولا إلى الصورة فبطل أن يقال المجموع مفتقر إلى جزئه افتقار المعلول إلى علته بوجه من الوجوه لكن غايته أن فيه افتقار الصفة إلى الموصوف افتقار الحال اللازم لمحله إلى محله المستلزم له فيقال لهم وأي شيء في كونه موجودا بنفسه لا فاعل له ما يوجب نفي هذا التلازم الذي سموه افتقار نحو ذاته وصفاته.
وقولهم ما افتقر إلى غيره لم يكن واجبا بنفسه يقال لهم قد علم أن المراد ب الافتقار التلازم والمراد ب الغير ما هو داخل في المجموع أما الذات وأما الصفات ليس المراد به ما هو مباين له وما يجوز مفارقته له وغايته أن يراد أن الصفة لا بد لها من الموصوف فليس المراد افتقار المعلول إلى علته الفاعلة وحينئذ فليس في هذا التلازم الذي سميتموه افتقارا ولا في هذه الصفات التي سميتموها أغيارا ما يوجب أن يكون شيء من ذلك مفعولا لفاعل ولا لعلة فاعلة.
وواجب الوجود الذي دلت الممكنات عليه هو الموجود بنفسه القائم بنفسه رب العالمين الذي لا يفتقر إلى فاعل ولا علة فاعلة بل هو بنفسه وصفاته
стр. 228
لا يفتقر إلى شيء من العلل الأربع.
كون صفاته تعالى واجبة الوجود:
وأما نفس صفاته فليس لها فاعل ولا علة فاعلة ولا علة غائية ولا صورية فهي واجبة الوجود إذا عنى ب واجب الوجود احد هذه المعاني.
وان عنى ب واجب الوجود ما هو اعم من ذلك حتى يدخل فيه ما ليس له محل يقوم به فليست واجبة الوجود بهذا التفسير بل هي ممكنة الوجود والذات مستلزمة لها وهي محل لها.
وإذا قيل فيلزم أن يكون الذات فاعلة وقابلة وذاك باطل قيل كلا المقدمتين ممنوعة فان كون الذات مستلزمة لصفتها القائمة بها لا يقتضى أن تكون فاعلة لها بل يمتنع أن تكون الذات فاعلة للصفة اللازمة في الممكن فكيف في رب العالمين بل يمتنع أن يكون الرب فاعلا لما هو لازم له وان كان بائنا عنه كالفلك فكيف يكون فاعلا لصفته اللازمة له وان قدر أنهم سموا هذا الاستلزام فعلا وقالوا هي فاعلة بهذا الاعتبار قيل لهم فلا نسلم أنه لا يجوز كون الشيء الواحد فاعلا وقابلا بهذا الاعتبار بل ولا باعتبار آخر.
فان استدلوا على ذلك بحجتهم المعروفة المبينة على نفي التركيب فلا يمكنهم جعل ذلك مقدمة في نفس الدليل لأن هذا مصادرة على المطلوب وهو جعل المطلوب مقدمة في إثبات نفسه بعبارة أخرى فإنهم إذا نفوا التركيب عن الواجب بناء على مقدمات منها أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا واثبتوا هذه المقدمة بناء على نفي التركيب كانوا قد اثبتوا كلا من المقدمتين بالأخرى فلا تكون واحدة منهما ثابتة.
والدليل الدال على إثبات واجب الوجود دل على إثبات فاعل مبدع ل الممكنات والمبدع لها يمتنع أن يكون صفة قائمة بغيره فان ذلك الموصوف هو الفاعل حينئذ دون مجرد الصفة وهذا الواجب الذي دلت عليه آياته ليس
стр. 229
يفتقر إلى علة من العلل الأربع مع اتصافه بصفاته اللازمة له.
إذا جاز استلزام الذات للمفعولات فاستلزامها للصفات أولى:
ومن أعظم تناقض هؤلاء أنهم يقولون الذات إذا استلزمت الصفات كان ذلك افتقارا منها إلى الغير فلا تكون واجبة وهم يقولون أن الذات مستلزمة لمفعولاتها المنفصلة عنها ولا يجعلون ذلك منافيا لوجوب وجودها بنفسها فان كان الاستلزام للمفعولات لا ينافي وجوب الوجود فالاستلزام للصفات أولى أن لا ينافيه.
وان كان ذلك الاستلزام ينافي وجوب الوجود كان حينئذ قد عرض له أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا وهذا ممتنع عندهم وهذا اظهر المعقولات التي قهروا بها المتكلمين الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية والكلابية وأتباعهم ولم يميز الطائفتان بين فاعل النوع وفاعل العين.
ثم إذا جاز أن يفعل ف الفعل ثبوتي فيلزم قيامه به ودعوى أن المفعول عين الفعل مكابرة للعقل وإذا جاز قيام الفعل به كان قيام الصفات بطريق الأولى.
فساد القول بأن المفعول عين الفعل:
والذين جعلوا المفعول عين الفعل من أهل الكلام كالأشعرية ومن وافقهم من حنبلي وشافعي ومالكي وغيرهم إنما ألجاهم إلى ذلك فرارهم من قيام الحوادث بالقديم وتسلسل الحوادث وهذان كل منهما غير ممتنع عند هؤلاء الفلاسفة مع أن أولئك المتكلمين النفاة حجتهم على النفي ضعيفة.
