Полный текст (546 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الذاتي ما لا يمكن تصور الموصوف بدونه باطل وان اكتفوا بالتصور المجمل فمن تصور الإنسان مطلقا فقد دخل في جميع ذلك صفاته وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا الكلام على ما فرقوا به بين الأوليات والمشهورات من أن الأوليات ليس بين الموصوف وصفته وسط في نفس الأمر بخلاف غيره وقد تبين بطلان هذا الفرق طردا وعكسا وانه قد يكون من اللوازم التي لا وسط لها في نفس الأمر ما يفتقر إلى دليل ومن اللوازم التي يدعون افتقارها إلى وسط ما يعلم ثبوته بلا دليل وان التفريق بين اللوازم بوسط في نفس الأمر باطل وان الوسط الذي هو الدليل يختلف باختلاف أحوال الناس ليس هو أمرا لازما للقضايا فهذه عدة أوجه من هذا الطريق الأول.
النوع الثاني: لا دليل على دعواهم أن المشهورات ليست من اليقينيات:
النوع الثاني: أن يقال المراد ب المشهورات عندهم هي القضايا العلمية كلها مثل كون العدل حسنا والظلم قبيحا والعلم حسنا والجهل قبيحا والصدق حسنا والكذب قبيحا والإحسان حسنا ونحو ذلك من الأمور التي تنازع الناس هل حسنها وقبحها بالعقل أم لا.
المثبتة والنفاة للحسن والقبح العقليين:
وأكثر الطوائف على إثبات الحسن والقبح العقليين لكن لا يثبتونه كما يثبته نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم بل القائلون بالتحسين والتقبيح من أهل السنة والجماعة من السلف والخلف كمن يقول به من الطوائف الأربعة وغيرهم يثبتون القدر والصفات ونحوهما مما يخالف فيه المعتزلة أهل السنة ويقولون مع هذا بإثبات الحسن والقبح العقليين وهذا قول الحنفية ونقلوه أيضا عن أبي حنيفة نفسه وهو قول كثير من المالكية والشافعية والحنبلية كأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب وغيرهما
стр. 422
من أئمة أصحاب احمد كأبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال الشاشي وغيرهما من الشافعية وكذلك من أصحاب مالك وكذلك أهل الحديث كأبي نضر السجزي وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهما.
بل هؤلاء ذكروا أن نفي ذلك هو من البدع التي حدثت في الإسلام في زمن أبي الحسن الأشعري لما ناظر المعتزلة في القدر بطريق الجهم بن صفوان ونحوه من أئمة الجبر فاحتاج إلى هذا النفي قالوا وإلا فنفي الحسن والقبح العقليين مطلقا لم يقله احد من سلف الأمة ولا أئمتها بل ما يؤخذ من كلام الأئمة والسلف في تعليل الأحكام وبيان حكمة الله في خلقه وأمره وبيان ما فيما أمر الله به من الحسن الذي يعلم بالعقل وما في مناهيه من القبح المعلوم بالعقل ينافي قول النفاة.
والنفاة ليس لهم حجة في النفي أصلا وقد استقصى أبو الحسن الآمدي ما ذكروه من الحجج وبين أنها عامتها فاسدة وذكر هو حجة اضعف من غيرها وهو أن الحسن والقبح عرض والعرض لا يقوم بالعرض فان إثبات هذا لا
стр. 423
يحتاج إلى قيام العرض بالعرض كما توصف الأعراض بالصفات وجميع ذلك قائم بالعين الموصوفة فنقول هذا سواد شديد وهذه حركة سريعة وبطيئة وهم يسلمون أن كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص أو ملائما للفاعل أو منافرا له قد يعلم بالعقل وهذه صفات للفعل وهي قائمة بالموصوف.
ومن الناس من يظن أن الحسن والقبح صفة لازمة للموصوف وان معنى كون الحسن صفة ذاتية له هذا معناه وليس الأمر كذلك بل قد يكون الشيء حسنا في حال قبيحا في حال كما يكون نافعا ومحبوبا في حال وضارا وبغيضا في حال والحسن والقبح يرجع إلى هذا وكذلك يكون حسنا في حال وسيئا في حال باعتبار تغير الصفات.
والحسن والقبح من أفعال العباد يرجع إلى كون الأفعال نافعة لهم وضارة لهم وهذا مما لا ريب فيه أنه يعرف بالعقل ولهذا اختار الرازي في آخر أمره أن الحسن والقبح العقليين ثابتان في أفعال العباد وأما إثبات ذلك في حق الله تعالى فهو مبني على معنى محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وفرحه بتوبة التائب ونحو ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع وهل ذلك صفات ليست هي الإرادة كما اتفق عليه السلف والأئمة أو ذلك هو الإرادة بعينها كما يقوله من يقوله من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم.
بيان أن قضايا التحسين والتقبيح من أعظم اليقينيات:
والمقصود هنا ذكر هذه القضايا المشهورة من بني ادم كلهم كقولهم العدل حسن وجميل وصاحبه يستحق المدح والكرامة والظلم قبيح مذموم سيء وصاحبه يستحق الذم والإهانة فان هؤلاء نفوا كونها من اليقينيات وهذا يستلزم أن لا يقول الفلاسفة بالحسن والقبح العقليين إذ لم يكن في العقل قضية برهانية عقلية ومن الناس
стр. 424
من حكى عنهم القول بذلك والتحقيق أنهم في ذلك متنازعون مضطربون كما في أمثال ذلك.
فنقول دعوى المدعي أن هذه القضايا ليست من اليقينيات دعوى باطلة بل هذه من أعظم اليقينيات المعلومة بالعقل وذلك أن التصديق مسبوق بالتصور فينبغي أن ننظر معنى قولنا العدل حسن والظلم قبيح ثم ننظر في ثبوت هذا المحمول لهذا الموضوع ولنتكلم في عدل الناس وظلمهم.
فنقول الناس إذا قالوا العدل حسن والظلم قبيح فهم يعنون بهذا أن العدل محبوب للفطرة يحصل لها بوجوده لذة وفرح نافع لصاحبه ولغير صاحبه يحصل به اللذة والفرح وما تتنعم به النفوس وإذا قالوا الظلم قبيح فهم يعنون به أنه ضار لصاحبه ولغير صاحبه وانه بغيض يحصل به الألم والغم وما تتعذب به النفوس ومعلوم أن هذه القضايا هي في علم الناس لها بالفطرة وبالتجربة أعظم من أكثر قضايا الطب مثل كون السقمونيا تسهل الصفراء فلم كانت التجربيات يقينية وهذه التي هي اشهر منها وقد جربها الناس أكثر من تلك لا تكون يقينية مع أن المجربين لها أكثر واعلم واصدق وجزئياتها في العالم أكثر من جزئيات تلك والمخبرون بذلك عنها أيضا أكثر واعلم واصدق.
فان الإنسان من نفسه يجد من لذة العدل والصدق والعلم والإحسان والسرور بذلك ما لا يجده من الظلم والكذب والجهل والناس الذين وصل إليهم ذلك والذين لم يصل إليهم ذلك يجدون في أنفسهم من اللذة والفرح والسرور بعدل العادل وبصدق الصادق وعلم العالم وإحسان المحسن ما لا يجدونه في الظلم والكذب والجهل والإساءة ولهذا يجدون في أنفسهم محبة لمن فعل ذلك وثناء عليه ودعاء له وهم مفطورون على محبة ذلك واللذة به لا يمكنهم دفع ذلك من أنفسهم كما فطروا على وجود اللذة ب الأكل والشرب والألم بالجوع والعطش فلم كانت تلك القضايا من اليقينيات المعلومة بالحس والعقل كالتجربة وغيرها ولم تكن هذه من القضايا
стр. 425
العقلية المعلومة أيضا بالحس والعقل والأمر فيها أعظم واللذة التي توجد بهذه لذة روحانية عقلية شريفة والإنسان كلما كمل عقله كانت هذه اللذة أحب إليه من تلك اللذة.
