← Акыда

Акыда · id 7626

الرد على المنطقيين

ابن تيمية

Полный текст (546 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المعصوم بل قد يسمون القياس المستدل على إحدى مقدماته بقول المعصوم من الخطابي والجدلى لأنهم يجعلون تلك القضايا من المسلمات والمقبولات لا من البرهانيات اليقينيات. وهذا أيضا من ضلالهم فان القضية اليقينية ما علم أنها حق علما يقينيا فإذا علم بدليل قطعي أن المعصوم لا يقول إلا حقا وعلم بالضرورة أنه قضى بهذه القضية الكلية كما قضى ب أن الله بكل شيء عليم وأن الله خالق كل شيء وانه لا نبي بعده ونحو ذلك من القضايا الخبرية التي علم بالضرورة أن المعصوم أخبر بها عامة كلية كان هذا من أحسن الطرق في حصول اليقين وهذا الطريق لا يدخل في قياسهم البرهاني ولكن هذا لما كان مبنيا على مقدمات سمعية لم نقررها في هذا الموضع لم نحتج به عليهم بل احتججنا عليهم بما يسلمونه. وما بيناه بمجرد العقل من أن قولهم العلوم الكسبية لا تحصل إلا بقياسهم البرهاني قول باطل بل هو من أبطل الأباطيل. هذا في جانب النفي.

стр. 247

المقام الرابع: في قولهم أن القياس يفيد العلم بالتصديقات: فصل: وأما المقام الثاني وهو المقام الرابع من المقامات الأربعة المذكورة أولا وهو أدق المقامات.

стр. 248

تبصرة على ما تقدم من المقامات: فان ما نبهنا عليه خطأهم في منع إمكان التصور إلا ب الحد بل ومن نفى دعوى حصول التصور ب الحد وبقى انحصار التصديق فيما ذكروه من والقياس مدركه قريب والعلم به ظاهر وخطأ المنطقيين فيه واضح بأدنى تدبر وإنما يلبسون على الناس بالتهويل والتطويل. المقامان الأول والثاني. وأظهرها خطأ دعواهم أن التصورات المطلوبة لا تحصل إلا بما ذكروه من الحد ثم أن مجرد الحد يفيد تصور الحقائق الثابتة في الخارج بمجرد قول الحاد سواء جعل الحد هو الجملة التامة الخبرية التي يسمونها القضية والتقييد الجزئي أو جعل الحد هو خبر المبتدأ المفرد وإن كان له صفات تقيده وتميزه. فإنه إذا قال ما الإنسان فقيل الحيوان الناطق أو قيل الإنسان الحيوان الناطق فقد يقال الحد هو قولك الإنسان هو الحيوان الناطق وقد يقال بل الحد الحيوان الناطق وهذا في حكم المفرد وليس هذا كلاما تاما يحسن السكوت عليه أن لم يقدر له مبتدأ يكون خبرا عنه أو جعل مبتدأ خبر محذوف ومن جعل هذا وحده هو الحد وجعله بمجرده يفيد تصور الحقيقة فقوله أبعد عن الصواب. المقام الثالث: وبعد ذلك قولهم أن شيئا من التصديقات المطلوبة لا ينال إلا بما ذكروه من القياس فان هذا النفي العام أمر لا سبيل إلى العلم به ولا يقوم عليه دليل أصلا وقد اشرنا إلى فساد ما ذكروه مع أنه معلوم البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون ما ذكروه من القياس كما يحصل تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد. بخلاف هذا المقام الرابع فان كون القياس المؤلف من مقدمتين يفيد

стр. 249

النتيجة هو أمر صحيح في نفسه. كون القياس المنطقي عديم التأثير في العلم: لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب إلى أرسطو صاحب التعاليم أن ما ذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية بل كل ما يمكن علمه ب قياسهم المنطقي يمكن علمه بدون قياسهم المنطقي وما لا يمكن علمه بدون قياسهم لا يمكن علمه ب قياسهم فلم يكن في قياسهم لا تحصيل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه ولا حاجة به إلى ما يمكن العلم به بدونه فصار عديم التأثير في العلم وجودا وعدما ولكن فيه تطويل كثير متعب فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه إتعاب الأذهان وتصنييع الزمان وكثرة الهذيان. والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية إلى العلم وقالوا يعنى نظار المسلمين هذا لا يفيد هذا المطلوب بل قد يكون من الأسباب المعوقة له لما فيه من كثرة تعب الذهن كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب إلى مكة أو غيرها من البلاد فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة بسعي معتدل وإذا قيض له من يسلك به التعاسيف والعسف في اللغة الأخذ عل غير طريق بحيث يدور به طرقا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة فانه يتعب تعبا كثيرا حتى يصل إلى الطريق المستقيمة أن وصل وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب فيعتقد اعتقادات فاسدة وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء فلا هو نال مطلوبه ولا هو استراح هذا إذا بقى في الجهل البسيط وهكذا هؤلاء. ولهذا حكى من كان حاضرا عند موت إمام المنطقيين في زمانه الخونجي صاحب الموجز وكشف الأسرار وغيرهما أنه قال عند موته أموت وما

стр. 250

علمت شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف سلبي أموت وما علمت شيئا. فهذا حالهم إذا كان منتهى احدهم الجهل البسيط وأما من كان منتهاه الجهل المركب فكثير والواصل منهم إلى علم يشبهونه بمن قيل له أين أذنك فأدار يده فوق رأسه ومدها إلى أذنه بكلفة وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى أذنه من تحت رأسه فهو أسهل وأقرب. استعمال طرق غير الفطرية تعذيب للنفوس بلا منفعة: والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية كانت تعذيبا للنفوس بلا منفعة لها كما لو قيل لرجل اقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية فان هذا ممكن بلا كلفة فلو قال له قائل اصبر فانه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها وتميز بينها وبين الضرب فان القسمة عكس الضرب فان الضرب هو تضعيف آحاد العددين بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع آحاد أحد العددين على آحاد العدد الآخر ولهذا إذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه عاد المقسوم وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر ثم يقال ما ذكرته في حد الضرب لا يصح فانه إنما يتناول ضرب العدد الصحيح لا يتناول ضرب المكسور بل الحد الجامع لهما أن يقال الضرب طلب جملة تكون نسبتها إلى احد المضروبين كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر فإذا قيل اضرب النصف في الربع فالخارج هو الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد. فهذا وإن كان كلاما صحيحا لكن من المعلوم أن من معه مال يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أنه لا يقسمه حتى يتصور هذا كله كان هذا