وجماهير المسلمين وطوائفهم على خلاف ذلك والقول بأن الخلق غير المخلوق هو مذهب السلف قاطبة وذكر البخاري في كتاب خلق أفعال العباد
стр. 230
انه قول العلماء مطلقا بلا نزاع وهو قول أئمة الحديث وجمهورهم وقول أكثر طوائف الكلام كالهشامية والكلابية والكرامية وقول جمهور الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي وقول الصوفية كما حكاه عنهم صاحب التعرف لمذهب التصوف وهو قول أهل السنة فيما حكاه البغوي صاحب شرح السنة.
وحجة هؤلاء أنه لو كان الخلق غير المخلوق لكان أما قديما وأما حادثا فان كان قديما لزم قدم المخلوق فيلزم قدم العالم وان كان حادثا فانه يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل ويلزم أيضا كون الرب محلا للحوادث.
فيقال لهم جميع هذه المقدمات مما ينازعكم الناس فيها ولا تقدرون على إثبات واحدة منها فقولكم لو كان قديما لزم قدم المخلوق يقول لكم من توافقونه على قدم الإرادة نحن وانتم متفقون على قدم الإرادة وان تأخر المراد فتأخر المخلوق عن الخلق كذلك أو أولى وهذا جواب الحنفية والكرامية
стр. 231
وكثير من الحنبلية والشافعية والمالكية والصوفية وأهل الحديث لهم.
وإما قولهم أن كان محدثا افتقر إلى خلق آخر فهذا أيضا ممنوع فإنهم يسلمون أن المخلوقات محدثة منفصلة بدون حدوث خلق فإذا جاز هذا في الحادث المنفصل عن المحدث فلان يجوز حدوث الحادث المتصل به بدون خلق بطريق الأولى والأخرى.
ولهذا كان كثير من هؤلاء أو أكثرهم هم يقولون أن الخلق الذي قام به حادث لا محدث ويقولون ما قام به من الفعل حدث بنفس القدرة والإرادة لا يفتقر إلى خلق وإنما يفتقر إلى الخلق المخلوق والمخلوق ما كان منفصلا عنه وكثير منهم يسمونه محدثا ويقولون هو محدث ليس ب مخلوق فان المخلوق ما خلقه بائنا عنه وأما نفس فعله وكلامه ورضاه وغضبه وفرحه الذي يقوم بذاته ب قدرته فانه وان كان حادثا ومحدثا فليس ب مخلوق وليس كل حادث ولا محدث مخلوقا عند هؤلاء.
فان قيل النزاع في ذلك لفظي قيل هذا لا يضرهم فان من سمى ذلك القائم به مخلوقا قالوا له غايته أن المخلوق الذي هو نفس الخلق لا يفتقر إلى خلق آخر ولا يلزم من ذلك أن المخلوق الذي ليس ب خلق لا يفتقر إلى الخلق فان من المعقول أن المخلوق لا بد له من خلق وأما الخلق نفسه إذا جوز وجود مخلوق بلا خلق فتجويز خلق بلا خلق أولى والمنازع لهم يجوز وجود كل مخلوق بلا خلق فإذا جوزوا هم نوعا منه بلا خلق كان ذلك أولى بالجواز والفرق بين نفس الخلق الذي به خلق المخلوق وبين المخلوق معقول.
البحث في قيام الحوادث به تعالى:
وكذلك احتجاجهم بامتناع حلول الحوادث لا ينفع الفلاسفة فان هذا إنما نفوه لامتناع قيام الحادث بالقديم وهؤلاء الفلاسفة يجوزون قيام الحادث
стр. 232
بالقديم ومن جوز قيام الصفات بالباري منهم جوز قيام الحوادث به مثل كثير من أساطينهم القدماء والمتأخرين كأبي البركات وغيره فهذان قولان معروفان لهم أما القول الثالث وهو تجويز الصفات دون الأفعال فهذا لا اعرف به قائلا منهم فان كان قد قاله بعضهم فالكلام معه كالكلام مع من قال ذلك من أهل الكلام.
وعلى هذا فلا يلزم التسلسل وان لزم فإنما هو تسلسل في الآثار وهو وجود كلام بعد كلام أو فعل بعد فعل والنزاع في هذا مشهور وإنما يعرف نفيه عن الجهمية والقدرية ومن وافقهم من كلابي وكرامي ومن وافقهم من المتفقه وأما أئمة السلف وأئمة السنة فلا يمنعون هذا بل يجوزونه بل يوجبونه ويقولون أن الله لم يزل متكلما إذا شاء بل يقولون أنه لم يزل فاعلا يقوم به الأفعال الاختيارية بمشيئته وقدرته وهذا كله مبسوط في مواضعه.
والمقصود هنا أنه يلزم من كونه فاعلا قيام الصفات به فان الفعل أمر وجودى وان يفعل من أقسام الوجود ووجود المخلوق المفعول بلا خلق ولا فعل ممتنع وإذا قام الخلق به ف العلم والقدرة لازمة الخلق وقيامهما به أولى.
وأنهم أن قالوا يستلزم المفعول ولا يستلزم الصفة لكون الملزوم مفتقرا إلى اللازم فهذا من أعظم التناقض وان قالوا أنه لا يستلزمه كان ذلك أدل على بطلان قولهم في الصفات والأفعال وكان الدليل يدل على قيام الأفعال به والصفات وقيام الصفات به أولى من قيام الأفعال فبطل ما نفوا به الصفات وسموه تركيبا.
