← Акыда

Акыда · id 7626

الرد على المنطقيين

ابن تيمية

Полный текст (546 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يكون الحكم لازما للدليل بحيث يكون حيث تحقق الدليل تحقق الحكم حتى يثبت الحكم في جميع صور المحكوم عليه. وإذا كان كذلك فقد يستدل بالمعين على المعين المساوي له في العموم والخصوص كالاستدلال بإحدى كواكب السماء على الملازم كما يستدل بالجدي على بنات نعش وببنات نعش على الجدي ويستدل بالجدي على جهة الشمال وبجهة الشمال على الجدي ويستدل بالشمس على المشرق وبالمشرق على الشمس ومن هذا الباب ما ذكر من أخبار نبينا ﷺ في كتب الأنبياء قبله فإنها صفات مطابقة له ليست اعم منه ولا أحص منه وكذلك سائر الأمور المتلازمة فانه يستدل بأحد المتلازمين على ثبوت الآخر وبانتفائه على انتفائه فإذا كان المدلول معينا كانت الآية معينة. وقد تكون الآية تستلزم وجود المدلول من غير عكس كآيات الخالق فانه يلزم من وجوده وجدوده ولا يلزم من وجوده وجودها وهي كلها آيات دالة على نفسه المقدسة لا على أمر كلى لا يمنع تصوره من وقوع الاشتراك فيه بينه وبين غيره بل ذلك مدلول القياس. والقرآن يستعمل الاستدلال بالآيات ويستعمل أيضا في إثبات الإلهية قياس الأولى وهو أن ما ثبت لموجود مخلوق من كمال لا نقص فيه فالرب أحق به وما نزه عنه مخلوق من النقائص فالرب أحق بتنزيهه عنه كما ذكر هذا في محاجته للمشركين الذين جعلوا له شركاء فقال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ

стр. 352

بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ وكذلك في إثبات صفاته وإثبات النبوة والمعاد كما قد بسط في موضعه. وأما القياس الذي يستوي أفراده ويماثل الفرع فيه أصله فهذا يمتنع استعماله في حق الله تعالى فان الله لا مثل له وإذا استعمل فيه مثل هذا القياس لم يفد إلا أمرا كليا مشتركا بينه وبين غيره لا يدل على ما يختص به الرب سبحانه إلا أن يضم إليه علم آخر فان هذا الكلى الذي هو مدلول القياس قد انحصر نوعه في شخصه وهذا أيضا لا يفيد التعيين بل لا بد في التعيين من علم آخر. الوجه الرابع: التصور التام للحد الأوسط يغنى عن القياس المنطقي: الوجه الرابع: أن يقال القياس ثلاثة أنواع قياس التداخل وقياس التلازم وقياس التعاند باعتبار القضايا الحملية والشرطية المتصلة والشرطية المنفصلة ومن ذلك تعرف المختلطات فنقول مثلا في قياس التداخل له ثلاثة حدود الحد الأصغر والحد الأوسط والحد الأكبر إذا قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام ف المسكر مثلا هو الحد الأصغر والخمر الأوسط والحرام الأكبر والأصغر لا بد أن يكون داخلا في الأوسط لأنه اخص منه أو مساويا له والشئ يدخل في أكثر منه وفي نظيره كما يدخل الإنسان في الحيوان فان الحيوان اعم وكذلك الإنسان والناطق والضحاك متلازمة فكل منها يتناول الآخر فكذلك التداخل في الأحكام الشرعية فان من شرب الخمر ثم شرب ثم شرب كفاه حد

стр. 353

واحد والنتيجة المطلوبة هي كل مسكر حرام. والنظر نوعان: أحدهما: النظر في المسألة التي هي القضية المطلوب حكمها ليطلب دليلها الذي هو الحد الأوسط مثلا وهذا هو النظر الذي لا يجامع العلم بل يضاده لأن هذا الناظر طالب للعلم بها ولو كان عالما بها لم يطلب العلم لأن ذلك تحصيل الحاصل والثاني: النظر في الدليل وهو العلم بالدليل المستلزم للعلم بالمدلول عليه وهو تصور الحد الأوسط المستلزم لثبوت الأكبر للأصغر مثل من يعلم أن الخمر حرام وأن كل مسكر خمر فيلزم أن يعلم أن كل مسكر حرام وهذا النظر هو ترتيب المقدمتين في النفس وهذا النظر هو الذي يوجب العلم ولا ينافى العلم. وللناس في هذا الباب اضطراب عظيم هل النظر مفيد للعلم أو غير مفيد وهل هو ضد العلم أم لا وأمثال ذلك وكثير من النظار يقول في مصنفه أن النظر يضاد العلم ويقول أيضا أنه مستلزم للعلم وهذا تناقض بين فان ملزوم الشيء لا يكون مضادا له لكن النظر الذي يستلزم العلم غير النظر الذي يضاده فذاك هو النظر الاستدلالي وهذا هو النظر الطلبي ذاك هو نظر في الدليل فإذا تصوره وتصور استلزامه للحكم علم الحكم والنظر الطلبي نظر في المطلوب حكمه هل يظفر بدليل يدله على حكمه أو لا يظفر كطالب الضالة والمقصود قد يجده وقد لا يجده وقد يعرض عنهما فان الأول انتقال من المبادئ إلى المطالب والآخر انتقال من المطالب إلى المبادئ. وتحقيق الأمر أن النظر نوعان بمنزلة نظر العين وهو نوعان: أحدهما: التحديق لطلب الرؤية وهو بمنزلة تحديق القلب في المسألة لطلب حكمها وهذا قد يحصل معه العلم وقد لا يحصل ولا يكون طالب العلم حين الطلب عالما بمطلوبة تصديقا كان علمه أو تصورا على رأى من جعل التصور المطلوب خارجا عن التصديق والثاني: نفس الرؤية وهو بمنزلة رؤية الدليل كترتيب المقدمتين والظفر بالحد الأوسط

стр. 354

فهذا يوجب العلم كما توجب رؤية العين العلم بالمرئي ولا ينافى هذا النظر العلم فهذا الثاني نظر في الدليل كالذي ينظر في القرآن والحديث فيعلم الحكم والأول نظر في الحكم كالذي ينظر في المسألة لينال دليلها من القرآن والحديث. فنقول من المعلوم أن معرفة القلب بثبوت المحمول للموضوع وهو ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت الحكم المسئول عنه مثل حرمة المسكر قد تحصل بواسطة هذا الحد وهو أن يعلم أن هذا خمر مع علمه أن الخمر حرام وهذا قياس الشمول وقد يحصل بغير هذا مثل أن يرى أن المسكر مساو لخمر العنب في مناط التحريم فيستوي بينهما في التحريم وهذا قياس التمثيل وقد يحصل بأن يرى فيه المفسدة التي في الخمر فيحكم بالتحريم لدرء تلك المفسدة وهذا قياس التعليل. وقياس التمثيل وقياس التعليل يشملهما جنس القياس لكن القياس قد يحتاج في إثبات الحكم في الفرع إلى اصل معين فيلحق الفرع به أما لإبداء الجامع وأما لإلغاء الفارق فان إبداء الجامع وهو علة الحكم في الأصل يسمى قياس العلة وأما ما يدل على العلة وهو قياس الدلالة فهذا صار قياس تمثيل وتعليل معا وإن قاس بإلغاء الفارق وهو أن يبين له أنه ليس بينهما فرق مؤثر وإن لم يعلم عين العلة فهذا قياس تمثيل لا تعليل وقد يقوم دليل على أن الوصف الفلاني مستلزم للحكم وإن لم يعرف له أصل معين وهذا قياس تعليل وهو يشبه قياس الشمول. وقياس الشمول وقياس التمثيل متلازمان فكل ما ذكر بهذا القياس يمكن ذكره بهذا القياس فان قياس الشمول لا بد فيه من حد أوسط مكرر وذاك هو مناط الحكم في قياس التمثيل وهو القدر المشترك وهو الجامع بين الأصل والفرع مثال ذلك إذا قيل النبيذ حرام قياسا على الخمر لأن فيه الشدة المطربة

стр. 355

وهذه هي العلة في التحريم أو لأنه مسكر والمسكر هو علة التحريم وبين ذلك بدليله كان قياسا صحيحا وإذا قيل النبيذ مسكر وكل مسكر حرام أو النبيذ فيه الشدة المطربة وما فيه الشدة المطربة فهو حرام فهذا أيضا صحيح وكل ما أمكن أن يستدل به على صحة المقدمة الكبرى أمكن أن يستدل به على كون الوصف المشترك علة للحكم في الأصل وكل ما أمكن يستدل به على الصغرى فانه يستدل به على ثبوت الوصف في الفرع. ثم أن كان ذاك الدليل قطعيا فهو قطعي في القياسين وإن كان ظنيا فهو ظني في القياسين وأما دعوى من يدعى من المنطقيين وأتباعهم أن اليقين إنما يحصل ب قياس الشمول دون قياس التمثيل فهو قول في غاية الفساد وهو قول من لم يتصور حقيقة القياسين كما قد بسط في موضعه. وقد يعلم الحكم المطلوب بنص على أن كل مسكر حرام كما قد ثبت هذا الحديث في الصحاح عن النبي ﷺ وإذا كان كذلك لم يتعين قياس الشمول لإفادة الحكم بل ولا قياس من الأقيسة فانه قد يعلم بلا قياس. وإذا علم بقياس الشمول فكل ما يعلم بقياس الشمول فانه يعلم بقياس التمثيل أيضا كما تقدم ويجعل الحد الأوسط هو الجامع بين الأصل والفرع والدليل الذي يقيمه صاحب قياس الشمول على صحة المقدمة الكبرى الكلية يقيمه صاحب قياس التمثيل على علية الوصف وإن الجامع وهو الوصف المشترك الذي هو الحد الأوسط في قياس الشمول هو مستلزم للحكم وهو علية في الأصل كما يقيمه في ذاك على أن الحد الأكبر لازم للحد الأوسط فالحد الأكبر في قياس الشمول هو الحكم في قياس التمثيل والحد الأوسط هو الجامع المشترك ويسمى المناط والحد الأصغر هو الفرع ويمتاز قياس التمثيل بأن فيه ذكر اصل يكون نظيرا للفرع الذي هو الحد الأصغر وقياس الشمول ليس فيه هذا فصار في قياس التمثيل ما