стр. 251

تعذيبا له بلا فائدة وقد لا يفهم هذا الكلام وقد يعرض له فيه إشكالات. الدليل ما كان موصلا إلى المطلوب: فكذلك الدليل والبرهان فان الدليل هو المرشد إلى المطلوب والموصل إلى المقصود وكل ما كان مستلزما لغيره فانه يمكن أن يستدل به عليه ولهذا قيل الدليل ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن وبعض المتكلمين يخص لفظ الدليل بما يوصل إلى العلم ويسمى ما يوصل إلى الظن أمارة وهذا اصطلاح من اصطلح عليه من المعتزلة ومن تلقاه عنهم. فالمقصود أن كل ما كان مستلزما لغيره بحيث يكون ملزوما له فانه يكون دليلا عليه وبرهانا له سواء كانا وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجوديا والآخر عدميا فأبدا الدليل ملزوم للمدلول عليه والمدلول لازم للدليل. ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة متى علمت علم المطلوب وقد يحتاج المستدل إلى مقدمتين وقد يحتاج إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس وأكثر ليس لذلك حد مقدر يتساوى فيه جميع الناس في جميع المطالب بل ذلك بحسب علم المستدل الطالب بأحوال المطلوب والدليل ولوازم ذلك وملزوماته. فإذا قدر أنه قد عرف ما به يعلم المطلوب إلا مقدمة واحدة كان دليله الذي يحتاج إلى بيانه له تلك المقدمة كمن علم أن الخمر محرم وعلم أن النبيذ المتنازع فيه مسكر لكن لم يعلم أن كل مسكر هو خمر فهو لا يحتاج إلا إلى هذه المقدمة فإذا قيل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مسكر خمر " حصل مطلوبه ولم يحتج إلى أن يقال: "كل نبيذ مسكر" "وكل مسكر خمر" ولا أن يقال: "كل مسكر خمر" "وكل خمر حرام" فان هذا كله معلوم له لم يكن يخفى عليه إلا أن اسم الخمر هل هو مختص ببعض المسكرات كما ظنه طائفة من علماء المسلمين أو هو شامل لكل مسكر فإذا ثبت له عن صاحب الشرع

стр. 252

أنه جعله عاما لا خاصا حصل مطلوبه وهذا الحديث في صحيح مسلم ويروى بلفظين: "كل مسكر خمر"، "وكل مسكر حرام ". ولم يقل: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" كالنظم اليوناني وإن كان روى في بعض طرق الحديث فليس بثابت فان النبي ﷺ اجل قدرا في عمله وبيانه من أن يتكلم بمثل هذيانهم فانه أن قصد مجرد تعريف الحكم لم يحتج مع قوله إلى دليل وإن قصد بيان الدليل كما بين الله في القران عامة المطالب الإلهية التي تقرر الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر فهو ﷺ أعلم الخلق بالحق وأحسنهم بيانا له. فعلم أنه ليس جميع المطالب يحتاج إلى مقدمتين ولا يكفى في جميعها مقدمتان بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة سواء كان مقدمة أو مقدمتين أو أكثر وما قصد به هدى عاما كالقرآن الذي انزله الله بيانا للناس يذكر فيه من الأدلة ما ينتفع به الناس عامة. وأما ما قد يعرض لبعضهم في بعض الأحوال من سفسطة تشككه في المعلومات فتلك من جنس المرض والوساوس وهذه إنما يمكن بيان أنواعها العامة وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله ونظرة هو فيما يخص حاله ونحو ذلك. وأيضا فما يذكرونه من القياس لا يفيد إلا العلم بأمور كلية لا يفيد العلم بشئ معين من الموجودات ثم تلك الأمور الكلية يمكن العلم بكل واحد منها بما هو أيسر من قياسهم فلا تعلم كلية بقياسهم إلا والعلم بجزئياتها ممكن بدون

стр. 253

قياسهم الشمولى وربما كان أيسر فان العلم بالمعينات قد يكون أبين من العلم بالكليات وهذا مبسوط في موضعه. ليس في قياسهم إلا صورة الدليل من غير بيان صحته أو فساده: والمقصود هنا أن المطلوب هو العلم والطريق إليه هو الدليل فمن عرف دليل مطلوبه عرف مطلوبه سواء نظمه بقياسهم أم لا ومن لم يعرف دليله لم ينفعه قياسهم ولا يقال أن قياسهم يعرف صحيح الأدلة من فاسدها فان هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم فان قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته وأما كون الدليل المعين مستلزما لمدلوله فهذا ليس في قياسهم ما يتعرض له بنفي ولا إثبات وإنما هذا بحسب علمه بالمقدمات التي اشتمل عليها الدليل وليس في قياسهم بيان صحة شيء من المقدمات ولا فسادها وإنما يتكلمون في هذا إذا تكلموا في مواد القياس وهو الكلام في المقدمات من جهة ما يصدق بها وكلامهم في هذا فيه خطأ كثير كما نبه عليه في موضع آخر. الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو اللزوم: والمقصود هنا أن الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو اللزوم فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم وإن لم يذكر لفظ اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ بل من عرف أن كذا لا بد له من كذا أو أنه إذا كان كذا كان كذا وأمثال هذا فقد علم اللزوم كما يعرف أن كل ما في الوجود فهو أية لله فانه مفتقر إليه محتاج إليه لا بد له منه فيلزم من وجوده وجود الصانع. وكما يعلم أن المحدث لا بد له من محدث كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء الأسرى عام بدر سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور قال: فلما سمعت قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

стр. 254

أحسست بفؤادي قد انصدع. فان هذا تقسيم حاصر يقول أخلقوا من غير خالق خلقهم فهذا ممتنع في بداية العقول أم هم خلقوا أنفسهم فهذا أشد امتناعا فعلم أن لهم خالقا خلقهم وهو ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن أحدا إنكارها فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه ولا يمكنه أن يقول هو أحدث نفسه. وقد بسطنا الكلام على ما قاله الناس في هذا المقام من الحدوث والإمكان وعلة الافتقار إلى المؤثر وذكرنا عامة طرائق أهل الأرض في إثبات الصانع من المتكلمين والفلاسفة وطرق الأنبياء صلوات الله عليهم وما سلكه عامة نظار الإسلام من معتزلي وكرامى وكلابي واشعري وفيلسوف وغيرهم في غير موضع مثل كتاب تعارض العقل والنقل وغير ذلك

стр. 255

وكذلك بينا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في شرح الأصبهانية وكتاب الرد على النصارى وغيرهما. وبينا أن كثيرا من النظار يسلك طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول لا يوصل إلى المطلوب إلا بهذا الطريق ولا يكون الأمر كما قاله في النفي وإن كان مصيبا في صحة ذلك الطريق فان المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج يسر الله على

стр. 256

عقول الناس معرفة أدلته فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأدلتها كثيرة جدا وطرق الناس في معرفتها كثيرة وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره أو من أعرض عن غيره وبعض الناس يكون الطريق كلما كان ادق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان انفع له لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة فإذا كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به ومثل هذا قد يستعمل معه الطريق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته لا لكون العلم بالمطلوب متوقفا عليها مطلقا فان من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم فيجب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات وهذا يسلك معه هذه السبيل. وأيضا فان النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن ويدر به ويقويه على العلم فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل تعين على قوة الرمي والركوب وإن لم يكن ذلك وقت قتال وهذا مقصد حسن. ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور لشحذ الذهن فانه علم صحيح في نفسه ولهذا يسمى الرياضي فان لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع في رياضة الأبدان بالحركة والمشي كما يذكر ذلك الأطباء وغيرهم وفي رياضة النفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة والآداب المحمودة وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة. ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إذا لهوتم فالهوا بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض" أراد إذا لهوا بعمل أن يلهوا بعمل ينفعهم في دينهم وهو الرمي وإذا لهوا بكلام لهوا بكلام ينفعهم أيضا

