← Акыда

Акыда · id 7626

الرد على المنطقيين

ابن تيمية

Полный текст (546 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بعض وصوته فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم وكذلك أكثر المرئيات فانه ما من شخص ولا أهل درب ولا مدينة ولا إقليم إلا ويرون من المرئيات ما لا يراه غيره وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء معين فيه بل الذي يشمونه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين كما يتفقون في شرب جنس الماء ومس جنس النساء. وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة والحدس فانه قد يتواتر عند هؤلاء ويجرب هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ولم يجربوه ولكن قد يتفقان في الجنس كما يجرب قوم بعض الأدوية ويجرب الآخرون جنس تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب. ثم هم مع هذا يقولون في المنطق أن المتواترات والمجربات والحدسيات تختص بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره فيقال لهم وكذلك المشمومات والمذوقات والملموسات بل اشتراك الناس في المتواترات أكثر فان الخبر المتواتر ينقله عدد كثير فيكثر السامعون له ويشتركون في سماعه من العدد الكثير لا سيما إذا كان العدد الكثير مئين وألوفا فبطائفة من هؤلاء يحصل العلم المتواتر فإذا نقل هؤلاء لقوم وهؤلاء لقوم وهؤلاء لقوم حصل العلم المتواتر لأمم لا يحصى عددهم إلا الله بخلاف ما يدرك بالحواس فانه يختص بمن أحسه فإذا قال رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شممت فكيف يمكنه أن يقيم من هذا برهانا على غيره ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد فلا يلزم من ذلك أن يكون غيرهم أحسها ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلا بطريق الخبر فإذا ادعوا أن الخبر المتواتر مختص بالحسيات فلا يقوم به البرهان على المنازع فالحسيات أعظم اختصاصا فيلزم أن لا يقوم بها برهان على المنازع وليس في الحسيات أكثر اشتراكا

стр. 387

الرؤية فان الناس يشتركون في رؤية الأنوار العلوية كالشمس والقمر والكواكب ولكن مواد البرهان لا يختص بذلك. وإن قالوا الحسيات تحصل ب الاشتراك في جنسها كاشتراك الناس في معرفة الألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة وإن لم يكن عين ما أحسه هؤلاء هو عين ما احسه هؤلاء لكن اشتركا في الجنس قيل والمتواترات والمجربات قد يشتركون في جنسها كما تقدم بل وجود الشبع والري عقيب الأكل والشرب هو من المجربات والناس يشتركون في جنسه وكذلك وجود اللذة بذلك وبالجماع وغير ذلك بما إذا فعله الإنسان وجد عقيبه أثرا من الآثار ثم يتكرر ذلك حتى يعلم أن ذاك سبب هذا الأثر فهذا هو التجربيات. والقضايا الظنية أصلها التجربيات وهو من هذا الباب فان المراد أنه إذا استعمل الدواء الفلاني وجد زوال المرض أو حصل به ألم المرض فوجود المرض بهذا ووجود زواله بهذا هو من التجربيات وكذلك الالام واللذات التي تحصل بالمشمومات والمسموعات والمرئيات والملموسات فان الحس ينال كذا ويرى هذا ويسمع هذا ويذوق هذا ويلمس هذا ثم وجود اللذة في النفس هو من الوجديات المعلومة بالحس الباطن وهو من جنس الحسيات الظاهرة. وأما الاعتقاد الكلى القائم في النفس من أن هذا الجنس يحصل به اللذة وهذا الجنس يحصل به الألم فهذا من التجربيات إذ الحسيات الظاهرة والباطنة ليس فيها شيء كلى فالقضاء الكلى الذي يقوم بالقلب هو مركب من الحس والعقل وهو التجربيات كما في اعتقاد حصول الشبع والري بما يعرف من المأكولات والمشروبات والموت والمرض بما يعرف من السموم القاتلة والأسباب الممرضة وزوال ذلك بالأسباب المعروفة وكل هذا من القضايا التجربية فالحس به يعرف الأمور المعينة ثم إذا تكررت مرة بعد مرة أدرك العقل أن هذا بسبب القدر المشترك الكلى فقضى فضاء كليا أن هذا يورث اللذة الفلانية وهذا يورث الألم الفلاني.

стр. 388

والحدسيات هي كذلك فبالحس يعرف أعيانها ثم يتكرر فتعلم بالعقل القدر المشترك لكن ذلك التكرر لا يكون بفعل الإنسان بل هو كما يعرف من الأمور السماوية مثل أن يرى اختلاف أنوار القمر عند اختلاف مقابلته للشمس فيحدس أن ضوءه مستفاد منها ومثل ما يرى الثوابت لا تختلف حركتها بالطول والعرض بل حركتها حركة واحدة فيحدس أن فلكها واحد وإلا فيجوز أن يكون لكل واحد فلكا حركته مثل حركة الآخر ومثل ما يرى اختلاف حركات السبعة فيحدس عن اختلاف أفلاكها وهذا يسمى في اللغة تجربيات وكثير منهم أيضا يسميه تجربيات ولا يجعل قسما غير المجربات. وبالجملة الأمور العادية سواء كان سبب العادة أرادة نفسانية أو قوة طبيعية فالعلم بكونها كلية هو من التجربيات أو الحدسيات أن جعلت نوعا أخر حتى العلم بمعانى اللغات هو من الحدسيات فان الإنسان يسمع لفظ المتكلم ثم قد يعلم مراده المعين بإشارة إليه أو بقرينة أخرى ثم إذا تكرر تكلمه بذلك اللفظ مرة بعد مرة وهو يريد به ذلك المعنى علم أن هذه عادته الإرادية وهو أرادة هذا المعنى بهذا اللفظ إذا قصد إفهام المخاطب وهذا مما يسمونه الحدسيات إذ ليس كلام المتكلم موقوفا على اختيار المستمع وهو من التجربيات العامة فان السمع إنما عرف به الصوت والمعنى المعين قد يفهم أولا بأسباب متعددة أما كون هذا المتكلم من عادته ولغته أنه إذا تكلم بهذا اللفظ أراد ذلك المعنى فهذا من هذا الباب وكذلك سائر ما يعلم من عادات الناس وعادات البهائم وعادات النبات وعادات سائر الأعيان هو من هذا الباب. وقد يعلم احد الشخصين بعادة نظيره فإذا كان من عادة شخص إذا قال أو فعل أمرا أراد به شيئا ورأى نظيره يقول ذلك أو يفعله فقد اعتقد أنه أراد ما أراد لأن العادة عرف أنها للنوع لا للشخص كعادة الناس في اللغات والأفعال

стр. 389

من العبادات وغير العبادات فإذا رأى الرجل يدخل المسجد قرب صلاة الجمعة وعليه أهبة أهل الصلاة اعتقد أنه يدخله للصلاة لأن هذا عادة هذا النوع وكذلك إذا رأى قاعدا في محل التطهير شارعا فيما يشرع فيه المتطهر عرف أنه يتطهر ثم العاديات قد تنتقض وقد يعلم ما يفعله الفاعل من العلم بصفاته ويعلم صفاته من أفعاله لكن ذاك من باب الاستدلال النظري العقلي وهو الاستدلال بالملزوم على اللازم فليس ذاك من هذا. كون العلوم الفلسفية من المجربات: فعامة ما عند الفلاسفة بل وسائر العقلاء من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هو من العلم بعادة ذلك الموجود وهو مما يسمونه الحدسيات وعامة ما عندهم من العلوم العقلية الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة فهو من هذا القسم من المجربات أن كان علما فان هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع فليس عند القوم برهان على المنازع وأيضا فان كون هذه الأجسام الطبيعية جربت وكون الحركات الفلكية جربت لا يعرفه أكثر الناس إلا بالنقل والتواتر في هذا قليل وإنما الغاية أن تنتقل التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل الحساب. وعلم الهيئة الذي هو أعظم علومهم الرياضية العقلية الذي جعله أرسطو أهله هم أئمة الفلاسفة وعلمهم اصل الفلسفة فانه منه تعرف عدد الأفلاك وحركاتها وإلا فالحس لا يرى إلا حركة الأجسام المعينة فيرى الشمس متحركة والقمر متحركا والكواكب متحركة هذا الذي يعلم بالحس وأما كون هذه مذكورة في أفلاك متحركة فهذا إنما يعلمونه من علم الهيئة والعلم بأن بعض الأفلاك فوق بعض علموه بكسوف الأعلى الأسفل فلما رأوا القمر يكسف سائرها استدلوا بذلك على أنه تحت الجميع ولما رأوا زحل لا يكسف شيئا والجميع تكسفه استدلوا بذلك على أنه فوق

стр. 390

الجميع وكذلك كون الثوابت في الثامن ادعوا علمه بأنها لا تكسف شيئا بل قد يكسفها غيرها وأما أفلاكها فاستدلوا عليها بالحركات. والعلم بقدر حركاتها وبكسوف بعضها لبعض ونحو ذلك مداره على الإرصاد وغايته أن بعض الناس رأى هذا فأخبر به غيره وليس هذا خبرا متواترا بل غالبه خبر واحد ثم أن الأرصاد يقع فيها من الغلط ما هو معروف ولهذا اختلفت أرصاد المتقدمين والمتأخرين في حركة الثوابت هل تقطع درجة فلكية في كل مائة سنة أو في ستة وستين وثلثي سنه كما زعمه أهل الرصد المأموني ولما اخبرهم أهل الهيئة بحركة الفك استدلوا بذلك على أن لها نفسا تحركه بالإرادة لأن حركته دورية ليست طبيعية واستدلوا على عدد النفوس التسعة بالأفلاك التسعة وعلى العقول العشرة بالأفلاك التسعة مع العقل العاشرة الذي هو أول صادر عن واجب الوجود وجعلوا الفلك يتحرك للتشبه بالعلة الأولى ليخرج ما فيه من الايون والأوضاع وغاية الفلسفة عندهم التشبه بالعلة الأولى بحسب الإمكان فهذا هو العلم الإلهي الذي هو الفلسفة الأولى والحكمة العليا وفيه من المقدمات الضعيفة ما ليس هذا موضع بسطه. وإنما المقصود أن مبناه على قضايا يخبر بها بعض الناس عن قضايا حدسية فإذا قالوا أن هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع والقضايا الطبيعية مبناها على ما ينقله بعض الناس من التجارب فإذا لم يكن في هذا ولا هذا برهان لم يكن عند القوم برهان على ما يختصون به وأما ما يشتركون فيه هم وسائر الناس فهذا ليس مضافا إليهم ولا هو من علمهم فأين البرهان على العلوم الفلسفية مع العلم بأن العاديات التي هي عامة علومهم الكلية منتقضة كما بيناه في غير هذا الموضع فنحن نعلم أنه ليس معهم في عامة ما يدعونه برهانيا برهان يقيني ولكن مع هذا نذكر بعض تناقضهم.