стр. 356

في قياس الشمول وزيادة وقد بسط هذا في موضع آخر. وقد لا يحتاج إلى دليل آخر ذي مقدمتين ولا قياس ولا غيره بل يكفيه مقدمة واحدة وقد يستغنى أيضا عن تلك المقدمة بتصوره التام ابتداء مثل أن يكون نفس علمه بأن الخمر حرام قد تصور معه مسمى الخمر أنها المسكر فصار علمه بجميع مفردات الخمر سواء فيعلم أن هذا المسكر خمر حرام وهذا المسكر خمر حرام وأمثال ذلك أو يعلم أن الخمر حرام ولا يعلم أن كل مسكر يسمى خمرا بل يظن ذلك الاسم مختصا ببعض المسكرات فإذا علم بنص الشارع أو باستعمال الصحابة الذين نزل فيهم القرآن أو بأنها لما حرمت لم يكن عندهم من عصير الأعناب شيء وإنما كان الذي يسمونه خمرا هو المسكر من نبيذ التمر أو بغير ذلك من الأدلة إذا علم هذه المقدمة الواحدة وهو أن كل مسكر خمر علم الحكم. فتبين أن قولهم أن المطلوب لا بد فيه من القياس وذلك القياس يجب أن يكون القياس المنطقي الشمولي ولا بد فيه من مقدمتين ليس بصواب وهذا يبطل قولهم لا علم تصديقي إلا بالقياس المنطقي كما تقدم وأما هنا فالمقصود بيان قلة منفعته أو عدمها وذلك أن هذا المطلوب أن كان معه قضية علمت من جهة الرسول تفيده العموم وهو أن كل مسكر حرام حصل مدعاه فالقضايا الكلية المتلقاة عن الرسل تفيد العلم في المطالب الإلهية. وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه أما منتقضة وأما أنها بمنزلة قياس التمثيل وأما أنها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة بل بالمقدرات الذهنية كالحساب والهندسة فانه وإن كان ذلك يتناول ما وجد على ذلك المقدار فدخول المعين فيه لا يعلم بالقياس بل بالحس فلم يكن القياس محصلا للمقصود أو تكون مما لا اختصاص لهم بها بل يشترك فيها سائر الأمم بدون خطور منطقهم بالبال مع استواء قياس التمثيل وقياس الشمول

стр. 357

وإثبات العلم بالصانع والنبوات ليس موقوفا على شيء من الأقيسة بل يعلم بالآيات الدالة على شيء معين لا شركة فيه ويحصل بالعلم الضروري الذي لا يفتقر إلى نظر وما يحصل منها بالقياس الشمولي فهو بمنزلة ما يحصل بقياس التمثيل فهو أمر كلى لا يحصل به العلم بما يختص به الرب وما يختص به الرسول إلا بانضمام علم آخر إليه. والعلم بصدق المخبر المعين وإن لم يكن نبيا يعلم بأسباب متعددة غير القياس ويعلم أيضا بقياس التمثيل كما يعلم بقياس الشمول فكيف العلم بصدق النبي الصادق ﷺ وقد ذكرنا طرقا من الطرق التي يعلم بها صدق الأنبياء في غير هذا الموضع. والناس يعلمون الأمور الموجودة وصفاتها وأحوالها من غير قياس شمولي فضلا عن أن يقال لا بد هنا من مقدمتين صغرى وكبرى فالصغرى هي المشتملة على الحد الأصغر والكبرى المشتملة على الحد الأكبر والحد الأوسط متكرر فيها خبر محمول في الصغرى ومبتدأ موضوع في الكبرى كقولك كل خمر حرام فيقال إذا علم أن كل خمر حرام فقد يعلم ابتداء مفردات الخمر وأنها شاملة لكل مسكر بل يظن أنها متناولة لبعض المسكر كعصير العنب التي المشتد ثم يعلم بعد ذلك شمولها لكل مسكر وهو إذا تجدد له هذا العلم فإنما يجدد له علمه بالعموم وعلمه بالعموم إنما يعود بتصوره التام لمسمى الخمر فانه كان قبل ذلك لم يتصورها تصورا جامعا بل تصورا غير جامع ولو حصل له هذا التصور الجامع لم يحتج إلى قياس فقد تبين أن القياس المفيد للتصديق يغنى عنه التصور التام للحد الأوسط. كل تصور يمكن جعله تصديقا وبالعكس: وهذا يؤول إلى أمر وهو أن كل ما يسمونه تصورا يمكن جعله تصديقا وما يسمونه تصديقا يمكن جعله تصورا فان القائل إذا قال ما الخمر

стр. 358

المحرمة فقال المجيب هي المسكر كان هذا عندهم تصورا واحدا وهو تصور مسمى الخمر وهذا في الحقيقة تصديق مركب من موضوع ومحمول وإذا قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام كان هذا قياسا وهو يفيد التصديق الذي هو المسكر حرام ويفيد أن المسكر داخل في مسمى الخمر وإن أريد بيان الحد المطرد المنعكس قيل المسكر هو الخمر وكل خمر حرام فيفيد هذا القياس تصور معنى الخمر. وسبب ذلك أن كل ما يتكلم به في الحد والقياس هو قضية تامة وهي الجملة في اصطلاح النحاة والجواب في السؤال عن التصور وعن التصديق هو بقضية تامة هي جملة خبرية فكلاهما قول مركب في السؤال والجواب وكلاهما فيه إثبات صفة لموصوف كإثبات الخمرية للمسكر وهو إثبات محمول لموضوع والإنسان هو في الموضعين قد تصور أن المسكر هو الخمر وصدق بأن المسكر هو الخمر فأما التصور المفرد الذي لا يعبر عنه إلا ب اسم مفرد فذلك لا يسأل عنه باللفظ المفرد ولا يجاب عنه باللفظ المفرد حتى يفصل نوع تفصيل يصلح لمثله لأن يكون جملة. وهذا قد بسط في غير هذا الموضع كما بسط في الكلام على المحصل وغيره وبين أن قولهم العلم ينقسم إلى تصور وتصديق وأن التصور وهو التصور الساذج العرى عن جميع القيود الثبوتية والسلبية كلام باطل فان كل ما عرى عن كل قيد ثبوتي وسلبي يكون خاطرا من الخواطر ليس هو علما أصلا بشئ من الأشياء فان من خطر بقلبه شيء من الأشياء ولم يخطر بقلبه صفة لا ثبوتية ولا سلبية لم يكن قد علم شيئا. وإذا قيل الإنسان حيوان والعالم مخلوق ونحو ذلك فهنا قد تصور إنسانا علم أنه موجود لم يتصور شيئا تصورا ساذجا لا نفى فيه ولا إثبات بل تصور وجوده وغير ذلك من صفاته وكذلك العالم قد تصور وجوده وإذا تصور بحر زئبق وجبل ياقوت فان لم يتصور مع هذا عدمه في الخارج

стр. 359

ولا امتناعه ولا شيء من الأشياء كان هذا خيالا من الخيالات ووسواسا من الوساوس ليس هذا من العلم في شيء فان تصور مع ذلك عدمه في الخارج كان قد تصور تصورا مقيدا بالعدم لم يكن تصوره خاليا من جميع القيود. فان قلت: فما التصور القابل للتصديق المشروط فيه قيل هو التصور الخالي عن معرفة ذلك التصديق ليس هو الخالي عن جميع القيود السلبية والثبوتية فإذا كان يشك هل النبيذ حرام أم لا فقد تصور النبيذ وتصور الحرام وكل من التصورين متصور بقيود فهو يعلم أن النبيذ شراب وأنه موجود وأنه يشرب وأنه يسكر وغير ذلك من صفاته لكن لم يعلم أنه حرام فليس من شرط التصور المشروط في التصديق أن يكون ساذجا خاليا عن كل قيد ثبوتي وسلبي بل أن يكون خاليا عن التقييد بذلك التصديق. وقول القائل التصديق مسبوق بالتصور مثل قوله القول مسبوق بالعلم فليس لأحد أن يتكلم بما لا يعلم كذلك لا يصدق ولا يكذب لما لا يتصوره وحينئذ فالتصور التام مستلزم للتصديق والتصور الناقص يحتاج معه إلى دليل يثبت له حكم. وهذا يقرر ما عليه نظار المسلمين كما قررنا ذلك من قبل من أن التصورات المفردة لا تعلم بمجرد الحد وأن المطلوب بالحد هو تصديق يفتقر إلى ما تفتقر إليه التصديقات فكما ذكرنا هناك أن الذي يجعلونه حدا هو تصديق يفتقر إلى دليل فيقال هنا ما يجعلونه قياسا يعود في الحقيقة إلى الحد والتصور كما يعود هذا القياس إلى أن يعلم مسمى الخمر وإذا كان كذلك فإذا كانوا يقولون أن الحد لا يقام عليه دليل ولا يحتاج إلى قيام دليل فنقول العلم بمسمى الخمر لا يحتاج إلى قياس بل قد يعلم بما يعلم به سائر التصورات المفردة ومسميات جميع الأسماء من تفطن النفس لشمول ذلك المعنى لهذه الصورة وثبوته فيها. وكلما تدبر العاقل هذا وعرفه معرفة جيدة تبين له أن الصواب ما عليه نظار المسلمين

