← Акыда

Акыда · id 7629

الرسائل الشخصية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء السادس)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (230 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... القسم الخامس: الرسائل الشخصية تأليف: الإمام محمد بن عبد الوهاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه. وبعد، فقد كلفتنا لجنة الإعداد لأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بمراجعة رسائله التي وجهها إلى أشخاص معينين أو إلى جماعة المسلمين، يشرح فيها حقيقة ما هو عليه، ويبين منهجه في الدعوة، ويرد على ما يوجه إليه من تهم من قبل خصومه؛ فقمنا بذلك بتيسير الله، واعتمدنا على أصل الرسائل الموجود ضمن تاريخ الشيخ حسين بن غنام الأحسائي، باعتباره ممن التقى بالشيخ وأخذ عنه واستفاد منه، وقابلنا هذا الأصل بما تيسر لنا من النسخ وهي: ١- نسخة مخطوطة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشد، بخط والده، ﵀. ٢- مصورة عن نسخة الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ﵏؛ وهذه النسخة توجد في المكتبة السعودية بالرياض برقم ٥٩٢-٨٦. ٣ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم. وهناك رسائل وجدناها في الدرر السنية، وفي مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، طبعة المنار، لم تكن موجودة في أصل ابن غنام، فأضفناها إليه تكملة للفائدة.

стр. 2

وقد قسمنا تلك الرسائل إلى خمسة أقسام، بحسب مواضيعها ووضعنا في كل قسم ما يناسبه منها على وجه التقريب؛ وهذه الأقسام كما يلي: ١- القسم الأول: في بيان عقيدة الشيخ وحقيقة دعوته، ورد ما ألصق به من التهم الباطلة. ٢- القسم الثاني: بيان أنواع التوحيد. ٣- القسم الثالث: بيان معنى "لا إله إلا الله"، وبيان ما يناقضها من الشرك في العبادة. ٤- القسم الرابع: ببان الأشياء التي يكفر مرتكبها ويجب قتاله، والفرق بين فهم الحجة وقيام الحجة. ٥- القسم الخامس: توجيهات عامة للمسلمين في الاعتقاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد ذكرنا في أول كل رسالة، المصادر التي توجد فيها تلك الرسالة، واحتفظنا بذكر عددها التسلسلي العام، ووضعنا لها رقمًا تسلسليًا خاصًا حسب موقعها في قسمها الخاص، كما قمنا بترقيم الآيات في أسفل الصفحات. هذا، ونرجو الله أن يوفق المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. صالح بن فوزان ومحمد العليقي

стр. 3

القسم الأول: عقيدة الشيخ وبيان حقيقة دعوته ورد ما ألصق به من التهم -١- الرسالة الأولى:رسالة الشيخ إلى أهل القصيم لما سألوه عن عقيدته بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أشهد الله، ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم، أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة: من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل؛ بل أعتقد أن الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيّف، ولا أمثّل صفاته تعالى بصفات خلقه، لأنه تعالى لا سميَّ له، ولا كفء له، ولا نِدّ له، ولا يقاس بخلقه. فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً؛ فنَزّه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى، بين القدرية والجبرية، وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج.

стр. 4

وأعتقد أن القرآن كلام الله، منَزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله، وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده: نبينا محمد ﷺ . وأومن بأن الله فعّال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره؛ ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت: فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد؛ فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غرلاً، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد،: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ١، وتنشر الدواوين، فآخذٌ كتابه بيمينه،وآخذٌ كتابه بشماله. وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم. وأومن بشفاعة النبي ﷺ ، وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال؛ ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّض لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ

стр. 5

إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٢؛ وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٣. وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته. وأومن بأن نبينا محمداً ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملاً بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء. وأقرّ

стр. 6

بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً، ولا يُطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله. ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفّر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام. وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله. ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه. وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله. وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة. وأعتقد أن الإيمان: قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق. وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة. فهذه عقيدة وجيزة، حررتها وأنا مشتغل البال، لتطلعوا على ما عندي. والله على ما نقول وكيل. ثم لا يخفى عليكم، أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم، وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم؛ والله يعلم أن الرجل

стр. 7

افترى عليَّ أموراً لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي. فمنها: قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وإني أدعي الاجتهاد، وإني خارج عن التقليد، وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة، وإني أكفّر من توسل بالصالحين، وإني أكفّر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وإني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ ، وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما، وإني أكفّر من حلف بغير الله، وإني أكفّر ابن الفارض وابن عربي، وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين. جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! وقبله من بهت محمداً ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ ١ الآية، بهتوه ﷺ بأنه يقول: إن الملائكة وعيسى وعزيراً في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٢. وأما المسائل الأخر، وهي: أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى "لا إله إلا الله"، وأني أعرّف من يأتيني بمعناها، وأني أكفّر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله، وأخذ النذر لأجل ذلك، وأن الذبح لغير الله كفر والذبيحة حرام، فهذه المسائل حق، وأنا قائل بها. ولي عليها دلائل من كلام الله

стр. 8

وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين كالأئمة الأربعة. وإذا سهل الله تعالى، بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة، إن شاء الله تعالى. ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ ١ الآية.

стр. 9

الرسالة الثانية: رسالته إلى محمد بن عباد مطوع ثرمداء ... ٢- الرسالة الثانية:ومنها رسالة إلى محمد بن عيد، مطوع ثرمداء، وكان قد أرسل إليه كتاباً فيه كلام حسن في تقرير التوحيد وغيره، وطلب من الشيخ، ﵀، أن يبين له إن كان فيه شيء يخفاه، فكتب له، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ: محمد بن عبا، د وفقه الله لما يحبه ويرضاه؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، وصلنا أوراق في التوحيد، بها كلام من أحسن الكلام، وفقك الله للصواب، وتذكر فيه أن ودّك نبين لك إن كان فيها شيء غاترك؛ فاعلم، أرشدك الله، أن فيها مسائل غلط: الأولى: قولك: أول واجب على كل ذكر وأنثى: النظر في الوجود، ثم معرفة العقيدة، ثم علم التوحيد. وهذا خطأ، وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه. وإنما الذي أتت به الرسل: أول واجب: هو التوحيد - ليس النظر في الوجود، ولا معرفة العقيدة، كما ذكرته أنت في الأوراق - أن كل نبي يقول لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. الثانية: قولك في الإيمان بالله وملائكته ... إلخ: والإيمان: هو التصديق الجازم بما أتى به الرسول. فليس كذلك، وأبو طالب عمه جازم بصدقه، والذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، والذين يقولون: الإيمان هو التصديق الجازم هم الجهمية، وقد اشتد نكير السلف عليهم في هذه المسألة. الثالثة: قولك: إذا قيل للعامي ونحوه: ما الدليل على أن الله ربك؟ ثم ذكرت ما الدليل على اختصاص العبادة بالله، وذكرت الدليل على توحيد الألوهية.