стр. 257

في عقلهم ودينهم وهو الفرائض. وعلم الفرائض نوعان: أحكام وحساب. فالأحكام ثلاثة أنواع: أحدها: علم الأحكام على مذهب بعض الفقهاء وهذا أولها ويليه علم أقاويل الصحابة والعلماء فيما اختلف فيه منها ويليه علم أدلة ذلك من الكتاب والسنة. وأما علم حساب الفرائض فمعرفة أصول المسائل وتصحيحها والمناسخات وقسمة التركات وللفرائض في ذلك طريق معلومة وكتب مصنفة وهذا الثاني كله علم معقول يعلم بالعقل كما يعلم بالعقل سائر حساب المعاملات وغير ذلك من الأنواع التي يحتاجها إليها الناس. ثم قد ذكروا حساب المجهولات الملقب بحساب الجبر والمقابلة وهو علم قديم لكن إدخاله في الوصايا والدور ونحو ذلك أول من عرف أنه ادخله في ذلك محمد بن موسى الخوارزمي وبعض الناس يذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه تكلم في ذلك وانه تعلم زيادة ذلك من يهودي وهذا كذب على علي رضي الله عنه

стр. 258

ونحن قد بينا في الكتاب المصنف في الدور لما ذكرنا فيه أن لفظ الدور يقال على ثلاثة أنواع: الدور الكوني الذي يذكر في الأدلة العقلية أنه لا يكون هذا حتى يكون هذا ولا يكون هذا حتى يكون هذا وطائفة من النظار كالرازي يقولون هو ممتنع والصواب أنه نوعان كما يقوله الآمدي وغيره دور قبلي ودور معي في الدور القبلي ممتنع والدور المعى ممكن. ف الدور القبلي الذي يذكر في العلل وفي الفاعل والمؤثر ونحو ذلك مثل أن يقال لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر لأنه يفضى إلى الدور. وهو أن يكون هذا قبل ذاك وذاك قبل هذا وذاك فاعل لهذا وهذا فاعل لذاك فيكون الشيء فاعلا لفاعله ويكون قبل قبله وقد اورد الرازي وغيره عليه إشكالات ذكرناها وبينا وجه حلها طرق إثبات الصانع. وأما الدور المعى فهو كدور الشرط مع الشروط وأحد المتضائفين مع الآخر إذا قيل صفات الرب لا تكون إلا مع ذاته ولا تكون ذاته إلا مع صفاته فهذا صحيح وكذلك إذا قيل لا تكون الأبوة إلا مع النبوة ولا تكون النبوة إلا مع الأبوة. والنوع الثاني: مما يسمى دورا الدور الحكمى الفقهي المذكور في المسألة السريجية وغيرها وقد أفردنا في هذا مصنفات وبينا حقيقة هذا الدور وأنه باطل عقلا وشرعا وبينا في مصنف آخر هل في الشريعة شيء من هذا الدور أم لا. والنوع الثالث: الدور الحسابي وهو أن يقال لا يعلم هذا حتى يعلم هذا فهذا هو الذي يطلب حله بحساب الجبر والمقابلة

стр. 259

وقد ذكر كثير من متأخري الفقهاء مسائل وذكروا أنها لا تنحل إلا بطريق الجبر والمقابلة وقد بينا أنه يمكن الجواب عن كل مسألة شرعية جاء بها الرسول ﷺ بدون حساب الجبر والمقابلة وإن كان أيضا حساب الجبر والمقابلة صحيحا وقد كان لأبي وجدي رحمهما الله فيه من النصيب ما قد عرف. ليست شريعة الإسلام موقوفة على شيء من علومهم: فنحن قد بينا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلا وإن كان طريقا صحيحا بل طريق الجبر والمقابلة فيها تطويل يغنى الله عنه بغيره كما ذكرنا في المنطق. وهكذا كل ما بعث به الرسول ﷺ مثل العلم بجهة القبلة والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال فكل هاذ يمكن العلم به بالطرق المعروفة التي كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ولا يحتاج معها إلى شيء آخر وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقا أخر وكثير منهم يظن أنه لا يمكن المعرفة بالشريعة إلا بها وهذا من جهلهم. العلم بجهة القبلة: كما قد يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة أطوال البلاد وعروضها

стр. 260

وعرض البلد هو بعد ما بينه وبين خط الاستواء والموازي كدائرة معدل النهار وذلك يعرف بارتفاع القطب الشمالي فان القطبين إذا كانا على دائرة الأفق كان بعد كل منها عن خط الاستواء بعدا واحدا وليس لخط الاستواء عرض فإذا بعد الإنسان عن خط الاستواء مقدار درجة فلكية ارتفع القطب في قطره عن دائرة الأفق مقدار درجة ثم إذا بعد درجتين ارتفع القطب درجتين وهلم جرأ فعرض البلد يعرف بارتفاع القطب فإذا كان البلدان عرضهما سواء ك دمشق وبغداد وعرض كل منهما ثلاثا وثلاثين درجة يكون ارتفاع القطب فيهما واحدا. وأما الطول فليس له حد في السماء يضبط به إذ هو بحسب المعمور من الأرض فيجعل الطول مبدأ العمارة وكانوا يحدون بجزائر تسمى جزائر الخالدات من جهة الغرب ويمكن أن تفرض بلدة ويجعل الطول شرقيا وغربيا كما فعل بعضهم حيث جعل مكة شرفها الله تعالى هي التي يعتبر بها الطول لأنها باقية محفوظة محروسة وجعل الطول نوعين شرقيا وغربيا. فهذا علم صحيح حسابي يعرف بالعقل لكن معرفة المسلمين بقبلتهم في الصلاة ليست موقوفة على هذا بل قد ثبت عن صاحب الشرع صلوات الله عليه أنه قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة " قال الترمذي: "حديث صحيح" وبهذا كان عند جماهير العلماء أن المصلى ليس عليه أن يستدل بالقطب ولا الجدى ولا غير ذلك بل إذا جعل من في الشام ونحوها المغرب عن يمينه والمشرق

стр. 261

عن شماله كانت صلوته صحيحة فان الله إنما أمر باستقبال شطر المسجد الحرام وفي الحديث المسجد قبلة مكة ومكة قبلة الحرم والحرم قبلة الأرض ولهذا لم يعرف عن الصحابة أنهم ألزموا الناس في الصلاة أن يعتبروا الجدي. كون اعتبار الجدى لمعرفة القبلة بدعة: ولهذا أنكر الإمام احمد وغيره من العلماء على من ألزم الناس باعتبار الجدي فضلا عن طول البلاد وعرضها بل المساجد التي صلى فيها الصحابة كمسجد دمشق وغيره فيه انحراف يسير عن مسامتة عين الكعبة وكذلك غيره فكان هذا من الحكمة أن يعرف إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على أن المصلى ليس عليه مسامتة عين الكعبة بل تكفيه الجهة التي هي شطر المسجد الحرام. من بدع المتكلمين ردهم ما صح من الفلسفة: وكذلك ما يعلم بالمشاهدة والحساب الصحيح من أحوال الفلك علم صحيح لا يدفع والأفلاك مستديرة ليست مضلعة ومن قال أنها مضلعة أو جوز ذلك من أهل الكلام فهو وأمثاله ممن يرد على الفلاسفة وغيرهم ما قالوه من علم صحيح معقول مع كونه موافقا للمشروع وهذا من بدع أهل الكلام الذي ذمه السلف وعابوه فإنهم ناظروا الفلاسفة في العلم الإلهي في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع ومسائل المعاد والنبوات وغير ذلك بطرق فاسدة حائدة من مسلك الشرع والعقل. وكان ذلك من أسباب ضلال كثير من الناس حيث ظنوا أن ما يقوله هؤلاء المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول وليس الأمر كذلك بل كلما علم بالعقل الصريح فلا يوجد عن الرسول إلا ما يوافقه ويصدقه. إجماع المسلمين على أن الفلك مستدير: وما نحن فيه من كرية الأفلاك واستدارتها من هذا الباب بل هذا مما أجمع