والواحد الذي قالوا أنه لا يصدر عنه إلا واحد هو الواحد المسلوب عنه الصفات كلها بل هو الوجود المقيد بكل سلب وهذا لا حقيقة له إلا في الذهن وأي موجود مخلوق قدر فهو أكمل من هذا الخيال الذي لا حقيقة له في الخارج
стр. 233
والتعظيم له إنما نشأ من اعتقاد أنه رب العالمين وانه واجب الوجود ونحو ذلك من الصفات التي تظهر كمالها وأما من هذه الجهة النافية السلبية فما من وجود إلا وهو أكمل منه وإذا كانوا قد جمعوا بين وصفه بذلك الكمال وهذا النقصان الذي يكون كل موجود أكمل منه دل على تناقضهم وفساد قولهم وكان ما قالوه من الحق حقا وما قالوه من الباطل باطلا وهذه المسائل الإلهية مبسوطة في موضعها.
رد القول بأن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن:
والمقصود هنا الكلام على المنطق وما ذكروه من البرهان وأنهم يعظمون قياس الشمول ويستخفون ب قياس التمثيل ويزعمون أنه إنما يفيد الظن وان العلم لا يحصل إلا بذلك وليس الأمر كذلك بل هما في الحقيقة من جنس واحد وقياس التمثيل الصحيح أولى بإفادة المطلوب علما كان أو ظنا من مجرد قياس الشمول ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون ب قياس التمثيل أكثر مما يستدلون ب قياس الشمول بل لا يصح قياس الشمول في الأمر العام إلا بتوسط قياس التمثيل وكل ما يحتج به على صحة قياس الشمول في بعض الصور فانه يحتج به على صحة قياس التمثيل في تلك الصورة ومثلنا هذا بقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه من أشهر أقوالهم الإلهية الفاسدة.
وأما الأقوال الصحيحة فهذا أيضا ظاهر فيها فان قياس الشمولي لا بد فيه من قضية كلية موجبة ولا نتاج عن سالبتين ولا عن جزئيتين باتفاقهم والكلي لا يكون كليا إلا في الذهن فإذا عرف تحقق بعض أفراده في الخارج كان ذلك مما يعين على العلم بكونه كليا موجبا فانه إذا أحس الإنسان ببعض الأفراد الخارجية انتزع منه وصفا كليا لا سيما إذا كثرت أفراده فالعلم بثبوت الوصف المشترك لأصل في الخارج هو أصل العلم بالقضية الكلية وحينئذ ف القياس التمثيلي أصل
стр. 234
لـ القياس الشمولي أما أن يكون سببا في حصوله وأما أن يقال لا يوجد بدونه فكيف يكون وحده أقوى منه.
وهؤلاء يمثلون الكليات بمثل قول القائل الكل أعظم من الجزء والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وما من كلي من هذه الكليات إلا وقد علم من أفراده الخارجة أمور كثيرة وإذا أريد تحقق هذه الكلية في النفس ضرب لها المثل بفرد من أفرادها وبين انتفاء الفارق بينه وبين غيره أو ثبوت الجامع وحينئذ يحكم العقل بثبوت الحكم لذلك المشترك الكلي وهذا حقيقة قياس التمثيل.
ولو قدرنا أن قياس الشمول لا يفتقر إلى التمثيل وان العلم بالقضايا الكلية لا يفتقر إلى العلم بمعين أصلا فلا يمكن أن يقال إذا علم الكلي مع العلم بثبوت بعض أفراده في الخارج كان انقص من أن يعلمه بدون العلم بذالك المعين فان العلم بالمعين ما زاده إلا كمالا فتبين أن ما نفوه من صورة القياس أكمل مما أثبتوه.
ما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل هو من كلام متأخريهم:
واعلم أنهم في المنطق الإلهي بل والطبيعي غيروا بعض ما ذكره أرسطو لكن ما زادوه في الإلهي خير من كلام أرسطو فاني قد رأيت الكلامين وأرسطو واتباعه في الإلهيات اجهل من اليهود والنصارى بكثير كثير وأما في الطبيعيات فغالب كلامه جيد وأما المنطق فكلامه فيه خير من كلامه في الإلهي.
وما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل والاحتجاج عليه بما ذكروه هو من كلام متأخريهم لما رأوا استعمال الفقهاء له غالبا والفقهاء يستعملونه كثيرا في المواد الظنية وهناك الظن حصل من المادة لا من صورة القياس فلو صوروا تلك المادة ب قياس الشمول لم يفد أيضا إلا الظن لكن هؤلاء ظنوا أن الضعف من جهة الصورة فجعلوا صورة قياسهم يقينيا وصورة قياس الفقهاء ظنيا.
стр. 235
ومثلوه بأمثلة كلامية ليقرروا أن المتكلمين يحتجون علينا بالأقيسة الظنية كما مثلوه من الاحتجاج عليهم بأن الفلك جسم أو مؤلف فكان محدثا قياسا على الإنسان وغيره من المولدات ثم اخذوا يضعفون هذا القياس لكن إنما ضعفوه بضعف مادته فان هذا الدليل الذي ذكره الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم على حدوث الأجسام أدلة ضعيفة لأجل مادتها لا لكون صورتها ظنية ولهذا لا فرق بين أن يصوروها بصورة التمثيل أو الشمول.
والآمدى ونحوه ممن يصنف في الفلسفة ويكره التمثيل بمثل هذا لما فيه من التشنيع على المتكلمين فيمثل بمثال متفق عليه كقوله العالم موجود فكان قديما كالباري فان أحدا من العقلاء لا يحتج على قدم العالم بكونه موجودا وإلا لزم قدم كل موجود وهذا لا يقوله عأقل.
إبطال القول بأن الدوران والتقسيم لا يفيدان إلا الظن:
وما ذكروه من أن قياس التمثيل إنما يثبت بالدوران أو التقسيم وكلاهما لا يفيد إلا الظن قول باطل ويلزمهم مثل ذلك في قياس الشمول.