стр. 10

فاعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان، كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ ١، وكما يقال: رب العالمين، وإله المرسلين. وعند الإفراد يجتمعان، كما في قول القائل: من ربك؟ مثاله: الفقير والمسكين، نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٢، ونوع واحد في قوله: ﴿افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرد ّإلى فقرائهم﴾ ٣. إذا ثبت هذا، فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه: من إلهك؟ لأن الربوبية التي أقرّ بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ٤، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ ٥، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ٦، فالربوبية في هذا هي الألوهية، ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران. فينبغي التفطن لهذه المسألة. الرابعة: قولك في الدليل على إثبات نبوة محمد ﷺ : ودليله ٧: الكتاب والسنة ... ، ثم ذكرت الآيات: كلام من لم يفهم المسألة، لأن المنكر للنبوة أو الشاك فيها إذا استدللت عليه بالكتاب والسنة، يقول كيف تستدل عليّ بشيء ما أتى به إلا هو؟ والصواب في المسألة أن تستدل عليه بالتحدي بأقصر سورة من القرآن، أو شهادة علماء أهل الكتاب، كما في قوله

стр. 11

﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ١، أو لكونهم يعرفونه قبل أن يخرج، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢ الآية، إلى غير ذلك من الآيات التي تفيد الحصر، وتقطع الخصم. الخامسة: قولك: اعلم يا أخي، لا علمت مكروهاً. فاعلم: أن هذه كلمة تضاد التوحيد؛ وذلك أن التوحيد لا يعرفه إلا من عرف الجاهلية، والجاهلية هي المكروه. فمن لم يعلم المكروه، لم يعلم الحق. فمعنى هذه الكلمة: اعلم، لا علمت خيراً، ومن لم يعلم المكروه ليجتنبه، لم يعلم المحبوب. وبالجملة، فهي كلمة عامية جاهلية، ولا ينبغي لأهل العلم أن يقتدوا بالجهال. السادسة: جزمك بأن النبي ﷺ قال: " اطلبوا العلم ولو من الصين "، فلا ينبغي أن يجزم الإنسان على رسول الله ﷺ بما لا يعلم صحته، وهو من القول بلا علم. فلو أنك قلت: ورُوي، أو ذكر فلان، أو ذُكر في الكتاب الفلاني، لكان هذا مناسباً؛ وأما الجزم بالأحاديث التي لم تصح فلا يجوز. فتفطن لهذه المسألة، فما أكثر من يقع فيها! السابعة: قولك في سؤال الملكين: والكعبة قبلتي، وكذا وكذا. فالذي علمناه عن رسول الله ﷺ ، أنهما يسألان عن ثلاث: عن التوحيد، وعن الدين، وعن محمد ﷺ . فإن كان في هذا عندكم رابعة، فأفيدونا؛ ولا يجوز الزيادة على ما قال الله ورسوله.

стр. 12

الثامنة: قولك في الإيمان بالقدر: إنه الإيمان بأن لا يكون صغير ولا كبير إلا بمشيئة الله وإرادته، وأن يفعل المأمورات ويترك المنهيات. وهذا غلط، لأن الله سبحانه له الخلق والأمر، والمشيئة والإرادة، وله الشرع والدين. إذا ثبت هذا، ففعل المأمورات وترك المنهيات هو الإيمان بالأمر، وهو الإيمان بالشرع والدين، ولا يذكر في حد الإيمان بالقدر. التاسعة: قولك ١: الآيات التي في الاحتجاج بالقدر، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ الآية، ثم قلت: فإياك والاقتداء بالمشركين في الاحتجاج على الله! وحسبك من القدر الإيمان به. فالذي ذكرنا ٣ في تفسير هذه الآيات غير المعنى الذي أردت، فراجعه وتأمله بقلبك. فإن اتضح لك، وإلا فراجعني فيه، لأنه كلام طويل. العاشرة: وأخرناها لشدة الحاجة إليها: قولك: إن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ قد أقروا بتوحيد الربوبية. ثم أوردت الأدلة الواضحة على ذلك: وإنما قاتلهم رسول الله ﷺ عند توحيد الألوهية؛ ولم يدخل الرجل في الإسلام بتوحيد الربوبية إلا إذا انضم إليه توحيد الألوهية. فهذا كلام من أحسن الكلام وأبينه تفصيلاً، ولكن العام، لما وجّهنا ٤ إليه إبراهيم، كتبوا له علماء سدير مكاتبة، وبعثها لنا وهي عندنا الآن، ولم يذكروا فيها إلا توحيد الربوبية، فإذا كنت تعرف هذا، فلأي شيء ما أخبرت إبراهيم ونصحته؟ إن هؤلاء ما عرفوا التوحيد، وإنهم منكرون

стр. 13

دين الإسلام. وكذلك أحمد بن يحيى راعي رغبة عداوته لتوحيد الألوهية والاستهزاء بأهل العارض لما عرفوه، وإن كان يقرُّ به أحياناً عداوة ظاهرة لا يمكن أنها لا تبلغك. وكذلك ابن إسماعيل، إنه نقض ما أبرمت في التوحيد، وتعرف أن عنده الكتاب الذي صنفه رجل من أهل البصرة، كله من أوله إلى آخره في إنكار توحيد الألوهية، وأتاكم به ولد محمد بن سليمان راعي وثيثية، وقرأه عندكم وجادل به جماعتنا؛ وهذا الكتاب مشهور عند المويس وأتباعه، مثل ابن سحيم وابن عبيد، يحتجون به علينا ويدعون الناس إليه، ويقولون: هذا كلام العلماء. فإذا كنت تعرف أن النبي ﷺ ما قاتل الناس إلا عند توحيد الألوهية، وتعلم أن هؤلاء قاموا وقعدوا، ودخلوا وخرجوا، وجاهدوا ليلاً ونهاراً في صد الناس عن التوحيد، يقرؤون عليهم مصنفات أهل الشرك، لأي شيء لم تظهر عداوتهم وأنهم كفار مرتدون؟ فإن كان باين لك أن أحداً من العلماء لا يكفّر من أنكر التوحيد، أو أنه يشك في كفره، فاذكره لنا وأَفِدْنا. وإن كنت تزعم أن هؤلاء فرحوا بهذا الدين وأحبوه، ودعوا الناس إليه، ولما أتاهم تصنيف أهل البصرة في إنكار التوحيد كفّروه وكفّروا من عمل به، وكذلك لما أتاهم كتاب ابن عفالق الذي أرسله المويس لابن إسماعيل، وقدم به عليكم العام، وقرأه على جماعتكم؛ يزعم فيه أن التوحيد دين ابن تيمية، وأنه لما أفتى به كفّره العلماء وقامت عليه القيامة، إن كنت تقول ما جرى من هذا شيء فهذا مكابرة. وإن كنت تعرف أن هذا هو الكفر الصراح، والردة الواضحة، ولكن تقول: أخشى الناس، فالله أحق أن تخشاه. ولا تظن أن كلامي هذا معاتبة وكلام عليك، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنه نصيحة، لأن كثيراً ممن واجهناه وقرأ علينا، يتعلم هذا ويعرفه بلسانه،