стр. 262

عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين لا يعرف بينهم نزاع في أن الفلك مستدير وقد حكى إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد منهم أبو الحسين بن المنادى الإمام الذي له أربعمائة مصنف وكان من الطبقة الثانية من أصحاب احمد ومنهم أبو محمد بن حزم ومنهم أبو الفرج بن الجوزي والآثار بذلك معروفة ثابتة عن السلف كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وقد ذكرنا طرفا من ذلك في جواب مسألة سئلنا عنها في هذا الباب فذكرنا دلالة الكتاب والسنة على ذلك موافقا لما علم بالحساب العقلي. وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . تفسير قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . وقد ذكر الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره ثنا أبى يعنى الإمام أبا حاتم الرازي ثنا نصر بن علي حدثني أبي عن شعبة بن الحجاج عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿َكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: "في فلكة مثل فلكة المغزل". وذكر عن احمد الزبيري عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في

стр. 263

قوله: (يسبحون) قال: "يدورون في أبواب السماء كما يدور المغزل في الفلكة". وقال ثنا الحسن بن الحسن ثنا إبراهيم بن عبد الله بن الهروى ثنا حجاج عن أبي جريج اخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول: " ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: "النجوم والشمس والقمر فلكة كفلكة المغزل" وقال: "مثل ذلك الحسبان -يعنى مجاهد- حسبان الرحى" وهو سفودها القائم الذي يدور عليه والحسبان في اللغة: سهام قصار الواحدة حسبانة وكان مجاهد يفسر قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ بهذا وقال غيره: "هو من الحساب" قيل هو مصدر وقيل: جمع حساب كشهاب وشهبان. قال مجاهد: "ولا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل ولا يدور الحسبان إلا بالرحى ولا يدور الرحى إلا بالحسبان" قال: "فكذلك النجوم والشمس والقمر هي في فلك لا يدمن إلا به ولا يدوم إلا بهن" قال: "فنقر بأصبعه" قال: فقال مجاهد: "يدمن كذلك كما نقر" قال: "فالحسبان والفلك يصيران إلى شيء واحد غير أن الحسبان في الرحى والفلك في المغزل" كل ذلك عن مجاهد. قلت: قوله: "لا يدوم إلا به" أي لا يدور إلا به ومنه الدوامة بالضم والتشديد وهي فلكة يرميها الصبي بخيط فتدوم على الأرض أي تدور ومنه تدويم الطير وهو تحليقه وهو دورانه في طيرانه ليرتفع إلى السماء وقوله نقر بأصبعه يعنى نقر بها من الأرض وأدارها ليشبه بذلك دوران الفلك. وقال ابن أبي حاتم قرى على يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب ثنا السري ابن يحيى قال: سأل رجل الحسن البصري عن قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

стр. 264

قال: "يعنى استدارتهم". وقال بندة ثنا أبي ثنا عبيد الله بن عائشة ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا أبو روق سمعت الضحاك في قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: "يدور ويذهب". ثنا أبي ثنا مسروق بن المرزبان ثنا يحي بن أبي زائدة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: "الفلك كحديدة الرحى" يعنى قطب كحديدة الرحى وهو قطب الرحى وهو السفود القائم الذي يسمى أيضا حسبانا. ثنا بن على الحسين بن حنيد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا مروان بن معاوية عن جويبر عن الضحاك ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: "الفلك السرعة والجري في الاستدارة و (يسبحون) يعملون" يريد أن لفظ الفلك يدل على الاستدارة وعلى سرعة الحركة كما في دوران فلكة المغزل ودوران الرحى. وقال ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ يقول: "دوران" وقوله: "يسبحون يعني يجرون". وعن إياس بن معاوية قال: "السماء على الأرض مثل القبة". وقد بسط القول في ذلك بدلائله من الكتاب والسنة في غير هذا الموضع. ولفظ الفلك في لغة العرب يدل على الاستدارة قال الجوهري: "فلكة المغزل سميت بذلك لاستدارتها والفلكة قطعة من الأرض أو

стр. 265

الرمل تستدير وترتفع على ما حولها والجمع فلك" وقال: "ومنه قيل: فلك ثدي الجارية تفليكا وتفلك استدار". قلت: والسباحة تتضمن الجري بسرعة كما ذكر ذلك أهل اللغة. العلم بالهلال: وكذلك أيضا الهلال فان الشارع جعله معلقا بالرؤية فقال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وقال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا" وقال: "صوموا من الوضح إلى الوضح ". والعارفون بالحساب لا يتنازعون في أن الهلال لا يمكن ضبط وقت طلوعه بالحساب فإنهم وإن عرفوا أن نور القمر مستفاد من الشمس وعرفوا أنه إذا اجتمع القرصان عند الاستسرار لا يرى له ضوء فإذا فارق الشمس صار فيه النور فهم أكثر ما يمكنهم أن يضبطوا بالحساب كم بعده عند غروب الشمس عن الشمس هذا إذا قدر صحة تقويم الحساب وتعديله فإنهم يسمونه علم التقويم والتعديل لأنهم يأخذون أعلى مسير الكواكب وأدناه فيأخذون معدله فيحسبونه. فإذا قدر أنهم حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس لم يكن في هذا ما يدل على ثبوت الرؤية ولا انتفائها لأن الرؤية أمر حسى لها أسباب متعددة من صفاء الهواء وكدره وارتفاع المنظر وانخفاضه وحدة البصر وكلالة فمن الناس من لا يراه ويراه من هو أحد بصرا منه ويرى من مكان عال ولا يرى من منخفض

стр. 266

ويكون الجو صافيا فيرى ويكون كدرا فلا يرى. فلما كانت أسباب الرؤية لا تنضبط بالحساب لم تمكن معرفة وقت الرؤية بالحساب ولهذا كان قدماء علماء الهيئة كبطلميوس صاحب المجسطي وغيره لم يتكلموا في ذلك بحرف وإنما تكلم فيه بعض المتأخرين مثل كوشيار الديلمي ونحوه لما رأوا الشريعة قد جاءت باعتبار الرؤية أحبوا أن يعرفوا ذلك بالحساب فضلوا وأضلوا. ومن قال أنه لا يرى على اثنتي عشرة درجة أو عشر أو نحو ذلك فقد أخطأ فان من الناس من يراه على أقل من ذلك ومنهم من لا يراه على ذلك بل قد يراه نصف النهار إذا فارق الشمس أدنى مفارقة فلا للعقل اعتبروا ولا للشرع عرفوا ولهذا أنكر عليهم ذلك حذاق صناعتهم. العلم بطلوع الفجر: وهكذا أمر الفجر فان الزمان يوم وأسبوع وشهر وعام فأما اليوم فيعلم بالحس والمشاهدة وكذلك الشهر والعام يعرف بالعدد في القمرية وبالرؤية في الشمسية قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ كانت ثلثمائة شمسية وثلثمائة وتسع هلالية. وأما الأسبوع فليس له حد يعرف بالحس والعقل وإنما عرف بإخبار الأنبياء أن الله خلق هذا العالم في ستة أيام ثم استوى على العرش ولهذا شرع الله لأهل الملل أن يجتمعوا في الأسبوع يوما لعبادة الله وحده ويكون ذلك سببا لحفظ الأسبوع