أما التقسيم فإنهم يسلمون أنه يفيد اليقين إذا كان حاصرا وإذا كان كذلك فانه يمكن حصر المشترك في أقسام لا يزيد عليها وإبطال التعليل بجميعها إلا بواحد وان لم يمكن ذلك لم يمكن جعل ذلك المشترك حدا أوسط فلا يفيد اليقين ولو استعمل فيه قياس الشمول.
جواب اعتراضهم على السبر والتقسيم بقولهم:
وأما قوله يجوز أن يكون الحكم ثابتا في الأصل لذات الأصل وإلا لزم التسلسل فنقول لا يلزم التسلسل إلا إذا كان لا يثبت إلا لخارج أما إذا كان تارة يثبت لخارج وتارة لغير خارج لم يلزم التسلسل وحينئذ فلا يمتنع أن
стр. 236
تعلم أن الحكم في هذا الأصل المعين لم يثبت لما يختص به بل لوصف مشترك بينه وبين غيره.
فائدتان في تعليل الحكم بعلة قاصرة:
وهذا كما يقول الفقهاء أن الحكم يعلل تارة ب علة متعدية وتارة ب علة قاصرة والتعليل ب القاصرة إذا كانت منصوصة جائز باتفاق الفقهاء وإنما تنازعوا فيما إذا كانت مستنبطة والأكثرون على جواز ذلك وهو الصحيح وهو مذهب مالك والشافعي واحمد بن حنبل في المنصوص عنه فانه دائما يعلل بالعلل القاصرة وهو اختيار أبي الخطاب وغيره من أصحابه.
ولكن القاضي أبو يعلى وطائفة وافقوا أصحاب أبي حنيفة في منعهم التعليل ب القاصرة وهذا من كلام متأخريهم وسبب ذلك النزاع في مسألة تعليل الربو في المذهب والفضة وأمثالهما هل العلة فيه متعدية أو قاصرة وأما أبو حنيفة نفسه وصاحباه لم ينقل عنهم في ذلك شيء والذي يليق بعقلهم وفضلهم أنهم لا يمنعون ذلك مطلقا كما لا يمتنع في المنصوصة.
وفي ذلك فائدتان: قصر الحكم على مورد النص ومنع الإلحاق لئلا يظن الظان أن الحكم يثبت فيما سوى مورد النص كما يعلل تحريم الميتة بعلة تمنع دخول المذكي فيها ويعلل تحريم الدم بعلة تمنع دخول العرق والريق وغيرهما فيها ويعلل اختصاص الهدى والأضحية بالإنعام بعلة تمنع دخول غيرها فيها ويعلل وجوب الحد في الخمر بعلة تمنع دخول الدم والميتة فيها وأمثال ذلك كثيرة بل من يقول أن جميع
стр. 237
الأحكام يثبت بالنص يقول أنها معللة بعلل قاصرة لكن إنما يعلل بالعلة المتعدية نص يتناول بعض أنواع الحكم فيعلل ذلك الحكم بعلة تتعدى إلى سائر النوع الذي دل على ثبوت الحكم فيه نص آخر.
والفائدة الثانية معرفة حكم الشرع وما اشتمل عليه من مصالح العباد في المعاش والمعاد فان ذلك مما يزيد به الإيمان والعلم ويكون أعون على التصديق والطاعة واقطع لشبه أهل الإلحاد والشناعة وانصر لقول من يقول أن الشرع جميعه إنما شرع لحكمة ورحمة لم يشرع لا لحكمة ورحمة بل لمجرد قهر التعبد ومحض المشيئة.
وإذا كانت الأوصاف في الأصل قد تكون مختصة بذات الأصل وقد تكون مشتركة بينه وبين غيره خارجة عنه لم يلزم إذا كان هذا الأصل ثبت الحكم فيه لخارج مشترك أن يكون الحكم في كل اصل لخارج مشترك.
جواب قولهم:
قوله وان ثبت لخارج فمن الجائز أن يكون لغير ما أبدى وان لم يطلع عليه مع البحث عنه بخلاف الحسيات فيقال أما أن يكون التقسيم في العقليات قد يفيد اليقين وأما أن لا يفيده بحال فان كان الأول بطل جعلهم الشرطي المنفصل من صور القياس والبرهان وان كان الثاني بطل كلامهم هذا ومعلوم أن هذا أحق بالبطلان من ذاك فان القائل إذا قال الوجود أما أن يكون واجبا وأما أن يكون ممكنا وأما أن يكون قديما وأما أن يكون حادثا وأما أن يكون قائما بنفسه وأما أن يكون قائما بغيره وأما أن يكون مخلوقا وأما أن يكون خالقا ونحو ذلك من التقسيم الحاصر لجنس الوجود كان هذا حصرا
стр. 238
لكلي عقلي بل الوجود اعم الكليات وإذا أمكن العقل أن يحصر أقسامه فحصر أقسام بعض أنواعه أولى وهم يسلمون هذا كله وهذا هو العلم الأعلى عندهم فكيف يقولون أن السبر والتقسيم لا يفيد اليقين.