стр. 360

وجماهير العقلاء من أن الحدود بمنزلة الأسماء وهو تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال وأن المطلوب من الحد هو التمييز بين المحدود وغيره وذلك يكون بالوصف الملازم له طردا وعكسا بحيث يكون الحد جامعا مانعا. وأنه مع ذلك ليس لأحد أن يدعي دعوى غير بديهية إلا بدليل فالحاد أن كان يحد مسمى اسم كما يقول في الخمر أنها المسكر وفي الغيبة أنها ذكرك أخاك بما يكره وفي الكبر أنه بطر الحق وغمط الناس فعليه أن يبين أن ما ذكره مطابق لمسمى ذلك الاسم أما بالنقل عن الشارع المتكلم بهذه الأسماء مثل أن يقول قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مسكر خمر " وما ليس بمسكر فليس بخمر بالإجماع فيثبت أن الخمر هو المسكر أو يقول ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره" فقال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ". فإذا عورض هذا بما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لفاطمة بنت قيس لما استشارته فيمن خطبها فقالت: خطبني أبو جهم ومعاوية فقال: "أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء " وفي لفظ "لا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحى أسامة " فإذا قال المعترض هنا قد ذكر كلا منهما بما يكره والغيبة محرمة كان الجواب مع إحدى المقدمتين بأن يقال لا نسلم أن هذا داخل في حد الغيبة وإن سلم دخوله في الحد دل على جواز الغيبة لمصلحة راجحة مثل نصيحة المستشير فإنها لما استشارته وجب نصحها ومثل ذلك الكلام في جرح الرواة الكاذبين والغالطين وشهادة الشاهد الكاذب وشكاية المظلوم وغير

стр. 361

ذلك عما دل الشرع على جوازه. فانه يقال فيه أحد الأمرين لازم أما أن يقال المؤمن لا يكره ذلك إذا كان صادق الإيمان لأن المؤمن لا يكره ما أمر الله ورسوله به وهذا مما أمر الله به ورسوله ويقال أن كرهه فهو من هذه الجهة ناقص الإيمان فيه شعبة نفاق فلا يكون هو الأخ الذي قيل فيه ذكرك أخاك بما يكره وهذا مبنى على أن الشخص الواحد يكون فيه طاعة ومعصية وبر وفجور وخير وشر وشعبة إيمان وشعبة نفاق أو يقول إذا سلم شمول اللفظ له هذا من الغيبة المباحة فلا بد من التزام أحد أمرين أما أنه لم يدخل في مسمى الغيبة وأما أنه لم يدخل فيما حرم منها ولهذا نظائر. والمقصود التنبيه على المثال وأن من ادعى حد اسم فلا بد له من دليل وكذلك أن ادعى حدا بحسب الحقيقة. وهذا الذي عليه نظار المسلمين وغيرهم أصح مما عليه أهل المنطق اليوناني من وجوه فان أولئك يدعون أن الحد يفيد تصوير الماهية في نفس المستمع ويدعون أن ذلك يحصل بمجرد قول الحاد من غير دليل أصلا. ثم أنهم عمدوا إلى الصفات اللازمة للموصوف ففرقوا بينها وجعلوها ثلاثة أصناف ذاتية داخلة في الماهية وخارجة لازمة للماهية دون وجودها وخارجة لازمة لوجودها وهذا كله باطل إذا أريد بالماهية الموجودات الخارجية وهي التي تقصد بالحد والتعريف وأما إذا قدر أن الماهية هي مجرد ما يتصوره النفس فقدر تلك الماهية وصفتها يتبع تصور المتصور فتارة يتصور جسما حساسا ناميا متحركا بالإرادة ناطقا فتكون الماهية هي هذه الأجزاء كلها وتارة يتصور حيوانا ناطقا وتارة يتصور حيوانا ضاحكا وتارة يتصور ضاحكا فقط وتارة يتصور ناطقا فقط فإذا جعل ما دخل في تصوره داخلا فيه وما

стр. 362

خرج عنه لازما له أو غير لازم كما ذكر ذلك بعضهم وكما ذكروه من دلالة المطابقة والتضمن الالتزام كان هذا صحيحا لكن ليس فيه منفعة في العلوم والحقائق ومعرفة صفاتها الذاتية وغير الذاتية أصلا بل هذا يرجع إلى تصور مراد المتكلم سواء كان حقا أو باطلا. وأما نظار المسلمين فالحد عندهم يكون بالوصف الملازم والوصف الواحد الملازم كاف لا يذكرون معه الوصف المشترك لا الجنس ولا العرض العام بل يعيبون على من يذكر ذلك في الحدود وهل يحد بالتقسيم لهم فيه قولان والصفات تنقسم إلى قسمين لازمه للموصوف وغير لازمة والذي عليه نظار أهل السنة وسائر المثبتين للصفات والقدر أن وجود كل شيء في الخارج عين حقيقته فاللازم للموجود الخارجي لازم للحقيقة الخارجية ولا يقبل من أحد دعوى غير معلومة إلا بدليل فأين هذا المنطق وأين هذا الميزان المستقيمة العادلة من ميزان أولئك الجائرة الغائلة التي ليس فيها لا صدق ولا عدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ . الوجه الخامس: من الأقيسة ما تكون مقدمتاه ونتيجته بديهية الوجه الخامس: أن يقال هذا القياس هو قياس الشمول وهو العلم بثبوت الحكم لكل فرد من الأفراد. فنقول قد علم وسلموا أنه لا بد أن يكون العلم بثبوت بعض الأحكام لبعض

стр. 363

أفرادها بديهيا فان النتيجة إذا افتقرت إلى مقدمتين فلا بد أن ينتهي الأمر إلى مقدمتين تعلم بدون مقدمتين وإلا لزم الدور أو التسلسل الباطلان ولهذا كان من المقرر عند أهل النظر أنه لا بد في التصورات والتصديقات من تصورات بديهية وتصديقات بديهية. ولفرض المقدمتين البديهيتين كل مسكر خمر وكل خمر حرام وإن لم يكن هذا بديهيا لكن المقصود التمثيل ليعلم بالمثال حكم سائر القضايا فإذا قدر أنه علم بالبديهة أن كل فرد من أفراد الخمر حرام وعلم بالبديهة أن كل فرد من أفراد المسكر خمر كان علمنا بالبديهة أن هذه الأفراد حرام من أسهل الأشياء. وإنما يخفى ذلك لكون أكثر المقدمات لا يكون بديهية بل مبينة بغيرها كافي هذا المثال فان المقدمة الثانية ثابتة بالنص والإجماع والأولى ثابتة بالسنة الصحيحة لكن لم يعرفها كثير من العلماء فطريق العلم بالمقدمتين يختلف. وأما إذا أفردنا ذلك في مقدمتين طريق العلم بهما واحد لم نحتج إلى القياس مثل العلم بأن كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة فهنا قد يكون العلم بأن كل إنسان حساس متحرك بالإرادة أبين وأظهر وكذلك إذا قلنا كل إنسان جسم أو جوهر أو حامل للصفات ثم قلنا كل ما هو جسم أو جوهر أو حامل للصفات فليس بعرض أو هو قائم بنفسه أو هو موصوف بالصفات ونحو ذلك كان العلم بأن كل إنسان هو كذلك مما لا يحتاج إلى هذا التطويل فالمقدمتان أن كان طريق العلم بهما واحدا وقد علمتا فلا حاجة إلى بيانهما وإن كان طريق العلم بهما مختلفا فمن لم يعلم إحداهما احتاج إلى بيانها وإن لم يحتج إلى الأخرى التي علمها وهذا ظاهر في كل ما تقدره. فتبين أن منطقهم يعطي تضييع الزمان وكثرة الهذيان وإتعاب الأذهان وكذلك إذا علمنا أن كل رسول نبي وكل نبي فهو في الجنة فعلمنا أن كل

стр. 364

رسول فهو في الجنة أبين من هذا وهذا كثير جدا. الوجه السادس: من القضايا الكلية ما يمكن العلم به بغير توسط القياس وهو يتضح بالوجه السادس وهو أن يقال لا ريب أن المقدمة الكبرى أعم من الصغرى أو مثلها لا يكون أخص منها والنتيجة اخص من الكبرى أو مساوية لها واعم من الصغرى أو مساوية لها كالحدود الثلاثة فان الأكبر أعم من الأصغر أو مثله والأوسط مثل الأصغر أو اعم ومثل الأكبر أو اخص ولا ريب أن الحس يدرك المعينات أولا ثم ينتقل منها إلى القضايا العامة فان الإنسان يرى هذا الإنسان وهذا الإنسان وهذا الإنسان ويرى أن هذا حساس متحرك بالإرادة ناطق وهذا كذا وهذا كذا فيقضى قضاء عاما أن كل إنسان حساس متحرك بالإرادة ناطق. فنقول العلم بالقضية العامة أما أن يكون بتوسط قياس أو بغير توسط قياس فان كان لا بد من توسط قياس والقياس لا بد فيه من قضية عامة لزم أن لا يعلم العام إلا بالعام وذلك يستلزم الدور أو التسلسل فلا بد أن ينتهي الأمر إلى قضية كلية عامة معلومة بالبديهة وهم يسلمون ذلك. وإن أمكن علم القضية العامة بغير توسط قياس أمكن علم الأخرى فان كون القضية بديهية أو نظرية ليس وصفا لازما لها يجب استواء جميع الناس فيه بل هو أمر نسبى إضافي بحسب حال علم الناس بها فمن علمها بلا دليل كانت بديهية له ومن احتاج إلى نظر واستدلال بدليل كانت نظرية له. وكذلك كونها معلومة بالعقل أو الخبر المتواتر أو خبر النبي الصادق أو الحس ليس هو أمرا لازما لها بل كذب مسيلمة الكذاب مثلا قد يعلم بقول