стр. 267

الذي به يعلم أن الله خلق هذا العالم في ستة أيام ولهذا لا توجد أسماء الأسبوع في لغة من لا يعرفون شرائع الأنبياء كالمشركين من الترك وغيرهم فإنهم لا يعرفونه والعادة تتبع التصور فمن لم يتصور شيئا لم يعرفه. واليوم يعرف بطلوع الفجر وهو النور الذي يظهر من جهة المشرق وهو أول نور الشمس المتصل الذي لا ينقطع بخلاف الفجر الأول فانه يأتي بعده ظلمة والاعتبار في الشرع في الصلاة والصيام وغير ذلك بالثاني ويعرف بالحس والمشاهدة كما يعرف الهلال ويعرف بالقياس على ما قرب منه تقريبا إذا عرف عند طلوعه مواضع الكواكب من السماء فيستدل في اليوم الثاني بذلك على وقت طلوعه. وأما تقدير حصة الفجر بأمر محدود من حركة الفلك مساو لحصة العشاء كما فعله طائفة من الموقتين فغلطوا في ذلك كما غلط من قدر قوس الرؤية تقديرا مطلقا وذلك لأن الفجر نور الشمس وهو شعاعها المنعكس الذي يكون من الهواء والأرض وهذا يختلف باختلاف مطارحة التي ينعكس عليها فإذا كان الجو صافيا من الغيوم لم يظهر فيه النور كما يظهر إذا كان فيه بخار فان البخار لغلظه وكثافته ينعكس عليه الشعاع ما لا ينعكس على الهواء الرقيق إلا ترى أن الشمس إذا طلعت إنما يظهر شعاعها على الأرض والجبال ونحو ذلك من الأجسام الكثيفة وان كانت صقيلة كالمرآة والماء كان اظهر وأما الهواء فانه وان استنار بها فان الشعاع لا يقف فيه بل يخرقه إلى أن يصل إلى جسم كثيف فينعكس. ففي الشتاء تكون الأبخرة في الليل كثيرة لكثرة ما يتصعد من الأرض بسبب رطوبتها ولا يحلل البخار فيها فينعكس الشعاع عليه فيظهر الفجر حينئذ قبل ما يظهر لو لم يكن بخار وأما الصيف فان الشمس بالنهار تحلل البخار فإذا غربت الشمس لم يكن للشعاع التابع لها بخار يرده فتطول في الصيف حصة العشاء بهذا

стр. 268

السبب وتطول في الشتاء حصة الفجر بهذا السبب وفي الصيف تقصر حصة الفجر لتأخر ظهور الشعاع إذ لا بخار يرده لأن الرطوبات في الصيف قليلة وتقصر حصة العشاء في نهار الشتاء لكثرة الأبخرة في الشتاء فحاصلة أن كلا من الحصتين تتبع ما قبلها في الطول والقصر بسبب البخار لا بسبب فلكي. والذين ظنوا أن ذلك يكون عن حركة الفلك قدروه بذلك فغلطوا في تقديرهم وصاروا يقولون حصة الفجر في الشتاء اقصر منها في الصيف وحصة العشاء في الصيف اقصر منها في الشتاء فان هذه جزء من الليل وهذه جزء من النهار فتتبعه في قدره ولم يعرفوا الفرق بين طلوع الشمس وغروبها وبين طلوع شعاعها فان الشمس تتحرك في الفلك فحركتها تابعة للفلك والشعاع هو بحسب ما يحمله وينعكس عليه من الهواء الأبخرة وهذا أمر له سبب ارضي ليس مثل حركة الفلك. ولهذا كان ما قالوه بالقياس الفاسد أمرا يخالقه الحس ويعرف كذب ما قالوه باتفاق طوائف بني ادم فالذي يعرف بالحس والعقل الصريح لا يخالفه شرع ولا عقل ولا حس فان الأدلة الصادقة لا تتعارض مدلولاتها ولكن ما يقال بقياس فاسد وظن فاسد يقع فيه الاختلاف. كون عدد الأفلاك تسعة ليس عليه دليل: وعدد الأفلاك وكونها تسعة ليس أمرا معلوما ولا قام دليل على أنه ليس وراء التسعة شيء بل صرح أئمتهم بأنه يجوز أن تكون أشياء أخر وهذه التسعة إنما أثبتوها بما راوه من اختلاف حركات الكواكب وكذلك اثبتوا لكل كوكب من الخمسة المتحيزة عددا من الأفلاك بسبب اختلاف حركاته وعرفوا ارتفاع بعضها فوق بعض بكسوف الأسفل للأعلى وبينهم اختلاف كثير يطول وصفه في الأمور الفلكية التي لا تعرف بالحس وكثير مما يقولونه في ذلك لا يقوم عليه دليل. ولهذا لما أخبرت الأنبياء بعرش الرب وكرسيه ظن بعضهم أن الكرسي هو الفلك الثامن والعرش هو الفلك التاسع وهذا القول مع أنه لا دليل عليه أصلا فهو

стр. 269

باطل من وجوه كثيرة قد بينا بعضها في مسألة الإحاطة. وجمهورهم يقولون بحدوث هذا العالم وإنما عرف القول بقدمه من أرسطو ومتبعيه وقد رأيت كلام أرسطو في ذلك في مقالة اللام وهي آخر العلم الإلهي ومنتهى فلسفته وتكلمنا على ما ذكره هو وغيره من الفلاسفة وبينا أن ما قاله خالف فيه جمهور الفلاسفة وأساطينهم وليس معه قط دليل يدل على قدم شيء من العالم وإنما تدل على دوام الفاعلية وتوابع ذلك. وقد بسطنا الكلام على ذلك في الكلام على هذا الأصل وما اضطربوا فيه وهم المبتدعون من المتكلمين الذين يضيفون إلى الشريعة ما لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا قاله احد من سلف الأمة ولا أئمتها فيجمعون في كلامهم بين حق وباطل والمتفلسفة في كلامهم حق وباطل وكلا الطائفتين لا يوافق ما دل عليه العقل الصريح المطابق لما جاءت به الرسل. اختلافهم في مدة بقاء العالم: ثم الجمهور منهم القائلون بحدوث هذا العالم تكلم منهم طوائف في بقائه وفي وقت فنائه من الروم والهند وغيرهم لكن بلا دليل صحيح وسبب ذلك أنهم لم يعرفوا للحوادث التي في هذا العالم سببا إلا حركة الفلك وما يتجدد فيه من الأشكال واتصالات الكواكب فقاسوا بقاءه على ذلك فمنهم من قال: "يبقى اثني عشر ألف سنة" ومنهم من قال: "ستة وثلاثين ألف سنة" ومنهم من قال: "ثلثمائة ألف وستون ألف سنة" ومنهم من قال: "ثمانية وأربعين ألف سنة أو أربعة وعشرين ألف سنة" وكل ذلك قول بلا علم

стр. 270

فإن منشأ النزاع أن الثوابت كان المعروف عندهم أنها تقطع الفلك كل مائة سنة درجة من درجات الفلك التي هي ثلثمائة وستون درجة فلما رصدوها زمن المأمون زعموا أن الصحيح أنها تقطعها في ثلثي هذه المدة كل سنة وستين سنة وثلثي سنة والصواب أن الرصد الأول هو الصحيح وقد اعتبر ذلك بمواضع الكواكب التي ذكرها غير واحد من القدماء في كتبهم واصطرلاباتهم ومواضعها الآن تدل على اعتبار ذلك على أن الرصد القديم هو الصحيح وأنها تقطع الدرجة في مائة سنة. وإذا ضرب ذلك في ثلثمائة وستين كان على القول الأول ستة وثلاثين ألفا وعلى القول الثاني أربعة وعشرين ألفا ومن قال ثلثمائة ألف وستون ألفا قال هذا دور في عشرة ادوار ومن قال اثنا عشر ألف سنة جعل لكل برج ألف سنة وليس معهم دليل يدل على أن هذه المدة هي مدة بقاء الفلك. والأصل الذي بنوا عليه فاسد وهو ظنهم أن الحوادث جميعها سببها حركات الفلك. تقابلهم لمنكري تأثير حركات الفلك في الحوادث مطلقا: وهذا الأصل قد تقابلوا فيه هم والمبتدعة من أهل الكلام فأولئك يقولون ليس لشيء من حركات الفلك تأثير في هذا العالم ولا شيء منها سبب في حدوث شيء