стр. 14

فإذا وقعت المسألة لم يعرفها؛ بل إذا قال له بعض المشركين: نحن نعرف أن رسول الله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأن النافع الضار هو الله، يقول: جزاك الله خيراً، ويظن أن هذا هو التوحيد؛ ونحن نعلّمه أكثر من سنة: أن هذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون. فالله الله في التفطن لهذه المسألة! فإنها الفارقة بين الكفر والإسلام. ولو أن رجلاً قال: شروط الصلاة تسعة، ثم سردها كلها، فإذا رأى رجلاً يصلي عرياناً بلا حاجة، أو على غير وضوء، أو لغير القبلة، لم يدر أن صلاته فاسدة، لم يكن قد عرف الشروط، ولو سردها بلسانه. ولو قال: الأركان أربعة عشر، ثم سردها كلها، ثم رأى من لا يقرأ الفاتحة، ومن لا يركع، ومن لا يجلس للتشهد، ولم يفطن أن صلاته باطلة، لم يكن قد عرف الأركان، ولو سردها. فالله الله في التفطن لهذه المسألة! ولكن أشير عليك بعزيمة أنك تواصلنا ١، ونتذاكر معك. وكذلك أيضاً من جهة البدع، قيل لي: إنك تقول فيها شيئاً ما يقوله الذي هو عارف مسألة البدع، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 15

الرسالة الثالثة: رسالته الى محمد بن عيد من مطاوعة ثرمداء ... -٣– الرسالة الثالثة: ومنها: رسالة أرسلها إلى محمد بن عيد، من مطاوعة ثرمدا، قال فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى محمد بن عباد، وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه. وبعد، وصل الكراس، وتذكرون أن الحق إن بان لكم اتبعتم، وفيه كلام غير هذا يسر الخاطر من طرفك خاصة بسبب أن لك عقلاً. والثانية أن لك عرضاً تشح به. والثالثة: أن الظن فيك: إن بان لك الحق أنك ما تبيعه بالزهايد. فأما تقريركم أول الكلام: أن الإسلام خمس، كأعضاء الوضوء، وأنكم تعرفون كلام الله وكلام رسوله وإجماع العلماء، أن له نواقض كنواقض الوضوء الثمانية، منها: اعتقاد القلب، وإن لم يعمل أو يتكلم، يعني: إذا اعتقد خلاف ما علّمه الرسول أمته بعد ما تبين له. ومنها: كلام باللسان، وإن لم يعمل ولم يعتقد. ومنها عمل بالجوارح، وإن لم يعتقد ويتكلم. ولكن، من أظهر الإسلام، وظننا أنه أتى بناقض، لا نكفّره بالظن، لأن اليقين لا يعرفه بالظن ١. وكذلك لا نكفّر من لا نعرف منه الكفر، بسبب ناقض ذُكر عنه ونحن لم نتحققه. وما قررتم: هو الصواب الذي يجب على كل مسلم اعتقاده والتزامه، ولكن قبل الكلام، اعلم أني عُرفت بأربع مسائل: الأولى: بيان التوحيد، مع أنه لم يطرق آذان أكثر الناس. الثانية: بيان الشرك، ولو كان في كلام من ينتسب إلى العلم ٢ أو عبادة،

стр. 16

من دعوة غير الله، أو قصده بشيء من العبادة، ولو زعم أنهم يريدون أنهم شفعاء عند الله؛ مع أن أكثر الناس يظن أن هذا من أفضل القربات، كما ذكرتم عن العلماء أنهم يذكرون أنه قد وقع في زمانهم. الثالثة: تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله، ثم أبغضه ونفّر الناس عنه، وجاهد من صدق الرسول فيه، ومن عرف الشرك وأن رسول الله ﷺ بُعث بإنكاره، وأقر بذلك ليلاً ونهاراً، ثم مدحه وحسّنه للناس، وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم. وأما ما ذكر الأعداء عني: أني أكفّر بالظن، وبالموالاة، أو أكفّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله. الرابعة: الأمر بقتال هؤلاء خاصة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. فلما اشتهر عني هؤلاء الأربع، صدقني من يدعي أنه من العلماء في جميع البلدان، في التوحيد وفي نفي الشرك، وردَّوا عليَّ التكفير والقتال. إذا تحققت ما ذكرت لك، انبنى الجواب على ما ذكرتم في أول الأوراق، من إقراركم بمعرفة نواقض الإسلام بإجماع العلماء، بشرط أنكم لا تكفّرون بالظن، ولا من لا تعرفون، فنقول: من المعلوم عند الخاص والعام، ما عليه البوادي أو أكثرهم، فإن كابر معاند لم يقدر على أن يقول: إن عنَزة وآل ظفير وأمثالهم كلهم مشاهير، هم والأتباع إنهم مقرون بالبعث ولا يشكّون فيه، ولا يقدر أن يقول: إنهم يقولون: إن كتاب الله عند الحضر وأنهم عانقوه ١ ومتبعون ما أحدث آباؤهم مما يسمونه الحق، ويفضلونه على شريعة الله. فإن كان للوضوء ثمانية نواقض،