стр. 365

النبي الصادق أنه كذاب وقد يعلم ذلك من باشره ورآه يكذب ويعلم ذلك من غاب عنه بالتواتر ويعلم ذلك بالاستدلال فانه ادعى النبوة وأتى يناقض النبوة فيعلم بالاستدلال وكذلك الهلال قد يعلم طلوعه بالرؤية فتكون القضية حسية ويعلم ذلك من لم يره بالأخبار المتواترة فتكون القضية عنده من المتواترات ويعلم ذلك من علم أن تلك الليلة إحدى وثلاثون بالحساب والاستدلال ومثل هذا كثير فالمعلوم الواحد يعلمه هذا بالحس وهذا بالخبر وهذا بالنظر وهذه طرق العلم لبني آدم وهكذا القضايا الكلية إذا كان منها ما يعلم بلا قياس ولا دليل وليس لذلك حد في نفس القضايا بل ذلك بحسب أحوال بنى آدم لم يمكن أن يقال فيما علمه زيد بالقياس أنه لا يمكن غيره أن يعلمه بلا قياس بل هذا نفى كاذب. الوجه السابع: الأدلة القاطعة على استواء قياسي الشمول والتمثيل. الوجه السابع: أن يقال هم يدعون أن المفيد لليقين هو قياس الشمول فأما قياس التمثيل فيزعمون أنه لا يفيد اليقين ونحن نعلم أن من التمثيل ما يفيد اليقين ومنه ما لا يفيده ك الشمول فان الشيئين قد يكون تماثلهما معلوما وقد يكون مظنونا كالعموم وإن جمع بينهما بالعلة فالعلة في معنى عموم الشمول. يوضح هذا أن يقال قياس الشمول يؤول في الحقيقة إلى قياس التمثيل كما أن الآخر في الحقيقة يؤول إلى الأول ولهذا تنازع الناس في مسمى القياس فقيل هو قياس التمثيل فقط وهو قول أكثر الأصوليين وقيل قياس الشمول فقط وهو قول أكثر المنطقيين وقيل بل القياسان جميعا وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وذلك أن قياس الشمول مبناه على اشتراك الأفراد في الحكم العام وشموله لها وقياس التمثيل مبناه على اشتراك الاثنين في الحكم الذي يعمهما

стр. 366

ومآل الأمرين واحد وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. ونحن نذكر هنا ما لم نذكره في غير هذا الموضع فنقول قد تبين فيما تقدم أن قياس الشمول يمكن جعله قياس تمثيل وبالعكس فإذا قال القائل في مسألة القتل بالمثقل قتل عمد عدوان محض لمن يكافئ القاتل فأوجب القود كالقتل بالمحدد فقد جعل القدر المشترك الذي هو مناط الحكم القتل العمد العدوان المحض للمكافئ وهذا يسمى العلة والمناط والجامع والمشترك والمقتضى والموجب والباعث والأمارة وغير ذلك من الأسماء فإذا أراد أن يصوغه ب قياس الشمول قال هذا قتل عمد عدوان محض للمكافئ وما كان كذلك فهو موجب للقود. والنزاع في الصورتين هو في كونه عمدا محضا فان المنازع يقول العمدية لم تتمحض وليس المقصود هنا ذكر خصوص المسألة بل التمثيل وهذا نزاع في المقدمة الصغرى وهو نزاع في ثبوت الوصف في الفرع فان قياس التمثيل قد يمنع فيه ثبوت الوصف في الأصل ويمنع ثبوته في الفرع وقد يمنع كونه علة الحكم. ويسمى هذا السؤال سؤال المطالبة وهو أعظم أسئلة القياس وجوابه عمدة القياس فان عمدة القياس على كون المشترك مناط الحكم وهذا هو المقدمة الكبرى وهو كما لو قال في هذه المسألة لا نسلم أن كل ما كان عمدا محضا يوجب القصاص وكذلك منع الحكم في الأصل أو منع الوصف في الأصل وهو منع للمقدمة الكبرى في قياس الشمول. أللهم إلا أن يقيم المستدل دليلا على تأثير الوصف في غير أصل معين وهذا قياس التعليل المحض كما لو قال النبيذ المسكر محرم لأن المعنى الموجب للتحريم

стр. 367

وهو كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة موجود فيها وهذا المعنى قد دل النص على أنه علة التحريم وقد وجد فيثبت فيه التحريم. وهم في قياس الشمول إذا أرادوا إثبات المقدمة الكبرى التي هي نظير جعل المشترك بين الأصل والفرع مناط الحكم فلا بد من دليل يبين ثبوت الحكم لجميع أفراد المقدمة باعتبار القدر المشترك الكلى بين الأفراد وهذا هو القدر المشترك الجامع في قياس التمثيل فالجامع هو الكلى والكلى هو الجامع. ومن قال من متأخري النظار كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد أن العقليات ليس فيها قياس بل الاعتبار فيها بالدليل فهذا مع أنهم خالفوا فيه جماهير النظار وأئمة النظر فنزاعهم فيها يرجع إلى اللفظ فإنهم يقولون العقليات لا تحتاج إلى أن يعين فيها أصل يلحق فيه الفرع وليس جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا بأولى من العكس بل الاعتبار بالدليل الشامل للصورتين فيقال لهم لا ريب أنه في العقليات والشرعيات لم يقع النزاع في جميع أفراد المعنى العام الذي يسمى الجامع المشترك بل وقع في بعضها وبعضها متفق عليه فتسمية هذا أصلا وهذا فرعا أمر إضافي ولو قدر أن بعض الناس علم حكم الفرع بنص وخفي عليه حكم الأصل لجعل الأصل فرعا والفرع أصلا والجمع أما أن يكون بإلغاء الفارق وأما أن يكون بإبداء الجامع وهذا يكون في العقليات قطعيا وظنيا كما يكون في الشرعيات

стр. 368

فإذا قيل الأحكام والإتقان يدل على علم الفاعل شاهدا فكذلك غائبا أو قيل علة كون العالم عالما قيام العلم به في الشاهد فكذلك في الغائب أو قيل الحيوة شرط في العلم شاهدا فكذلك غائبا أو قيل حد العالم في الشاهد من قام به العلم فكذلك في الغائب فهذه الجوامع الأربعة التي تذكرها الصفاتية من الجمع بين الغائب والشاهد في الصفات الحد والدليل والعلة والشرط فذكر الشاهد حتى يمثل القلب صورة معينة ثم يعلم بالعقل عموم الحكم وهو أن الأحكام والإتقان مستلزم لعلم الفاعل فان الفعل المحكم المتقن لا يكون إلا من عالم وكذلك سائرها. وهذا كسائر ما يعلم من الكليات العادية إذا قيل هذا الدواء مسهل للصفراء ومنضج للخلط الفلاني ونحو ذلك فان التجربة إنما دلت على أشياء معينة لم تدل على أمر عام لكن العقل يعلم أن المناط هو القدر المشترك بما يعلم من انتفاء ما سواه ومناسبته أو لا يعلم مناسبته وهذا قد يكون معلوما تارة كما يعلم أن أكل الخبز يشبع وشرب الماء يروي وأن السقمونيا مسهل للصفراء وإن كان قد يتخلف الحكم بفوات شرطه إذ قدمنا أن الطبيعيات التي هي العاديات ليس فيها كليات لا تقبل النقض بحال فكان ذكر الأصل في القياس العقلي لتنبيه العقل على المشترك الكلى المستلزم للحكم لا لأن مجرد ثبوت الحكم في صورة يوجب ثبوته في أخرى بدون أن يكون هناك جامع يستلزم الحكم. وإذا قيل فمن أين يعلم أن الجامع مستلزم للحكم قيل من حيث يعلم القضية الكبرى في قياس الشمول فإذا قال القائل هذا فاعل محكم لفعله وكل محكم لفعله فهو عالم فأي شيء ذكر في علة هذه القضية الكلية فهو موجود في قياس التمثيل وزيادة أن هناك أصلا يمثل به قد وجد فيه الحكم مع المشترك وفي قياس الشمول لم يذكر شيء من الأفراد التي يثبت الحكم فيها ومعلوم أن ذكر الكلى المشترك مع

стр. 369

بعض أفراده اثبت في العقل من ذكره مجردا عن جميع الإفراد باتفاق العقلاء. ولهذا هم يقولون أن العقل بحسب إحساسه بالجزئيات يدرك العقل بينها قدرا مشتركا كليا فالكليات في النفس تقع بعد معرفة الجزئيات المعينة فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب في معرفة الكليات فكيف يكون ذكرها مضعفا للقياس ويكون عدم ذكرها موجبا لقوته وهذه خاصة العقل فان خاصة العقل معرفته الكليات بتوسط معرفته بالجزئيات فمن أنكرها أنكر خاصة عقل الإنسان ومن جعل ذكرها بدون شيء من محالها المعينة أقوى من ذكرها مع التمثيل لمواضعها المعينة كان مكابرا والعقلاء باتفاقهم يعلمون أن ضرب المثل الكلى مما يعين على معرفته وانه ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجردا عن الأمثال. ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل في الطب والحساب والطبيعيات والصناعات والتجارات وغير ذلك وجد الأمر كذلك فإذا قيل يسخن جوف الإنسان في الشتاء ويبرد في الصيف لأنه في الشتاء يكون الهواء باردا فيبرد ظاهر البدن فتهرب الحرارة إلى باطن البدن لأن الضد يهرب من الضد والشبيه ينجذب إلى شبيه فتظهر البرودة إلى الظاهر لأن شبه الشيء منجذب إليه كان هذا أمرا كليا مطلقا فإذا قيل ولهذا يسخن جوف الأرض في الشتاء وجوف الحيوان كله ولهذا تبرد الأجواف في الصيف لسخونة الظواهر فتهرب البرودة إلى الأجواف كان كلما تصور الإنسان النظائر قويت معرفته بتلك الكلية وهو أن الضد يهرب من ضده والنظير ينجذب إلى نظيره وهذا معلوم في الطبيعيات والنفسانيات وغيرهما لكن إذا ذكرت النظائر قوى العلم بذلك وقد يعبر عن ذلك بأن الجنسية علة الضم. وكذلك إذا قيل الشمس إذا وقعت على البحر أو غيره تسخنه فتصاعد منه بخار لأن الحرارة تحلل الرطوبة ثم قيل كما يتصاعد البخار من القدر التي فيها الماء الحار