стр. 271

بل يطردون هذا في جميع الموجودات فلا يجعلون الله خلق شيئا لسبب ولا لحكمة ولا يجعلون للإنسان قدرة تؤثر في مقدورها ولا لشيء من الأجسام طبيعة ولا غريزة بل يقولون فعل عنده لا به وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة وصرائح العقول. فان الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أقلتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة يذكر سبحانه أنه فعل هذا بهذا كما ذكر أنه انزل الماء بالسحاب وانه أحيا الأرض بالماء. والعلماء متفقون على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره وإثبات الأسباب والقوى كما قد ذكرنا أقوالهم في موضعها وليس من السلف من أنكر كون حركات الكواكب قد تكون من تمام أسباب الحوادث كما أن الله جعل هبوب الرياح ونور الشمس والقمر من أسباب الحوادث. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة "

стр. 272

وأمر رسول الله ﷺ عند الكسوف بالصلاة والذكر والدعاء والصدقة والعتاقة والاستغفار وكذلك عند سائر الآيات التي يخوف الله بها عباده. وقوله: "لا تنكسفان لموت احد ولا لحياته" رد لما كان قد توهمه بعض الناس من أن كسوف الشمس كان لأجل موت إبراهيم ابن النبي ﷺ وكان قد مات وكسفت الشمس فتوهم بعض الجهال من المسلمين أن الكسوف كان لأجل هذا فبين لهم النبي ﷺ أن الكسوف لا يكون سببه موت احد من أهل الأرض ونفى بذلك أن يكون الكسوف معلولا عن ذلك وظنوا أن هذا من جنس اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ كما ثبت ذلك في الصحيح فنفى النبي ﷺ ذلك وبين أن ذلك من آيات الله التي يخوف بها عباده. والتخويف إنما يكون بما يكون سببا للشر قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ فلو كان الكسوف وجوده كعدمه بالنسبة إلى الحوادث لم يكن سببا لشر وهو خلاف نص الرسول. وأيضا في السير أن النبي ﷺ نظر إلى القمر وقال لعائشة: " يا عائشة تعوذي بالله من شر هذا فان هذا هو الغاسق إذا وقب" والاستعاذة إنما تكون مما يحدث عنه شر. وأمر ﷺ عند انعقاد أسباب الشر بما يدفع موجبها بمشيئتة الله تعالى وقدرته من الصلاة والدعاء والذكر والاستغفار والتوبة والإحسان بالصدقة والعتاقة فان هذه الأعمال الصالحة تعارض الشر الذي انعقد سببه كما في الحديث

стр. 273

"إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان". وهذا كما لو جاء عدو فانه يدفع بالدعاء وفعل الخير وبالجهاد له وإذا هجم البرد يدفع باتخاذ الدفء فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء. وهذا ما اتفق عليه الملل وأساطين الفلاسفة حتى يذكر عن بطلميوس أنه قال: "واعلم أن ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات". وكسوف الشمس إنما يكون وقت استسرار القمر آخر الشهر وخسوف القمر إنما يكون ليالي الابدار الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر كما أن الهلال قد يكون ليلة الثلاثين أو الحادي والثلاثين هذا الذي أجرى الله به عادته في حركات الشمس والقمر. وما ذكره بعض الفقهاء من تقدير اجتماع الكسوف وصلاة العيد فهذا لم يقله احد من الصحابة ولا ذكره أكثر العلماء لا احمد ولا غيره ولكن ذكره طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي واحمد وغيرهما تبعا لما ذكره الشافعي وانه ﵁ لما تكلم فيما إذا اجتمع صلاتان كيف يصنع وذكر أنه يقدم ما يفوت على ما لا يفوت ذكر من جملة التقدير صلاة العيد والكسوف طردا للقاعدة مع إعراضه عن كون ذلك يقع أو لا يقع كما يقدر الفقهاء مسائل كثيرة لطرد القياس مع إعراضهم عن وقوع ذلك في الوجود بل يقدرون ما يعلمون أنه لا يقع عادة كعشرين جدة وفروع الوصايا فجاء بعض الفقهاء فأخذ يكابر ويقول أن هذا قد يقع

стр. 274

وذكروا عن الواقدي أنه قال: "إبراهيم مات يوم العاشر وذلك اليوم كسفت الشمس" وهذا كله باطل والواقدي ليس بحجة بالإجماع إذا اسند ما ينقله فكيف إذا كان مقطوعا وقول القائل أنها كسفت يوم العاشر بمنزلة قوله طلع الهلال في عشرين من الشهر لكن هذه عادة ظاهرة يعرفها الناس كلهم وتلك عادة يعرفها من استقراها وعرف أسبابها ومجاري النيرين من الناس. التكلم بلا علم في الشرعيات وفي العقليات وضرره: فليس لأحد أن يتكلم بلا علم بل يحذر ممن يتكلم في الشرعيات بلا علم وفي العقليات بلا علم فان قوما أرادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة وأقيستهم الفاسدة فكان ما فعلوه مما جرا الملحدين اعداء الدين عليه فلا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا. وأقوام يدعون أنهم يعرفون العلوم العقلية وأنها قد تخالف الشريعة وهم من

стр. 275

أجهل الناس بالعقليات والشرعيات وأكثر ما عندهم من العقليات أمور قلدوا من قالها لو سئلوا عن دليل عقلي يدل عليها لعجزوا عن بيانه والجواب عما يعارضه ثم من العجائب أنهم يتركون اتباع الرسل المعصومين الذين لا يقولون إلا الحق ويعرضون عن تقليدهم ثم يقلدون في مخالفة ما جاءوا به من يعلمون هم أنه ليس بمعصوم وانه قد يخطىء تارة ويصيب أخرى. وهؤلاء عندهم أمور معلومة من الحسابيات مثل وقت الكسوف والخسوف ومثل كرية الأفلاك ووجود السحاب من البخاري ونحو ذلك من الأمور الطبيعية والرياضية فيحتجون بها على من يظن أنه من أهل الشرع فيسرع ذلك المنتسب إلى الشرع برد ما يقولونه بجهله فيكون رد ما قالوه من الحق سببا لتنفيرهم عما جاء به الرسول من الحق بسبب مناظرة هذا الجاهل. والله تعالى أمرنا أن لا نكذب ولا نكذب بحق وإنما مدح سبحانه من يصدق فيتكلم بعلم ويصدق ما يقال له من الحق قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وهاتان صفتان لنوع واحد وهو من يجيء بالصدق ويصدق بالحق إذا جاءه فهذا هو المحمود عند الله وأما من كذب أو كذب بما جاءه من الحق فذلك مذموم عند الله تعالى. وكذلك قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي لا تقل ما ليس لك به علم ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ .

стр. 276

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ ومثل هذا متعدد في كتاب الله تعالى. حقيقة ملائكة الله تعالى وعقول الفلاسفة: ثم أن حركات الأفلاك وان كانت من جملة الأسباب فليس الحوادث كلها صادرة عن حركة الفلك بل فوق ذلك من مخلوقات الله أمور أخر. وملائكة الله الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض وهم المدبرات أمرا والمقسمات أمرا التي اقسم الله بها في كتابه ليست هي الكواكب عند احد من سلف الأمة وليست الملائكة هي العقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة المشاون اتباع أرسطو ونحوهم كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع وبين خطأ من يظن ذلك ويجمع بين ما قالوه وبين ما جاءت به الرسل. ويقول: أن قوله: "أول ما خلق الله العقل" هو حجة لهم على العقل الأول ويسمونه القلم ليجعلوا ذلك مطابقا لقوله أول ما خلق الله القلم بسطنا الكلام على ذلك في نحو مجلد في الكلام على السبعينية وغيرها وذكرنا أن حديث العقل ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث كأبي حاتم بن حبان وأبي جعفر العقيلي وأبي الحسن الدارقطني وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم بل هو موضوع عندهم

стр. 277

ومع هذا فلفظه: "أول ما خلق الله العقل قال له: اقبل فأقبل فقال له: أدبر فأدبر فقال: وعزتي ما خلقت خلقا أكرم على منك فبك اخذ ربك أعطى وبك الثواب وبك العقاب" فان كان الحديث صحيحا فهو حجة عليهم لأن معناه أنه خاطب العقل في أول أوقات خلقه بهذا الخطاب وفيه أنه لم يخلق خلقا أكرم عليه منه فهذا يدل على أنه خلق قبله غيره. وأيضا فالعقل في لغة الرسول وأصحابه وأمته عرض من الأعراض يكون مصدر عقل يعقل عقلا كما في قوله: ﴿لعلهم يعقلون﴾ و ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ و ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ونحو ذلك وقد يراد به الغريزة التي في الإنسان قال احمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما: "إن العقل غريزة". والعقل في لغة فلاسفة اليونان جوهر قائم بنفسه فأين هذا من هذا ولهذا قال في الحديث: "فبك اخذ وبك أعطى وبك الثواب وبك العقاب" وهذا يقال في عقل بني ادم. وهم يزعمون أن أول ما صدر عن رب العالمين جوهر قائم بنفسه وانه رب جميع العالم وان العقل العاشر هو رب كل ما تحت فلك القمر ومنه تنزلت الكتب على الأنبياء

стр. 278

وعندهم أن الله لا يعرف عين موسى ولا عيسى ولا محمد ولا غير ذلك من جزئيات هذا العالم فضلا عن علمه بتفاصيل ما جرى يوم بدر ويوم احد ويوم الأحزاب وغير ذلك من الأحوال التي يذكرها الله في القران ويخبر بما كان ويكون من الأمور المعينة الجزئية. ولهذا كان قولهم في النبوة أنها مكتسبة وأنها فيض يفيض على روح النبي إذا استعدت نفسه لذلك فمن راض نفسه حتى استعدت فاض ذلك عليه وان الملائكة هي ما يتخيل في نفسه من الخيالات النورانية وكلام الله هو ما يسمعه في نفسه من الأصوات بمنزلة ما يراه النائم في منامه. ومن عرف ما اخبر الله به عن ملائكته جبريل وغيره في غير موضع علم أن هذا الذي قالوه اشد مخالفة لما جاءت به الرسل من أقوال الكفار المبدلين من اليهود والنصارى فان الله اخبر عن الملائكة لما جاءوا إلى إبراهيم في صورة البشر أضيافا ثم ذهبوا إلى لوط في غير موضع واخبر عن جبريل حين ذهب إلى مريم وتمثل لها بشرا سويا ونفخ فيها. وكان جبريل يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي غير مرة واتاه مرة في صورة أعرابي وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن الحرث بن هشام قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي قال: " يأتيني أحيانا

стр. 279

في مثل صلصلة الجرس وهو اشد على فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" قالت: "عائشة لقد رايته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا". وقد قال تعالى: ﴿أنه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ وأكثر القراء يقرءون (بظنين) يعني بمتهم وقد قرى (بضنين) أي ببخيل وزعم بعض المتفلسفة أن هذا هو العقل الفعال لأنه دائم الفيض فيقال قد قال ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ والعقل الفعال لو قدر وجوده فلا تأثير له فيما ثم وإنما تأثيره فيما تحت فلك القمر فكيف ولا حقيقة له. بل ما يدعونه من المجردات والمفارقات غير النفس الناطقة كالعقول والنفوس إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان كما بسط الكلام عليها في الصفدية وغيرها فان ما يقولونه من العقليات في الطبيعيات غالبه صحيح وكذلك في الحساب المجرد حساب العدد والمقدار الكم والكيف فان هذا كله صحيح وإنما يغلط الإنسان فيه من نفسه. ابن سينا والعبيديون الإسماعيلية: وأما الإلهيات فكلام أرسطو وأصحابه فيها قليل جدا ومع قلته فكثير منه بل أكثره خطأ ولكن ابن سينا اخذ ما ذكروه وضم إليه أمورا أخر من أصول المتكلمين واخذ يقول ما ذكره على بعض ألفاظ الشرع وكان هو وأهل

стр. 280

بيته من الملاحدة الباطنية اتباع الحاكم وعيرة من العبيديين الإسماعيلية وأولئك كانوا يستعملون التأويل الباطن في جميع أمور الشريعة علميها وعمليها حتى تأولوا الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت لكن كانوا يأمرون بالشريعة لعوامهم فإنهم كانوا يتظاهرون بالتشيع. وكانت الرافضة الاثنا عشرية تدعى أن الإمامة بعد جعفر في ابنه موسى بن جعفر فادعى هؤلاء أنها في ابنه إسماعيل بن جعفر وانتقلت إلى ابنه محمد بن إسماعيل وادعوا أن ميمون القداح بن محمد هذا وسموا محمد هذا هو الإمام المخفى وإنما كان ميمون هذا يعرف بالانتساب إلى باهلة وقد ذكر غير واحد من أهل المعرفة أنه كان يهوديا وكان من أبناء المجوس كما ذكر ذلك القاضي أبو بكر ابن الطيب في كتاب كشف أسرارهم وهتك أستارهم وغيره من علماء المسلمين. وأما قرامطة البحرين أبو سعيد بن الجنابى وأصحابه فأولئك كانوا يتظاهرون بالكفر الصريح ولهذا قتلوا الحجاج والقوهم في بئر زمزم واخذوا الحجر

стр. 281

الأسود وبقى عندهم مدة. بخلاف العبيديين فإنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام ويقولون أنهم شيعة فالظاهر عنهم الرفض لكن كان باطنهم الإلحاد والزندقة كما قال أبو حامد الغزالي في كتاب المستظهري ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض وهذا الذي قاله أبو حامد فيهم هو متفق عليه بين علماء المسلمين وكانوا يأمرون عامتهم بالعبادات وهم على درجات مرتبة عندهم كلما ارتفع درجة عبروا الشريعة عنده فإذا انتهى اسقطوا عنه الشرع. وكان ابن صباح من أتباعهم أحنا عن المستنصر الذي جرى في أيامه فتنه البساسيرى وهو الذي أحدث السكين وأصحاب الالموت من اتباعه والذين كانوا بالشام كسنان ونحوه هم من اتباع أولئك وباطنهم مركب من مذهب المجوس والفلاسفة واخذوا عن المجوس الأصلين النور والظلمة واخذوا عن الفلاسفة العقل والنفس وعبروا هم عن ذلك ب السابق والتالي