ثم الفلاسفة اثبتوا معاد الأرواح واللذة العقلية وهي مبنية على هذه القضايا التي سموها المشهورات فان لم تكن معلومة كان ما أثبتوه من ذلك ليس فيه شيء من العلم بل يقولون ما يقوله غيرهم من أن اللذات الباطنة أقوى واشرف من اللذات الظاهرة ويدعون الضرورة في إثبات لذة وراء اللذات الحسية الظاهرة وإذا كانت اللذة أما إدراك الملائم كما قد يزعمونه أو هي تابعة ولازمة للإدراك الملائم كما يقوله غيرهم وهو الصحيح فمعلوم أن العلم والعدل والصدق والإحسان ملائم لبني آدم فيكونوا ملتذين بذلك بل يكون التذاذهم بذلك أعظم من غيره وهذا معنى كون الفعل حسنا ومعنى كونه قبيحا ضد ذلك.
وإذا تصور معنى الحسن والقبح علم أن هذه المشهورات من أعظم اليقينيات فإنها ما اتفقت عليها الأمم لما علموه بالحس والعقل والتجربة بل اتفاق الناس على هذه أعظم من اتفاقهم على عامة ما يذكرونه وقد يعيش طوائف من الناس زمانا لا تخطر لهم القضايا الكلية العقلية التي جعلوها مبادئ العلم كقول القائل النفي والإثبات لا يجتمعان وان يعلم أن هذا الشيء المعين إذا كان موجودا لم يكن معدوما لكن قد لا تخطر لهم القضية الكلية بل وقد لا يخطر لهم تقدير اجتماع وجوده وعدمه فان هذا التقدير ممتنع فلا يخطر لأكثر الناس ولا توجد طائفة إلا وهي تحسن العدل والصدق والعلم وتقبح ضد ذلك.
وأيضا فالحكمة عندهم وعند سائر الأمم نوعان علم وعمل وهذه الحكمة عند المسلمين قال مالك ﵀: "الحكمة معرفة الدين والعمل به" ولذلك قال ابن قتيبة: "الحكمة عند العرب العلم والعمل" والحكمة العملية عندهم وعند غيرهم
стр. 426
تتضمن علم الأخلاق وسياسة المنزل وسياسة المدنية وبنى ذلك كله على هذه القضايا المشهورة بل وكل عمل يؤمر به فلا بد فيه من العدل فالعدل مأمور به في جميع الأعمال والظلم منهي عنه نهيا مطلقا.
ولهذا جاءت أفضل الشرائع والمناهج بتحقيق هذا كله وتكلميه فأوجب الله العدل لكل أحد على كل أحد في كل حال كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى ألاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ومثل هذا كثير.
وكذلك تحريم الظلم بمجموع أنواعه كثير في النصوص الإلهية حتى في الحديث الإلهي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني اغفر لكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم
стр. 427
وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
والمقصود أن الحكمة العملية كلها مبنية على هذه القضايا والنفس لها قوتان العلمية والعملية والعمل لا بد أن يكون بعلم فان لم يكن هذه القضايا معلومة لم يكن شيء من الحكمة العملية معلوما ولا شيء من الأعمال والأخلاق المحمودة والمذمومة معلوما وهذا مع ما فيه من المناقضة لما يقولونه هو وغيرهم من العقلاء فهو مكابرة ظاهرة مع أنا في هذا النوع من الكلام لم نقصد إقامة الدليل على فساد قولهم بل صورناه لتعلم حقيقته وطالبناهم بالدليل على أن هذه المشورات ليست يقينية فإنهم لم يذكروا على ذلك دليلا أصلا وسنتكلم على ما توهموه دليلا من
النوع الثالث: في بيان كون المشهورات من جملة القضايا الواجب قبولها
قولهم هذه القضايا ليست بأولية لما ذكروه من الفرق بين الأولى
стр. 428
وغيره قد تقدم بطلان هذا الفرق ولكن نحن نسلم أن من القضايا ما يكون بديهيا أوليا لبعض الناس أو لكلهم ويكون مجرد تصور طرفى القضية موجبا للحكم لكن ليس علة ذلك كون المحمول لازما للموضوع بلا وسط في نفس الأمر كما ذكر ذلك الرازي ونحوه وإن كان هذا لم نجده في كلام ابن سينا وأمثاله بل الوسط عنده الدليل كما تقدم بل ولا ذاك أمرا لازما للقضية بل قد تكون بديهية لزيد ونظرية لعمرو بحسب المتصور لتمامه ونقضانه.
وهذا مما قد تنازع فيه بعضهم ويدعون أن كل ما كان أوليا لزيد فهو أولى لغيره كما يدل كلامهم على ذلك وأن الادميين يشتركون في العلم بكل ما هو أولى لكل شخص منهم لانها موجب العقل والعقل مشترك وهذا القول أن كنا نبطله ونقول القضية قد تكون ضرورية لزيد نظرية لعمرو كذلك غير ذلك من القضايا قد تكون المتواترة لهذا محسوسة لهذا والمجربة لهذا معلومة بالاستدلال لهذا ونحو ذلك.
وإذا كان كذلك فنحن ليس مقصودنا أن هذه القضايا المشهورة أولية أو ليست أولية ولا أنها أوليه لجميع الناس أو لبعضهم بل المقصود أنها من جملة القضايا الواجب قبولها التي يجب التصديق بها وتكون مادة للبرهان فإنهم جعلوا المعتقدات ثلاثة الواجب قبوها والمشهورات والوهميات والمقصود هنا أن المشهورات العامة مثل حسن العدل وقبح الظلم هي من الواجب قبولها وإن لم نقل هي أولية فان الواجب قبولها قد جعلوها اصناقا أوليات ومشاهدات ومجربات وحدسيات ومتواترات وقضايا قياساتها معها.
وهذه المشهورات إذا لم تكن أولية لم تكن بدون كثير من المجربات والحدسيات ونحو ذلك فتكون مادة للبرهان اليقيني كالمتواترات والمجربات فان المتواترات
стр. 429
والمجربات ليست أوليات وهذه المشهورات ابلغ من كثير من المجربات والعلم بها والتصديق بها في نفوس الأمم قاطبة أقوى واثبت من العلم بكثير من المجربات والمتواترات التي تواترت عند بعض الأمم دون بعض.
وبهذا الاعتبار فلم يذكروا حجة على أنها ليست من اليقينيات فان قولهم موجب الحكم بها العادات أو الاحوال النفسانية أو مصلحة النظام هذا لا ينافي كونها يقينية بل هو دليل على ذلك كما سنذكره أن شاء الله تعالى فان المجربات كلها عاديات فكونها عاديات لا ينافى كونها يقينيات وكذلك كون قوى النفس تقتضيها فان هذا يدل على الملائمة والمنافرة وهذا هو معنى الحسن والقبح فلذلك لا ينافى كونها قضايا صادقة معلومة الصدق وكذلك كون نظام العالم مربوطا بها لا ينافى كونها صادقة معلومة فليس فيما ذكروه ما ينافي العلم بها ولا يدعى كونها أولية بالمعنى الذي ذكروه كما لا يدعى ذلك في المجربات والمتواترات وذلك لا ينافى كونها من اليقينيات.
النوع الرابع: خاصة العقل والفطرة استحسان الحسن واستقباح القبيح
النوع الرابع: أن يقال قوله: "لا عمدة لها إلا الشهرة وهو أنه لو خلى الإنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه إلى قوله لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه مثل حكمنا بأن سلب مال الإنسان قبيح وأن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه".
فيقال لا نسلم هذا فان هذا دعوى مجردة وقوله سلب مال الإنسان قبيح لفظ عام وقد يسلب ماله بعدل وقد يسلب بظلم والكلام فيما إذا علم الإنسان أنه سلب ماله ظلما مثل أن يعلم أن الاثنين المشتركين في المال من كل وجه استولى أحدهما على الآخر فسلبه أكثر من نصف ونحو ذلك فان عقول العقلاء قاطبة
стр. 430
وأوهامهم تقضى بقبح هذا.
أما الوهم فانه قد فسره بقوله في الاشارات:
"وأيضا فان الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية معانى جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس إدراكا جزئيا يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده فعندك قوة هذا شأنها.
فهذه القوة التي سموها الوهم هي التي يدرك بها الإنسان صداقة الصديق وعدواة العدو ويدرك بها كل من الزوجين ما في الزوج الآخر من الأمر المحبوب وبها يميل الإنسان إلى غيره وبها ينفر عنه ولهذا يقولون: "اكبر حاكم على النفوس الوهم".