стр. 370

كان هذا المثال مما يؤكد معرفة الأول. والأقيسة التي يستعملها الفلاسفة في علومهم ويجعلونها كلية كلها يعتضدون فيها بالأمثلة وليس مع القوم إلا ما علموه من صفات الأمور المشاهدة ثم قاسوا الغائب على المشاهد به بالجامع المشترك الذي يجعلونه كليا فان لم يكن هذا صحيحا لم يكن مع أحد من أهل الأرض علم كلى يشترك فيه ما شهده وما غاب عنه حتى قوله الخبز يشبع والماء يروي ونحو ذلك فانه لم يعلم بحسه إلا أمورا معينة فمن أين له أن الغائب بمنزلة الشاهد إلا بهذه الطريق والإنسان قد ينكر أمرا حتى يرى واحدا من جنسه فيقر بالنوع ويستفيد بذلك حكما كليا. ولهذا يقول سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ونحو ذلك وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد لكن كانوا مكذبين بجنس الرسل لم يكن تكذيبهم بالواحد لخصوصه وهذا بخلاف تكذيب اليهود والنصارى لمحمد ﷺ فإنهم لم يكذبوا جنس الرسل إنما كذبوا واحدا بعينه بخلاف مشركي العرب الذين لم يعرفوا الرسل فان الله يحتج عليهم في القرآن بإثبات جنس الرسالة. ولهذا يجيب سبحانه عن شبه منكري جنس الرسالة كقولهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ فيقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي هذا متواتر عند أهل الكتاب فاسألوهم عن الرسل الذين جاءتهم أكانوا بشرا أم لا وكذلك قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ فإنهم لا يستطيعون الأخذ عن الملك في صورته فلو أرسلنا إليهم ملكا لجعلناه رجلا في صورة الإنسان وحينئذ كان يلتبس عليهم الأمر ويقولون هو رجل والرجل لا يكون رسولا وكذلك الرسل قبله قال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ

стр. 371

مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ وكما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ ونحو ذلك. فكان علمهم بثبوت معين من هذا النوع يوجب العلم بقضية مطلقة وهو أن هذا النوع موجود بخلاف ما إذا اثبت ذلك ابتداء بلا وجود نظير فانه يكون أصعب وإن كان ممكنا فان نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ولم يكن قبله رسول بعث إلى الكفار المشركين يدعوهم إلى الانتقال عن الشرك إلى التوحيد وآدم والذين كانوا بعده كان الناس في زمنهم مسلمين كما قال ابن عباس: "كان بين آدم ونوح عشر قرون كلهم على الإسلام" لكن لما بعث الله نوحا وأنجى من آمن به وأهلك من كذبه صار هذا المعين يثبت هذا النوع أقوى مما كان يثبت ابتداء. والذين قالوا الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان مبدأ كلامهم في الأمور الطبيعية فإنهم رأوا البارد إنما يقتضى التبريد فقط والحار إنما يقتضي التسخين فقط وكذلك سائرها لكن هذا ليس فيه إحداث واحد لواحد فان البرودة الحاصلة لا بد لها مع السبب من محل قابل وارتفاع موانع فلم يحصل السبب إلا عن شيئين لا عن واحد لكن هذا كان مبدأ كلامهم. وأما احتجاج ابن سينا وأمثاله بأنه لو صدر اثنان لكان مصدر هذا غير مصدر هذا ولزم التركيب المنافي للوحدة فهذه الحجة تبع لحجة التركيب وهذه أخذوها من أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم ليست هذه من كلام أئمة الفلاسفة كأرسطو وأتباعه لا سيما أكثر أساطين الفلاسفة فإنهم كانوا يقولون بإثبات الصفات لله تعالى بل وبقيام الأمور الاختيارية كما ذكرنا كلامهم في غير هذا الموضع وهو اختيار أبي البركات صاحب المعتبر ومن قال أنه خالف أكثر الفلاسفة فمراده المشائين وأما الأساطين قبل هؤلاء فكلام كثير منهم يدل على هذا الأصل كما هو مذكور في موضعه

стр. 372

ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف فإذا رأى الشيئين المتماثلين علم أن هذا مثل هذا يجعل حكمهما واحدا كما إذا رأى الماء والماء والتراب والتراب والهواء والهواء ثم حكم بالحكم الكلى على القدر المشترك وإذا حكم على بعض الأعيان ومثله بالنظير وذكر المشترك كان أحسن في البيان فهذا قياس الطرد إذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما وهذا قياس العكس. وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس فانه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل ما فعلوا أصابه ما أصابهم فيتقى تكذيب الرسل حذرا من العقوبة وهذا قياس الطرد ويعلم أن من لم يكذب الرسل بل أتبعهم لا يصيبه ما أصاب هؤلاء وهذا قياس العكس وهو المقصود من الاعتبار بالمعذبين فان المقصود ثبت في الفرع عكس حكم الأصل لا نظيره والاعتبار يكون بهذا وبهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ وقال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ الميزان المنزل من الله هو القياس الصحيح: وقد قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ والميزان يفسره السلف بالعدل ويفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان وقد أخبر أنه انزل ذلك مع رسله كما أنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط. فما يعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان وكذلك ما يعرف به اختلاف المختلفات فمعرفة أن هذه الدارهم أو غيرها من الأجسام الثقيلة

стр. 373

بقدر هذه تعرف بموازينها وكذلك معرفة أن هذا الكيل مثل هذا يعرف بميزانه وهو المكاييل وكذلك معرفة أن هذا الزمان مثل هذا الزمان يعرف بموازينه التي يقدر بها الأوقات كما يعرف به مظلال وكما يعرف بجري من ماء ورمل وغير ذلك وكذلك معرفة أن هذا بطول هذا يعرف بميزانه وهو الذارع فلا بد بين كل متماثلين من قدر مشترك كلى يعرف به أن أحدهما مثل الآخر. فكذلك الفروع المقيسة على أصولها في الشرعيات والعقليات تعرف بالموازين المشتركة بينهما وهي الوصف الجامع المشترك الذي يسمى الحد الأوسط فانا إذا علمنا أن الله حرم خمر العنب لما ذكره من أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء ثم رأينا نبيذ الحبوب من الحنطة والشعير والرز وغير ذلك يماثلها في المعنى الكلى المشترك الذي هو علة التحريم كان هذا القدر المشترك الذي هو العلة هو الميزان التي انزلها الله في قلوبنا لنزن بها هذا ونجعله مثل هذا فلا نفرق بين المتماثلين والقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر الله تعالى به. ومن علم الكليات من غير معرفة المعين فمعه الميزان فقط والمقصود بها وزن الأمور الموجودة في الخارج وإلا فالكليات لولا جزئياتها المعينات لم يكن بها اعتبار كما أنه لولا الموزونات لم يكن إلى الميزان من حاجة ولا ريب أنه إذا احضر احد الموزونين واعتبر بالآخر بالميزان كان اتم في الوزن من أن يكون الميزان وهو الوصف المشترك الكلى في العقل أي شيء حضر من الأعيان المفردة وزن بها فان هذا أيضا وزن صحيح وذلك أحسن في الوزن فانك إذا وزنت بالصنجة

стр. 374

قدرا من النقدين ثم وزنت بها نظيره والأول شاهد والناس يشهدون أن هذا وزن به هذا فظهر مثله أو أكثر أو أقل كان أحسن من أن يوزن أحدهما في مغيب الآخر فانه قد يظن أن الوازن لم يعدل في الوزن كما يعدل إذا وزنها معا فان هذا يعتبر بأن يوزن أحدهما بالآخر بلا صنجة وهكذا الموزونات بالعقل. وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع وبينا أن القياس الصحيح هو من العدل الذي انزله وانه لا يجوز قط أن يختلف الكتاب والميزان فلا يختلف نص ثابت عن الرسل وقياس صحيح لا قياس شرعي ولا عقلي ولا يجوز قط أن الأدلة الصحيحة النقلية تخالف الأدلة الصحيحة العقلية وأن القياس الشرعي الذي روعيت شروط صحته يخالف نصا من النصوص وليس في الشريعة شيء على خلاف القياس الصحيح بل على خلاف القياس الفاسد كما قد بسطنا ذلك في مصنف مفرد وذكرنا في كتاب درء تعارض العقل والنقل ومتى تعارض في ظن الظان الكتاب والميزان النص والقياس الشرعي أو العقلي فأحد الأمرين لازم أما فساد دلالة ما احتج به من النص أما بأن لا يكون ثابتا عن المعصوم أو لا يكون دالا على ما ظنه أو فساد دلالة ما احتج به من القياس سواء كان شرعيا أو عقليا بفساد بعض مقدماته أو كلها لما يقع في الأقيسة من الألفاظ المجملة المشتبهة. وأبو حامد ذكر في القسطاس المستقيم الموازين الخمسة وهي منطق اليونان بعينة غير عبارته ولا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلي الذي انزل الله هو منطق اليونان لوجوه: أحدها: أن الله انزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان من عهد نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو قبل المسيح بثلثمائة سنة فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن بهذا الثاني: أن امتنا أهل

стр. 375

الإسلام ما زالوا يزنون بالموازين العقلية ولم يسمع سلفنا بذكر هذا المنطق اليوناني وإنما ظهر في الإسلام لما عربت الكتب الرومية في دولة المأمون أو قريبا منها الثالث: أنه ما زال نظار المسلمين بعد أن عرب وعرفوه يعيبونه ويذمونه ولا يلتفتون إليه ولا إلى أهله في موازينهم العقلية والشرعية. ولا يقول القائل ليس فيه مما انفردوا به إلا اصطلاحات لفظية وإلا فالمعاني العقلية مشتركة بين الأمم فانه ليس الأمر كذلك بل فيه معان كثير فاسدة ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التي هي الأقيسة العقلية وزعموا أنه آله قانونية