стр. 282

فلما دخل معهم المتفلسفة كابن سينا وأمثاله تبين لهم أن ما يدعونه على الرسول من التأويلات مما يعلم بطلان كثير منها بالضرورة والفيلسوف من حيث هو فيلسوف ليس له غرض فيما يعلم أنه باطل فسلكوا مسلكا بين مسلك هؤلاء الملاحدة وبين دين المسلمين فالشرائع الظاهرة أقروها ولم يتأولوها لكن قد يقولون أن بعضها يسقط عن الخاصة ودخل معهم في هذا طائفة من متصوفة الفلاسفة كابن عربي وابن سبعين وغيرهما وأما العلميات فتأولوا بعضها كاللوح قالوا هو النفس الكلية والقلم هو العقل الفعال وربما قالوا عن الكوكب والشمس والقمر التي رآها إبراهيم أنها النفس والعقل الفعال والعقل الأول وتأولوا الملائكة ونحو ذلك. وأما صفات الرب ومعاد الأبدان وغير ذلك فمذهب محققيهم كابن سينا وأمثاله أنها لا تتأول وأن ما دلت عليه ليس ثابتا في نفس الأمر ولا يستفاد منها علم قالوا بل المراد منها خطاب الجمهور بما يخيل إليهم ما يعتقدونه في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر لينتفعوا بذلك الاعتقاد وإن كان باطلا لا حقيقة له في نفس الأمر فان هذا غايته أن الأنبياء كذبوا لمصلحة الجمهور وهم يرون مثل ذلك من تمام حكمتهم وهم يعظمون شرائع الأنبياء العملية وأما العلمية فعندهم العلم في ذلك بما يقوله الفلاسفة وأما الأنبياء فلا يستفاد من جهتهم علم بذلك. ثم منهم من يقول النبي أعظم من الفيلسوف فيقولون النبي كان في الباطن على مذهب هؤلاء الفلاسفة لكن خاصته التخييل وإن كان كذبا في الحقيقة لمصلحة الجمهور ومنهم من يقول بل الفيلسوف أعظم من النبي، والنبي قد لا يكون عارفا في الباطن بما يجوز على الله وما لا يجوز وحقيقة الأمر في المعاد لكن هو حاذق في وضع الشرائع العملية. وكثير من ملاحدة المتصوفة كابن عربي وابن سبعين والقونوي

стр. 283

والتلمساني وغيرهم يوافقونهم في أصولهم لكن يغيرون العبارات فيعبرون بالعبارات الإسلامية عما هو قولهم وفي الكتب المضنون بها على غير أهلها وغيرها من كتب مصنفيها قطعة من هذا وبسبب ذلك وقع ابن عربي وأمثاله من ملاحدة المتصوفة مع هؤلاء ولهذا كثر كلام علماء المسلمين في مصنفيها ومن الناس من ينكر أن تكون من كلام أبي حامد لما رأى ما فيها من المصائب العظيمة وآخرون يقولون بل رجع عن ذلك وختم له بالاشتغال بالبخاري ومسلم كما قد ذكر ذلك في سيرته. وهؤلاء المتفلسفة ومتصوفوهم كابن سبعين وأتباعه يجوزون أن يكون الرجل يهوديا أو نصرانيا أو مشركا يعبد الأوثان فليس الإسلام عندهم واجبا ولا التهود والتنصر والشرك محرما لكن قد يرجحون شريعة الإسلام على غيرها وإذا جاء المريد إلى شيخ من شيوخهم وقال: "أريد أن اسلك على يديك" يقول له: "على دين المسلمين أو اليهود أو النصارى" فإذا قال له المريد: اليهود والنصارى أما هم كفار؟ يقول: لا ولكن المسلمون خير منهم" وهذا من جنس جهال التتر أول ما أسلموا فان الإسلام عندهم خير من غيره وإن كان غيره جائزا لا يوالون عليه ويعادون عليه. وهذا أيضا أكثر اعتقاد علماء النصارى أو كثير من اليهود يرون دين المسلمين واليهود والنصارى بمنزلة المذاهب في دين المسلمين فيجوز للرجل عندهم أن

стр. 284

ينتقل من هذه الملة إلى تلك أما لرجحانها عنده في الدين وأما لمصلحة دنياه كما ينتقل الإنسان من مذهب بعض أئمة المسلمين إلى مذهب إمام آخر كما ينتقل من مذهب مالك إلى الشافعي ومن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب احمد ونحو ذلك. أرسطو ومشركوا اليونان: وأما أرسطو وأصحابه فكانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب وهكذا كان دين اليونان والروم قبل ظهور دين المسيح فيهم وكان أرسطو قبل المسيح بنحو ثلثمائة سنة وكان وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ له اليهود والنصارى التأريخ الرومي وكان قد ذهب إلى ارض الفرس واستولى عليها. وطائفة من الناس تظن أنه كان وزير الاسكندر ذي القرنين المذكور في القران وهذا جهل فان ذا القرنين كان مقدما على أرسطو بمدة عظيمة وكان مسلما يعبد الله وحده لم يكن مشركا بخلاف المقدوني وذو القرنين بلغ أقصى المشرق والمغرب وبنى سد يأجوج ومأجوج كما ذكر الله في كتابه والمقدوني لم يصل لا إلى هذا ولا إلى هذا ولا وصل إلى السد. وآخر ملوكهم كان بطلميوس صاحب المجسطي وبعده صاروا نصارى وكانت اليونان والروم مشركين كما ذكر يعبدون الشمس والقمر والكواكب ويبنون لها هياكل في الأرض ويصورون لها أصناما يجعلون لها طلاسم من جنس شرك النمرود بن كنعان وقومه الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل صلوات الله

стр. 285

وسلامه عليه. وبقايا هذا الشرك في بلاد الشرق في بلاد الخطا والترك يصنعون الأصنام على صورة النمرود ويكون الصنم كبيرا جدا ويعلقون السبح في أعناقهم ويسبحون باسم النمرود ويشتمون إبراهيم الخليل. وكان من النفر القادمين إلى دمشق سنة ٦٩٩ تسع وتسعين وستمائة بعض هؤلاء وهو يجمع بين أن يصلي الصلوات الخمس وبين أن يسبح باسم نمرود وهذا أيضا مذهب كثير من هؤلاء المتفلسفة وعلمائهم وعبادهم يصلون الصلوات الخمس ويعبدون الشمس والقمر أو غيرهما من الكواكب ومن هؤلاء طوائف موجودون في الشام ومصر والعراق وغير ذلك. وسبب ذلك أنه يحصل لهم أحيانا من جنس ما يظهر للمشركين الذين كانوا يعبدون الكواكب والأصنام فأنه كانت من الشياطين تدخل في الصنم وتكلم عابديه فتخبرهم بأمور مكاشفة لهم وتأمرهم بأمور يطلبون منهم قضاء حوائجهم. قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً﴾ قال ابن عباس: "كان في كل صنم شيطان يتراأى للسدنة فيكلمهم" وقال أبي بن كعب: "مع كل صنم جنية". ولهذا لما أرسل النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى العزى وكانت العزى عند عرفات خرجت منها عجوز ناشرة شعرها وقال النبي ﷺ : "هذه شيطانة العزى وقد يئست العزى أن تعبد بأرض العرب " وكان خالد يقول: "يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك" وأما اللات فكانت عند الطائف ومناة الثالثة الأخرى كانت حذو قديد بالساحل
следующие страницы →