تمثيل التقسيم الحاصر في مسألة الرؤية:
ثم إذا اختلف الناس في ما يجوز رؤيته فقال بعضهم المصحح للرؤية أمر لا يكون إلا وجوديا محضا فما كان وجوده أكمل كان أحق أن يرى وقال آخر بل المصحح لها ما يختص بالوجود الناقص الذي هو أولى بالعدم مثل كون كل الشيء محدثا مسبوقا بالعدم أو ممكنا يقبل العدم كان قول من علل إمكان الرؤية بما يشترك فيه القديم والحادث والواجب والممكن أولى من هذا فان الرؤية وجود محض وهي إنما تتعلق بموجود لا بمعدوم فما كان أكمل وجودا بل كان وجوده واجبا فهو أحق بها مما يلازمه العدم ولهذا يشترط فيها النور الذي هو بالوجود أولى من الظلمة والنور الأشد كالشمس لم يمتنع رؤيته لذاته بل لضعف الإبصار فهذا يقتضى أنا نعجز عن رؤية الله مع ضعف أبصارنا ولهذا لم يطق موسى رؤية الله في الدنيا لكن لا يمتنع أن تكون رؤيته ممكنه والله قادر على تقوية أبصارنا لنراه.
وإذا قيل هي مشروطة ب اللون والجهة ونحو ذلك مما يمتنع على الله قيل له كل ما لا بد منه في الرؤية لا يمتنع في حق الله فإذا قال القائل لو رؤى للزم كذا واللازم منتف كانت إحدى مقدمتيه كاذبة وهكذا كل ما اخبر به الصادق الذي اخبر بأن المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر كل ما اخبر به وظن الظان أن في العقل ما يناقضة لا بد أن يكون إحدى مقدماته باطلة.
فإذا قال لو رؤى لكان متحيزا أو جسما أو كان في جهة أو كان ذا لون وذلك منتف عن الله قيل له جميع هذه الألفاظ مجملة لم يأت شرع بنفي
стр. 239
مسماها حتى تنفى بالشرع وإنما ينفيها من ينفيها فيستفسر عن مراده إذ البحث في المعاني المعقولة لا في مجرد هذه الألفاظ.
فيقال: ما تريد بأن المرئي لا بد أن يكون متحيزا فان المتحيز في لغة العرب التي نزل بها القرآن يعنى به ما يحوزه غيره كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ فهذا تحيز موجود يحيط به موجود غيره إلى موجودات تحيط به وسمى متحيزا لأنه تحيز من هؤلاء إلى هؤلاء والمتكلمون يريدون بالتحيز ما شغل الحيز والحيز عندهم تقدير مكان ليس أمرا موجودا فالعالم عندهم متحيز وليس في حيز وجودي والمكان عند أكثرهم وجودي.
فإذا أريد ب المتحيز ما يكون في حيز وجودي منعت المقدمة الأولى وهو قوله: "كل مرئي متحيز" فان سطح العالم يمكن أن يرى وليس في عالم آخر وإن قال: بل أريد به "لا بد أن يكون في حيز وإن كان عدميا" قيل له العدم ليس بشئ فمن جعله في الحيز العدمى لم يجعله في شيء موجود ومعلوم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق فإذا كان الخالق بائنا عن المخلوقات كلها لم يكن في شيء موجود وإذا قيل هو في حيز معدوم كان حقيقته أنه ليس في شيء فلم قلت أن هذا محال.
وكذلك إذا قال يلزم أن يكون جسما ففيه إجمال التنبيه عليه.
وكذلك إذا قال في جهة فان الجهة يراد بها شيء موجود وشئ معدوم فان شرط في المرئي أن يكون في جهة موجودة كان هذا باطلا برؤية سطح العالم وإن جعل العدم جهة قيل له إذا كان بائنا عن العالم ليس معه هناك غيره فليس في جهة وجودية وإذا سميت ما هنالك جهة وقلت هو في جهة على هذا التقدير منعت انتفاء اللازم وقيل لك العقل والسمع يدلان على ثبوت هذا اللازم لا
стр. 240
على انتفائه.
وهذا التقسيم مثلنا به في مسألة الرؤية فإنها من أشكل المسائل العقلية وأبعدها من قبول التقسيم المنحصر ومع هذا فان حصر الأقسام فيها ممكن فكيف يغيرها.
وحيئنذ فإذا احتج عليها ب قياس التمثيل فقيل المخلوقات الموجودة يمكن رؤيتها فالخالق أحق بإمكان الرؤية لأن المصحح للرؤية في المخلوقات أمر مشترك بين الخالق والمخلوق لا يختص بالمخلوق وإذا كان المشترك مستلزما لصحة الرؤية ثبتت صحة الرؤية.
ولا يجعل المشترك المصحح هو مجرد الوجود كما يسلكه الأشعري ومن اتبعه كالقاضي أبى بكر وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضي أبى يعلى بل يجعله القيام بالنفس كما يسلكه ابن كلاب وغيره من مثبتي الرؤية من أصحاب احمد وغيرهم كأبي الحسن الزاغونى أو لا يعين المصحح بل يجعل قدرا مشتركا
стр. 241
كالتقسيم الحاصر وهو أيضا يفيد اليقين كما قد بسط في موضعه.
وإذا كانت مسألة الرؤية والمصحح لها أمكن تقريره على هذا الوجه فكيف فيما هو أوضح منها إذا قيل الفاعل منا مريد وهو متصور لما يفعله فالخالق أولى أن يعلم ما خلق أو قيل إذا كان الفعل الاختياري فينا مشروطا بالعلم فهو في حق الخالق أولى لأن ما به استلزمت الإرادة العلم أما أن يختص بالعبد أو يكون مشتركا والأول باطل فتعين الثاني لأن استلزام الإرادة العلم كمال للفاعل لا نقص فيه والواجب أحق بالكمال الذي لا نقص فيه من الممكن المخلوق فإذا كان العبد يعلم ما يفعل فالباري أولى أن يعلم ما يفعل.