стр. 376

تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره وليس الأمر كذلك فانه لو احتاج الميزان إلى ميزان لزم التسلسل وأيضا فالفطرة أن كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي وإن كانت بليدة أو فاسدة لم يزدها المنطق لو كان صحيحا إلا بلادة وفسادا ولهذا يوجد عامة من يزن به علومه لا بد أن يتخبط ولا يأتي بالأدلة العقلية على الوجه المحمود ومتى أتى بها على الوجه المحمود اعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز والتطويل وتبعيد الطريق وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغليط. كل قياس في العالم يمكن رده إلى القياس الاقتراني: فان قيل ما ذكرته من أن قياس الشمول يرجع إلى قياس التمثيل يتوجه في قياس الاقتراني دون الاستثنائي فان الاستثنائي ما تكون النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل بخلاف الاقتراني فان النتيجة إنما هي فيه بالقوة والاستثنائي مؤلف من الشرطيات المتصلة وهو التلازم ومن المنفصلة وهو التقسيم ولا ريب أن الحد الأوسط في الاقترانى يمكن جعله الجامع المشترك في القياس التمثيلي بخلاف الاستثنائى قيل الجواب من وجوه. منها أن التلازم والتقسيم إذا قيل هذا مستلزم لهذا حيث وجد وجد فان هذا قضية كلية فتستعمل على وجه التمثيل وعلى وجه الشمول بأن يقاس بعض أفرادها ببعض ويجعل القدر المشترك هو مناط الحكم وكذلك إذا قيل هذا أما كذا وأما كذا فهو أيضا كلى يبين بصيغة التمثيل وبصيغة الشمول ولهذا كانت الأحكام الثابتة بصيغة العموم يمكن استعمال قياس التمثيل فيها بأن يقاس بعض أفرادها ببعض ويجعل المعنى المشترك هو مناط الحكم. ومنها أن كل قياس في العالم يمكن رده إلى الاقترانى فإذا قيل بصيغة الشرط أن كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر أمكن أن يقال كل مصل فهو متطهر وأن يقال الصلاة مستلزمة الطهارة ونحو ذلك من صور القياس الاقتراني والحد الأوسط فيه أن استثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض

стр. 377

المقدم وهذا معنى قولنا إذا وجد الملزوم وجد اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فان المقدم هو الملزوم والتالي هو اللازم وهكذا كل شرط وجزاء فالشرط ملزوم والجزاء لازم له. وهذا إذا جعل بصيغة الاقترانى فقيل هذا مصل وكل مصل متطهر فهذا متطهر أو قيل هذا ليس بمتطهر ومن لا يكون متطهرا ليس بمصل فهذا ليس بمصل والقضية الكلية فيه أن كل مصل متطهر وأن كل من ليس بمتطهر فليس بمصل فالسالبة والموجبة كلاهما كليتان وهذه الكلية معروفة بنص الشارع ليست مما عرفت بالعقل ولو كانت مما تعرف بالعقل المجرد لعرفت ب قياس التمثيل مع أنها تصاغ ب قياس التمثيل فيقال هذا مصل فهو متطهر كسائر المصلين أو هذا ليس بمتطهر فليس بمصل كسائر من ليس بمتطهر ثم يبين أن الجامع المشترك مستلزم للحكم كما في الأول. وكذلك الشرطي المنفصل الذي هو التقسيم والترديد إذا قيل هذا أما أن يكون شفعا أو وترا ونحو ذلك قيل هذا لا يخلو من كونه شفعا أو وترا ولا يجتمع هذا وهذا معا وهو شفع فلا يكون وترا أو هو وتر فلا يكون شفعا وهذه القضية معلومة بالبديهة لكن تصور أفرادها أبين من تصور كليتها فلا يحتاج شيء من أفرادها أن يبين بالقياس الكلى المنطقي فانه أي شيء علم أنه شفع علم أنه ليس بوتر بدون أن يوزن بأمر كلى عنده ولا بقياس على نظيره فلا يحتاج أن يقال وكل شفع فليس بوتر أو كل وتر فليس بشفع. وهذا كما تقدم التنبيه عليه أن ما يثبتونه بالقضايا الكلية تعلم مفرداتها بدون تلك القضايا بل وتعرف بدون قياس التمثيل فإذا عرف أن هذا الثوب أو غيرة اسود عرف أنه ليس بأبيض بدون أن يقال كل اسود فانه ليس بأبيض وهذه الكلية من أن كل أسود لا يكون أبيض يعرف بدون أن يعرف أن كل ضدين لا يجتمعان ولو أثبت تلك المعينات بهذه الكلية لاحتيج أن يبين أنهما ضدان فانه لا يعلم أنهما

стр. 378

ضدان حتى يعلم أنهما لا يجتمعان وإذا علم أنهما لا يجتمعان أغنى ذلك عن الاستدلال عليه بكونهما ضدين. فعلم أنه لا يحتاج أن يبين ما يندرج في هذا الكلى لا من الأنواع ولا من الأعيان المعينة به بل العلم بها أبين من العلم بهذه الكلية بل إذا أرادوا أن يبينوا أن الضدين لا يجتمعان قالوا المراد بالضدين هما الوصفان الوجوديان اللذان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد والبياض فيعود الأمر إلى تعريفهم مرادهم بهذا اللفظ وأما بيان ما دل عليه من المعاني المعقولة فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه بالكلى وكذلك في النقيضين وكذلك في الشرط والمشروط والعلة والمعلول وسائر هذه الأمور الكلية. إبطال القول باقتران العلة والمعلول في الزمان: ولهذا من لم يحكم معرفة هذا وإلا التبست عليه المعقولات ودخل عليه غلطهم سواء كانوا قد غلطوا هم في التصور وهو الغالب على أئمتهم أو كانوا يقصدون التغليط كما يفعله بعضهم. مثال ذلك أنه إذا قيل لهم في مسألة حدوث العالم كيف يكون العالم مفعولا مصنوعا للرب وهو مساوق له أزلا وأبدا مقارن له في الزمان هذا مما يعلم فساده بضرورة العقل فان المفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان قالوا بل هذا ممكن وهو أن تقدم العلة على المعلول تقدما عقليا لازما كتقدم حركة اليد على حركة الخاتم الذي فيها وتقدم الشمس على الشعاع وتقدم الحركة على الصوت الناشئ عنها ثم أن كان ممن تكلم في العلة والمعلول المذكور في الصفات والأحوال وهو يقول العلم علة كون العالم عالما كما يقوله مثبتوا الأحوال من النظار كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي في أول قوليه والقاضي أبي يعلى وأمثالهم فانه قد ألف أن العلة والمعلول متلازمان مقترنان فلا يستنكر مثل هذا هنا

стр. 379

ولهذا غلط بسبب متابعتهم في هذا طوائف من الفقهاء في الفقه كأبي المعالي واتباعه أبي حامد والرافعي وغيرهم فادعوا شيئا خالفوا فيه جميع أئمة الفقه المتقدمين من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ولم يقله الشافعي ولا احد من أئمة أصحابه ولا غيرهم وهو أنه إذا قال لامرأته إذا شربت أو زنيت أو فعلت كذا فأنت طالق وقصده أن يقع بها الطلاق إذا وجد ذلك الشرط أو قال إذا أعطيتني ألفا فأنت طالق أو قال إذا طلقتك فأنت طالق طلقة أخرى أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق أو قال مثل ذلك في العتق فزعموا أن الحكم المعلق بشرط يقع هو والشرط معا في زمن واحد بناء على أن الشرط علة للحكم والمعلول يقارن العلة في الزمان. وهذا خطأ شرعا ولغة وعقلا أما الشرع فان جميع الأحكام المعلقة بالشروط لا تقع شيء منها إلا عقيب الشروط لا تقع مع الشروط والفروع المنقولة عن الأئمة تبين ذلك وأما لغة فإن الجزاء عند أهل اللغة يكون عقب الشرط وبعده ولا يكون الجزاء مع الشرط في الزمان ولهذا قد يكون الجزاء مما يتأخر زمانه كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وفي النذر إذا قال: إن شفى الله مريضي فعلى صوم سنة فلا يجب عليه الصوم إلا بعد الشفاء لا مقارنا للشفاء ولا في زمن الشفاء وكذلك إذا قال: إن سلم الله مالي الغائب وكذلك إذا قال: من رد عبدي الآبق أو بنى لي هذا الحائط ونحو ذلك وأيضا فهذا يذكر بحرف الفاء والفاء للتعقيب يوجب أن يكون الثاني عقيب الأول لا معه وأما عقلا فلأن الأول هنا كالفاعل

стр. 380

الموجب للثاني ولا يعرف قط أن الفاعل يقارنه مفعوله. وما ذكروه من اقتران العلة العقلية لمعلولها كالعلم والعالمية فجوابه أنه عند جماهير العقلاء ليس هنا علة ومعلول بل العلم هو العالمية وهذا مذهب جمهور نظار أهل السنة والبدعة وهو نفي الأحوال فلا علة ولا معلول وإن جعلت المعلول الحكم بكونه عالما والخبر عنه بكونه عالما فهذا قد يتأخر عن العلم وعلى قول من أثبت الحال هو يقول أنها ليست موجودة ولا معدومة فليست نظير المعلولات الوجودية. وأيضا فهؤلاء يقولون أن العالم فاعل للعالمية ولا هو جاعل العالمية ولا هذا عنده من باب تأثير الوجود كالأسباب والعلل فان كونه عالما لازم للعلم بما يلزم العلم أنه علم ليس هذا مثل كون قطع الرقبة سببا للموت ولا كون الأكل سببا للشبع من الأسباب التي خلقها الله فكيف بالأسباب التي يصنعها العباد كقوله إذا زنيت فأنت طالق فهنا علق حادثا بحادث وحكم بكون ذلك الأول سببا للثاني فأين هذا من العلم والعالمية وإنما غرهم الاشتراك في لفظ العلة. وكذلك المتفلسفة ليس في جميع ما مثلوا به علة فاعله قارنت مفعولها في الزمان فحركة اليد ليست هي الفاعلة لحركة الخاتم بل المحرك لهما واحد ولكن حركتهما متلازمة لاتصال الخاتم باليد كحركة بعض اليد مع بعض وكما يقال حركت يدي فتحرك الخاتم وكما يقال حركت كفى فتحركت أصابعي وليست حركة الكف فاعلة لحركة الأصابع وإن قدر أنها بعدها لم يسلم اقترانهما في الزمان بل تكون كأجزاء الزمان المتصل بعضها ببعض فانه لا فصل بينهما وإن كان الجزء الثاني متصلا بالأول كذلك أجزاء الحركة كحركة الظل وغيره كل جزء منها يحدث بعد الآخر وفي الزمان الذي يلي حركة الجزء الأول فأما أن يقال الحركتان وجدتا معا وأحدهما فاعلة للأخرى فهذا باطل. وأيضا فان المعروف أنه إذا قيل حركت يدي فتحرك خاتمي أو المفتاح في