ومعلوم أن هذه القوة تميل إلى الشخص الذي تعلم أنه عادل صادق محسن وتنفر عن الشخص الذي تعلم أنه كاذب ظالم مسئ بل تميل إلى هذا الشخص وإن لم يصل إليها من جهته نفع وضرر والنفوس مجبولة على محبة العدل وأهله وبغض الظلم وأهله وهذه المحبة التي في الفطرة هو المعنى بكونه حسنا وهذا البغض هو المعنى بكونه قبيحا كما يقال في الصورة الظاهرة هذا حسن وهذا قبيح فالحسن الظاهر ما يحسه الحس الظاهر والحسن الباطن ما يحسه القلب الباطن وإذا كانت النفوس مجبولة على محبة هذا وبغض هذا فهذا معنى الحسن والقبح فكيف يقال لو ترك الإنسان وحسه وعقله ووهمه لم يقض بها ونفوس بنى آدم مجبولة على استحسان هذا واستقباح هذا؟
وأما العقل فأخص صفات العقل عند الإنسان أن يعلم الإنسان ما ينفعه ويفعله ويعلم ما يضره ويتركه والمراد بالحسن هو النافع والمراد بالقبيح هو الضار فكيف يقال أن عقل الإنسان لا يميز بين الحسن وبين القبيح وهل أعظم تفاضل
стр. 431
العقلاء إلا بمعرفة هذا من هذا بل وجنس الناس يميل إلى من يتصف بالصفات الجميلة وينفر عمن يتصف بالقبائح فذاك يميل جنس الإنسان إلى سمع كلامه ورؤيته وهذا ينفر عن رؤيته وسمع كلامه.
النوع الخامس: في بيان كون هذه المشهورات معلومة بالفطرة
النوع الخامس: أن مبادىء هذه القضايا أمر ضروري في النفوس فإنها مفطورة على حب ما يلائمها وبغض ما يضرها والمراد بالحسن ما يلائمها وبالقبيح ما يضرها وإذا كانت مفطورة على حب هذا وبغض هذا فالمراد بقولنا حسن أنه ملائم نافع والمراد بقولنا قبيح أنه ضار مؤذ وهذا أمر فطري فعلم أن الناس بفطرتهم يعلمون هذه القضايا المشهورة بينهم.
النوع السادس: في بيان كون الموجب لاعتقاد هذه المشهورات من لوازم الإنسانية
النوع السادس: أن يقال: لو لم يكن لهذه القضايا مبدأ في قوى الإنسان لم تشتهر في جميع الأمم فان المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الأمم فعلم أن الموجب لاعتقاد هذه القضايا أمر اشتركت فيه الأمم وذلك لا يكون إلا من لوازم الإنسانية فان الأمم لم تشترك كلها في غير لوازم الإنسانية.
النوع السابع: رد ابن سينا على نفسه في قوله بأن المشهورات لا تدرك بقوى النفس
النوع السابع: قوله: "لو توهم الإنسان بنفسه أنه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدبا ولم يطع انفعالا نفسانيا ولا خلقا لم يقض في أمثاله بشيء" هذا ممنوع بل أن كان تام العقل علم أن العلم والعدل والصدق ينفعه وتصلح به نفسه وتلتذ وأن الكذب والظلم يضره ويفسد نفسه ويؤلمها ولو قدر أنه لا يعلم به أحد غير
стр. 432
علم العقل بأنه إذا ظلم أبغضه الناس وعادوه وغير علمه بأن الله يعاقبه.
فان قيل الإنسان يلتذ بما يراه قبيحا كما قد يلتذ بما يأخذه ظلما فيأكله ويشربه قيل وإن التذ بدنه فان قلبه وعقله لا يلتذ بذلك بل يلتذ إذا عدل وإن قدر أنه يلتذ به لذة حاضرة فانه يتألم بقبح عاقبته عنده وإذا لم يتألم فلغيبة عقله عن إدراك المؤلم كما قد يحصل للسكران وغيره من أمور تؤلمه ولا يتألم بها لغيبة عقله عن إدراكها.
وهذا مما قد ذكره ابن سينا نفسه فقال في نمط البهجة والسعادة.
"إنه قد يسبق إلى الأوهام العامية أن اللذات القوية المستعلية هي الحسية وأن ما عداها لذات ضعيفة وكلها خيالات غير حقيقة".
وقد يمكن أن ينبه من جملتهم من له تمييز ما فيقال له أليس ألذ ما يصفونه من هذا القبيل هو المنكوحات والمطعومات وأمور تجرى مجراها وانتم تعلمون أن المتمكن من غلبة ما ولو في أمر خسيس كالشطرنج والنرد قد يعرض له منكوح ومطعوم فيرفضه لما يعتاضه من لذة الغلبة الوهمية وقد يعرض منكوح ومطعوم لطالب العفة والرياسة مع صحة جسمه في صحبة حشمه فينفض اليد منهما مراعاة للحشمة فيكون مراعاة الحشمة آثر وألذ لا محالة هناك من المنكوح والمطعوم.
وإذا عرض للكرام من الناس الالتذاذ بإنعام يصيبون موضعه أثروه على الالتذاذ بمشتهى حيواني متنافس فيه وآثروا فيه غيرهم على أنفسهم مسرعين إلى الإنعام به
стр. 433
وكذلك فان كبير النفس يستصغر الجوع والعطش عند المحافظة على ماء الوجه ويستحقر هول الموت ومفاجأة العطب عند مناجزة المبارزين وربما اقتحم الواحد على عدد دهم ممتطيا ظهر الخطر لما يتوقعه من لذة الحمد ولو بعد الموت كأن تلك تصل إليه وهو ميت.
فقد بان أن اللذات الباطنة مستعلية على اللذات الحسية وليس ذلك في العاقل فقط بل وفي العجم من الحيوانات فان من كلاب الصيد ما يقنص الصيد على الجوع ثم يمسكه على صاحبه وربما حمله إليه والراضعة من الحيوانات تؤثر ما ولدته على نفسها وربما خاطرت محامية عليه أعظم من مخاطرتها في ذات حمايتها نفسها.
فإذا كانت اللذات الباطنة أعظم من الظاهرة وإن لم تكن عقلية فما قولك في العقلية.
فيقال له هذا كله حجة عليك في قولك أن استحسان الحسن واستقباح القبيح لا يدركه الإنسان لا بحسه ولا بعقله ولا بوهمه وأنت قد ذكرت أن الإنسان بل الحيوان يلتذ بالحمد والثناء ويلتذ بالغلبة ويلتذ بالإنعام والإحسان والرحمة أعظم من التذاذة بالأكل والشرب ومعلوم أن لذة الأكل والشرب مما يعلم بالحس الظاهر فهذه اللذه الباطنة يعلم بالحس الباطن وبالوهم فكيف تقول أن الحسن والوهم والعقل لا يعلم به حسن الحسن وقبح القبيح وما ذكرته من التذاذ الإنسان بالإيثار وتركه الطعام الشهي مراعاة الحشمة ونحو ذلك إنما هو لكونه يرى ذاك قبيحا وهذا جميلا ويلتذ بفعل الجميل لذة باطنة يحس بها فكيف يقال أن الحسن والقبيح لا ينال بشيء من قوى النفس وإنما يصدق به لمجرد الشهرة فقط من غير موجب حسي ولا وهمي ولا عقلي
стр. 434
النوع الثامن: رد قولهم أن العقل بمجرده لا يقضى في المشهورات بشيء
النوع الثامن: أنه قال:
"تنبيه أن اللذة هي إدراك ونيل ما لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك والألم هو إدراك ونيل ما لوصول ما هو عند المدرك نقص وشر من حيث هو كذلك وقد يختلف الخير والشر بحسب القياس فالشيء الذي هو عند الشهوة خير هو مثل المطعم الملائم والملمس الملائم والذي هو عند الغضب خير فهو الغلبة والذي عند العقل فتارة وباعتبار فالحق وتارة وباعتبار فالجميل ومن العقليات نيل الشكر ووفور الحمد والمدح والكرامة وبالجملة فان همم ذوي العقول في ذلك مختلفة.
وكل خير بالقياس إلى شيء ما فهو الكمال الذي يختص به وينحوه باستعداده الأول وكل لذة فإنها تتعلق بأمرين بكمال خيري وبادراك له من حيث هو كذلك".