стр. 391

سنة الله التي لا تنتقض بحال: ولكن العادة التي لا تنتقض بحال ما اخبر الله أنها لا تنتقض كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ وقال: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ فهذه سنة الله وعادته في نصر عباده المؤمنين إذا قاموا بالواجب على الكافرين وانتقامه وعقوبته للكافرين الذين بلغتهم الرسل بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين هي سنة الله التي لا توجد منتقضة قط وكما قال قبل هذا ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ لم يقل هنا ولن تجد لأن هذه سنة شرعية لا ترى بالمشاهدة بل تعلم بالوحي بخلاف نصره للمؤمنين وعقوبته للمنذرين فانه أمر مشاهد فلن يوجد منتقضا. وقد أراد بعض الملاحدة كالسهروردي المفتول في كتابه المبدأ والمعاد الذي سماه الالواح العمادية أن يجعل له دليلا من القرآن والسنة على إلحاده فاستدل

стр. 392

بهذه الآية على أن العالم لا يتغير بل لا تزال الشمس تطلع وتغرب لأنها عادة الله فيقال له انخراق العادات أمر معلوم بالحس والمشاهدة بالجملة وقد أخبر في غير موضع أنه سبحانه لم يخلق العالم عبثا وباطلا بل لأجل الجزاء فكان هذا من سنته الجميلة وهو جزاؤه الناس بأعمالهم في الدار الآخرة كما أخبر به من نصر أوليائه وعقوبة أعدائه فبعث الناس للجزاء هو من هذه السنة وهو لم يخبر بان كل عادة لا تنتقض بل أخبر عن السنة التي هي عواقب أفعال العباد بإثابته أولياءه ونصرهم على الأعداء فهذه هي التي اخبر لن يوجد لها تبديل ولا تحويل كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ . وذلك لأن العادة تتبع أرادة الفاعل وإرادة الفاعل الحكيم هي أرادة حكيمة فتسوى بين المتماثلات ولن يوجد لهذه السنة تبديل ولا تحويل وهو إكرام أهل ولايته وطاعته ونصر رسله والذين آمنوا على المكذبين فهذه السنة تقتضيها حكمته سبحانه فلا انتقاض لها بخلاف ما اقتضت حكمته تغييره فذاك تغييره من الحكمة أيضا ومن سنته التي لا يوجد لها تبديل ولا تحويل لكن في هذه الآيات رد على من يجعله يفعل بمجرد أرادة ترجح أحد المتماثلين بلا مرجح فان هؤلاء ليس عندهم له سنة لا تتبدل ولا حكمة تقصد وهذا خلاف النصوص والعقول فإن السنة تقتضي تماثل الآحاد وأن حكم الشيء نظيره فيقتضي التسوية بين المتماثلات وهذا خلاف قولهم. المتواتر عن الأنبياء أعظم من المتواتر عن الفلاسفة: والمقصود هنا الكلام على الفلاسفة فنقول معلوم أن من شياطينهم من يقول المتواترات لا يقوم بها البرهان على المنازع ليدخل في ذلك ما تواتر عن الأنبياء صلوات الله عليهم من الآيات والبراهين والمعجزات التي بعثوا بها كما

стр. 393

يدخلون ما اخذ عن الأنبياء من المقبولات. فيقال لهم من المعلوم بالاضطرار أن تواتر خروج محمد ﷺ ومجيئه بهذا القرآن أعظم عند أهل الأرض من تواتر وجود الفلاسفة كلهم فضلا عما يخبرون به من القضايا التجربية والحدسية التي استدلوا بها على الطبيعيات والفلكيات وكذلك ما تواتر من سائر معجزاته وما تواتر من أخبار موسى والمسيح صلوات الله عليهما هذا معلوم عند الناس أعظم من تواتر وجود أولئك فضلا عن تواتر ما يخبرون به. ولهذا صار ظهور الأنبياء مما تؤرخ به الحوادث في العالم بظهور أمرهم عند الخاصة والعامة فان التاريخ يكون بالحادث المشهور الذي يشترك الناس فيه ليعرفوا به كم مضى بعده وقبله كما أن النهار يعرف بطلوع الشمس والشهر بالهلال لأنه نور ظاهر يشترك الناس في رؤيته ولهذا جعل عمر تاريخ المسلمين من الهجرة النبوية فإنها أظهر أحوال الرسول المشهورة وهو خروجه من بلد إلى بلد وبها اعز الله الإسلام وكانت العرب قبل الإسلام تؤرخ بالحوادث المشهورة وكذلك الروم والفرس والقبط وسائر الأمم يؤرخون مثل ذلك فنحن اليوم إذا أردنا أن نعرف زمان واحد من هؤلاء المتفلسفة قلنا كان قبل المسيح بكذا وكذا سنة. بل أرسطو إنما عرف زمانه لأنه قد عرف أنه كان وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني ملك اليونان وكانوا مشركين يعبدون الكواكب والأصنام ويعانون السحر أرسطو وملكه وغيرهما وهذا الاسكندر لما جاء إلى الشام أقام أيام بني إسرائيل غلب عليهم فذكروا أنه طلب أن يكتب في التوراة فقالوا ما يمكن هذا فقال اجعلوا لي تأريخا فصار التاريخ الرومي الذي تؤرخ به اليهود والنصارى مؤرخا به وأرسطو وزيره فعرف وقته من هذا الوجه وكان قبل المسيح بثلثمائة سنة.

стр. 394

والتواريخ التي تختص بها اليهود هي من الأنبياء وأحوال بيت المقدس يقولون في البيت الأول في البيت الثاني. ثم عرف أرسطوا بهذه الكتب المنسوبة إليه كما عرف بطليموس المجسطى وكما عرف ابقراط وجالينوس بما ينسب إليهما من كتب الطب وإلا فأي شيء هو الذي تواتر عند الناس من أخبار هؤلاء فضلا عن أن يتواتر عنهم ما يذكرونه في كتبهم من القضايا التجربية والحدسية وغاية ما يوجد أن يقول بطلميوس هذا مما رصده فلان وأن يقول جالينوس هذا مما جربته أنا أو ذكر لى فلان أنه جربه أو نحو ذلك من الحكايات التي ملأ بها جالينوس كتابه وليس في هذه شيء من المتواتر وإن قدر أن غيره جرب أيضا فذاك خبر واحد. ولكن ما يدعى في تجارب الأطباء من الأدوية أقرب إلى التسليم مما يدعونه في تجاربهم الرصدية وذلك لاشتراك كثير من الأطباء في تجربة الدواء الواحد وأيضا فلكثرة وجود ما يدعى فيه التجربة من النبات وتواطؤ المجربين له وليس كذلك ما يدعونه من فلسفتهم فانا رأينا تجارب الأطباء على غير منوالهم وعلمنا صدقها كثيرا وليس القصد إلا بفساد تأصيلهم فقط وإلا فالأطباء في تجاربهم أسد حالا منهم لأن القوم إنما يذكرون دواء موجودا يمكن تجربته كثيرا لوجوده ولكثرة المحتاجين إليه ممن يصيبه ما يقال أن ذلك الدواء يؤثر فيه شفاء والله فاعل ذلك الشفاء في ذلك الدواء فبينهم حينئذ فرق من حيث ما قررته

стр. 395

فالتواتر عزيز عندهم جدا وأكثر الناس لم يجربوا جميع ما جربوه ولا علموا بالارصاد ما ادعوا أنهم علموه وإذا قيل قد اتفق على ذلك رصد فلان وفلان كان غاية ما عندهم أن يذكروا جماعة رصدوا وهذا غاية أن يكون من المتواتر الخاص الذي ينقله طائفة. فمن زعم أنه لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن الأنبياء كيف يمكنه أن يقيم على غيره برهانا بمثل هذا التواتر ويعظم علم الهيئة والفلسفة ويدعى أنه علم عقلي معلوم بالبرهان. كون الفلاسفة من أجهل الخلق برب العالمين: وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم هذا حاله فما الظن بالإلهيات التي إذا نظر فيها كلام معلمهم الأول أرسطو وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين وصار يتعجب تعجبا لا ينقضي ممن يقرن علم هؤلاء بالإلهيات إلى ما جاءت به الأنبياء ويرى أن هذا من جنس من يقرن الحدادين بالملائكة بل من يقرن دهاقين القرى بملوك العالم فهو أقرب إلى العلم والعدل ممن يقرن هؤلاء بالأنبياء فان دهقان القرية متول عليها كتولي الملك على مملكته فله جزء من الملك. وأما ما جاءت به الأنبياء فلا يعرفه هؤلاء البتة وليسوا قريبين منه بل كفار اليهود والنصارى أعلم بالأمور الإلهية ولست أعنى بذلك ما اختص الأنبياء بعلمه من الوحي الذي لا ينال غيرهم فان هذا ليس من علمهم ولا من علم غيرهم وإنما أعنى العلوم العقلية التي بينها الرسل للناس بالبراهين العقلية في أمر معرفة الرب وتوحيده ومعرفة أسمائه وصفاته وفي النبوات والمعاد وما جاءوا به من مصالح الأعمال التي تورث السعادة في الآخرة فان كثيرا من ذلك قد بينه الرسل بالأدلة العقلية فهذه العقليات الدينية الشرعية الإلهية هي التي لم يشموا رائحتها ولا في علومهم ما يدل عليها وأما ما اختصت الرسل بمعرفته وأخبرت به من الغيب فذاك