وإذا قيل إذا كان الرب حيا أمكن كونه سميعا بصيرا متكلما وما جاز له من الصفات وجب له لأن ثبوت صفاته له لا تتوقف على غيره ولا يجعله غيره متصفا بصفات الكمال لأن من جعل غيره كاملا فهو أحق بالكمال منه وغيره مخلوقه ويمتنع أن يكون مخلوقه أكمل منه بل ويمتنع أن يكون هو الذي أعطاه صفات الكمال لأن ذلك يستلزم الدور القبلي أو غير ذلك من الأدلة التي بسطت في غير هذا الموضع.
وهم في كلامهم في جنس القياس لم يتعرضوا لآحاد المسائل ونحن لا نحتاج إلى ذلك لكن الغرض التمثيل لمسائل قد يشكل على كثير من الناس استعمال القياس فيها لأجل المادة فتبين أن لها مادة يمكن أن يستخرج منها أدلة تلك المطالب وتلك المادة تصور بصورة الشمول تارة وبصورة التمثيل أخرى لكن إذا صورت بصورة الشمول علم أن أفرادها لا تتساوى وإذا صورت بصورة التمثيل علم أن الرب أحق بكل كمال لا نقص فيه أن يثبت له وأحق بنفي كل نقص عنه من نفيه عن سائر الموجودات.
جواب قولهم:
وإن كان منحصرا فمن الجائز أن يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع
стр. 242
وأما قولهم إذا انحصرت الأقسام فمن الجائز أن يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع فيقال هذا ممكن في بعض الصور كالمسائل الظنية من الفقه أو غيره إذا قيل خيار الأمة المعتقة تحت العبد كقصة بريرة أما أن يكون ثبت لكونها كانت تحت ناقص وأما أن يكون لكونها ملكت نفسها أمكن أن يقال وأما أن يكون لمجموع الأمرين.
لكن تعليله بما يختص الأصل سواء كان هو المجموع أو بعض منه إنما يمكن العلم بنفيه كما يمكن العلم بغيره من المنفيات كما إذا قيل: "الإنسان إنما كان حساسا متحركا بالإرادة لحيوانيته لا لإنسانيته والحيوانية مشتركة بينه وبين الفرس وسائر الحيوان فيكون حساسا متحركا بالإرادة" فلا يمكن أن يدعى في مثل هذه أن المختص بالإنسان هو علة كونه حساسا متحركا بالإرادة بل العلة ليست إلا المشترك بينه وبين الحيوان.
وكذلك إذا قيل القديم لا يجوز عدمه لأن قدمه أما بنفسه أو بموجب يجب قدمه بنفسه وما كان قديما بنفسه كان موجودا بنفسه بالضرورة فان القدم أخص من الوجود فيلزم من ثبوته ثبوت الوجود فإذا قديما بنفسه فهو موجود بنفسه بالضرورة وما كان موجودا بنفسه فهو واجب بنفسه وإلا لافتقر إلى فاعل فالقديم أما واجب بنفسه وأما لازم للواجب بنفسه وكلاهما ممتنع العدم لأنه يستلزم عدم الواجب بنفسه ولو عدم لكان قابلا للعدم فلا يكون واجبا بنفسه ولهذا اتفق العقلاء على هذا وهو أن القديم أما موجود واجب بنفسه وأما لازم لما هو كذلك
стр. 243
فإذا قال القائل: "لو كانت الأفلاك قديمة لامتنع عدمها لكن عدمها ممكن بالأدلة الدالة عليه فلا تكون قديمة" لم يجز أن يقال: "بل القديم لا يجوز عدمه لعلة مختصة بالقديم بنفسه دون ما كان معلولا لغيره" فالأفلاك وإن قيل هي قديمة فهي ممكنة العدم فان هذا باطل لما ذكرناه من أن المشترك بين الواجب بنفسه والواجب بغيره هو مستلزم لقدم المشترك بين القديم الموجود بنفسه والقديم الموجود بغيره فمن ادعى قديما موجودا بغيره وقال أنه مع هذا يمكن عدمه فقوله متناقض كما بسط في موضعه ولهذا لم يقل احد من العقلاء أنها قديمة يمكن عدمها الإمكان المعروف وإنما ادعوا أن لها ماهية باعتبار نفسها فقيل الوجود والعدم ولكن وجب لها الوجود من غيرها.
وقد تبين بطلان هذا في غير هذا الموضع وبين أن هذا قول مخالف لجميع العقلاء حتى أرسطو واتباعه لا يكون عندهم ممكنا إلا المحدث الذي يمكن وجوده وعدمه أو حتى هؤلاء الذين قالوا بأنها قديمة يمكن وجودها وعدمها كابن سينا واتباعه تناقضوا ووافقوا سلفهم وسائر العقلاء فذكروا في عدة مواضع أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثا وان كل ما كان دائما لا يكون ممكنا وأما القديم الذي لا يمكن عدمه فليس عندهم ممكنا وان كان وجوبه بغيره.
وإنما خالف في هذا طائفة من الفلاسفة كابن سينا وأمثاله الذين أرادوا أن يجمعوا بين قول سلفهم وبين ما جاءت به الرسل مع دلالة العقول عليه فلم يمكنهم ذلك إلا بما خالفوا به الرسل مع مخالفة العقول مع مخالفة سلفهم فيما أصابوا فيه وموافقتهم فيما اخطئوا فيه وكان كفرا في الملل ومع تناقضهم ومخالفة جميع العقلاء.