فيقال: هذا تصريح بان العقل يحب الحق ويلتذ به ويحب الجميل ويلتذ به وان محبة الحمد والشكر والكرم هي من العقليات وهذا صحيح فان للإنسان قوتين قوة علمية فهي تحب الحق وقوة عملية فهي تحب الجميل والجميل هو الحسن والقبيح ضده.
وتفريقه بين الحق والجميل هو بحسب اصطلاحه وإلا فاللغة التي جاء بها القرآن وتكلم بها الرسول لفظ الحق منها يتضمن النوعين كقوله ﷺ :
стр. 435
"كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق" وقوله: "الوتر حق فمن شاء أوتر بركعة ومن شاء أوتر بثلاث ومن شاء أوتر بخمس أو سبع" ومثل هذا موجود في غير موضع من كلامه ومن هذا الباب قوله: "اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... ... ... ...ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ وقوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ ومعلوم أن ما عبد من دونه موجود مخلوق ولكن عبادته باطلة وهو باطل لأن المقصود منه بالعبادة معدوم ولهذا يقول الفقهاء بطلت العبادة وبطل العقد وقد قال تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ والإبطال ضد الإحقاق وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾
стр. 436
وقد بين الله أن الأعمال السيئة القبيحة باطلة في مثل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ فهذا الثاني مثل ما يصدر عن الجهل البسيط والأول الجهل المركب وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ فهذا مثل إبطال العمل بالمن والأذى وبالرياء والكفر والمقصود أنها لم تبق نافعة بخلاف العمل الحق المحمود فانه نافع ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ .
وبالجملة فما ذكروه تصريح منهم بأن العقل يميز بين الجميل والقبيح وأن العاقل يلتذ بالجميل ويتألم بالقبيح وأن الجميل كمال وخير للقوة العاقلة من حيث هي كذلك وهذا مناقض لقولهم أن العقل بمجرده لا يقضى في أمثال هذا بشيء لا بحسن ولا بقبيح وهكذا تناقضوا في نفس الوهميات كما سنذكره إن شاء الله وسبب ذلك أنهم تارة يقولون بموجب الفطرة فيكون كلامهم صحيحا وتارة يقولون بمقتضى الفطرة الفاسدة التي قد فسدت بالاعتقادات الفاسدة فيقولون باطلا.
كون الوجود كله مبنيا على الحق والعدل:
وهذه القضايا التي اتفقت الأمم عليها مثل حسن الصدق والعدل وقبح الكذب والظلم داخلة في مسمى الحق كما تقدم في كلام الله ورسوله وكذلك كلام العقلاء قاطبة يسمون هذا كله حقا ويقولون لصاحب الدين: "له عليه حق"
стр. 437
وأعطيه حقه وإذا حكم بينهما بعدل وقسم بإنصاف يقولون هذا حق وإن حكم بخلاف ذلك يقولون هذا ظلم وجور وإذا لم يكن عنده شيء حق بل هو يدعى الباطل فيسمون الصدق حقا والكذب باطلا كما في كلام الله ورسوله قال النبي ﷺ : "إن لصاحب الحق مقالا " وفي لفظ: "إن لصاحب الحق اللسان واليد " وقال ﷺ لكعب بن مالك لما طلب غريمه أي كعب: " دع الشطر" قال: قد فعلت يا رسول الله قال "قم فاقضه ".
وذلك لأن الأمور الحسنة تتضمن أمرا موجودا ماضيا ومستقبلا ففيها وجود وكمال الوجود والأمور القبيحة تتضمن عدما ماضيا أو مستقبلا ففيها نفى الوجود أو كمال الوجود فان كان موجودا كان العلم بوجوده حقا مطابقا له والأخبار عن وجوده كذلك وأما الكذب المتضمن نفيه والجهل الذي هو عدم العلم به فهو عدم علم وعدم قول حق بل الكذب من جنس الجهل المركب وأيضا العلم كمال وجود والصدق كمال وجود والجهل والكذب صفة نقص.
وكذلك العدل كالتسوية بين المتماثلين والتفصيل بين المختلفين هو تحقيق الأمور على ما هي عليه وتكميلها ولهذا مبنى الوجود كله على العدل حتى في المطاعم والملابس والأبنية ونحو ذلك فالبيت المبنى أن لم تكن حيطانه معتدلة بل كان بعضها أطول من بعض طولا فاحشا أو كان منحنيا غير مستقيم فسد السقف وكذلك الثياب أن لم تكن على مقدار لا بسيها معادلة لهم وإلا لم ينتفعوا بها وكذلك ما يضع من المطاعم والأدوية أن لم أجزاؤه معتدلة في الصفة والقدر في الكم والكيف فسد وكان مضرا لا نافعا فهذا موجود في الأمور المحسوسة أن العدل فيها حسن أي تحصل به المنفعة والمصلحة والظلم فيها قبيح أي تحصل به المضرة والفساد
стр. 438
وعلم الأخلاق والسياسة عندهم وعند سائر العقلاء مبنى على العدل ولهذا جعلوا كمال الإنسان العملى أربعة أمور أصلاح الشهوة والغضب والعدل بينهما وفي العلم بذلك والذي ذكروه هو بعض صفات الكمال التي أرسل الله بها رسله وانزل بها كتبه والاقتصار على ما ذكروه لا تحصل به السعادة التي هي كمال الإنسان ولكنه من الأمور المعتبرة فيها.
وقد بسطنا هذه الأمور وبينا قصور فلسفتهم عن حصول السعادة والكمال بها وأنها ابلغ في القصور من دين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل وان ما عندهم إذا أخذ منه الحق وترك الباطل كان جزءا من الأجزاء المحصلة للسعادة وفيه أمور كثيرة باطلة وأمور هي حق لكن ليس مما تحصل به السعادة والكمال.
الوجه العاشر: لا حجة على تكذيبهم بأخبار الأنبياء الخارجة عن قياسهم
الوجه العاشر: أن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو خارج عن قياسهم الذي ذكروه بل الفراسة أيضا وأمثالها فان ادخلوا ذلك فيما ذكروه من الحسيات والعقليات لم يمكنهم نفى ما لم يدركوه ولم يبق لهم ضابط وهذا موضع ينبغي تحقيقه.
وهم أعني ابن سينا واتباعه جعلوا القضايا من جهة ما يصدق بها المستعملة بين القائسن ومن يجرى مجراهم أربعة أصناف الأول الواجب قبولها التي هي مادة البرهان وهي الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات وربما ضموا إلى ذلك قضايا معها حدودها ولم يذكروا دليلا على هذا الحصر ولهذا اعترف المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه.
وإذا كان كذلك لم يلزم أن كل ما لم يدخل في قياسهم أن لا يكون معلوما وحينئذ
стр. 439
فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ فانه إذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها بغير هذه الطرق لم يمكن وزنها بهذه الآلة وعامة هؤلاء المنطقيون يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم وهذا في غاية الجهل لا سيما أن كان الذي كذبوا به من أخبار الأنبياء فيكونون ممن قال الله فيه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ وهذا صار بمنزلة المنجم إذا كذب بعلم الطب أو الطبيب إذا كذب بعلم النجوم والناس أعداء ما جهلوا ومن جهل شيئا عاداه.
فإذا كان اشرف العلوم لا سبيل إلى معرفتها بطريقهم لزم أمران أحدهما أنه لا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس في قياسهم دليل عليه والثاني أن ما علموه خسيس بالنسبة إلى ما جهلوه فكيف إذا علم أنه لا يفيد النجاة ولا السعادة
الوجه الحادي عشر: بطلان قولهم: "إن البرهاني والخطابي والجدلى هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ .
الوجه الحادي عشر: أنهم يجعلون ما هو حق وعلم يجب تصديقه ليس علما وما هو باطل ليس بعلم علما وذلك أن هؤلاء جعلوا أجناس الأقيسة باعتبار مادتها خمسة البرهان والخطابة والجدل والشعر والسفسطة أصله سوفسطيقا وكذلك سائرها لها أسماء باليونانية ولسائر أجناس المنطق لكنها ألفاظ طويلة مثل قاطيغورياس وانولوطيقا إلى غير ذلك واللغة العربية أوجز وأبين فهي أكمل بيانا وأوجز لفظا.