стр. 396

أمر أعظم من أن يذكر في ترجيحه على الفلسفة وإنما المقصود الكلام في العلوم العقلية التي تعلم بالأدلة العقلية دع ما جاءت به الأنبياء فانه مرتبة عالية. وهؤلاء المتكلمون من أهل الملل الذين يدعهم أهل السنة من أهل الملل كالجهمية والمعتزلة وما يفرع على هؤلاء من جميع طوائف الكلام فان الفلاسفة تقول أن هؤلاء أهل جدل ليسوا أصحاب برهان ويجعلون نفوسهم هم أصحاب البرهان ويسمون هؤلاء أهل الجدل ويجعلون أدلتهم من المقاييس الجدلية إذ كانوا قد قسموا القياس خمسة أقسام برهاني وخطابي وجدلي وشعري وسوفسطائي كما سنتكلم عليه أن شاء الله ولهذا تجد ابن سينا وابن رشد وغيرهما من المتفلسفة يجعل هؤلاء أهل الجدل وان مقدماتهم التي يحتجون بها جدلية ليست برهانية ويجعلون أنفسهم أصحاب البرهان. ونحن لا ننازعهم أن كثيرا مما يتكلمه المتكلمون باطل لكن إذا تكلم بالإنصاف والعدل ونظر في كلام معلمهم الأول أرسطو وأمثاله في الإلهيات وفي كلام من هم عند المسلمين من شر طوائف المتكلمين كالجهمية والمعتزلة مثلا وجد بين ما يقوله هؤلاء المتفلسفة وبين ما يقوله هؤلاء من العلوم التي يقوم عليها البرهان العقلي من الفروق التي تبين فرط جهل أولئك بالنسبة إلى هؤلاء ما لا يمكن ضبطه وهذا كلام أرسطو موجود وكلام هؤلاء موجود فان هؤلاء المتكلمين يتكلمون بالمقدمات البرهانية اليقينية أكثر من أولئك بكثير كثير وأرسطو أكثر ما يبني الأمور الإلهية على مقدمات سوفسطاية في غاية الفساد ولولا أن هذا ليس موضع ذكره لذكرت كلامه في مقالة اللام التي هي آخر علومه بألفاظها وكذلك كلامه في اثولوجيا

стр. 397

وهذا ابن سينا أفضل متأخريهم الذي ضم إلى كلامه في الإلهيات من القواعد التي أخذها عن المتكلمين أكثر مما أخذه عن سلفه الفلاسفة أكثر كلامه فيها مبني على مقدمات سوفسطائية ملبسة ليست خطابية ولا جدلية ولا برهانية مثل كلامه في توحيد الفلاسفة وكلامه في أسرار الآيات وكلامه في قدم العالم كما بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. الوجه التاسع: الرد على ابن سينا والرازي في كلامهما في القضايا المشهورة المشتمل على ثمانية أنواع. الوجه التاسع: أنهم اخرجوا القضايا التي يسمونها الوهميات والتي يسمونها الآراء المحودة عن أن تكون يقينيات وقد بينا في غير هذا الموضع أنها وغيرها من العقليات سواء ولا يجوز التفريق بينهما وان اقتضاء الفطرة لهما واحد. أما المشهورات فان ابن سينا قال في إشاراته: أصناف القضايا المستعملة فيما بين القائسين ومن يجري مجراهم أربعة مسلمات ومظنونات وما معها ومشبهات بغيرها ومتخيلات والمسلمات أما معتقدات وأما مأخوذات والمعتقدات أصنافها ثلاثة الواجب قبولها والمشهورات والوهميات والواجب قبولها أوليات ومشاهدات ومجربات وما معها من الحدسيات والمتواترات وقضايا قياساتها معها" إلى أن قال: "فأما المشهورات في هذه الجملة فمنها أيضا هذه الأوليات ونحوها مما يوجب قبوله لا من حيث هي واجب قبولها بل من حيث عموم الاعتراف بها".

стр. 398

قال: "ومنها الآراء المسمات بالمحمودة وربما خصصناها باسم المشهورة إذ لا عمدة لها إلا الشهرة وهو أنه لو خلى إنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه ولم يؤدب بقبول قضاياها ولم يفد الاستقراء ظنه القوى إلى حكم لكثرة الجزئيات ولم يستدع إليها ما في طبعه الإنساني من الرحمة والخجل والأنفة والحمية وغير ذلك لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه مثل حكمنا أن سلب مال الإنسان قبيح وان الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه". قال: "ومن هذا الجنس ما يسبق وهم كثير من الناس وليس شيء من هذا يوجه العقل الساذج ولو توهم الإنسان بنفسه أنه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدبا ولم يطع انفعالا نفسانيا أو خلقا لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء بل أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه وليس كذلك حال قضائه أن الكل أعظم من الجزء". وهذه المشهورات قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة وان كانت صادقة ليست تنسب إلى الأوليات ونحوها إذا لم تكن بينة عند العقل الأول إلا بنظر وان كانت محمودة عنده والصادق غير المحمود وكذلك الكاذب غير الشنيع ورب شنيع حق ورب محمود كاذب. والمشهورات أما من الواجبات وأما من التأديبات الصلاحية وما تطابق عليها الشرائع الإلهية وأما خلقيات وانفعاليات وأما استقرائيات وهي أما بحسب الإطلاق وأما بحسب أصحاب صناعة وحكمة. وقد ذكر الرازي في شرحه للإشارات تقرير الفرق بين الأوليات العقلية والمشهوارات والوهميات: وقالوا المشهورات تشبه بالأوليات ووجه الفرق ظاهر فان الأولى

стр. 399

هو الذي يكون حكمه على موضوعه في الوجودين حملا أولا لا ثانيا أي لا يكون حمله بتوسط فان المحمول على غيره بتوسط شيء آخر كان بعد حمل ذلك الشيء فلا يكون حمله عليه أولا بل ثانيا. وهذا إنما يظهر إذا لم يكن للعقل في ذلك الحكم موجب آخر إلا مجرد حضور طرفي الموضوع والمحمول أما إذا كان هناك أسباب أخر من الرقة أو الأنفة أو الحمية أو العادة أو الحمد على النظام الكلى والمصلحة العامة فحينئذ لا يعرف أن الموجب لحكم العقل بذلك هو نفس حضور طرفي الموضوع والمحمول أو ذلك لأسباب أخر. فإذا أردت أن تمتحن ذلك فعليك أن تقدر نفسك كأنك خلقت في هذه الحال ولا تلتفت إلى مقتضيات العادات وأحكام سائر القوى من الرأفة والرقة وتجرد عما تعودته والفتة من القضايا المصلحية ثم تعرض على نفسك طرفي الموضوع والمحمول فان كان نفس حضورهما يوجب حكم العقل بتلك النسبة كانت القضية أولية وإلا كانت مشهورة وهو مثل قولنا الكذب قبيح فان السبب في شهرته تعلق المصلحة العامة به وقولنا الإيلام قبيح والسبب فيه الرقة والدليل على أن ذلك ليس من الأوليات انا عند الفرض المذكور إذا عرضنا على العقل أن الشيء لا يخلو عن النفي والإثبات وعرضنا عليه أن الكذب قبيح وجدنا العقل جازما بالأول متوقفا في الثاني فعرفنا أن ذلك ليس من المحولات الأولية. ثم أن المشهور قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا فالصادق قد يكون أوليا وقد لا يكون بل يحتاج في إثباته إلى البرهان فان كل أولى لا بد أن يكون مشهورا لكن لا ينعكس فان السبب في الشهرة أما كونه أوليا أو تعلق النظام به أو الانفعالات النفسانية كما ذكرنا أو الاستقراء العام فان لكل مذهب أمورا مشهورة عندهم ربما لا تكون

стр. 400

مشهورة عند من يخالفهم. قلت: والكلام على هذا بأنواع متعددة. النوع الأول: الكلام على تفريقهم بين الأوليات والمشهورات. النوع الأول: أن التفريق بين الأوليات وغيرها بأن الأوليات ما كان ثبوت الموضوع للمحمول وهو ثبوت الصفة للموصوف والمحكوم به للمحكوم عليه والمخبر به للمخبر عنه كثبوت الخبر للمبتدأ بالتفريق بين الأولى وغيره بان الموضوع أن ثبت للمحمول بنفسه في الوجودين الذهني والخارجي فهو أولى وإن افتقر إلى وسط فليس بأولى فرق بنى على اصل فاسد وهو أن الصفات اللازمة للموصوف منها ما يلزم بنفسه ليس بينه وبين الموصوف وسط في نفس الأمر ومنها ما لا يلزم بنفسه بل بوسط في نفس الأمر يكون ذلك الوسط لازما للموصوف ويكون هذا المحمول لازما لذلك اللازم. وهذا الفرق قد ذكره غير واحد كالرازي وغيره في الصفات اللازمة وابن سينا ذكره أيضا لكن ابن سينا ذكر أنه إنما أراد ب الوسط الحد الأوسط في القياس وهو ما يقرن باللام في قولك لأنه وهذا هو الدليل والدليل هو وسط في الذهن للمستدل ليس هو وسطا في نفس ثبوت الصفة للموصوف فانه قد يستدل بالمعلول على العلة كما يستدل بالعلة على المعلول ويستدل بأحد المعلولين على الآخر ويستدل بثبوت احد الضدين على انتفاء الآخر وبثبوت احد المتلازمين على تحقق الآخر. ولا ريب أن الصفات اللازمة للموصوف تنقسم إلى ما لزومه بين للإنسان والى ما ليس هو بينا بل يفتقر ملزومه إلى دليل وكونه بينا للإنسان وغير بين ليس هو صفة الشيء في نفسه وإنما هو إخبار عن علم الإنسان به وتنبيه له فهو

стр. 401

إخبار عن الوجود الذهني لا الخارجي فما كان بينا للإنسان معلوما له موجودا في ذهنه لم يحتج فيه إلى دليل وما لم يكن كذلك احتاج فيه إلى دليل وكون الشيء بينا وغير بين نسبة وإضافة بين المعلوم والإنسان العالم وهذا يختلف فيه أحوال الناس فقد يتبين لزيد ما لا يتبين لعمرو فان أسباب العلم وقوة الشعور وجودة الأذهان متفاوتة فلا يلزم إذا تبين لإنسان ثبوت بعض الصفات أو لزومها أو اتصاف الموصوف بها أن يتبين ذلك لكل احد ولا يلزم إذا خفي على بعض الناس أن يكون خفيا على كل احد. وحينئذ فإذا فرق بين الأولى وغيره بان الأولى لا يحتاج إلى وسط فبين كون القضية أولية أو غير أولية فرق إضافي بحسب أحوال الناس فيكون ذلك بمنزلة أن يقال القضية أما أن تكون معلومة وأما أن لا تكون وأما أن تكون ظاهرة وأما أن لا تكون وأما أن تكون واضحة وأما أن لا تكون وأما أن تكون جلية وأما أن لا تكون وأما أن يتصور الإنسان صدقها وأما أن لا يتصور وهذا فرق صحيح فإن كل قضية بالنسبة إلى كل احد أما أن تكون بينة له وأما أن لا تكون بينة له ولكن ليس هذا الفرق يميز بين أجناس القضايا حتى يجعل جنس منها بتمامه من قبيل غير البين وجنس آخر بتمامه من جنس البين فإن هذا الفرق لا يعود إلى صفة لازمة للقضية كما ادعاه من أن اللازم البين ما ثبت للموصوف بلا وسط في نفس الأمر واللازم غير البين ما كان ثبوته بوسط في نفس الأمر بل جميع اللوازم للموصوف ليس بينها وبين الموصوف وسط أصلا في نفس الأمر وإن احتجاج الإنسان في علمه بثبوتها إلى دليل فليس كل ما لا يعلم لزومه للموصوف إلا بدليل لا يكون ثبوته له إلا بوسط كما تقدم بيانه فإن المعلول لازم لعلته المعينة لا يمكن تخلف المعلول عن علته التامة التي دخل فيها وجود الشروط وانتفاء الموانع ومع هذا فقد لا يعلم ثبوت المعلول إلا بوسط بأن يستدل بمعلول آخر على العلة