стр. 17

ففيهم من نواقض الإسلام أكثر من المائة ناقض. فلما بينت ما صرحت به آيات التنْزيل، وعلّمه الرسول أمته، وأجمع عليه العلماء: من ١ أنكر البعث أو شك فيه، أو سب الشرع، أو سب الأذان إذا سمعه، أو فضل فراضة الطاغوت على حكم الله، أو سب من زعم أن المرأة ترث، أو أن الإنسان لا يؤخذ في القتل بجريرة أبيه وابنه، إنه كافر مرتد، قال علماؤكم: معلوم أن هذا حال البوادي، لا ننكره، ولكن يقولون: "لا إله إلا الله"، وهي تحميهم من الكفر، ولو فعلوا كل ذلك. ومعلوم أن هؤلاء أولى وأظهر من يدخل في تقريركم، فلما أظهرتُ تصديق الرسول فيما جاء به، سبوني غاية المسبة، وزعموا أني أكفّر أهل الإسلام وأستحل أموالهم، وصرحوا أنه لا يوجد في جزيرتنا رجل واحد كافر، وأن البوادي يفعلون من النواقض مع علمهم أن دين الرسول عند الحضر، وجحدوا كفرهم. وأنتم تذكرون أن مَن رد شيئاً مما جاء به الرسول بعد معرفته، أنه كافر. فإذا كان المويس وابن إسماعيل والعديلي وابن عباد وجميع أتباعهم كلهم على هذا، فقد صرحتم غاية التصريح أنهم كفار مرتدون، وإن ادّعى مدّع أنهم يكفّرونهم، أو ادّعى أن جميع البادية لم يتحقق من أحد منهم من النواقض شيئاً، أو ادّعى أنهم لا يعرفون أن دين الرسول خلاف ما هم عليه؛ فهذا كمن ادّعى أن ابن سليمان وسويد وابن دواس وأمثالهم عباد زهاد فقراء، ما شاخوا في بلد قط. ومن ادعى هذا فأسقط الكلام معه. ونقول ثانياً: إذا كانوا أكثر من عشرين سنة، يقرون ليلاً ونهارا سراً وجهاراً، أن التوحيد الذي أظهر هذا الرجل هو دين الله ورسوله، لكن الناس لا يطيعوننا، وأن الذي أنكره هو الشرك وهو صادق في إنكاره،

стр. 18

ولكن لو يسلم من التكفير والقتال كان على حق. هذا كلامهم على رؤوس الأشهاد. ثم مع هذا، يعادون التوحيد ومن مال إليه، العداوة التي تعرف، ولو لم يكفِّر ويقاتل، وينصرون الشرك نصره الذي تعرف، مع إقرارهم بأنه شرك، مثل كون المويس وخواص أصحابه ركبوا وتركوا أهليهم وأموالهم إلى أهل قبة الكواز وقبة رجب سنة ١، يقولون: إنه قد أخرج من ينكر قببكم وما أنتم عليه، وقد أحل دماءهم وأموالهم. وكذلك ابن إسماعيل وابن ربيعة والمويس أيضاً، بعدهم بسنة، رحلوا إلى أهل قبة أبي طالب، وأغروهم بمن صدق النبي ﷺ ، وأحلوا دماءنا وأموالنا حتى جرى على الناس ما تعرف، مع أن كثيراً منهم لم يكفر ولم يقاتل. وقررتم أن من خالف الرسول في عشر معشار هذا، ولو بكلمة، أو عقيدة قلب، أو فعل، فهو كافر، فكيف بمن جاهد بنفسه وماله وأهله، ومن أطاعه في عداوة التوحيد وتقرير الشرك، مع إقراره بمعرفة ما جاء به الرسول؟ فإن لم تكفّروا هؤلاء ومن اتبعهم، ممن عرف أن التوحيد حق وأن ضده الشرك، فأنتم كمن أفتى بانتقاض وضوء من بزغ منه مثل رأس الإبرة من البول، وزعم أن من يتغوط ليلاً ونهاراً، وأفتى للناس أن ذلك لا ينقض، وتبعوه على ذلك حتى يموت، أنه لا ينقض وضوءه. وتذكرون أني أكفّرهم بالموالاة، وحاشا وكلا، ولكن أقطع أن كفر من عبد قبة أبي طالب لا يبلغ عشر كفر المويس وأمثاله، كما قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ٢ الآيتين. وأنا أمثل لك مثالاً، لعل الله أن ينفعك به، لعلمي أن الفتنة كبيرة، وأنهم يحتجون

стр. 19

بما تعرفون: منها ما ذكر في الأوراق أنهم لم يقصدوا بحربكم ردّ التوحيد وإحياء الشرك، وإنما قصدوا دفع الشر عن أنفسهم خوف البغي عليهم. فنقول: لو نقدّر أن السلطان ظلم أهل المغرب ظلماً عظيماً في أموالهم وبلادهم، ومع هذا خافوا استيلاءهم على بلادهم ظلماً وعدواناً، ورأوا أنهم لا يدفعونهم إلا باستنجاد الفرنج، وعلموا أن الفرنج لا يوافقونهم إلا أن يقولوا: نحن معكم على دينكم ودنياكم، ودينكم هو الحق ودين السلطان هو الباطل، وتظاهروا بذلك ليلاً ونهاراً، مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج ولم يتركوا الإسلام بالفعل، لكن لما تظاهروا بما ذكرنا، ومرادهم دفع الظلم عنهم، هل يشك أحد أنهم مرتدون في أكبر ما يكون من الكفر والردة، إذا صرحوا أن دين السلطان هو الباطل، مع علمهم أنه حق، وصرحوا أن دين الفرنج هو الصواب، وأنه لا يتصور أنهم لا يتيهون ١ لأنهم أكثر من المسلمين، ولأن الله أعطاهم من الدنيا شيئاً كثيراً، ولأنهم أهل الزهد والرهبانية. فتأمل هذا تأملاً جيداً، وتأمل ما صدرتم به الأوراق من موافقتكم به الإسلام، ومعرفتكم بالناقض إذا تحققتموه، وأنه يكون بكلمة ولو لم تُعْتقد، ويكون بفعل ولو لم يتكلم، ويكون في القلب من الحب والبغض ولو لم يتكلم ولم يعمل، تبين لك الأمر، اللهم إلا إن كنتم ذاكرين في أول الأوراق وأنتم تعتقدون خلافه، فذلك أمر آخر. وأما ما ذكرتم من كلام العلماء، فعلى الرأس والعين، ولكن عنه جوابان: أحدهما: أنكم لو لم تنقلوا كلام ابن عقيل في الفنون، وكلام الشيخ في اقتضاء الصراط المستقيم، وكلام ابن القيم، لقلت: لعلهم مخطئون قائلون بمبلغ