ويجعلون القياس باعتبار صورته قسمين الاقتراني والاستثنائي لتأليفه من الحمليات والشرطيات المتصلة والمنفصلة ويتكلمون قبل القياس في القضايا وأقسامها
стр. 440
وأحكامها مثل النقيض والعكس المستوى وعكس النقيض فإنها إذا صحت بطل نقيضها وصح عكسها وعكس نقيضها فإذا قيل كل إنسان حيوان فنقيضه باطل وهو أنه ليس شيء من الإنسان حيوان وصح عكسه وهو أن بعض الحيوان إنسان وعكس نقيضه وهو أن ما ليس بحيوان فليس بإنسان فإن التناقض اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى وإن العكس جعل الموضوع محمولا والمحمول موضوعا مع بقاء الصدق وعكس النقيض والسالبة هو أن يجعل الموضوع محمولا مع جعل الإيجاب سلبا.
وأقسامها: الكلية والجزئية والموجبة والسالبة أي العامة والخاصة والمثبتة والنافية وقبل ذلك يتكلمون في مفردات القضية وهي المعاني المفردة مثل الكلام في الكلي والجزئي والذاتي والعرضي وقبل ذلك في الألفاظ الدالة على المعاني كدلالة المطابقة والتضمن والالتزام.
والمقصود في هذا كله هو الحد والقياس والقياس هو المطلوب الأعظم والمطلوب الأعظم من أنواع القياس هو القياس البرهاني قالوا والبرهان ما كانت مواده يقينية وهي التي يجب قبولها كما تقدم وأما الخطابي فمواده هي المشهورات التي تصلح لخطاب الجمهور سواء كانت علمية أو ظنية والجدلي هو الذي مواده ما يسلمها المجادل سواء كانت علمية أو ظنية أو مشهورة أو غير مشهورة وهذا أحسن ما تفسر به هذه الأصناف الثلاثة.
وكثير منهم يقول بل البرهاني ما كانت مقدماته واجبة القبول كما تقدم والجدلي ما كانت مقدماته مشهورة سواء كانت حقا أو باطلا أو واجبة أو ممتنعة أو ممكنة والخطابي ما كانت مقدماته ظنية كيف كانت فالخطابي هو الذي يفيد الظن مطلقا سواء كانت مقدماته مسلمة أو مشهورة والجدلي ما يكون مقدماته مشهورة
стр. 441
ومنهم من يقول بل البرهاني مؤلف من الواجبات والجدلي من الأكثريات والخطابي من المتساويات والشعري من الممتنعات وهذا ليس بشيء فان الشعري ما تشعر به النفس فيقصد به تنفيرها وترغيبها وترهيبها وقد يكون صدقا وقد يكون كذبا ولكن المقصود بالشعريات تحريك النفس لا لإفادتها علما.
وابن سينا رد هذا القول فقال: "ولا يلفت إلى ما يقال من أن البرهانيات واجبة والجدلية ممكنة أكثرية والخطابية ممكنة متساوية لا مثل فيها ولا قدرة والشعرية كاذبة ممتنعة فليس الاعتبار بذلك ولا أشار إليه صاحب المنطق لكنه مع رده لهذا ذكر القول الثاني فقال القياسات البرهانية مؤلفة من المقدمات الواجب قبولها والجدلية مؤلفة من المشهورات والتقريرية ما كانت واجبة أو ممكنة أو ممتنعة والخطابية مؤلفة من المظنونات والمقبولات التي ليست بمشهورة وما يشبهها كيف كانت ولو ممتنعة والشعرية مؤلفة من المقدمات المخيلة من حيث يشعر من يخيلها كانت صادقة أو كاذبة وأما السوفسطائية فهي التي تستعمل الشبهة ويشاركها في ذلك الممتحنة المجربة على سبيل التغليط فان كان التشبيه بالواجبات ونحو استعمالها سمي صاحبها سوفسطائيا وان كان بالمشهورات سمي صاحبها مشاغبا ومماريا والمشاغب بإزاء الجدلي والسوفسطائي بإزاء الحليم".
وهذا الذي ذكره في مواد الجدلي والخطابي ضعيف أيضا بل مواد الجدلي هي المسلمات التي يسلمها المجادل سواء كانت مشهورة أو لم تكن وسواء كانت حقا أو باطلا ومواد الخطابي هي المشهورات ونحوها التي يخاطب بها الجمهور وكل من ذلك يكون برهانيا وغير برهاني ويكون صادقا وكاذبا هذا مراد قدمائهم وهو أشبه باللفظ والتقسيم.
وأما كون الخطابيات هي الظنيات مطلقا فهذا خطا عند القوم فانه إذا كانت الجدليات قد تكون علمية فالخطابيات التي هي اشرف منها أولى أنها قد تكون علمية فان
стр. 442
الخطاب ارفع من الجدل عندهم والتفسير الأول تفسير محققيهم المتقدمين فانه ليس من شرط الخطابي ولا الجدلي أن لا يكون علميا كما أنه ليس من شرط البرهاني أن لا يخاطب به الجمهور وان لا يجادل به المنازع بل البرهاني إذا كان مشهورا صلح للبرهان والخطابة والجدلي إذا كان برهانيا صلح للبرهان والجدل وإذا كانت القضية مبرهنة وهي مشهورة مسلمة من المناظر صلحت للبرهان والخطابة والجدل بخلاف الشعري فان المقصود به تحريك النفس ليس المراد به أن يفيد لا علما ولا ظنا فلهذا لم يدخل مع الثلاثة وأيضا فالخطابيات يراد بها خطاب الجمهور وهذا إنما يكون بالقضايا المشهورة عند الجمهور وان كانت ظنية وإذا كانت علمية فهو أجود فليس من شرطها أن لا تكون علمية وأما الجدلي فإنما هو خطاب لناس معينين فإذا سلموا تلك المقدمات حصل مقصود الجدلي وان لم تكن مشهورة.
وأما السوفسطائي فهو المشبه الملبس وهو الباطل الذي اخرج في صورة الحق والمراد بيان فساده وإلا فليس لأحد أن يتكلم به فانه كذب في صورة صدق وباطل في صورة حق لكن المقصود بذكره تعريفه وامتحان الأذهان بحل شبه السوفسطائية.
ثم قد يقول من يقول من حذاقهم ومن يروم أن يقرن بين طريقهم وطريق الأنبياء أن الأقسام الثلاثة البرهان والجدل والخطابة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
كلام أهل الفلسفة في الأنبياء ﵈:
ثم يقولون أن ما جاءت به الأنبياء فهو من جنس الخطابة التي قصد بها خطاب الجمهور لم يقصد به تعريف الحقائق هذا في الأمور العملية فان مبادىء الأمور العلمية قد لا يجعلونها من البرهانيات بل من المشهورات كالعلم بحسن العدل وقبح
стр. 443
الظلم وأما العلميات فيقولون أن الأنبياء لم يذكروا حقائق الأمور في معرفة الله والمعاد وإنما اخبروا الجمهور بما يتخيلونه في ذلك لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا بذلك الحق ويقولون أنهم أرادوا بخطابهم للناس أن يعتقدوا الأمور على خلاف ما هي عليه وهي من جنس الكذب لمصلحة الناس وهم يعلمون هذه المرتبة ثم النبي عندهم هل يعرف الأمور العلمية فيه نزاع بينهم.
وهم يعظمون محمدا ﷺ يقولون لم يأت إلى العالم ناموس أفضل من ناموسه ويفضله كثير منهم على الفيلسوف ومنهم من يفضل الفيلسوف عليه وهم حائرون في أمور الأنبياء ولهذا كلامهم في الأنبياء في غاية الاضطراب ولم ينقلوا عن أرسطو واتباعه فيهم شيئا بل ذكروا من كلام أفلاطون وغيره في النواميس ما جعلوا به واضعي النواميس من اليونان وغيرهم من جنس الأنبياء الذين ذكرهم الله في القران ونحن نعلم أن الرسل جميعهم دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والنواميس التي يذكرونها فيها شرك لا يأمر به أحد من أنبياء الله فعلم أن كل من ذكروه من واضعي النواميس المخالفة لما اتفقت عليه الرسل فليس بني ولا متبع لنبي بل هو من جنس واضعي النواميس من ملوك الكفار ووزرائهم وعقلائهم وعلمائهم وعبادهم.