стр. 381

كمى ونحو ذلك إذا تحرك بحركة تخصه مثل أن يكون الخاتم ملقى فإذا حرك يده علق في يده فتحرك وهذه الحركة بعد حركة اليد في الزمان وأما إذا كان الخاتم متصلا بالإصبع ثابتا فيها وإنما يتحرك كما تتحرك الأصابع فالمحرك للجميع واحد ولو كان الإنسان نائما أو ميتا فرفع رجل يده وفيها الخاتم لكانت أيضا متحركة بحركة اليد وهى حركة واحدة شملت الجميع لاتصال بعضه ببعض ليس هنا حركتان إحداهما سبب الأخرى فضلا عن أن تكون فاعلة لها ومن قال في مثل هذا حركت يده فتحرك خاتمه فإنما هو كقوله فتحركت اليد فإنما يريد بذلك أن الحركة شملت الجميع ولم يرد بذلك أن حركة اليد كانت سببا للحركة الأولى ولا نعرف عاقلا يقول هذا ويقصد هذا وإن قدر أنه وجد فليس قوله حجة على سائر العقلاء ومن رفع يد ميت أو نائم وفيها خاتم لم تكن حركة بعض ذلك سببا لبعض بل الجميع موجود في زمان واحد لفاعل واحد وسبب واحد. فبطل أن يكون في الوجود سبب يقارن مسببه في الزمان بل لا يكون إلا قبله فكيف بالفاعل المستقل وإنما الذي يقارن الشيء في الزمان شرطه وتقدم الواحد على الاثنين هو من هذا الباب لا من باب تقدم الشرط على المشروط وحركة الخاتم مع اليد هي من باب المشروط مع الشرط ليست من باب المفعول مع الفاعل ولكن لفظ العلة فيه إجمال. وكذلك الصوت مع الحركة فان الصوت يحدث عقيب الحركة وغايته أن يكون معها كالجزء الثاني من الحركة مع الأول والحركة المتصلة والزمان المتصل ليس بعضه مع بعض في الزمان فغاية الصوت مع الحركة أن تكون كذلك وكذلك الشعاع مع ظهور الشمس مع أن الشمس ليست فاعلة للشعاع بل الشعاع يحدث في الأرض إذا قابل الشمس ما ينعكس الشعاع عليه وكذلك الحركة ليست

стр. 382

هي الفاعلة للصوت ولكن الشمس شرط في الشعاع والحركة شرط في الصوت. وأما فاعل يبدع مفعوله ويكون مقارنا له في الزمان فهذا لا يوجد قط لكن لفظ العلة فيه إجمال فالعلة الفاعلة شيء والعلة التي هي شرط شيء آخر والشرط قد يقارن المشروط في زمانه بخلاف الفاعل فانه لا بد أن يتقدم فعله على المعين وإذا قدر أنه لم يزل فاعلا فكل جزء من أجزاء الفعل مسبوق بجزء آخر وإن كان نوع الفعل لم يزل فلا يتصور أن يكون فعله أو مفعوله معينا مع الله أزلا وأبدا وإن قيل أنه لم يزل فاعلا بمشيئته فدوام نوع الفعل شيء ودوام الفعل المعين والمفعول المعين شيء آخر. والذي أخبرت به الرسل ودلت عليه العقول واتفق عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين أن الله خالق كل شيء وأن كل ما سواه فهو مخلوق له وكل مخلوق محدث مسبوق بالعدم وأما تغيير هؤلاء للفظ المحدث وقولهم إنا نقول أنه محدث حدوثا ذاتيا بمعنى أنه معلول فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه فان المحدث معلوم أنه قد كان بعد أن لم يكن وأنه مفعول أحدثه محدث إحداثا وما لم يزل ولا يزال فلا يسميه أحد من العقلاء في لغة من اللغات محدثا بل ولا يقول أحد من العقلاء أنه مفعول مصنوع مخلوق ولا يقول أحد أنه ممكن يمكن وجوده ويمكن عدمه إلا هذه الشرذمة من الفلاسفة. الميزان العقلي هو المعرفة الفطرية للتماثل والاختلاف: وهذه الأمور مبسوطة في مواضعها وإنما المقصود هنا أنهم إذا عدلوا عن المعرفة الفطرية العقلية للمعينات إلى أقيسة كلية وضعوا ألفاظها وصارت مجملة تتناول حقا وباطلا حصل بها من الضلال ما هو ضد المقصود من الموازين وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة وكانوا فيها من المطففين ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ

стр. 383

وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ وأين البخس في الأموال من البخس في العقول والأديان مع أن أكثرهم لا يقصدون البخس بل هم بمنزلة من قد ورث موازين من أبيه يزن بها تارة له وتارة عليه ولا يعرف أهي عادلة أم عائلة. والميزان التي انزلها الله مع الكتاب حيث قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ هي ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله وخلافه فيسوى بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين بما جعله الله في فطر عبادة وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف. فان قيل إذا كان هذا مما يعرف بالعقل فكيف جعله الله تعالى مما أرسلت به الرسل قيل لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف فان الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية فليست العلوم النبوية مقصورة على مجرد الخبر كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام ويجعلون ما يعلم بالعقل قسيما للعلوم النبوية بل الرسل صلوات الله عليهم بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علما وعملا وضربت الأمثال فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها مما كانت الفطرة معرضة عنه أو كانت الفطرة قد فسدت بما حصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد وبينت ما كانت الفطرة معرضة عنه حتى صار عند الفطرة معرفة الميزان التي أنزلها الله وبينها رسله. والقرآن والحديث مملوء من هذا يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة ويبين طرق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ وقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي هذا

стр. 384

حكم جائر لا عادل فان فيه تسوية بين المختلفين وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ومن التسوية بين المتماثلين قوله: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ . والقرآن مملوء من ذلك لكن ليس هذا موضعه وإنما المقصود التنبيه على جنس الميزان العقلي وانها حق كما ذكر الله في كتابه وليست هي مختصة بمنطق اليونان وإن كان فيه قسط منها بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة قياس التمثيل وصيغ التمثيل هي الأصل وهي أكمل والميزان القدر المشترك وهو الجامع وهو الحد الأوسط. وإنزاله تعالى الميزان مع الرسل كإنزاله الإيمان وهو الأمانة معهم والإيمان لم يحصل إلا بهم كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال: "حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة وحدثنا عن رفع الأمانة" قال: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ثم ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منترا وليس فيه شيء" فقد بين في هذا الحديث

стр. 385

أن الأمانة التي هي الإيمان أنزلها في أصل القلوب فان الجذر هو الأصل وهذا إنما كان بواسطة الرسل لما اخبروا بما اخبروا به فسمع ذلك ف ألهم الله القلوب الإيمان وانزله في القلوب. وكذلك أنزل الله سبحانه الميزان في القلوب لما بينت الرسل العدل وما يوزن به عرفت القلوب ذلك فأنزل الله على القلوب من العلم ما تزن به الأمور حتى تعرف التماثل والاختلاف وتضع من الآلات الحسية ما يحتاج إليه في ذلك كما وضعت موازين النقدين وغير ذلك وهذا من وضعه تعالى الميزان قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ وقال كثير من المفسرين: "هو العدل" وقال بعضهم: "ما يوزن به ويعرف العدل" وهما متلازمان الوجه الثامن: ليس عندهم برهان على علومهم الفلسفية إنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة التي ذكروها من القضايا الحسيات والأوليات والمتواترات والمجربات والحدسيات ومعلوم أنه لا دليل على نفى ما سوى هذه القضايا كما تقدم البينة عليه. ثم مع ذلك إنما اعتبروا في الحسيات والعقليات وغيرهما ما جرت العادة باشتراك بنى آدم فيه وتناقضوا في ذلك وذلك أن بنى آدم إنما يشتركون كلهم في بعض المرئيات وبعض المسموعات فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب ويرون جنس السحاب والبرق وإن لم يكن ما رآه هؤلاء من ذلك هو ما يراه هؤلاء وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد وأما ما يسمعه بعضهم من كلام

стр. 386

بعض وصوته فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم وكذلك أكثر المرئيات فانه ما من شخص ولا أهل درب ولا مدينة ولا إقليم إلا ويرون من المرئيات ما لا يراه غيره وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء معين فيه بل الذي يشمونه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين كما يتفقون في شرب جنس الماء ومس جنس النساء. وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة والحدس فانه قد يتواتر عند هؤلاء ويجرب هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ولم يجربوه ولكن قد يتفقان في الجنس كما يجرب قوم بعض الأدوية ويجرب الآخرون جنس تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب. ثم هم مع هذا يقولون في المنطق أن المتواترات والمجربات والحدسيات تختص بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره فيقال لهم وكذلك المشمومات والمذوقات والملموسات بل اشتراك الناس في المتواترات أكثر فان الخبر المتواتر ينقله عدد كثير فيكثر السامعون له ويشتركون في سماعه من العدد الكثير لا سيما إذا كان العدد الكثير مئين وألوفا فبطائفة من هؤلاء يحصل العلم المتواتر فإذا نقل هؤلاء لقوم وهؤلاء لقوم وهؤلاء لقوم حصل العلم المتواتر لأمم لا يحصى عددهم إلا الله بخلاف ما يدرك بالحواس فانه يختص بمن أحسه فإذا قال رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شممت فكيف يمكنه أن يقيم من هذا برهانا على غيره ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد فلا يلزم من ذلك أن يكون غيرهم أحسها ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلا بطريق الخبر فإذا ادعوا أن الخبر المتواتر مختص بالحسيات فلا يقوم به البرهان على المنازع فالحسيات أعظم اختصاصا فيلزم أن لا يقوم بها برهان على المنازع وليس في الحسيات أكثر اشتراكا