стр. 20

علمهم، هذا كله عندنا في هذه الكتب كما هو عندكم؛ وابن عقيل ذكر أنهم كفار بهذا الفعل، أعني: دعوة صاحب التربة، ودسَّ الرقاع، وأنتم تعلمون ذلك. وأصرح منه: كلام الشيخ في قوله: ومن ذلك ما يفعله الجاهلون بمكة، يا سبحان الله! كيف تركتم صريحه في العبارة بعينها: إن هذا مَن فعله كان مرتداً، وإن المسلم إذا ذبح للزهرة والجن ولغير الله، فهو مما أُهل لغير الله به، وهي أيضا ذبيحة مرتد، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان؛ فصرح أن هذا الرجل إذا ذبح للجن مرة واحدة صار كافراً مرتداً، وجميع ما يذبحه للأكل بعد ذلك لا يحل لأنه ذبيحة مرتد؟ وصرح في مواضع من الكتاب كثيرة، بكفر من فعل شيئاً من الذبح والدعوة، حتى ذكر ثابت بن قرة وأبا معشر البلخي، وذكر أنهم كفار مرتدون وأمثالهم، مع كونهم من أهل التصانيف. وأصرح من الجميع: كلام ابن القيم في كثير من كتبه. فلما نقلتم بعض العبارة، وتركتم بعضها، علمت أنه ليس بجهالة، ولكن الشرهة عليك، لو أنك فاعل كما فعل بعض أهل الحسا، لما صنف بعضهم كتاباً في الرد علينا يريد أن يبعثه، تكلم رجل منهم وقال: أحب ما إلى ابن عبد الوهاب وصول هذا إليه، أنتم ما تستحيون. فتركوا الرسالة. الجواب الثاني: أنه على سبيل التنزل، أن الشرك لا يكفر من فعله، أو أنه شرك أصغر، أو أنه معصية غير الكفر، مع أن جميع ما ذكرتم لا يدل على ذلك، فإن أردت بينت لك في غير هذه المرة معاني هذه العبارات من الأدلة من كلام كل رجل، كما بينته لك من كلام الشيخ. لكن أنتم مسلّمون أن رسول الله ﷺ قد أنكره ونهى عنه، فلو أن رجلاً أقر بذلك مع كونه لم يفعله، لكنه زينه للناس ورغبهم فيه، أليس هذا كافراً مرتداً؟ ولو قدّرنا

стр. 21

أن الأمر الذي كرهه وصد الناس عنه، ما أمر به الرسول إلا أمر استحباب كركعتي الفجر، أو أن الذي نهى عنه ما نهى عنه إلا نهي تنْزيه كأكل بالشمال، والنوم للجنب من غير وضوء، ولو أن رجلاً عرف نهي الرسول، وزعم لأجل غرض من الأغراض أن الأكل بالشمال هو الأحب المرضي عند الله، وأن الأكل باليمين يضر عند الله، وأن الوضوء للجنب إذا أراد النوم يضر عند الله، وأن النوم من غير وضوء أحب إلى الله، مع علمه بما قال الرسول ﷺ ، أليس هذا كلام كافر مرتد؟ فكيف بمن سب دين الله الذي بعث به جميع الأنبياء مع إقراره ومعرفته به، ومدح دين المشركين الذي بعث الله الأنبياء بإنكاره، ودعا الناس إليه مع معرفته؟ ولكن أرى لك أن تقوم في السحَر، وتدعو بقلب حاضر، بالأدعية المأثورة، وتطرح نفسك بين يدي الله أن يهديك لدينه ودين نبيه ﵇، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 22

الرسالة الرابعة: رسالته إلى فاضل آل مزيد رئيس بادية الشام ... -٤ – الرسالة الرابعة: ومنها رسالة أرسلها إلى فاضل آل مزيد، رئيس بادية الشامن قال فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى الشيخ فاضل آل مزيد، زاده الله من الإيمان، وأعاذه من نزعات الشيطان. أما بعد، فالسبب في المكاتبة: أن راشد بن عربان ذكر لنا عنك كلاماً حسناً سرّ الخاطر، وذكر عنك أنك طالب مني المكاتبة بسبب ما يجيك عنا من كلام العدوان، من الكذب والبهتان؛ وهذا هو الواجب من مثلك: أنه لا يقبل كلاماً إلا إذا تحققه. وأنا أذكر لك أمرين قبل أن أذكر لك صفة الدين: الأمر الأول: أني أذكر لمن خالفني: أن الواجب على الناس: اتباع ما وصى به النبي ﷺ أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم، انظروا فيها، ولا تأخذوا من كلامي شيئاً. لكن إذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ الذي في كتبكم، فاتبعوه ولو خالفه أكثر الناس. والأمر الثاني: أن هذا الذي أنكروا عليّ، وأبغضوني وعادوني من أجله، إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن أو غيرهم، يقول: هذا هو الحق، وهو دين الله ورسوله، ولكن ما أقدر أن أظهره في مكاني، لأجل أن الدولة ما يرضون. وابن عبد الوهاب أظهره لأن الحاكم في بلده ما أنكره، بل لما عرف الحق اتبعه. هذا كلام العلماء، وأظن أنه وصلك كلامهم. فأنت، تفكرْ في الأمر الأول، وهو قولي: لا تطيعوني، ولا تطيعوا إلا أمر رسول الله ﷺ الذي في كتبكم. وتفكرْ في الأمر الثاني: أن كل عاقل مقرّ به، لكن ما يقدر أن يظهره.

стр. 23

فقدّمْ لنفسك ما ينجيك عند الله. واعلم أنه لا ينجيك إلا اتباع رسول الله ﷺ . والدنيا زائلة. والجنة والنار ما ينبغي للعاقل أن ينساهما. وصورة الأمر الصحيح أني أقول: ما يُدعى إلا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى في كتابه: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١، وقال في حق النبي ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ ٢. فهذا كلام الله، والذي ذكره لنا رسول الله ووصانا به، ونهى الناس أن لا يدعوه. فلما ذكرت لهم أن هذه المقامات التي في الشام والحرمين وغيرهم، أنها على خلاف أمر الله ورسوله، وأن دعوة الصالحين والتعلق بهم هو الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣، فلما أظهرت هذا أنكروه وكبر عليهم، وقالوا: أجعلتنا مشركين، وهذا ليس إشراكاً؟ هذا كلامهم، وهذا كلامي، أسنده عن الله ورسوله. وهذا هو الذي بيني وبينكم؛ فإن ذكر عني شيء غير هذا فهو كذب وبهتان. والذي يصدق كلامي هذا أن العالم ما يقدر أن يظهره، حتى من علماء الشام من يقول: هذا هو الحق، ولكن لا يظهره إلا من يحارب الدولة، وأنت ولله الحمد ما تخاف إلا الله. نسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى دين الله ورسوله، والله أعلم.