وهم وان عظموا الأنبياء ونواميسهم فلأجل أنهم أقاموا قانون العدل الذي لا تقوم مصلحة العالم إلا به ويوجبون طاعة الأنبياء والعمل بنواميسهم وهي الشرائع التي جاؤوا بها ولكنهم لم يأتوا بالأمور العلمية بل بالعمليات النافعة والعلميات عندهم أما أن تكون التي علمها وما أمكنه إظهارها بل اظهر ما يخالف الحق عنده لمصلحة الجمهور وأما أنه لم يعلمها وإلا فهم يجوزون للرجل أن يتمسك بأي ناموس كان ولا يوجبون اتباع نبي بعينه لا محمد ولا غيره إلا من جهة مصلحة دنياهم بذلك
стр. 444
لا لأنه يعذب في الآخرة على مخالفة شريعة محمد أو غيره.
ولهذا لما ظهرت الترك الكفار وأراد من أراد منهم أن يدخل في الإسلام قبل ظهور الإسلام عليهم أشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لا يفعل فان ذاك لسانه عربي ولا يحتاجون إلى شريعته ونحو هذا الكلام يبين أن الشريعة التي جاء بها محمد لا يحتاج إليها مثلكم وأمثالكم وقد قيل أن الذي أراد الدخول في الإسلام وقال له منجمه هذا هو هولاكو ولما قدم هولاكو الشام وتقلد القضاء من جهته بعض قضاة الشام الذين كانوا يعظمون صوفية الفلاسفة كابن عربي ونحوه ودخل إلى البلد أخذ يثني على ملك الكفار ويعظمه ويذكر ما يذكر من فضائله بزعمه فقال له بعض الحاضرين يا ليته كان مسلما فقال القاضي وأي حاجة لهذا إلى الإسلام سواء كان مسلما أو لم يكن وهذا بناء على هذا الأصل.
فالنبي عندهم يشبه من بعض الوجوه أئمة المذاهب عند المتكلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي وداود بن علي وغير هؤلاء من أئمة الفقهاء
стр. 445
فان المتكلمين يعظمون هؤلاء في علم الشريعة العملية والقضايا الفقهية وأما في الكلام وأصول الدين مثل مسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوات والمعاد فلا يلتزمون موافقة هؤلاء بل قد يجعلون شيوخهم المتكلمين أفضل منهم في ذلك وقد يقولون أنهم وان علموا ذلك لكن لم يبسطوا القول فيه ولم يبينوه كما فعل ذلك شيوخ المتكلمين.
فالنبي عند هؤلاء المتفلسفة يشبه المجتهد المتبوع عند المتكلمين ولهذا يقول من يقرنهم بالأنبياء كأصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم اتفقت الأنبياء والحكماء أو يقولون الأنبياء والفلاسفة كما يقول الأصوليون اتفق الفقهاء والمتكلمون وهذا قول الفقهاء والمتكلمين ونحو ذلك والذين يعظمونهم يريدون التوفيق بين ما يقولونه وبين ما جاءت به الأنبياء كما تقدم أنهم يجعلون الأقيسة الثلاثة هي المذكورة في صورة النحل ويجعلون الملائكة هي هي العقول والنفوس ومنهم طائفة ادعت كثرة الملائكة كأبي البركات صاحب المعتبر وهؤلاء أقرب عندهم فان الأنبياء صرحوا بكثرة الملائكة وقد يجعلون الجن والشياطين هي قوى النفوس الصالحة والفلسفة وقد بسط القول عليهم في غير هذا الموضع وبين أن الملائكة التي أخبرت بها الرسل من ابعد الأشياء عما يدعونه من العقول والنفوس وان الجن والشياطين أحياء ناطقون موجودون ليسوا أعراضا قائمة بغيرها.
الكلام على جعلهم الأقيسة الثلاثة من القران:
والمقصود هنا كلامهم في المنطق فنقول قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
стр. 446
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ليس المراد به ما يذكونه من القياس البرهاني والخطابي والجدلي فان الأقيسة التي هي عندهم برهانية قد تقدم بعض وصفها وأنها لا تفيد قط إلا أمرا كليا لا يدل على شيء معين وتلك الكليات غالبها إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان والذي جاء به الرسول أمران خبر وأمر.
فأما الخبر فانه اخبر عن الله بأسمائه وصفاته المعينة وهذا أمر يعترفون هم أنه لا يعرف ببرهانهم وما اخبر به الرسول عن ربه فهم من ابعد الناس عن معرفته وكفار اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أقرب إلى الرسول فيه منهم إليه وكذلك ما اخبر به عن الملائكة والعرش والكرسي والحنة والنار ليس في ذلك شيء يمكن معرفته بقياسهم وليس المراد بالعرش الفلك التاسع ولا بالكرسي الثامن كما قد بسط في موضع آخر ولو قدر أنه كذلك فليس هذا مما يعلم بالقياس المنطقي.
والرسول اخبر عن أمور معينة مثل نوح وخطابه لقومه وأحواله المعينة ومثل إبراهيم وأحواله المعينة ومثل موسى وعيسى وأحوالهما المعينة وليس شيء من ذلك يمكن معرفته بقياسهم لا البرهاني ولا غيره فان أقيستهم لا تفيد إلا أمورا كلية وهذه أمور خاصة.
وكذلك اخبر عما كان وعما سيكون بعده من الحوادث المعينة حتى اخبر عن التتر بما ثبت في الصحيحين عنه من غير وجه أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين ذلف الأنوف حمر الخدود ينتعلون الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة" فهل يتصور أن قياسهم وبرهانهم يدل على ادمي معين أو امة معينة فضلا عن أن يوصف بهذه الصفات قبل ظهورهم بنحو سبعمائة سنة
стр. 447
وكذلك قوله الثابت في الصحيح: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من ارض الحجاز تضيء بها أعناق الإبل ببصرى" وهذه النار قد خرجت قبل مجيء أكثر الكفار إلى بغداد سنة خمس وخمسين وستمائة وقد تواتر عن أهل بصرى أنهم رأوا ببصرى أعناق الإبل من ضوء تلك النار وخبر هذه النار مشهور متواتر بعد أن خرجت بجبال الحجاز وكانت تحرق الحجر ولا تنضج اللحم وفزع لها الناس فزعا شديدا فهل يدل قياس برهاني أو غير برهاني على هذا الأمر المعين ويخبر به المخبر قبل حدوثه بأكثر من ستمائة وخمسين سنة فان هذا اخبر به النبي ﷺ في آخر أيام النبوة وأبو هريرة إنما اسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة وصحب النبي ﷺ أقل من أربع سنين فأخباره كلها متأخرة.
وكذلك سائر ما اخبر به من الأمور الماضية والمستقبلة والأمور الحاضرة مما يعلمون هم أنه يمتنع أن يعرف ذلك بالقياس البرهاني وغيره فان ذاك إنما يدل على أمر مطلق كلي لا على شيء معين.
وأما العمليات التي أمر بها فهم وان ادعوا أن ما عندهم من الحكمة الخلفية والمنزلة والمدنية تشبه ما جاء به من الشريعة العملية فهذا من أعظم البهتان وذاك أن حكمتهم العملية إنما مبناها على أنهم عرفوا أن النفس لها قوة الشهوة والغضب الشهوة لجلب
стр. 448
الملائم والغضب لدفع المنافي فجعلوا الحكمة الخلقية مبناها على ذلك فقالوا ينبغي تهذيب الشهوة والغضب لكون كل منهما بين الإفراط والتفريط وهذا يسمى عفة وهذا يسمى شجاعة والتعديل بينهما عدلا وهذه الثلث تطلب لتكميل النفس بالحكمة النظرية العلمية فصار الكمال عندهم هذه الأمور العفة والشجاعة والعدل والعلم.
وقد تكلم في هذا طوائف من الداخلين في الإسلام واستشهدوا على ذلك بما وجدوه في القران والحديث وكلام السلف في مدح هذه الأمور والذين صنفوا في الأخلاق والأعمال على طريق هؤلاء مثل كتاب موازين الأعمال لأبي حامد ومثل أصحاب رسائل إخوان الصفا ومثل كتب محمد بن يوسف العامري وغيره يبنون كلامهم على هذا الأصل.