стр. 402

ثم بالعلة على المعلول كما يستدل بالرائحة التي في الشراب على أنه مسكر ويستدل بالمسكر على التحريم كقوله ﷺ : "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" رواه مسلم وكما يستدل بثبوت كفارة اليمين في الالتزام على أنه يمين ويستدل بأنه يمين على انعقاد الإيلاء به وكذلك بالعكس وكما يستدل بالشعاع المنتشر على طلوع الشمس وبطلوعها على فوات الفجر وكما يستدل بفيء الظلال على زوال الشمس وبزوالها على دخول وقت الظهر فإنها لا تفيء من المغرب إلى المشرق إلا إذا زالت الشمس ولا يسمى فيئا إلا ما كان بعد الزوال والظل اسم عام لما كان في أول النهار وآخره وإن شئت تستدل بتزايد الظلال بعد تناهي قصرها على الزوال وبه على دخول وقت الظهر وكما يستدل بالجدي على جهة الشمال ويستدل بها على جهة الكعبة بأن يعلم أن الكعبة في تلك الأرض من جهة الجنوب والقطب شماليها أما محاذيا للركن الشامي سواء كما في أرض حران وما سامتها وأما مائلا إلى المشرق وجهة الباب فينحرف إلى المغرب كما في أرض العراق ومثل هذا كثير. وبالجملة فالدليل باتفاق العقلاء اعم من العلة بل كل ملزوم يستلزم غيره يمكن الاستدلال به عليه مطلقا ولا يفرق في هذا بين لازم ولازم ولا يقال من اللوازم ما يلزم بوسط فلا يمكن العلم به إلا بعد ذلك الوسط بل يمكن الاستدلال به عليه كما يمكن الاستدلال بكل ملزوم على لازمه فإن شرط ذلك العلم بالملزوم متى علم أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم. فقد يكون ما هو لازم بغير وسط عندهم ولا يعرف لزومه إلا بالوسط الذي هو الدليل كالمعلول مع العلة وقد يكون ما يزعمون أنه لازم بوسط ويمكن العلم بلزومه بلا وسط كما ذكروه من المثال في ذلك فزعموا أن اللونية للسواد والجسمية للحيوان ذاتية لثبوتها بلا وسط وزعموا أن الزوجية والفردية للعدد عرضية قالوا لأنا وإن علمنا أن الأربعة زوج والثلاثة فرد فلا يعلم ذلك في كل الأعداد بل يفتقر علمنا بأن المائتين واثنين وستين زوج والإحدى

стр. 403

وستون فرد إلى وسط وهو أن يقسم هذه فإذا انقسمت بقسيمين متساويين علمنا أنها زوج. وقد بينا في كلامنا على فساد قولهم في الفرق بين الذاتي واللازم أن الفرق لا يعود إلى صفة الموصوف في نفس الأمر بل كون الزوجية والفردية لازمة للزوج والفرد كلزوم العددية للعدد ولزوم اللونية للبياض والسواد ولزوم الجسمية للحيوان ولكن بعض اللوازم بين لبعض الناس أنه لازم لجميع الأفراد وبعضها يخفي ثبوته لبعض الأفراد وهذا فرق يعود إلى الإنسان كما أن من الأشياء ما نراها ومن الأشياء ما لا نراها وكذلك من الأشياء ما نعلمها ومن الأشياء ما لا نعلمها ولا يقتضى ذلك أن يكون ما علمه من الصفات هو أجزاء للماهية تركبت منها لو جاز أن تتركب الماهية من الأوصاف وما لم يعلمه لا يكون أجزاء للماهية فكيف إذا كان تركب الماهية الموجودة في الخارج من صفات قائمة بها ودعوى أن تلك الصفات أجزاء لها مقومة وهي سابقة عليها في غاية الفساد. والرازي وأمثاله لما شاركوا المنطقيين في هذا الخطأ زعموا أن الوسط الذهني هو وسط خارجي فهذا باطل وما علمت قدماء المنطقيين يقولونه ولا رايته في كلام ابن سينا وأمثاله وإنما الذي رايته في كلامه أن الوسط هو الدليل. برهان للرازي على هذا التفريق وبيان تناقضه من ثلاثة عشر طريقا: فالرازي لما ادعى ما ادعاه لزمه تناقض زائد على تناقض المنطقيين. قال الرازي: "والبرهان على أن ما يكون لزومه بغير وسط كان بينا هو أن الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم فإذا عقلنا الماهية وجب أن نعقل منها أنها

стр. 404

لما هي هي تقتضى ذلك اللازم وإلا لما كنا عقلنا الماهية لما هي هي وإذا عقلنا منها لما هي مقتضية للازم الفلاني وجب أن نعقل اللازم الفلاني لأن العلم بإضافة أمر إلى أمر يتضمن العلم بكل المضافين". قال: "فهذا ما قيل في هذا الباب وفيه بحث لا بد من ذكره فان لقائل أن يقول أن ما يحصل لزومه من العلم بالماهية العلم بلازمها القريب وذلك القريب علة قريبة للازم الثاني فحينئذ يجب أن يعلم اللازم الثاني وان يعلم من ذلك الثاني اللازم الثالث فكان يجب أن يكون العلم بالماهية مقتضيا للعلم بجميع لوازمها القريبة والبعيدة وذلك محال فثبت أن العلم بالماهية لا يقتضى العلم بلازمها". قال: "أيضا فان ماهية العلة غير مقولة بالقياس إلى المعلوم وعلته والعلة مقولة بالقياس إلى المعلول فإذن ماهية العلة مغايرة لعلتها فإذن لا يلزم من العلم بماهية العلة العلم بدليل المعلول. ثم قال لكنا نقول في جواب هذا الشك العلم بماهية العلة لا يقتضى العلم بالمعلول إلا بشرط اخر وهو حصول تصور المعلول فان العلية أمر إضافي لا يحصل بمجرد ذات العلة فلا يكون العلم بذات العلة كافيا في العلم بالعلية لكن ذات العلة وذات المعلول هما لذاتيهما يقتضيان الوصف الإضافي وهو العلية والمعلولية لا جرم عند حصول تصورهما يجب حصول التصديق بانتساب أحدهما إلى الآخر وهذا هو المعنى بقولنا اللازم الذي يكون بغير وسط يكون بين الثبوت. قال وإذا ثبت أن تصور العلة إنما يوجب التصديق بثبوت المعلول القريب له عند تصور المعلول ثم من الجائز أن لا يحصل تصور المعلول عند تصور العلة لا جرم لا يلزم من العلم بحقيقة العلة العلم بثبوت كل

стр. 405

اللوازم القريبة والبعيدة". قال: "وأما الشك الثاني فهو أيضا خارج لانا لا نسلم أن العلية مغايرة لحقيقة ذات العلة لكنا ندعي أن تصور حقيقة العلة مع تصور حقيقة المعلول القريب يوجب العلم بكون العلة علة لذلك المعلول". قلت: فهذا الكلام الذي زعموا أنه برهان قرروا به الأصول الكلية ل الحد والبرهان وفيه من الفساد والخطأ والتناقض ما يطول وصفه لكن ننبه على بعضه وذلك من طرق. الطريق الأول: إن قوله: "الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم" أن عني به أن الماهية الملزومة هي العلة في حصول لازمها في نفس الأمر كما يقتضيه كلامه فهذا من أبطل الباطل فليس كل ما كان لازما لغيره يكون ذلك الغير هو العلة المقتضية لوجوده في نفس الأمر فان العلة نفسها لازمة لمعلولها المعين لا يوجد المعلول المعين إلا بتلك العلة وان قدر وجود ما هو من جنسه بغير تلك العلة فليس هو ذلك المعين والعلة لا تكون معلولة لمعلولها وهي لازمة له. وكذلك احد المعلولين يلازم المعلول الآخر كالأبوة والبنوة هما متلازمان وليس وجود أحدهما علة للآخر بل كلاهما معلول علة أخرى وكذلك جميع المتلازمات كالناطقية والضاحكية للإنسان متلازمان وليس أحدهما علة للآخر وكذلك الحس والحركة الإرادية متلازمان وليس أحدهما علة الآخر ونظير هذا كثير في الحسيات والعقليات والشرعيات وكل شيء فان نجوم الثريا متلازمة ما دام الفلك موجودا على هذه الصفة وليس بعضها علة لبعض وكذلك الأخلاط الأربعة في جسد ابن ادم متلازمة وليس بعضها علة لبعض وصفات الرب تعالى كعلمه وقدرته متلازمة وليس إحدى الصفتين علة للأخرى والأدلة الدالة على

стр. 406

الصانع ﷻ وهي جميع مخلوقاته ملزومة لوجوده وليس فيها والعياذ بالله ما يجوز أن يقال أنه علة له. وبالجملة فكل دليل فهو مستلزم لمدلوله والمدلول لازم للدليل وهذا متفق عليه بين العقلاء ومتفق بين العقلاء على أن الدليل لا يختص بان يكون معلولا لمدلوله بل الدليل اعم وكل من هذين أمر بين مع اتفاق العقلاء عليه فكيف يجوز أن يقال أن كل ما لزم غيره فان الملزوم هو العلة المقتضية للازم وكل مدلول فهو لازم لدليله مع انتفاء هذا الاقتضاء في أكثر الأدلة. فان قيل: نحن لا نعني اللازم هنا إلا الصفات اللازمة لموصوف وتلك الماهية الموصوفة مقتضية لذاتها لتلك الصفات قيل هذا خطأ من وجوه: أحدها: أنهم لم يعنوا ذلك كما حكينا كلامهم بل جعلوا القضايا التي ليست أولية هي ما يفتقر إلى هذا الوسط الذي جعلوه هنا معلولا للماهية كما قد حكينا كلامهم وان الأوليات حمل محمولها على موضوعها في الوجودين الذهني والخارجي حملا أوليا بلا وسط فجعلوا الوسط الذهني هو الخارجي والخارجي هو الذي ذكروه هنا وجعلوه معلول الماهية وأيضا فإنهم بهذا فرقوا بين اللازم البين واللازم غير البين. الوجه الثاني: أن يقال هب أنهم أرادوا الصفات اللازمة للماهية فكل دليل فهو ملزوم لمدلوله فكونه مستلزما لمدلوله صفة له لازمة له وهي على قولهم أما أن تكون بوسط وأما أن تكون بغير وسط فآيات الله المخلوقة وهي العالم جميعه مستلزمة لوجود الرب تعالى ووجوده لازم لها وكونها ملزومة لذلك صفة لها لازمة لا يتصور قط أن يزول عنها هذا اللازم فإنها مفتقرة بالذات إلى الخالق وهذا الفقر لازم لها لا يفارقها البتة وحدوثها دليل على الباري وليست هي التي اقتضت وجوده وكذلك المعلول تقوم به صفات لازمة له وهو وصفاته تستلزم العلة