وأما قولهم: "بثبوت الحكم مع المشترك في صورة مع تخلف غيره من الأوصاف المقارنة له في الأصل مما لا يوجب استقلاله بالتعليل لجواز أن يكون الحكم في تلك معللا بعلة أخرى" فيقال هذا غلط وذلك أنه متى ثبت الحكم مع المشترك في
стр. 244
صورة تمتنع أن تكون الأوصاف الزائدة المقارنة له في الأصل مؤثرة في الحكم مع تخلف غيره من الأوصاف فإنها مختصة بالأصل فلو كانت مؤثرة لم يجز أن يوجد الحكم في غير الأصل وحينئذ فعدمها لا يؤثر والصورة الأخرى قد يثبت فيها وجود المشترك.
وأما إمكان وجود وصف آخر مستقل بعلة فهذا لا بد من نفيه أما بدليل قاطع أو ظاهر أو بأن الأصل عدمه ويكون القياس حينئذ يقينيا أو ظنيا.
والكلام فيما إذا حصرت أقسام العلة ونفي التعليل عن كل منها إلا واحد والنفي قد يكون لنفي التعليل بها من الأصل وقد يكون لنفي التعليل مطلقا فالأول يحتاج معه إلى الثاني في تلك الصورة وأما الثاني فهو يتناول النفي في تلك الصورة وغيرها.
وقولهم: "وإن كان لا علة له سواه فجائز أن يكون علة لخصوصه لا لعمومه" فيقال هذا هو في معنى السؤال الأول وهو أن يكون الحكم ثبت لذات المحل لا لأمر منفصل وهو التعليل بالعلة القاصرة الواقفة على مورد النص.
وأما قولهم: "أن بين أن ذلك الوصف يستلزم الحكم وأن الحكم لازم لعموم ذاته فمع بعده يستغنى عن التمثيل" فيقال لا بعد في ذلك بل كلما دل عل أن الحد الأوسط يستلزم الأكبر فانه يستدل به على جعل ذلك الحد وصفا مشتركا بين أصل وفرع ويلزمه الحكم.
وأما قوله: "إنه يستغنى عن التمثيل" فيقال: نعم والتمثيل في مثل هذا يذكر للإيضاح وليتصور للفرع نظير لأن الكلى إنما وجوده كلى في الذهن لا في الخارج فإذا عرف تحققه في الخارج كان أيسر لوجود نظيره ولان المثال قد يكون ميسرا لإثبات التعليل بل قد لا يمكن بدونه وسائر ما تثبت به العلة من الدوران والمناسبة وغير ذلك إذا اخذ معه السبر والتقسيم أمكن كون القياس قطعيا
стр. 245
وأيضا فقد يكون قياس التمثيل يقينيا في كذا فان الجمع بين الأصل والفرع كما يكون بإبداء الجامع يكون بإلغاء الفارق وهو أن يعلم أن هذا مثل هذا لا يفترقان في مثل هذا الحكم ومساوي المساوي مساو والعلم بالمساواة والمماثلة مما قد يعلم بالعقل كما يعلم بالسمع فإذا علم حكم أحد المتماثلين علم أن الآخر مثله لا سيما إذا كان الكلام فيما تجرد من المعقولات مثل القول بأن شيئا من السواد عرض مفتقر إلى المحل فيقال سائر أفراد السواد كذلك بل ويقال وسائر الألوان كذلك وكذلك أن قيل أن حركة الكواكب تحدث شيئا بعد شيء قيل وسائر الحركات كذلك.
وبالجملة فقد بينا أن كل قياس لا بد فيه من قضية كلية إيجابية وبينا أن تلك القضية لا بد أن يعلم صدق كونها كلية وكل ما به يعلم ذلك به يعلم أن الحكم لازم لذلك الكلى المشترك فيمكن جعل ذلك الكلى المشترك هو الجامع بين الأصل والفرع فكل قياس شمول يمكن جعله قياس تمثيل فإذا أفاد اليقين لم يزده التمثيل إلا قوة.
إذا علمت إحدى المقدمتين بنص المعصوم فاستعمال الشمول أولى:
وقياس التمثيل يمكن جعله قياس شمول لكن قد يكون بيان صحته محتاجا إلى بيان إحدى مقدمتيه لا سيما الكبرى فإنها هي في الغالب التي تحتاج إلى البيان وإذا كان كذلك الأصل المقيس عليه أولا أسهل في البيان ف قياس التمثيل أعون على البيان إلا إذا كانت القضية الكلية معلومة بنص المعصوم فهنا يكون الاستدلال بها أولى من الاستدلال بقياس التمثيل لكن الدليل هنا يكون شرعيا لم تعلم إحدى مقدمتيه إلا بنص المعصوم أو الإجماع المعصوم لم تعلم بمجرد العقل وهم.
والكلام مع من يجعل مواد البرهان القضايا الكلية المعلومة بدون قول
стр. 246
المعصوم بل قد يسمون القياس المستدل على إحدى مقدماته بقول المعصوم من الخطابي والجدلى لأنهم يجعلون تلك القضايا من المسلمات والمقبولات لا من البرهانيات اليقينيات.
وهذا أيضا من ضلالهم فان القضية اليقينية ما علم أنها حق علما يقينيا فإذا علم بدليل قطعي أن المعصوم لا يقول إلا حقا وعلم بالضرورة أنه قضى بهذه القضية الكلية كما قضى ب أن الله بكل شيء عليم وأن الله خالق كل شيء وانه لا نبي بعده ونحو ذلك من القضايا الخبرية التي علم بالضرورة أن المعصوم أخبر بها عامة كلية كان هذا من أحسن الطرق في حصول اليقين وهذا الطريق لا يدخل في قياسهم البرهاني ولكن هذا لما كان مبنيا على مقدمات سمعية لم نقررها في هذا الموضع لم نحتج به عليهم بل احتججنا عليهم بما يسلمونه.