لكن غلطوا فان مراد الله ورسوله بالعلم الذي يمدحه ليس هو العلم النظري الذي هو عند فلاسفة اليونان بل الحكمة: "اسم يجمع العلم والعمل به في كل امة" قال ابن قتيبة وغيره: "الحكمة عند العرب العلم والعمل به" وسئل مالك عن الحكمة؟ فقال: "هو معرفة الدين والعمل به" وكل امة لها حكمة بحسب علمها ودينها فالهند لهم حكمة مع أنهم مشركون كفار والعرب قبل الإسلام كانت لهم حكمة وكان فيهم حكماء العرب مع كونهم مشركين يعبدون الأوثان فكذلك اليونان لهم حكمة كحكمتهم.
وحكماء كل طائفة هم أفضل تلك الطائفة علما وعملا لكن لا يلزم من ذلك أن يكونوا ممدوحين عند الله وعند رسوله فان الممدوح عند الله وعند رسوله لا يكون قط إلا من المؤمنين المسلمين الذين امنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وعبدوا الله وحده لم يشركوا به شيئا ولم يكذبوا نبيا من أنبيائه ولا كتابا من كتبه
стр. 449
ولا يثنى الله قط إلا على هؤلاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ .
وقد ذكر الله عن الأنبياء وأتباعهم أنهم كانوا مسلمين مؤمنين من نوح إلى الحواريين وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذا عام في الأولين والآخرين وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي اخلص قصده وعمله لله وهو محسن يفعل الصالحات وهذا هو الإسلام وهو أن يكون عمله عملا صالحا ويعمله لله تعالى وهذا هو عبادة الله وحده لا شريك له وبهذا بعث الله الرسل جميعهم.
سبب نزول قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية:
وكذلك لما ذكر الملل الأربعة الذين فيهم من هو محمود سعيد قال تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وروى الناس كابن أبي حاتم وغيره بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قال سلمان: "سألت النبي
стр. 450
صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم فذكر من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ وكذلك ذكر السدي عن أشياخه في تفسيره المعروف قال: "نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي بينا هو يحدث النبي ﷺ إذ ذكر أصحابه فأخبره فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك ويشهدون انك ستبعث نبيا فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فقال: "كان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وبسنة موسى حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة واخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد ﷺ فمن لم يتبع محمدا ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا" قال ابن أبي حاتم: "وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا".
و ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ أولا: المراد بهم أمة محمد.
وأما ما يذكره طائفة من المفسرين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ أن فيهم أقوالا أحدها: أنهم هم الذين آمنوا بعيسى قبل أن يبعث محمد قاله ابن عباس والثاني: أنهم الذين آمنوا بموسى وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى فآمنوا به وعملوا
стр. 451
بشريعته لما أن جاء محمد وقالوا هذا قول السدي عن أشياخه والثالث: أنهم طلاب الدين كحبيب النجار وقس بن ساعدة وسلمان الفارسي وأبي ذر وبحيرا الراهب آمنو بالنبي قبل مبعثه فمنهم من أدركه وتابعه ومنهم من لم يدركه والخامس أنهم المنافقون والسادس أنهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين والكتب المتقدمة فلا يؤمنوا بك ولا بكتابك.
فهذه الأقوال ذكرها الثعلبي وأمثاله ولم يسموا قائلها وذكرها أبو الفرج ابن لجوزي إلا السادس وسمي قائل الأولين وذكر أنهم المنافقون عن الثوري وهذه الأقوال كلها مبتدعة لم يقل الصحابة والتابعون لهم بإحسان شيئا منها وما نقل عن السدي غلط عليه وقد ذكرنا لفظه الموجود في تفسيره المنقول بالإسناد الثابت في تفاسير الذين يذكرون الأسانيد كتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم وتفسير أبي بكر بن المنذر وتفسير محمد بن جرير الطبري وأمثال هذه التفاسير وما
стр. 452
نقل عن ابن عباس لا يثبت.
وهي أقوال باطلة فان من كان متمسكا بشريعة عيسى قبل أن يبعث محمد ﷺ من غير تبديل فهم النصارى الذين أثنى الله عليهم وكذلك من تمسك بشريعة موسى قبل النسخ والتبديل فهم اليهود الذين أثنى الله عليهم وطلاب الدين كحبيب النجار كان على دين المسيح وكذلك بحيرا الراهب وغيره وكل من تقدم من الأنبياء وأمتهم يؤمنون بمحمد فليس هذا من خصائص هذا النفر القليل.
الكلام على أخذ الله ميثاق النبيين على الإيمان بمحمد:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أخذ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وعن علي بن أبى طالب أنه قال: "لم يبعث الله نبيا ادم ومن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد وأمره وأخذ العهد على قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه" وكذلك عن ابن عباس أنه قال: "ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته أن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه".
وقال بعض العلماء: "أخذ الميثاق على النبيين وأمتهم فاجتزأ بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع وحقيقة الأمر أن الميثاق إذا أخذ على الأنبياء دخل فيه غيرهم لكونه تابعا لهم ولأنه إذا وجب على الأنبياء الإيمان به ونصره فوجوب ذلك على من اتبعهم أولى وأحرى ولهذا ذكر عن الأنبياء فقط"
стр. 453
وقد قيل أن المراد بأخذ الميثاق على الأنبياء هو أخذه على قومهم فإنهم هم الذين يدركون النبي الآتي وقالوا هي في قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب وزعم بعضهم أن هذه القراءة هي الصواب والأولى غلط من الكتاب وهذا قول باطل ولولا أنه ذكر لما حكيته فإن ما بين لوحي المصحف متواتر والقرآن صريح في أن الله أخذ الميثاق على النبيين فلا يلتفت إلى من قال إنما أخذ على أممهم.
لكن الأنبياء أمروا أن يلتزموا هذا الميثاق مع علم الله وعلم من اعلمه منهم أنهم لا يدركونه كما نؤمن نحن بما تقدمنا من الأنبياء والكتب وإن لم ندركهم وأمر الجميع بتقدير إدراكه أن يؤمنوا به وينصروه كما أن النبي ﷺ اخبرنا بنزول عيسى ابن مريم من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق واخبر أنه يقتل المسيح الدجال فنحن مأمورون بالإيمان بالمسيح ابن مريم وطاعته أن أدركناه وإن كان لا يأمرنا إلا بشريعة محمد ومأمورون بتكذيب المسيح الدجال وأكثر المسلمين لا يدركون ذلك بل إنما يدركه بعضهم.
قال طاووس: "أخذ الله ميثاق النبيين بعضهم على بعض ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ فقال: "هذه الآية لأهل الكتاب أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا بمحمد ويصدقوه" يعني بذلك أن من أدرك نبوة محمد منهم يعنى هم الذين أدركهم العمل بالآية وإلا فذكر أن الميثاق أخذ على النبيين بعضهم على بعض لكن ذلك عهد وإقرار مع العلم بأنهم لا يدركونه وكذلك عن السدي "لم يبعث الله نبيا قط من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه ليؤمنن بمحمد ولينصرنه إن خرج وهو حي وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن خرج وهم أحياء" وقال محمد بن اسحق: "ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى أنبيائهم الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم
стр. 454
وإقرارهم به على أنفسهم" فقال: ﴿وَإِذْ أخذ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾ الاية.
وقوله: ﴿رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ متناول لمحمد بالاتفاق فان رسالته كانت عامة وقد قال الله له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ فكتابه مهيمن على ما بين يديه من كتب السماء وقد أوجب الله على أهل الكتابين وسائر أهل الأرض الإيمان به وهذا مذكور في غير موضع من القران والحديث وهو مع أنه إجماع من المسلمين فهو معلوم بالاضطرار من دينه متواتر عنه كما تواتر عنه غزوه اليهود والنصارى.
وهل يدخل في ذلك غيره من الرسل؟ فيه قولان قيل: أن الله أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يصدق الثاني وينصره وأمره أن يأخذ الميثاق على قومه بذلك وقيل بل هذا الرسول هو محمد خاصة وهذا قول الجمهور وهو الصواب لأن الأنبياء قبله إنما كانت دعوتهم خاصة لم يكونوا مبعوثين إلى كل أحد فإذا لم يدخل في دعوته جميع أهل زمنهم ومن بعدهم كيف يدخل فيها من أدركهم من الأنبياء قبلهم والله تعالى قد بعث في كل قوم نبيا كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وكذلك قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ والنصرة مع الإيمان به هو الجهاد ونوح وهود ونحوهم من الرسل لم يؤمروا بجهاد ولكن موسى وبنوا إسرائيل أمروا بالجهاد.