стр. 407

والمعلول وصفاته من العلة ليس هو علة لصفاته. الوجه الثالث: أن يقال لا نسلم أن في الموصوفات ما هو علة فاعلة لصفته أصلا بل هو محل لصفاته القائمة به والموصوف أن كان رب العالمين فلا فاعل لصفاته كما لا فاعل لذاته وان كان مخلوقا فالفاعل لذاته هو الفاعل لصفاته أما كون ذاته علة فاعلة لصفاته فهذا باطل قطعا. ومما يتبين بطلانه أن الكلام في صفاته اللازمة وتلك لا تفارقه ولا يتصور أن يكون فاعلا إلا بعد وجودها فيمتنع كونه هو الموجد لها وأما صفاته المقومة فتلك عندهم هي المقومة لذاته ليست ذاته السابقة لها وهي كالعلة فجعلوا بعض صفاته اللازمة علة لذاته وهي الصفات المقومة وبعضها معلولة وهي اللازمة غير المقومة والقسمان خطأ فليس في صفات الموصوف اللازمة ما هو علة للذات ولا معلول للذات بل هي صفات قائمة بالذات وفاعل الذات فاعل صفاتها أن كانت الذات من الذوات المفعولة والذي خلق الإنسان خلق الحيوانية والناطقية وخلق الضاحكية وغيرها ليس بعض هذه الصفات سابقا لذات الإنسان أو مادة لها ولا علة لها ولا بعضها معلول لها بل هي صفات قائمة بالإنسان لازمة له والذي خلقه خلق هذه الصفات اللازمة له وكذلك سائر المخلوقات. الوجه الرابع: أن يقال ما تعني بقولك وتلك الماهية الموصوفة مقتضية بصفاتها أن عنيت أنها مستلزمة لها فحينئذ جميع الملزومات كذلك كما تقدم فبطل كونهم أرادوا بعض الملزومات وان عنيت أنها فاعلة للزومها فليس في الماهيات ما يفعل شيئا من صفاتها. الطريق الثاني: أن يقال لو سلم أنها مقتضية لذلك اللازم بمعنى أنها علة كما ادعاه أو بمعنى أنها ملزومة لذلك اللازم كما هو الحق في نفس الأمر فان كون الملزوم ملزوما واللازم لازما له هو ثابت لا ريب فيه وأما كون الملزوم فعل اللازم أو علة للازم

стр. 408

فهذا قد يكون في بعض الملزومات كالمعلول المعين اللازم لعلته وإلا فأكثر اللوازم ليست معلولة لملزوماتها وسواء قدر أنها معلولة أو لم يقدر فقوله الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم كلام مجمل فان كون الشيء ملزوما لغيره هو أنه متى تحقق الملزوم تحقق اللازم فقوله الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم كلام فيه إجمال فان كونها ملزومة حقيقة معقولة فقول القائل لما هي هي يقتضى أن اللزوم قسمان لزوم لما هي هي ولزوم لغير ما هي هي. فان قيل نعم عندي اللزوم نوعان فاللازم البين الذي لا يفتقر إلى وسط هو اللازم لما هي هي واللازم الذي يفتقر إلى وسط هو اللازم لأجل الوسط لا لما هي هي قيل له الكلام في هذا الفرق فأنت تريد أن تقيم البرهان على أن ما كان لزومه بغير وسط كان بينا لا يفتقر إلى دليل بل كان من الأوليات فمجرد تصور طرفي القضية كاف في العلم به والمنازع يقول لك قد يكون اللازم بغير وسط كالعلة مع معلولها لا يعلم إلا بدليل ووسط فيكون وسطا في العلم والذهن لا وسطا في الخارج وأنت قد ادعيت أن كل ما كان مفتقرا إلى وسط في الذهن فانه يفتقر إلى وسط في الوجود وان ما لا يفتقر إلى وسط في الوجود لا يفتقر إلى وسط في الذهن وعلى هذا ادعيت إقامة البرهان. ونحن نقول مجرد التصور التام لما ادعيته يوجب العلم الضروري بفساده لكن نبين مع ذلك فساد ما دللت به على دعواك كما نبين فساد شبه السوفسطائية وان سموها براهين وهو انك صادرت على المطلوب فجعلت المطلوب مقدمة في إثبات نفسه فانك لم يمكنك الاستدلال حتى أخذت مسلما أن اللوازم تنقسم إلى البين الذي يلزم لما هي هي والى اللازم بوسط الذي يفتقر إلى وسط في نفس الأمر والمنازع لك يقول لا نسلم افتقار شيء من اللوازم إلى وسط في نفس الأمر بل جميع اللوازم يلزم الملزوم نفسه وان كان بعض الملزومات شرطا في البعض كما أن العلم مشروط بالحيوة والإرادة مشروطة بالعلم فليس الشرط وسطا ملزوما للازم الثاني كما

стр. 409

ادعيته بل الذات مستلزمة الجميع ومتى تحققت تحقق الجميع ولا يتحقق شيء منها إلا مع الذات وبعضها لا يتحقق إلا مع بعض بل قد تكون متلازمة كصفات الله تعالى لا يتحقق شيء منها إلا مع الأخرى فحياته لازمة لعلمه وقدرته ومشيئته وكذلك قدرته ملازمة لعلمه وحياته فهي كلها متلازمة وهي أيضا لازمة للذات والذات لازمة لها وليس شيء من الصفات هو وسطا للأخرى كما ادعيته من أن بعض اللوازم لازم للذات وبعضها لازم اللازم وبعضها لازم لازم اللازم بل جميعها لازمة للذات وهي أيضا متلازمة. والذي ذكرناه من أن بعض الصفات قد يكون شرطا وهو من جنس الصفات وأما الصفات اللازمة للموصوف مطلقا سواء كان هو الخالق أو كان الملزوم مخلوقا كصفات الإنسان اللازمة كلها متلازمة فحيوانية الإنسان وناطقيته وضاحكيته متلازمة لا يوجد واحد منها دون الآخر وان وجدت حيوانية في غيره فتلك حيوانية غير حيوانيتة والفصول والخواص كلها متلازمة كالناطقية والضاحكية وإذا كانت متلازمة وبعضها شرطا في بعض امتنع أن يكون الشرط هو الوسط الذي به يثبت المشروط كما ادعوه لأن ذلك مستلزم أن يكون كل صفة لازمة وسطا للأخرى وان يكون ليس شيء من الصفات اللازمة يلزم بنفسه فيلزم الجمع بين النقيضين فعلم أن كون إحدى الصفتين شرطا في الأخرى لا يقتضى كونها وسطا في الثبوت كما ادعوه وإذا كان المنازع يمنع انقسام اللوازم إلى ما لا يلزم بنفسه وبوسط وبرهانك مبنى على اخذ هذا التقسيم مسلما كنت مصادرا على المطلوب مثبتا للشيء بنفسه. فان قلت: أنا أقيم هذا البرهان على من يسلم لي من المنطقيين أن من اللوازم ما يلزم بوسط وبغير وسط قيل لك فهذا أيضا خطأ من وجوه: أحدها: أن القياس يكون حينئذ جدليا لا برهانيا وأنت جعلته برهانيا الثاني: أن المنطق الذي هو ميزان العلوم عندكم لا يجوز أن تجعل المقدمات المبينة له جدلية فانه حينئذ لا

стр. 410

يكون علما بل يكون شيئا اتفق بعض الناس على دعواه ونحن نعلم أن كثيرا من الناس يدعون صحة المنطق ولكن أي فائدة في هذا الثالث أن يقال ولو سلم لك هذا التقسيم فالبرهان خطأ كما سيأتي بيانه وخطأه دليل على فساد اصل التقسيم وإذا كان اصل التقسيم خطا كان البرهان باطلا وكان التقسيم باطلا وهو المطلوب. الطريق الثالث: أن يقال قولكم فإذا عقلنا الماهية وجب أن نعقل منها أنها لما هي هي تقتضى ذلك اللازم يقال هذا ممنوع وذلك أن قول القائل عقلنا الماهية وتصورنا الماهية ونحو ذلك من العبارات لفظ مجمل فانه قد يعني به التصور التام والعقل التام الذي يتضمن تصور الملزوم وقد نعني به أنا عقلناها وتصورنا نوعا من العقل والتصور وان لم يكن تاما ولا شك أن مثل هذا لا يستلزم تصور الملزوم فدعواك أن كل عقل للماهية يوجب أن نعقل منها أنها لما هي هي تقتضى ذلك اللازم ممنوع وهو خلاف الواقع فان الناس لا يزالون يعقلون بعض الماهيات نوعا من العقل فلا يعقلون أنها لما هي هي تقتضى اللازم وبالجملة فنحن في هذا المقام يكفينا المنع فان الدعوى ليست بديهية ولم يقم عليها دليلا إلا قوله وإلا لما عقلنا الماهية لما هي هي فان أراد بهذا اللازم المنفي العقل التام الذي هو التصور التام فنحن نسلم ذلك ونقول ليس كل من تصور ماهية ما وعقلها نوعا من العقل والتصور يكون قد عقلها وتصورها عقلا تاما وتصورا تاما وان أراد بهذا اللازم المنفي أنا لا يكون حصل لنا شيء من التصور والعقل فهذا ممنوع. الطريق الرابع: أن يقال ما ذكره يستلزم أن لا يعقل شيء من المفردات البسائط ولا يعقل شيء وحده بل كل من عقل شيئا فلا بد أن يعقل لازمه القريب فيكون قد عقل اثنين وتصور اثنين لم يعقل واحدا ولم يتصور واحدا وهذا مناقض لما زعموه من