стр. 387

الرؤية فان الناس يشتركون في رؤية الأنوار العلوية كالشمس والقمر والكواكب ولكن مواد البرهان لا يختص بذلك. وإن قالوا الحسيات تحصل ب الاشتراك في جنسها كاشتراك الناس في معرفة الألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة وإن لم يكن عين ما أحسه هؤلاء هو عين ما احسه هؤلاء لكن اشتركا في الجنس قيل والمتواترات والمجربات قد يشتركون في جنسها كما تقدم بل وجود الشبع والري عقيب الأكل والشرب هو من المجربات والناس يشتركون في جنسه وكذلك وجود اللذة بذلك وبالجماع وغير ذلك بما إذا فعله الإنسان وجد عقيبه أثرا من الآثار ثم يتكرر ذلك حتى يعلم أن ذاك سبب هذا الأثر فهذا هو التجربيات. والقضايا الظنية أصلها التجربيات وهو من هذا الباب فان المراد أنه إذا استعمل الدواء الفلاني وجد زوال المرض أو حصل به ألم المرض فوجود المرض بهذا ووجود زواله بهذا هو من التجربيات وكذلك الالام واللذات التي تحصل بالمشمومات والمسموعات والمرئيات والملموسات فان الحس ينال كذا ويرى هذا ويسمع هذا ويذوق هذا ويلمس هذا ثم وجود اللذة في النفس هو من الوجديات المعلومة بالحس الباطن وهو من جنس الحسيات الظاهرة. وأما الاعتقاد الكلى القائم في النفس من أن هذا الجنس يحصل به اللذة وهذا الجنس يحصل به الألم فهذا من التجربيات إذ الحسيات الظاهرة والباطنة ليس فيها شيء كلى فالقضاء الكلى الذي يقوم بالقلب هو مركب من الحس والعقل وهو التجربيات كما في اعتقاد حصول الشبع والري بما يعرف من المأكولات والمشروبات والموت والمرض بما يعرف من السموم القاتلة والأسباب الممرضة وزوال ذلك بالأسباب المعروفة وكل هذا من القضايا التجربية فالحس به يعرف الأمور المعينة ثم إذا تكررت مرة بعد مرة أدرك العقل أن هذا بسبب القدر المشترك الكلى فقضى فضاء كليا أن هذا يورث اللذة الفلانية وهذا يورث الألم الفلاني.

стр. 388

والحدسيات هي كذلك فبالحس يعرف أعيانها ثم يتكرر فتعلم بالعقل القدر المشترك لكن ذلك التكرر لا يكون بفعل الإنسان بل هو كما يعرف من الأمور السماوية مثل أن يرى اختلاف أنوار القمر عند اختلاف مقابلته للشمس فيحدس أن ضوءه مستفاد منها ومثل ما يرى الثوابت لا تختلف حركتها بالطول والعرض بل حركتها حركة واحدة فيحدس أن فلكها واحد وإلا فيجوز أن يكون لكل واحد فلكا حركته مثل حركة الآخر ومثل ما يرى اختلاف حركات السبعة فيحدس عن اختلاف أفلاكها وهذا يسمى في اللغة تجربيات وكثير منهم أيضا يسميه تجربيات ولا يجعل قسما غير المجربات. وبالجملة الأمور العادية سواء كان سبب العادة أرادة نفسانية أو قوة طبيعية فالعلم بكونها كلية هو من التجربيات أو الحدسيات أن جعلت نوعا أخر حتى العلم بمعانى اللغات هو من الحدسيات فان الإنسان يسمع لفظ المتكلم ثم قد يعلم مراده المعين بإشارة إليه أو بقرينة أخرى ثم إذا تكرر تكلمه بذلك اللفظ مرة بعد مرة وهو يريد به ذلك المعنى علم أن هذه عادته الإرادية وهو أرادة هذا المعنى بهذا اللفظ إذا قصد إفهام المخاطب وهذا مما يسمونه الحدسيات إذ ليس كلام المتكلم موقوفا على اختيار المستمع وهو من التجربيات العامة فان السمع إنما عرف به الصوت والمعنى المعين قد يفهم أولا بأسباب متعددة أما كون هذا المتكلم من عادته ولغته أنه إذا تكلم بهذا اللفظ أراد ذلك المعنى فهذا من هذا الباب وكذلك سائر ما يعلم من عادات الناس وعادات البهائم وعادات النبات وعادات سائر الأعيان هو من هذا الباب. وقد يعلم احد الشخصين بعادة نظيره فإذا كان من عادة شخص إذا قال أو فعل أمرا أراد به شيئا ورأى نظيره يقول ذلك أو يفعله فقد اعتقد أنه أراد ما أراد لأن العادة عرف أنها للنوع لا للشخص كعادة الناس في اللغات والأفعال

стр. 389

من العبادات وغير العبادات فإذا رأى الرجل يدخل المسجد قرب صلاة الجمعة وعليه أهبة أهل الصلاة اعتقد أنه يدخله للصلاة لأن هذا عادة هذا النوع وكذلك إذا رأى قاعدا في محل التطهير شارعا فيما يشرع فيه المتطهر عرف أنه يتطهر ثم العاديات قد تنتقض وقد يعلم ما يفعله الفاعل من العلم بصفاته ويعلم صفاته من أفعاله لكن ذاك من باب الاستدلال النظري العقلي وهو الاستدلال بالملزوم على اللازم فليس ذاك من هذا. كون العلوم الفلسفية من المجربات: فعامة ما عند الفلاسفة بل وسائر العقلاء من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هو من العلم بعادة ذلك الموجود وهو مما يسمونه الحدسيات وعامة ما عندهم من العلوم العقلية الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة فهو من هذا القسم من المجربات أن كان علما فان هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع فليس عند القوم برهان على المنازع وأيضا فان كون هذه الأجسام الطبيعية جربت وكون الحركات الفلكية جربت لا يعرفه أكثر الناس إلا بالنقل والتواتر في هذا قليل وإنما الغاية أن تنتقل التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل الحساب. وعلم الهيئة الذي هو أعظم علومهم الرياضية العقلية الذي جعله أرسطو أهله هم أئمة الفلاسفة وعلمهم اصل الفلسفة فانه منه تعرف عدد الأفلاك وحركاتها وإلا فالحس لا يرى إلا حركة الأجسام المعينة فيرى الشمس متحركة والقمر متحركا والكواكب متحركة هذا الذي يعلم بالحس وأما كون هذه مذكورة في أفلاك متحركة فهذا إنما يعلمونه من علم الهيئة والعلم بأن بعض الأفلاك فوق بعض علموه بكسوف الأعلى الأسفل فلما رأوا القمر يكسف سائرها استدلوا بذلك على أنه تحت الجميع ولما رأوا زحل لا يكسف شيئا والجميع تكسفه استدلوا بذلك على أنه فوق

стр. 390

الجميع وكذلك كون الثوابت في الثامن ادعوا علمه بأنها لا تكسف شيئا بل قد يكسفها غيرها وأما أفلاكها فاستدلوا عليها بالحركات. والعلم بقدر حركاتها وبكسوف بعضها لبعض ونحو ذلك مداره على الإرصاد وغايته أن بعض الناس رأى هذا فأخبر به غيره وليس هذا خبرا متواترا بل غالبه خبر واحد ثم أن الأرصاد يقع فيها من الغلط ما هو معروف ولهذا اختلفت أرصاد المتقدمين والمتأخرين في حركة الثوابت هل تقطع درجة فلكية في كل مائة سنة أو في ستة وستين وثلثي سنه كما زعمه أهل الرصد المأموني ولما اخبرهم أهل الهيئة بحركة الفك استدلوا بذلك على أن لها نفسا تحركه بالإرادة لأن حركته دورية ليست طبيعية واستدلوا على عدد النفوس التسعة بالأفلاك التسعة وعلى العقول العشرة بالأفلاك التسعة مع العقل العاشرة الذي هو أول صادر عن واجب الوجود وجعلوا الفلك يتحرك للتشبه بالعلة الأولى ليخرج ما فيه من الايون والأوضاع وغاية الفلسفة عندهم التشبه بالعلة الأولى بحسب الإمكان فهذا هو العلم الإلهي الذي هو الفلسفة الأولى والحكمة العليا وفيه من المقدمات الضعيفة ما ليس هذا موضع بسطه. وإنما المقصود أن مبناه على قضايا يخبر بها بعض الناس عن قضايا حدسية فإذا قالوا أن هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع والقضايا الطبيعية مبناها على ما ينقله بعض الناس من التجارب فإذا لم يكن في هذا ولا هذا برهان لم يكن عند القوم برهان على ما يختصون به وأما ما يشتركون فيه هم وسائر الناس فهذا ليس مضافا إليهم ولا هو من علمهم فأين البرهان على العلوم الفلسفية مع العلم بأن العاديات التي هي عامة علومهم الكلية منتقضة كما بيناه في غير هذا الموضع فنحن نعلم أنه ليس معهم في عامة ما يدعونه برهانيا برهان يقيني ولكن مع هذا نذكر بعض تناقضهم.
следующие страницы →