стр. 24

الرسالة الخامسة: رسالته إلى السويدي عالم من العراق ... -٥- الرسالة الخامسة: ومنها رسالة أرسلها إلى السويدي، عالم من أهل العراق، وكان قد أرسل له كتاباً وسأله عما يقول الناس فيه، فأجابه بهذه الرسالة، وهي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى عبد الرحمن بن عبد الله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فقد وصل كتابك وسر الخاطر، جعلك الله من أئمة المتقين، ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين. وأخبرك أني، ولله الحمد، متبع ولست بمبتدع؛ عقيدتي وديني الذي أدين الله به: مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة. لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين، وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله، الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. وبينت لهم أن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة الملعونة الذين يدعون علياً وغيره، ويطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات. وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة. فأنكر هذا بعض الرؤساء، لأنه خالف عادة نشؤوا عليها. وأيضاً ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنواع من المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه، لكونه مستحسناً عند العوام؛ فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد وأنهى عنه من الشرك، ولبّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس.

стр. 25

وكبرت الفتنة جداً، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلاً عن أن يفتريه. ومنها ما ذكرتم: أني أكفّر جميع الناس إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة. ويا عجباً! كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟! وكذلك قولهم: إنه يقول: لو أقدر أهدم قبة النبي ﷺ لهدمتها. وأما "دلائل الخيرات"، فله سبب، وذلك أني أشرت على من قَبِل نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله، ويظن أن القراءة فيه أجلّ من قراءة القرآن. وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كانن فهذا من البهتان. والحاصل: أن ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشركن فكله من البهتان. وهذا لو خفي على غيركم، فلا يخفى على حضرتكم. ولو أن رجلاً من أهل بلدكم، ولو كان أحب الخلق إلى الناس، قام يلزم الناس بالإخلاص ويمنعهم من دعوة أهل القبور، وله أعداء وحساد أشد منه رياسة، وأكثر أتباعاً، وقاموا يرمونه بما تسمع ويوهمون الناس أن هذا تنقص بالصالحين، وأن دعوتهم من إجلالهم واحترامهم، تعلمون كيف يجري عليه. ومع هذا وأضعافه، فلا بد من الإيمان بما جاء به الرسول ونصرته، كما أخذ الله على الأنبياء قبله، وأنهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ ١. فلما فرض الله الإيمان لم يجز ترك ذلك. وأنا أرجو أن يكرمك الله بنصر دينه ونبيه، وذلك بمقتضى الاستطاعة، ولو بالقلب والدعاء. وقد قال ﷺ :

стр. 26

" إذا أُمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ١. فإن رأيت عرض كلامي على من ظننت أنه يقبل من إخواننا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين، أني لما بينت لهم كلام الله وما ذكر أهل التفسير في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤، وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ ٥ الآية، وغير ذلك، قالوا: القرآن، لا يجوز العمل به لنا ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون. قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي كلٌ أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم. فلما أبوا ذلك، نقلت لهم كلام العلماء من كل مذهب، وذكرت ما قالوا بعد ما حدثت الدعوة عند القبور والنذر لها، فصرفوا ذلك وتحققوه، ولم يزدهم إلا نفوراً. وأما التكفير، فأنا أكفّّر من عرف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه، وعادى مَن فعله؛ فهذا هو الذي أكفّره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك. وأما القتال، فلم نقاتل أحداً إلى اليوم، إلا دون النفس والحرمة؛ وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكناً. ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٦، وكذلك من جاهر بسبّ دين الرسول بعد ما عرفه. والسلام.

стр. 27

الرسالة السادسة: رسالته إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام ... - ٦- الرسالة السادسة: من محمد بن عبد الوهاب، إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصر الله بهم سيد الأنام، وتابعي الأئمة الأعلام؛ بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب، إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصر الله بهم سيد الأنام، وتابعي الأئمة الأعلام؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم، وسببه: هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين، فلما كبر هذا على العامة، لظنهم أنه تنقيص للصالحين، ومع هذا نهيناهم عن دعواهم، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور، كبر على العامة جداً، وعاضدهم بعض من يدعي العلم، لأسباب أخر التي لا تخفى على مثلكم؛ أعظمها: اتباع هوى العوام ١ مع أسباب أخر. فأشاعوا عنا أنَّا نسبّ الصالحين وأنَّا على غير جادّة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها. وأنا أخبركم بما نحن عليه (خبراً لا أستطيع أن أكذب) ٢ بسبب أن مثلكم لا يروّج عليه الكذب على أناس متظاهرون ٣ بمذهبهم عند الخاص والعام. فنحن ولله الحمد متبعين غير مبتدعين ٤، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وحتى من البهتان الذي أشاع الأعداء: أني أدعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة. فإن بان لكم أن هدم البناء على القبور، والأمر بترك دعوة الصالحين، لما أظهرناه ٥

стр. 28

وتعلمون، أعزكم الله، أن المطاع في كثير من البلدان، لو تبين بالعمل بهاتين المسألتين، أنها تكبر على العامة الذين درجوا هم وإياهم على ضد ذلك. فإن كان الأمر كذلك، فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة شرفها الله مثل: "الإقناع" و"غاية المنتهى" و"الإنصاف"، التي عليها اعتماد المتأخرين، وهو عند الحنابلة كـ"التحفة" و"النهاية" عند الشافعية. وهم ذكروا في باب الجنايز هدم البنا على القبور، واستدلوا عليه بما في صحيح مسلم عن علي ﵁: " أن رسول الله ﷺ بعثه بهدم القبور المشرفة وأنه هدمها " ١، واستدلوا على وجوب إخلاص الدعوة لله، والنهي عما اشتهر في زمنهم من دعاء الأموات بأدلة كثيرة، وبعضهم يحكي الإجماع على ذلك. فإن كانت المسألة إجماعاً فلا كلام، وإن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد؛ فمن عمل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه. وما أشاعوا عنا من التكفير، وأني أفتيت بكفر البوادي الذين ينكرون البعث والجنة والنار، وينكرون ميراث النساء، مع علمهم أن كتاب الله عند الحضر، وأن رسول الله ﷺ بُعث بالذي أنكروا، فلما أفتيت بكفرهم مع أنهم أكثر الناس في أرضنا، استنكر العوام ذلك، وخاصتهم الأعداء ممن يدعي العلم، وقالوا: من قال: "لا إله إلا الله" لا يكفر ولو أنكروا البعث وأنكروا الشرائع كلها. ولما وقع ذلك من بعض القرى مع علمهم اليقين بكفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، حتى أنهم يقولون: من أنكر فرعاً مجمعاً عليه كفر، فقلت لهم: إذا كان هذا عندكم فيمن أنكر فرعاً مجمعاً عليه، فكيف بمن أنكر الإيمان باليوم الآخر؟ وسب الحضر وسفّه أحلامهم إذا صدقوا بالبعث. فلما أفتيت بكفر من تبر ٢ البوادي