стр. 411

أن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق وان التصور هو التصور الساذج الذي لا يكون معه حكم بشيء أصلا لا بنفي ولا بإثبات ونحن وان كنا قلنا أن مثل هذا ليس بعلم وانه لا يسمى علما إلا ما تضمن العلم بنفي أو إثبات فلا يمتنع أن يتصور الشيء من بعض الوجوه وان لم يتصور أنه ملزوم للوازم له يلزمه بنفسها فقد ثبت أن قوله باطل باتفاق العقلاء الطريق الخامس: أن يقال لو كان ما ذكرته صحيحا للزم أن من عقل شيئا عقل لوازم الشيء جميعها فانه إذا عقل الملزوم وجب أن يعقل لازمه الذي بغير وسط ثم عقل ذلك اللازم يوجب عقل الآخر وهلم جرا فيلزم أن يكون قد عقل اللوازم جميعها وهذا كما أنه يبطل حجته فهو يبطل اصل قولهم أن اللازم بغير وسط لا يفتقر إلى دليل في حق احد. فانه لو كان كذلك لكان من تصور شيئا تصور جميع لوازمه ويلزم أن من عرف الله عرف جميع ما يعلمه الله فيعلم كل شيء لأن علمه سبحانه من لوازم ذاته بل يلزم أن من علم شيئا من مخلوقاته علم كل شيء فان المخلوق مستلزم للخالق والخالق مستلزم لعلمه بكل شيء بل وهو مستلزم لمشيئته ومشيئته مستلزمة لجميع ما خلقه فانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلو كان من علم الملزوم لا بد أن يعلم لازمه لزم أن من علم شيئا فقد علم كل شيء. وفساد هذا بين مع أن فساد هذه الدعوى اظهر من أن يحتاج إلى دليل لكن إذا عرف شناعة لوازمها كان أدل على قبحها وفسادها وهذا يتضمن السؤال الذي ذكره وقال فيه بحث لا بد من ذكره كما تقدم حكاية لفظه والجواب الذي ذكره عنه باطل وقد تناقض فيه وذلك يتبين بذكر

стр. 412

الطريق السادس: وهو أن قوله العلم بماهية العلة لا يقتضى العلم بالمعلول إلا بشرط آخر وهو حضور تصور المعلول فيقال المعلول عندكم هنا هو اللازم الأول الذي كان الموصوف علة له في ذاته لم يفتقر في كونه علة له إلى المعلول فان العلة لو افتقرت في كونها علة إلى المعلول لم تكن وحدها علة وللزم تقدم المعلول على علية علته وعلية علته متقدمة على ذاته وهذا دور ممتنع باتفاق العقلاء. وانتم جعلتم ما كان يفتقر لزومه إلى وسط افتقر العلم به إلى وسط وما لزم بلا وسط علم بلا وسط فإذا جعلتم العلم بلزومه موقوفا على تصور المعلول والعلة والملزوم واللازم جميعا وقلتم لا يعلم اللزوم إلا بعد هذين التصورين واللزوم الخارجي موقوف على العلة وحدها لا على الاثنين بطل قولكم أن الوسط الذهني هو الخارجي فان هذا يتوقف العلم بلزومه على تصورين ولزومه في الخارج إنما هو لازم لواحد لا لاثنين. الطريق السابع: قولك في الجواب أن الماهية وحدها لا تكفي في حصول العلية لأن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين كلام باطل سواء كانت العلية أمرا عدميا أو وجوديا فإنها أن كانت عدمية بطل هذا الكلام وان كان أمرا وجوديا فمعلوم أن العلة وحدها هي الموجبة للمعلول وإلا لم تكن علة له بل جزء علة والمعلول لا يكون إلا بعد العلة فإذا كانت وحدها موجبة وهو لا يوجد إلا بوجود العلة علم أنها وحدها توجب المعلول والعلية. الطريق الثامن: قولك الأمور الإضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد تعني به في الذهن أو في الخارج فان هذا الموضع فيه التباس أن عنيت أنها لا تتصور إلا بتصور

стр. 413

شيئين فهذا صحيح ولا ريب أن العلية لا تتصور إلا بتصور العلة والمعلول فحصولها في التصور الذهني مشروط بحصول تصور المضافين في الذهن وان عنيت أنها لا توجد في الخارج إلا بالشيئين فهذا باطل بالضرورة واتفاق العقلاء فان ذات الرب وحدها مستلزمة لكل ما يتصف به من الأمور الثبوتية والإضافية وهذا متفق عليه بين المسلمين والفلاسفة وسائر الناس فان كونه خالقا للعالم وربا وفاعلا هو الذي يسمونه علة ومؤثرا والناس متنازعون في الخلق هل هو أمر عدمي وهو نفس المخلوق كما يقوله أكثر المعتزلة والأشعرية أم الخلق زائد على المخلوق كما هو قول جماهير المسلمين وهو قول السلف والأئمة وذكر البخاري أنه قول العلماء مطلقا لم يذكر فيه نزاع وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أنه على كل قول فلا يقول عاقل أن المخلوق أوجب كونه خالقا ولا المعلول جعل العلة علة ولا أنه شرط في ذلك بل الخالق سبحانه هو وحده خلق جميع المخلوقات وكونه خالقا على قول الجمهور حاصل بقدرته ومشيئته عند المسلمين ليس خاصا بالمخلوقات بل خلق المخلوق متقدم عليه في نفس الأمر فكيف يكون الخلق معلولا ل المخلوق وكذلك علية العلة متقدمة على المعلول في نفس الأمر فكيف يكون المعلول جزء علية العلة فقوله أن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين فيه تغليط بسبب الإجمال في قوله فالشيء الواحد لا يكفي في حصولها فان ما ذكره صحيح في الحصول في العلم والتصور وأما الحصول الخارجي فالشيء الواحد قد يكون علة لأمور كثيرة إضافية والعلة علة المعلول وعلة عليتها وهما جميعا حاصلان بالعلة وكذلك الأبوة والبنوة من المتضائفات وهما لازمان للإيلاد فعلة الايلاد أوجبت هذين المتضائفين

стр. 414

فان قيل أراد أن الأمور الإضافية لا توجد إلا بوجود المضافين وان كان أحدهما مستقلا بوجود المضافين قيل عن هذا جوابات أحدها: بأنه لم يرد هذا ولو أراده لم ينفعه وكان خطأ فهذه ثلاثة أجوبة. وذلك أن كلامه في وجود علية العلة هو حصل بالعلة وحدها أو بها وبالمعلول فلا بد أن يدخل صورة الدعوى في دليله ولفظه تقدم قال فيه وبيانه أن ماهية العلة وحدها لا تكفي في حصول العلية لأن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية لا تكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين فإذا لم تكن ذات العلة مستقلة باقتضاء حصول صفة العلية لا جرم لم يكن العلم بذات العلة كافيا في حصول العلم بالعلية فقد تبين مراده وهو أن العلة لا تستقل باقتضاء صفة العلية بل المقتضى بحصول هذه الصفة العلة والمعلول جميعا وهذا باطل. ولو قدر أنه أراد أن الأمور الإضافية تتوقف على وجود المضافين وان لم يكن أحدهما علة بل شرطا أي لا توجد الإضافة إلا مع وجود المضافين لم ينفعه هذا فانه يقول العة أوجبت الأمرين معا ولم يوجد أحدهما إلا مع الآخر ويلزمه أن يقول في العلم مثل ذلك فيقول العلم بالملزوم يوجب العلم باللازم وبالملزوم فان الملزوم هو العلة عندهم في هذا موضع واللازم هو المعلول. ثم أنه لا يسلم له أن كل إضافة تتوقف على وجود المضافين في أن واحد فان التقدم والسبق ونحو ذلك من الأمور الإضافية توجد قبل وجود احد المضافين وكذلك علية العلة التي ليست تامة توصف بها العلة قبل وجود المعلول وهي التي يسميها الفقهاء الأسباب فيقال ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة والسببية من الأمور الإضافية والنصاب موصوف بها قبل وجوب الزكاة وكذلك يقال هذا موجود قبل هذا أو هو متقدم على هذا أو هو أسبق من هذا

стр. 415

ومثل هذا كثير. الطريق التاسع: انه قال: "أن ذات العلة والمعلول يعني اللازم والملزوم بغير وسط عند تصورهما يجب حصول التصديق بانتساب أحدهما إلى الآخر" فيقال هذا أول الدعوى فانه أن أراد بالتصور التام الذي يحصل معه تصور الملزوم فهذا حق ولكن لا ينفعه فانه ادعى أن مطلق عقل الماهية يوجب ذلك وأيضا فانا نلزمه مثل ذلك في جميع الملزومات أنها متى تصورت تصور اللازم وهو باطل وأيضا فانا نحن نلتزم مثل ذلك في التصور التام فنقول في جميع اللوازم متى تصور الملزوم تصورا تاما يحصل به تصور الملزوم حصل معه العلم بأن هذا لازم وان لم يحصل هذا التصور لم يجب العلم باللازم في شيء من الأمور كما سيأتي ذكر ذلك. وقوله: "متى تصورنا حقيقة العلة وحقيقة المعلول امتنع عند ذلك أن لا نصدق بثبوت أحدهما للآخر" أن أراد التصور التام فهذا مشترك بين جميع اللوازم وان أراد غيره فالحكم ممنوع وهو إنما ادعى أن مطلق عقل الماهية يوجب ذلك وقد بينا أن عقلها أو تصورها ينقسم إلى تام وغير تام وان ما ذكره إنما يلزم في التام. الطريق العاشر: أن يقال أن كنت تعني باللزوم البين هذا فهكذا يفسر به لازم اللازم فيقال إذا تصور اللازم الأول وتصور لازم لازمه امتنع حينئذ أن لا بعرف أن أحدهما علة للآخر فيلزم ما فررت منه وهو أنه متى تصور شيئا تصور جميع لوازمه. الطريق الحادي عشر: قوله: "إذا اثبت أن تصور العلة إنما يوجب التصديق بثبوت المعلول القريب عند تصور المعلول ثم من الجائز أن لا يحصل تصور المعلول عند تصور العلة لا جرم لا يلزم من العلم بحقيقة العلة العلم بكل اللوازم القريبة والبعيدة فيقال له أنت فرقت