وما بيناه بمجرد العقل من أن قولهم العلوم الكسبية لا تحصل إلا بقياسهم البرهاني قول باطل بل هو من أبطل الأباطيل.
هذا في جانب النفي.
стр. 247
المقام الرابع: في قولهم أن القياس يفيد العلم بالتصديقات:
فصل:
وأما المقام الثاني وهو المقام الرابع من المقامات الأربعة المذكورة أولا وهو أدق المقامات.
стр. 248
تبصرة على ما تقدم من المقامات:
فان ما نبهنا عليه خطأهم في منع إمكان التصور إلا ب الحد بل ومن نفى دعوى حصول التصور ب الحد وبقى انحصار التصديق فيما ذكروه من والقياس مدركه قريب والعلم به ظاهر وخطأ المنطقيين فيه واضح بأدنى تدبر وإنما يلبسون على الناس بالتهويل والتطويل.
المقامان الأول والثاني.
وأظهرها خطأ دعواهم أن التصورات المطلوبة لا تحصل إلا بما ذكروه من الحد ثم أن مجرد الحد يفيد تصور الحقائق الثابتة في الخارج بمجرد قول الحاد سواء جعل الحد هو الجملة التامة الخبرية التي يسمونها القضية والتقييد الجزئي أو جعل الحد هو خبر المبتدأ المفرد وإن كان له صفات تقيده وتميزه.
فإنه إذا قال ما الإنسان فقيل الحيوان الناطق أو قيل الإنسان الحيوان الناطق فقد يقال الحد هو قولك الإنسان هو الحيوان الناطق وقد يقال بل الحد الحيوان الناطق وهذا في حكم المفرد وليس هذا كلاما تاما يحسن السكوت عليه أن لم يقدر له مبتدأ يكون خبرا عنه أو جعل مبتدأ خبر محذوف ومن جعل هذا وحده هو الحد وجعله بمجرده يفيد تصور الحقيقة فقوله أبعد عن الصواب.
المقام الثالث:
وبعد ذلك قولهم أن شيئا من التصديقات المطلوبة لا ينال إلا بما ذكروه من القياس فان هذا النفي العام أمر لا سبيل إلى العلم به ولا يقوم عليه دليل أصلا وقد اشرنا إلى فساد ما ذكروه مع أنه معلوم البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون ما ذكروه من القياس كما يحصل تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد.
بخلاف هذا المقام الرابع فان كون القياس المؤلف من مقدمتين يفيد
стр. 249
النتيجة هو أمر صحيح في نفسه.
كون القياس المنطقي عديم التأثير في العلم:
لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب إلى أرسطو صاحب التعاليم أن ما ذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية بل كل ما يمكن علمه ب قياسهم المنطقي يمكن علمه بدون قياسهم المنطقي وما لا يمكن علمه بدون قياسهم لا يمكن علمه ب قياسهم فلم يكن في قياسهم لا تحصيل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه ولا حاجة به إلى ما يمكن العلم به بدونه فصار عديم التأثير في العلم وجودا وعدما ولكن فيه تطويل كثير متعب فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه إتعاب الأذهان وتصنييع الزمان وكثرة الهذيان.
والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية إلى العلم وقالوا يعنى نظار المسلمين هذا لا يفيد هذا المطلوب بل قد يكون من الأسباب المعوقة له لما فيه من كثرة تعب الذهن كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب إلى مكة أو غيرها من البلاد فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة بسعي معتدل وإذا قيض له من يسلك به التعاسيف والعسف في اللغة الأخذ عل غير طريق بحيث يدور به طرقا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة فانه يتعب تعبا كثيرا حتى يصل إلى الطريق المستقيمة أن وصل وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب فيعتقد اعتقادات فاسدة وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء فلا هو نال مطلوبه ولا هو استراح هذا إذا بقى في الجهل البسيط وهكذا هؤلاء.
ولهذا حكى من كان حاضرا عند موت إمام المنطقيين في زمانه الخونجي صاحب الموجز وكشف الأسرار وغيرهما أنه قال عند موته أموت وما
стр. 250
علمت شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف سلبي أموت وما علمت شيئا.
فهذا حالهم إذا كان منتهى احدهم الجهل البسيط وأما من كان منتهاه الجهل المركب فكثير والواصل منهم إلى علم يشبهونه بمن قيل له أين أذنك فأدار يده فوق رأسه ومدها إلى أذنه بكلفة وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى أذنه من تحت رأسه فهو أسهل وأقرب.
استعمال طرق غير الفطرية تعذيب للنفوس بلا منفعة:
والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية كانت تعذيبا للنفوس بلا منفعة لها كما لو قيل لرجل اقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية فان هذا ممكن بلا كلفة فلو قال له قائل اصبر فانه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها وتميز بينها وبين الضرب فان القسمة عكس الضرب فان الضرب هو تضعيف آحاد العددين بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع آحاد أحد العددين على آحاد العدد الآخر ولهذا إذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه عاد المقسوم وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر ثم يقال ما ذكرته في حد الضرب لا يصح فانه إنما يتناول ضرب العدد الصحيح لا يتناول ضرب المكسور بل الحد الجامع لهما أن يقال الضرب طلب جملة تكون نسبتها إلى احد المضروبين كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر فإذا قيل اضرب النصف في الربع فالخارج هو الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد.
فهذا وإن كان كلاما صحيحا لكن من المعلوم أن من معه مال يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أنه لا يقسمه حتى يتصور هذا كله كان هذا
следующие страницы →