стр. 29

من أهل القرى، مع علمه بما أنزل الله وبما أجمع عليه العلماء، كثرت الفتنة وصدق الناس بما قيل فينا من الأكاذيب والبهتان. وبالجملة: هذا ما نحن عليه. وأنتم تعلمون أن من هو أجلّ منّا لو تبين في هذه المسائل قامت عليه القيامة، وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم على دين الله ورسوله، أني متبع لأهل العلم، وما غاب عني من الحق وأخطأت فيه، فبينوا لي، وأنا أشهد الله أني أقبل على الرأس والعين؛ والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

стр. 30

الريسالة السابعة: رساته إلى عالم من أهل المدينة ... -٧- الرسالة السابعة: لعالم من أهل المدينة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إله الأولين والآخرين، وقيوم السموات والأرضين، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم. ثم ينتهي إلى جناب ... لا زال محروس الجناب، بعين الملك الوهاب. وبعد، الخط وصل، أوصلك الله إلى رضوانه، وسر الخاطر حيث أََخبر بطيبكم. فإن سألت عنا، فالحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، وإن سألت عن سبب الاختلاف الذي هو بيننا وبين الناس، فما اختلفنا في شيء من شرائع الإسلام، من صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك، ولا في شيء من المحرمات. الشيء الذي عندنا زين هو عند الناس زين، والذي عندهم شين، هو عندنا شين، إلا أنا نعمل بالزين ونغصب الذي يدنا عليه، وننهى عن الشين ونؤدب الناس عليه. والذي قلب الناس علينا: الذي قلبهم على سيد ولد آدم ﷺ ، وقلبهم على الرسل من قبله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ ١. ومثل ما قال ورقة للنبي ﷺ : والله ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. فرأسُ الأمر عندنا وأساسه: إخلاص الدين لله. نقول: ما يُدعى إلا الله، ولا يُنذر إلا لله، ولا يُذبح القربان إلا لله، ولا يُخاف خوف الله إلا من الله. فمن جعل من هذا شيئاً لغير الله فنقول: هذا الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٢ الآية. والكفار الذين قاتلهم النبي ﷺ واستحل

стр. 31

دماءهم يقرّون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، النافع الضار المدبّر لجميع الأمور؛ واقرأ قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ ١ الآية، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ٢. وأخبر الله عن الكفار أنهم يخلصون لله الدين أوقات الشدائد؛ واذكر قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٣، والآية الأخرى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤. وبيّن غاية الكفار ومطلبهم: أنهم يطلبون الشفع. واقرأ أول سورة الزمر، تراه سبحانه بيّن دين الإسلام، وبيّن دين الكفار ومطلبهم، والآيات في هذا من القرآن ما تحصى ولا تعد. وأما الأحاديث الثابتة عنه ﷺ ، فلما قال بعض الصحابة: ما شاء الله وشئت، قال:? أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده " ٥، وفي الحديث الثاني، قال بعض الصحابة: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، قال: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله وحده " ٦. وفي الحديث الثالث: أن أم سلمة، ﵂، ذكرت له كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، قال:? " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح - أو العبد الصالح - بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك

стр. 32

شرار الخلق عند الله يوم القيامة " ١. والحديث الرابع: لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال له: " إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترَدّ على فقرائهم " ٢. والحديث الخامس: عن معاذ قال: " كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: أن لا يعذّب مَن لا يشرك به شيئاً " ٣ الحديث. والأحاديث في هذا ما تحصى. وأما تنويهه ﷺ بأن دينه يتغير بعده، فقال ﷺ : " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي! عضوا عليها بالنواجذ! وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " ٤. وفي الحديث عنه ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد " ٥. وفي الحديث قال: " افترقت الأمم قبلكم: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار، إلا واحدة. قالوا: من الواحدة يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ". وفي الحديث قال ﷺ : " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٦. ويكون عندك معلوماً: أن أساس الأمر ورأسه، ودعوة الرسل من أولهم

стр. 33

إلى آخرهم: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ٣ الآيتين. ويكون عندك معلوماً: أن لله تعالى أفعالاً، وللعبيد أفعالاً. فأفعال الله: الخلق والرزق والنفع والضر والتدبير؛ وهذا أمر ما ينازع فيه لا كافر ولا مسلم. وأفعال العبد: العبادة: كونه ما يدعو إلا الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يذبح إلا له، ولا يخاف خوف السر إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه. فالمسلم من وحّد الله بأفعاله سبحانه، وأفعاله بنفسه. والمشرك: الذي يوحد الله بأفعاله سبحانه، ويشرك بأفعاله بنفسه. وفي الحديث: " لما نَزَّلَ الله عليه: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ، صعد الصفا ﷺ فنادى: واصباحاه! فلما اجتمع إليه قريش قال لهم ما قال، فقال عمه: تباً لك! ما جمعتنا إلا لهذا! وأنزل الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ٤ ". وقال ﷺ : " يا عباس عم رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، اشتروا أنفسكم. لا أغني عنكم من الله شيئاً. ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً " ٥. أين هذا من قول صاحب البردة: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العممِ وقوله: ولن يضيق رسول الله جاهُك بي ... إذا الكريم تَجَلَّى باسم منتقمِ

стр. 34

وذكر صاحب السيرة " أنه صلوات الله وسلامه عليه قام يقنت على قريش، ويخصص أناساً منهم، في مقتل حمزة وأصحابه، فأنزل الله عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ١ الآية ". ولكن مثل ما قال ﷺ : " بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ " ٢. فإن قال قائلهم: إنهم يكفرون بالعموم، فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! الذي نكفّر: الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة، ثم بعد هذا يكفّر أهل التوحيد، ويسميهم الخوارج، ويتبين مع أهل القبب على أهل التوحيد. ولكن نسأل الله الكريم رب العرش العظيم، أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبساً علينا فنضل. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ٣ الآية. ويكون عندك معلوما: أن أعظم المراتب وأجلّها عند الله: الدعوة إليه، التي قال الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ ٤ الآية، وفي الحديث: " والله، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم " ٥. ثم بعد هذا، يذكر لنا: أن عدوان الإسلام الذين ينفِّرون الناس عنه، يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ ، فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! بل نشهد أن رسول الله ﷺ الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود. نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفّعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه. هذا اعتقادنا، وهذا الذي مشى عليه السلف الصالح،

стр. 35

من المهاجرين والأنصار، والتابعين وتابع التابعين، والأئمة الأربعة، ﵃ أجمعين. وهم أحب الناس لنبيهم، وأعظمهم في اتباعه وشرعه; فإن كانوا يأتون عند قبره يطلبونه الشفاعة، فإن اجتماعهم حجة. والقائل: إنه يطلب الشفاعة بعد موته، يورد علينا الدليل من كتاب الله، أو من سنة رسول الله، أو من إجماع الأمة; والحق أحق أن يتبع.