стр. 416

بين اللوازم القريبة والبعيدة بأن القريبة ما كان بين اللزوم وادعيت أن ما كان بين اللزوم وهو ما ثبت بغير وسط يجب أن يعلم إذا تصور الملزوم فلا يفتقر إلى وسط وقد فسرت ذلك في آخر الأمر بأن المراد إذا تصور الملزوم واللازم جميعا فيجب أن يعلم الملزوم فيقال لك وهكذا أيضا إذا تصور اللازم الأول ولازمه الثاني فقد تصور الملزوم ولازمه القريب فيجب أن يتصور لزومه له وقد كان تصور لزوم الأول فيلزم ما فررت منه من أنه إذا عرف لزوم الأول عرف لزوم سائر اللوازم فإذا شرطت في العلم بلزوم الأول حضورهما جميعا فكذلك فاشرطه في العلم بلزوم الثاني وإن حذفت الشرط في الثاني فاحذفه من الأول حتى يكون الكلام عدلا. وعلى التقديرين يلزم بطلان الفرق بين لازم ولازم بأن هذا بوسط وبأن هذا بغير وسط إذا فسر الوسط بوسط في نفس الأمر وبطلان ما ادعوه من أن اللازم بغير وسط يجب العلم به بلا دليل وان اللازم بوسط لا يعلم إلا بالعلم بالوسط فما ادعوه من هذا وهذا باطل فبطل ما ذكروه من دليل الفرق بين الأوليات والمشهورات وهو المطلوب. الطريق الثاني عشر: انه قال في جواب السؤال الثاني "لا نسلم أن العلية مغايرة لحقيقة ذات العلة لكنا ندعي أن تصور حقيقة العلة مع تصور حقيقة المعلول القريب يوجب العلم بكون العلة علة لذلك المعلول" فيقال هذا كلام مناقض لما تقدم مع تناقضه في نفسه فان العلية أن لم تكن مغايرة لذات العلة بطل قولك أن ماهية العلة وحدها لا تكفي في حصول العلية لأن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية لا تكفي في حصولها الشيء الواحد فإنها إذا لم تغايرها لم يكن هناك شيء يكون معلولا لا للعلة ولا لها ولغيرها بل ولا هناك شيء يتصور إذا تصورت العلة والمعلول وان قيل هي مغايرة في العلم لا في الأعيان فإنها أمر عدمي قيل وهذا يبطل قوله فان العدم المحض لا

стр. 417

حصول له فضلا عن أن يفتقر إلى علة لحصوله ولكن تصورها في الذهن يتوقف على المضافين وهذا مما قدمنا أنه حق وهو مبطل لما قاله. الطريق الثالث عشر: أنهم قد زعموا أن اللوازم مترتبة في نفسها بالذات مستلزمة للأول والثاني مستلزم للثالث والثالث للرابع وان ما كان لزومه بغير وسط كان بينا لا يحتاج إلى دليل وقد تناقض تفسيره لذلك لتناقض القول في نفسه فيقال له أي شيء قلته في لزوم الأول للملزوم الأول يقال في اللازم الثاني للأول سواء بسواء من كل وجه وحينئذ فأي شيء فسرت به العلم بلزوم الأول لا يفتقر إلى وسط يلزمك مثله في الثاني فيكون موجب برهانك أن من علم شيئا علم جميع لوازمه وهذا في غاية الفساد. فصل: برهان آخر للرازي على هذا التفريق. ثم ذكر برهانا آخر على ما ادعاه من أن ما كان لزومه بغير وسط كان بينا فقال: "برهان آخر وهو أنا إذا عقلنا ماهية فانه تبقى بعض لوازمها مجهولة ويمكننا تعرف تلك اللوازم المجهولة فلولا وجود لوازم بينه الثبوت للشيء وإلا لزم التسلسل وأما عدم تعرف تلك اللوازم وكلاهما باطلان". قال: "وهذا البرهان كاف في إثبات اصل المقصود من أن الصفات اللازمة في نفسها يلزم بعضها بوسط في نفس الأمر وبعضها بغير وسط وإنما يدل هذا على أن الإنسان قد يتبين له لزوم بعض اللوازم بلا دليل وبعضها لا يتبين إلا بدليل. وهذا لا ريب فيه لكن الدليل كل ما كان مستلزما للمدلول لا يختص بما يكون علة للمدلول ولا بعض اللوازم في نفس الأمر علة لبعض ولا كل ما كان بينا لزيد يجب أن يكون بينا لعمرو. فتبين أن الفرق الذي ذكره بين الأوليات والمشهورات من أن الأولى هو الذي يكون حمله على موضوعه أولا في الوجودين حملا ثانيا غلط لا يستقيم إلا

стр. 418

في الوجود الخارجي فانه ليس في اللوازم ترتيب حتى يكون بعضها أولا وبعضها ثانيا ولا في الذهن فان الوسط إنما هو الدليل فيعود الفرق إلى أن الأوليات ما لا يفتقر إلى دليل والنظريات ما يفتقر إلى دليل وهذا كلام صحيح متفق عليه لا يحتاج إلى ما ذكروه ولكن هذا يوجب كون القضية أولية ونظرية هو من الأمور الإضافية فقد تكون بديهية لزيد نظرية لعمرو باعتبار تمام التصور فمتى تصور الشيء تصورا أتم من تصور غيره تصور من لوازمه ما لم يتصوره ذو التصور الناقص فلم يحتج في معرفته بتلك اللوازم إلى وسط واحتاج صاحب التصور الناقص إلى وسط وأيضا فهذا لا يوجب كون المشهورات ليست يقينية كما سنذكره أن شاء الله. رد ابن سينا تفريقهم بين الصفات الذاتية واللازمة: ولفظ ابن سينا في إشاراته قال: "وأما اللازم غير المقوم يخص باسم اللازم فان كان المقوم أيضا لازما فهو الذي يصحب الماهية ولا يكون جزءا منها مثل كون المثلث مساوي الزوايا القائمتين". قال: "وأمثال هذا أن كان لزومها بغير وسط كانت معلومة واجبة اللزوم وكانت ممتنعة الرفع من الوهم مع كونها غير مقومة وان كان لها وسط بين يبين به علمت واجبة به". قال: "وأعني بالوسط ما يقرن بقولنا لأنه كذا وهذا الوسط أن كان مقوما للشيء لم يكن اللازم مقوما له لأن مقوم المقوم مقوم بل كان لازما له أيضا فان احتاج إلى وسط تسلسل إلى غير نهاية فلم يكن وسطا وان لم يحتج فهناك لازم بين اللزوم بلا وسط وان كان الوسط لازما متقدما واحتاج إلى توسط لازم آخر أو مقوم غير منته من ذلك إلى لازم بلا وسط تسلسل إلى غير النهاية فلا بد في كل حال من

стр. 419

لازم بغير وسط وقد بان أنه ممتنع الرفع في الوهم فلا يلتفت إذا إلى ما يقال أن كل ما ليس بمقوم فقد يصح رفعه من الوهم ومن أمثلة كون كل عدد مساويا للآخر أو مفاوتا. قلت: مقصوده بهذا الرد على من قال من المنطقيين أن الفرق بين الصفة الذاتية والعرضية اللازمة أن ما ليس بذاتي يمكن رفعه في الوهم فيمكن تصور الموصوف بدون تصوره بخلاف الذاتي فتبين أن اللوازم لا بد أن تنتهي إلى لازم بين لا يفتقر إلى وسط وذاك يمتنع رفعه في الوهم إذا تصور الموصوف وهذا الذي قاله جيد وهو يبطل الفرق الذي هو عمدتهم. ولهم فرق ثان بأن الذاتي ما لا يفتقر إلى علة واللازم ما يفتقر إلى علة والعلة هي الوسط وهذا الفرق افسد من الذي قبله فان كون بعض الصفات اللازمة تفتقر إلى علة دون بعض باطل ثم سواء قيل يفتقر إلى علة أو وسط وسواء جعل ذلك هو الدليل أو هو أيضا علة لثبوته في الخارج فان من اللوازم ما لا يفتقر إلى علة فبطل هذا الفرق الثاني. والفرق الثالث التقدم في الذهن أو في الخارج وهو أن الذاتي ما لا يمكن تصور الموصوف إلا بعد تصوره بخلاف اللازم العرضي فانه متصور بعد تصور الملزوم والذاتي هو المقوم وهذا الفرق أيضا فاسد فان الصفة لا تتقدم على الموصوف في الخارج أصلا وأما في الذهن فقد تتصور الصفة والموصوف جميعا فلا يتقدم تصور الصفة وبتقدير التقدم فهذا يختلف باختلاف التصور التام والناقص لا باختلاف اللوازم نفسها. فعلى هذه الفروق الثلاثة أو أحدها يعتمدون حتى الذين صاروا يجعلون المنطق في أول أصول الفقه من المتأخرين هذا عمدتهم كما يذكر ذلك الآمدي وابن الحاجب وغيرهما وكلها باطلة أما التقدم الخارجي فمن المعلوم بصريح العقل

стр. 420

أن الصفة القائمة بالموصوف والعرض القائم بالجوهر لا يعقل تقدمه عليه بوجه من الوجوه بل إذا اعتبر تقدم عقلي أو غيره فالذات متقدمة على الصفات. وأما في التصور فالتصور مراتب متعددة يكون مجملا ومفصلا فالإنسان قد يخطر له الإنسان ولا يستحضر شيئا من صفاته فهذا تصوره تصورا مجملا وقد يخطر له مع ذلك أنه ناطق كما قد يخطر له مع ذلك أنه ضاحك وإذا تصور الحيوان قد يخطر له أنه حساس كما قد يخطر له أنه متحرك بالإرادة وكما يخطر له أنه متألم أو متلذذ وانه يحب ويبغض وإذا تصور أن الإنسان حيوان ناطق ولم يتصور الحيوان مفصلا لم يكن قد تصور الإنسان مفصلا فما من صفة لازمة إلا ويمكن وجودها في التصور المفصل وحذفها في التصور المجمل. وحينئذ فقول القائل: "أن الذاتي ما لا يتصور الموصوف إلا بعد تصوره" إن ادعاه في كل تصور فهذا باطل وهو ممن يسلم بطلانه فانه يقول: "قولك عن الإنسان أنه حيوان ناطق حمد تام يفيد تصور حقيقته" ومع هذا لم يتصور الذاتيات مفصلة فانه لم يستحضر في ذهنه أن الحيوان هو الجسم الحساس النامي المتحرك بالإرادة فثبت أنهم يجعلونه متصور الحقيقة بدون استحضار الذاتيات على وجه التفصيل فلا يجب في كل ذاتي أن يتقدم تصوره المفصل. وأما التصور المجمل فلا يجب فيه استحضار شيء من الصفات وتصور الإنسان مجملا كتصور الحيوان مجملا ومعلوم أن الموصوف يشاركه غيره في صفات ويفارقه في صفات فإذا لم يجب ذكر جميع الصفات المشتركة على وجه التفصيل فدعوى الاكتفاء ببعضها دون بعض تحكم محض وإذا كانت حقيقة الإنسان عندهم متصورة بدون تصور الصفات الذاتية المشتركة على وجه التفصيل علم أن ما ذكروه من أن