وقوله: (لما) هذه اللام تسمى الموطئة للقسم فان الكلام إذا كان فيه شرط متقدم وقسم كان جواب القسم يسد مسد جواب الشرط والقسم جميعا وأدخلت اللام الموطئة على أداة الشرط وما هنا شرطية واللام في قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ هي جواب القسم ونظير اللام الموطئة في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَك﴾ ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَلَئِنْ
стр. 455
جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ .
ولهذا قال النحاة كالمبرد والزجاج: "هذه لام التحقيق دخلت على ما الجزاء أي الشرطية كما تدخل على أن ومعناه لمهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به واللام في لتؤمنن به جواب الجزاء" وكذلك قال الفراء: "من فتح اللام جعلها لاما زائدة بمنزلة اليمين إذا وقعت على جزاء صرف بعد ذلك الجزاء على جهة فعل وحرف جوابه كجواب اليمين والمعنى أي كتاب أتيتكم ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به وجواب الجزاء في قوله: (لتؤمن به) ومعنى قولهم جواب الجزاء في هذا أي جواب القسم تضمن أيضا جواب الجزاء فهو جواب لهما في المعنى".
والمقصود أن ما عليه جميع الأمم من حكمة علمية وعملية إذا لم يكونوا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحا فان الله لا يمدحهم ولا يثني عليهم وهؤلاء الفلاسفة أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأوثان ويبنون الهياكل للكواكب فليست حكمتهم من الحكمة التي أثنى الله عليها وعلى أهلها ومن كان من الفلاسفة الصابئة المشركين فهو من جنسهم.
الصابئة وصواب التحقيق عنهم:
وأما الصابئون الحنفاء فهم في الصابئين بمنزلة من كان متبعا لشريعة التوراة والإنجيل
стр. 456
قبل النسخ والتبديل من اليهود والنصارى وهؤلاء ممن حمدهم الله وأثنى عليهم وبعض الناس يقول أن بقراط كان من هؤلاء.
ووهب بن منبه من اعلم الناس بأخبار الأمم المتقدمة وقد روى ابن أبي حاتم بالإسناد الثابت أنه قيل لوهب بن منبه ما الصابئون؟ قال: "الذي يعرف الله وحده وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا" وكذلك روى عن الثوري عن ليث عن مجاهد قال: "هم قوم من المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين" قال: "وروى عن علماء نحو ذلك" أي ليس لهم شريعة مأخوذة عن نبي ولم يرد بذلك أنهم كفار فان الله قد أثنى على بعضهم فهم متمسكون بالإسلام المشترك وهو عبادة الله وحده وإيجاب الصدق والعدل وتحريم الفواحش والظلم ونحو ذلك مما اتفقت الرسل على إيجابه وتحريمه فان هذا دخل في الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينا غيره وكذلك قال عبد الرحمن بن زيد: "هم قد يقولون لا إله إلا الله فقط وليس لهم كتاب ولا نبي".
وهذا كما كانت العرب عليه قبل أن يبتدع عمرو بن لحي الشرك وعبادة الأوثان فإنهم كانوا حنفاء يعبدون الله وحده ويعظمون إبراهيم وإسماعيل ولم يكن لهم كتاب يقرؤونه ويتبعون شريعته وكان موسى قد بعث إلى بني إسرائيل بشريعة التوراة وحج البيت العتيق ولم يبعث إلى العرب لا عدنان ولد إسماعيل ولا قحطان والناس
стр. 457
متفقون على أن عدنان ولد اسماعيل وربيعة ومضر وأما قحطان فقال بعضهم: "هم أيضا من ولد إسماعيل" والصحيح أنهم كانوا موجودين قبل إبراهيم بأرض اليمن ومنهم جرهم الذين سكنوا مكة ومنهم تعلم إسماعيل العربية.
وأما من قال من السلف: "الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور" كما نقل ذلك عن أبي العالية والضحاك والسدي وجابر بن يزيد والربيع ابن انس فهؤلاء أرادوا من دخل في دين أهل الكتاب منهم وكذلك من قال: "هم صنف من النصارى" كما يروى عن ابن عباس أنه قال: "هم صنف من النصارى وهم السائحون المحلقة أوساط رؤؤسهم فهؤلاء عرفوا منهم من دخل في أهل الكتاب".
ومن قال: "أنهم يعبدون الملائكة" كما يروي عن الحسن قال: "هم قوم يعبدون الملائكة" وعن أبي جعفر الرازي قال: "بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور ويصلون" فهذا أيضا صحيح وهم صنف منهم وهؤلاء كثير من الصابئين يعبدون الروحانيات العلوية لكن هؤلاء من المشركين منهم ليسوا من الحنفاء.
وكذلك اختلاف الفقهاء في الصابئين هل هم من أهل الكتاب أم لا؟ ويذكر فيه عن احمد روايتان وكذلك قولان للشافعي والذي عليه محققوا الفقهاء أنهم صنفان فمن دان بدين أهل الكتاب كان منهم وإلا فلا.
وقال أبو الزناد: "الصابئون قوم مما يلي العراق وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات فهؤلاء الصابئة الذين أدركهم الإسلام وكانوا بأرض حران والذين خبروهم عرفوا أنهم ليسوا من أهل الكتاب بل مشركون يعبدون الكواكب ولا يحل أكل
стр. 458
ذبائحهم ولا نكاح نسائهم وان اظهروا الإيمان بالنبيين فهو من جنس إيمان الفلاسفة بالنبيين والفلاسفة الصابئون من هؤلاء.
وأما قبول الجزية منهم فهو على خلاف المشهور فمن قبلها من غير أهل الكتاب كما يقبل من المجوس قبلها من هؤلاء وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة واحمد في إحدى الروايتين ومن لم يقبلها إلا من أهل الكتاب لم يقبلها من هؤلاء كما إذا لم يدخلوا في دين أهل الكتاب كما هو قول الشافعي واحمد في الرواية الأخرى عنه وكان أبو سعيد الإصطخري أفتى بأن لا تقبل منهم الجزية ونازعه في ذلك جماعة من الفقهاء.
كون إيمان الفلاسفة كإيمان المنافقين:
وهذا كما أن كثيرا من الفلاسفة وغيرهم من الزنادقة يدخلون في دين المسلمين واليهود والنصارى من الشرائع الظاهرة وان لم يكونوا في الباطن مقرين بحقيقة ما جاءت به الأنبياء كالمنافقين في المسلمين يجري عليهم أحكام الإسلام في الظاهر وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار.
فان قيل هؤلاء الفلاسفة يؤمنون بالله واليوم الآخر فإنهم يقرون بواجب الوجود وبمعاد الأرواح قيل النصارى خير منهم ومن أسلافهم وهم مع هذا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين
стр. 459
الحق فلا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يعملون صالحا فكيف هؤلاء؟ قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ مع أن النصارى يقرون بمعاد الأبدان لكن لما أنكروا ما اخبر به الرسول من الأكل والشرب ونحو ذلك صاروا ممن لا يؤمن بالله واليوم الآخر وهؤلاء الفلاسفة لا يقرون بمعاد الأبدان.
ولهم في معاد النفوس ثلاثة أقوال والثلاثة تذكر عن الفارابي نفسه أنه كان يقول تارة هذا وتارة هذا وتارة هذا منهم من يقر بمعاد الأنفس مطلقا ومنهم من يقول إنما تعاد النفوس العالمة دون الجاهلة فان العالمة تبقى بالعلم فان النفس تبقى ببقاء معلومها والجاهلة التي ليس لها معلوم باق تفسد وهذا قول طائفة من أعيانهم ولهم فيه مصنفات ومنهم من ينكر معاد الأنفس كما ينكر معاد الأبدان وهو قول طوائف منهم وكثير منهم يقول بالتناسخ.
اليوم الآخر كما هو مذكور في القران:
وليس شيء من ذلك إيمانا باليوم الآخر فان اليوم الآخر هو الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ إلى قوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
стр. 460
لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ وقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين يقوم احدهم في العرق إلى أنصاف أذنيه".
وقوله: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وقوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾
следующие страницы →