стр. 36

الرسالة الثامنة: رسالته إلى إبن صياح ... -٨- الرسالة الثامنة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الذي يعلم من وقف عليه من الإخوان المتبعين محمداً ﷺ أن ابن صياح سألني عما ينسب إليَّ، فطلب مني أن أكتب الجواب، فكتبته: الحمد لله رب العالمين. أما بعد، فما ذكره المشركون على أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول: لو أن لي أمراً هدمت قبة النبي ﷺ ، أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهى عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه علي الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، مثل أولاد شمسان، وأولاد إدريس، الذين يأمرون الناس ينذرون لهم، وينخونهم ويندبونهم، وكذلك فقراء الشيطان، الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر، ﵀، وهو منهم بريء كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة. فلما رأوني آمر الناس بما أمرهم به نبيهم ﷺ : أن لا يعبدوا إلا الله، وأن من دعا عبد القادر فهو كافر وعبد القادر منه بريء، وكذلك من نخا الصالحين أو الأنبياء، أو ندبهم أو سجد لهم، أو نذر لهم أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة التي هي حق الله على العبيد. وكل إنسان يعرف أمر الله ورسوله لا ينكر هذا الأمر، بل يقرّ به ويعرفه. وأما الذي ينكره فهو بين أمرين: إن قال: إن دعوة الصالحين واستغاثتهم، والنذر لهم وصيرورة الإنسان فقيراً لهم، أمر حسن، ولو ذكر الله ورسوله، أنه كفر؛ فهو مصر بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كفره؛ فليس لنا معه كلام. وإنما كلامنا مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب ما أحب الله

стр. 37

ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله؛ لكنه جاهل قد لبست عليه الشياطين دينه، ويظن أن الاعتقاد في الصالحين حق؛ ولو يدري أنه كفرٌ يدخل صاحبه في النار، ما فعله. ونحن نبين لهذا ما يوضح له الأمر، فنقول: الذي يجب على المسلم: أن يتبع أمر الله ورسوله، ويسأل عنه. والله سبحانه أنزل القرآن، وذكر فيه ما يحبه ويبغضه، وبين لنا فيه ديننا؛ وكذلك محمد ﷺ أفضل الأنبياء. فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه؛ وهم يحبونه على أنفسهم وأولادهم، ويعرفون قدره، ويعرفون أيضاً الشرك والإيمان. فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي ﷺ قد دعاه، أو نذر له أو ندبه، أو أحد من أصحابه جاء عند قبره بعد موته يسأله أو يندبه، أو يدخل عليه للالتجاء له عند القبر، فاعرفْ أن هذا الأمر صحيح حسن، ولا تطعني ولا غيري، وإن كان إذا سألت إذا أنه ﷺ تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء والصالحين، وقتلهم وسباهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، وحكم بكفرهم، فاعرفْ أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق؛ والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به. وبالجملة، فالذي أنكره: الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره. فإن كنتُ قلته من عندي فارم به، أو من كتاب لقيته ليس عليه عمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلتُه عن أمر الله ورسوله، وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب، فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه لأجل أهل زمانه أو أهل بلده، وإن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه. واعلم أن الأدلة على هذا من كلام الله وكلام رسوله كثيرة، لكن أنا أمثل لك بدليل واحد، ينبهك على غيره: قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ

стр. 38

فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١ الآية. ذكر المفسرون في تفسيرها أن جماعة كانوا يعتقدون في عيسى، ﵇، وعزير، فقال تعالى: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي. فيا عباد الله، تفكروا في كلام ربكم ﵎! إذا كان ذكر عن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أن دينهم الذي كفّرهم به هو: الاعتقاد في الصالحين، وإلا فالكفار يخافون الله ويرجونه، ويحجون ويتصدقون، ولكنهم كفروا بالاعتقاد في الصالحين، وهم يقولون: إنما اعتقدنا فيهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣. فيا عباد الله، إذا كان الله ذكر في كتابه أن دين الكفار هو: الاعتقاد في الصالحين، وذكر أنهم اعتقدوا فيهم ودعوهم وندبوهم لأجل أنهم يقربوهم إلى الله زلفى، هل بعد هذا البيان بيان؟ فإذا كان من اعتقد في عيسى بن مريم مع أنه نبي من الأنبياء، وندبه ونخاه، فقد كفر، فكيف بمن يعتقدون في الشياطين كالكلب أبي حديدة، وعثمان الذي في الوادي، والكلاب الأخر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله؟! وأنت، يا من هداه الله، لا تظن أن هؤلاء يحبون الصالحين؛ بل هؤلاء أعداء

стр. 39

الصالحين. وأنت، والله، الذي تحب الصالحين، لأن من أحب قوماً أطاعهم. فمن أحب الصالحين وأطاعهم، لم يعتقد إلا في الله، وأما من عصاهم ودعاهم يزعم أنه يحبهم، فهو مثل النصارى الذين يدعون عيسى ويزعمون محبته، وهو بريء منهم، ومثل الرافضة الذين يدعون علي بن أبي طالب، وهو بريء منهم. ونختم هذا الكتاب بكلمة واحدة، وهي أن أقول: يا عباد الله، لا تطيعوني ولا تفكروا ١، واسألوا أهل العلم من كل مذهب عما قال الله ورسوله. وأنا أنصحكم: لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنى والسرقة، بل هو عبادة للأصنام، مَن فعله كفر، وتبرأ منه رسول الله ﷺ . يا عباد الله، تفكروا وتذكروا. والسلام.

стр. 40

الرسالة التاسعة: رسالته إلى عامة المسلمين ... -٩- الرسالة التاسعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، ما ذكر لكم عني: أني أكفّر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء. وكذلك قولهم: إني أقول: من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده، أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضاً من البهتان. إنما المراد: اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت. ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزينة للناس; فهذا الذي أكفّره. وكل عالم على وجه الأرض يكفّر هؤلاء، إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً؛ والله أعلم. والسلام.
следующие страницы →