стр. 421

الذاتي ما لا يمكن تصور الموصوف بدونه باطل وان اكتفوا بالتصور المجمل فمن تصور الإنسان مطلقا فقد دخل في جميع ذلك صفاته وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا الكلام على ما فرقوا به بين الأوليات والمشهورات من أن الأوليات ليس بين الموصوف وصفته وسط في نفس الأمر بخلاف غيره وقد تبين بطلان هذا الفرق طردا وعكسا وانه قد يكون من اللوازم التي لا وسط لها في نفس الأمر ما يفتقر إلى دليل ومن اللوازم التي يدعون افتقارها إلى وسط ما يعلم ثبوته بلا دليل وان التفريق بين اللوازم بوسط في نفس الأمر باطل وان الوسط الذي هو الدليل يختلف باختلاف أحوال الناس ليس هو أمرا لازما للقضايا فهذه عدة أوجه من هذا الطريق الأول. النوع الثاني: لا دليل على دعواهم أن المشهورات ليست من اليقينيات: النوع الثاني: أن يقال المراد ب المشهورات عندهم هي القضايا العلمية كلها مثل كون العدل حسنا والظلم قبيحا والعلم حسنا والجهل قبيحا والصدق حسنا والكذب قبيحا والإحسان حسنا ونحو ذلك من الأمور التي تنازع الناس هل حسنها وقبحها بالعقل أم لا. المثبتة والنفاة للحسن والقبح العقليين: وأكثر الطوائف على إثبات الحسن والقبح العقليين لكن لا يثبتونه كما يثبته نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم بل القائلون بالتحسين والتقبيح من أهل السنة والجماعة من السلف والخلف كمن يقول به من الطوائف الأربعة وغيرهم يثبتون القدر والصفات ونحوهما مما يخالف فيه المعتزلة أهل السنة ويقولون مع هذا بإثبات الحسن والقبح العقليين وهذا قول الحنفية ونقلوه أيضا عن أبي حنيفة نفسه وهو قول كثير من المالكية والشافعية والحنبلية كأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب وغيرهما

стр. 422

من أئمة أصحاب احمد كأبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال الشاشي وغيرهما من الشافعية وكذلك من أصحاب مالك وكذلك أهل الحديث كأبي نضر السجزي وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهما. بل هؤلاء ذكروا أن نفي ذلك هو من البدع التي حدثت في الإسلام في زمن أبي الحسن الأشعري لما ناظر المعتزلة في القدر بطريق الجهم بن صفوان ونحوه من أئمة الجبر فاحتاج إلى هذا النفي قالوا وإلا فنفي الحسن والقبح العقليين مطلقا لم يقله احد من سلف الأمة ولا أئمتها بل ما يؤخذ من كلام الأئمة والسلف في تعليل الأحكام وبيان حكمة الله في خلقه وأمره وبيان ما فيما أمر الله به من الحسن الذي يعلم بالعقل وما في مناهيه من القبح المعلوم بالعقل ينافي قول النفاة. والنفاة ليس لهم حجة في النفي أصلا وقد استقصى أبو الحسن الآمدي ما ذكروه من الحجج وبين أنها عامتها فاسدة وذكر هو حجة اضعف من غيرها وهو أن الحسن والقبح عرض والعرض لا يقوم بالعرض فان إثبات هذا لا

стр. 423

يحتاج إلى قيام العرض بالعرض كما توصف الأعراض بالصفات وجميع ذلك قائم بالعين الموصوفة فنقول هذا سواد شديد وهذه حركة سريعة وبطيئة وهم يسلمون أن كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص أو ملائما للفاعل أو منافرا له قد يعلم بالعقل وهذه صفات للفعل وهي قائمة بالموصوف. ومن الناس من يظن أن الحسن والقبح صفة لازمة للموصوف وان معنى كون الحسن صفة ذاتية له هذا معناه وليس الأمر كذلك بل قد يكون الشيء حسنا في حال قبيحا في حال كما يكون نافعا ومحبوبا في حال وضارا وبغيضا في حال والحسن والقبح يرجع إلى هذا وكذلك يكون حسنا في حال وسيئا في حال باعتبار تغير الصفات. والحسن والقبح من أفعال العباد يرجع إلى كون الأفعال نافعة لهم وضارة لهم وهذا مما لا ريب فيه أنه يعرف بالعقل ولهذا اختار الرازي في آخر أمره أن الحسن والقبح العقليين ثابتان في أفعال العباد وأما إثبات ذلك في حق الله تعالى فهو مبني على معنى محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وفرحه بتوبة التائب ونحو ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع وهل ذلك صفات ليست هي الإرادة كما اتفق عليه السلف والأئمة أو ذلك هو الإرادة بعينها كما يقوله من يقوله من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم. بيان أن قضايا التحسين والتقبيح من أعظم اليقينيات: والمقصود هنا ذكر هذه القضايا المشهورة من بني ادم كلهم كقولهم العدل حسن وجميل وصاحبه يستحق المدح والكرامة والظلم قبيح مذموم سيء وصاحبه يستحق الذم والإهانة فان هؤلاء نفوا كونها من اليقينيات وهذا يستلزم أن لا يقول الفلاسفة بالحسن والقبح العقليين إذ لم يكن في العقل قضية برهانية عقلية ومن الناس

стр. 424

من حكى عنهم القول بذلك والتحقيق أنهم في ذلك متنازعون مضطربون كما في أمثال ذلك. فنقول دعوى المدعي أن هذه القضايا ليست من اليقينيات دعوى باطلة بل هذه من أعظم اليقينيات المعلومة بالعقل وذلك أن التصديق مسبوق بالتصور فينبغي أن ننظر معنى قولنا العدل حسن والظلم قبيح ثم ننظر في ثبوت هذا المحمول لهذا الموضوع ولنتكلم في عدل الناس وظلمهم. فنقول الناس إذا قالوا العدل حسن والظلم قبيح فهم يعنون بهذا أن العدل محبوب للفطرة يحصل لها بوجوده لذة وفرح نافع لصاحبه ولغير صاحبه يحصل به اللذة والفرح وما تتنعم به النفوس وإذا قالوا الظلم قبيح فهم يعنون به أنه ضار لصاحبه ولغير صاحبه وانه بغيض يحصل به الألم والغم وما تتعذب به النفوس ومعلوم أن هذه القضايا هي في علم الناس لها بالفطرة وبالتجربة أعظم من أكثر قضايا الطب مثل كون السقمونيا تسهل الصفراء فلم كانت التجربيات يقينية وهذه التي هي اشهر منها وقد جربها الناس أكثر من تلك لا تكون يقينية مع أن المجربين لها أكثر واعلم واصدق وجزئياتها في العالم أكثر من جزئيات تلك والمخبرون بذلك عنها أيضا أكثر واعلم واصدق. فان الإنسان من نفسه يجد من لذة العدل والصدق والعلم والإحسان والسرور بذلك ما لا يجده من الظلم والكذب والجهل والناس الذين وصل إليهم ذلك والذين لم يصل إليهم ذلك يجدون في أنفسهم من اللذة والفرح والسرور بعدل العادل وبصدق الصادق وعلم العالم وإحسان المحسن ما لا يجدونه في الظلم والكذب والجهل والإساءة ولهذا يجدون في أنفسهم محبة لمن فعل ذلك وثناء عليه ودعاء له وهم مفطورون على محبة ذلك واللذة به لا يمكنهم دفع ذلك من أنفسهم كما فطروا على وجود اللذة ب الأكل والشرب والألم بالجوع والعطش فلم كانت تلك القضايا من اليقينيات المعلومة بالحس والعقل كالتجربة وغيرها ولم تكن هذه من القضايا

стр. 425

العقلية المعلومة أيضا بالحس والعقل والأمر فيها أعظم واللذة التي توجد بهذه لذة روحانية عقلية شريفة والإنسان كلما كمل عقله كانت هذه اللذة أحب إليه من تلك اللذة. ثم الفلاسفة اثبتوا معاد الأرواح واللذة العقلية وهي مبنية على هذه القضايا التي سموها المشهورات فان لم تكن معلومة كان ما أثبتوه من ذلك ليس فيه شيء من العلم بل يقولون ما يقوله غيرهم من أن اللذات الباطنة أقوى واشرف من اللذات الظاهرة ويدعون الضرورة في إثبات لذة وراء اللذات الحسية الظاهرة وإذا كانت اللذة أما إدراك الملائم كما قد يزعمونه أو هي تابعة ولازمة للإدراك الملائم كما يقوله غيرهم وهو الصحيح فمعلوم أن العلم والعدل والصدق والإحسان ملائم لبني آدم فيكونوا ملتذين بذلك بل يكون التذاذهم بذلك أعظم من غيره وهذا معنى كون الفعل حسنا ومعنى كونه قبيحا ضد ذلك. وإذا تصور معنى الحسن والقبح علم أن هذه المشهورات من أعظم اليقينيات فإنها ما اتفقت عليها الأمم لما علموه بالحس والعقل والتجربة بل اتفاق الناس على هذه أعظم من اتفاقهم على عامة ما يذكرونه وقد يعيش طوائف من الناس زمانا لا تخطر لهم القضايا الكلية العقلية التي جعلوها مبادئ العلم كقول القائل النفي والإثبات لا يجتمعان وان يعلم أن هذا الشيء المعين إذا كان موجودا لم يكن معدوما لكن قد لا تخطر لهم القضية الكلية بل وقد لا يخطر لهم تقدير اجتماع وجوده وعدمه فان هذا التقدير ممتنع فلا يخطر لأكثر الناس ولا توجد طائفة إلا وهي تحسن العدل والصدق والعلم وتقبح ضد ذلك. وأيضا فالحكمة عندهم وعند سائر الأمم نوعان علم وعمل وهذه الحكمة عند المسلمين قال مالك ﵀: "الحكمة معرفة الدين والعمل به" ولذلك قال ابن قتيبة: "الحكمة عند العرب العلم والعمل" والحكمة العملية عندهم وعند غيرهم
следующие страницы →