الرسالة الثامنة: رسالته إلى إبن صياح
...
-٨- الرسالة الثامنة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الذي يعلم من وقف عليه من الإخوان المتبعين محمداً ﷺ أن ابن صياح سألني عما ينسب إليَّ، فطلب مني أن أكتب الجواب، فكتبته:
الحمد لله رب العالمين. أما بعد، فما ذكره المشركون على أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول: لو أن لي أمراً هدمت قبة النبي ﷺ ، أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهى عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه علي الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، مثل أولاد شمسان، وأولاد إدريس، الذين يأمرون الناس ينذرون لهم، وينخونهم ويندبونهم، وكذلك فقراء الشيطان، الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر، ﵀، وهو منهم بريء كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة.
فلما رأوني آمر الناس بما أمرهم به نبيهم ﷺ : أن لا يعبدوا إلا الله، وأن من دعا عبد القادر فهو كافر وعبد القادر منه بريء، وكذلك من نخا الصالحين أو الأنبياء، أو ندبهم أو سجد لهم، أو نذر لهم أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة التي هي حق الله على العبيد. وكل إنسان يعرف أمر الله ورسوله لا ينكر هذا الأمر، بل يقرّ به ويعرفه.
وأما الذي ينكره فهو بين أمرين: إن قال: إن دعوة الصالحين واستغاثتهم، والنذر لهم وصيرورة الإنسان فقيراً لهم، أمر حسن، ولو ذكر الله ورسوله، أنه كفر؛ فهو مصر بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كفره؛ فليس لنا معه كلام. وإنما كلامنا مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب ما أحب الله
стр. 37
ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله؛ لكنه جاهل قد لبست عليه الشياطين دينه، ويظن أن الاعتقاد في الصالحين حق؛ ولو يدري أنه كفرٌ يدخل صاحبه في النار، ما فعله.
ونحن نبين لهذا ما يوضح له الأمر، فنقول: الذي يجب على المسلم: أن يتبع أمر الله ورسوله، ويسأل عنه. والله سبحانه أنزل القرآن، وذكر فيه ما يحبه ويبغضه، وبين لنا فيه ديننا؛ وكذلك محمد ﷺ أفضل الأنبياء. فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه؛ وهم يحبونه على أنفسهم وأولادهم، ويعرفون قدره، ويعرفون أيضاً الشرك والإيمان.
فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي ﷺ قد دعاه، أو نذر له أو ندبه، أو أحد من أصحابه جاء عند قبره بعد موته يسأله أو يندبه، أو يدخل عليه للالتجاء له عند القبر، فاعرفْ أن هذا الأمر صحيح حسن، ولا تطعني ولا غيري، وإن كان إذا سألت إذا أنه ﷺ تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء والصالحين، وقتلهم وسباهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، وحكم بكفرهم، فاعرفْ أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق؛ والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به.
وبالجملة، فالذي أنكره: الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره. فإن كنتُ قلته من عندي فارم به، أو من كتاب لقيته ليس عليه عمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلتُه عن أمر الله ورسوله، وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب، فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه لأجل أهل زمانه أو أهل بلده، وإن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه.
واعلم أن الأدلة على هذا من كلام الله وكلام رسوله كثيرة، لكن أنا أمثل لك بدليل واحد، ينبهك على غيره: قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ
стр. 38
فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١ الآية. ذكر المفسرون في تفسيرها أن جماعة كانوا يعتقدون في عيسى، ﵇، وعزير، فقال تعالى: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.
فيا عباد الله، تفكروا في كلام ربكم ﵎! إذا كان ذكر عن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أن دينهم الذي كفّرهم به هو: الاعتقاد في الصالحين، وإلا فالكفار يخافون الله ويرجونه، ويحجون ويتصدقون، ولكنهم كفروا بالاعتقاد في الصالحين، وهم يقولون: إنما اعتقدنا فيهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣.
فيا عباد الله، إذا كان الله ذكر في كتابه أن دين الكفار هو: الاعتقاد في الصالحين، وذكر أنهم اعتقدوا فيهم ودعوهم وندبوهم لأجل أنهم يقربوهم إلى الله زلفى، هل بعد هذا البيان بيان؟ فإذا كان من اعتقد في عيسى بن مريم مع أنه نبي من الأنبياء، وندبه ونخاه، فقد كفر، فكيف بمن يعتقدون في الشياطين كالكلب أبي حديدة، وعثمان الذي في الوادي، والكلاب الأخر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله؟! وأنت، يا من هداه الله، لا تظن أن هؤلاء يحبون الصالحين؛ بل هؤلاء أعداء
стр. 39
الصالحين. وأنت، والله، الذي تحب الصالحين، لأن من أحب قوماً أطاعهم. فمن أحب الصالحين وأطاعهم، لم يعتقد إلا في الله، وأما من عصاهم ودعاهم يزعم أنه يحبهم، فهو مثل النصارى الذين يدعون عيسى ويزعمون محبته، وهو بريء منهم، ومثل الرافضة الذين يدعون علي بن أبي طالب، وهو بريء منهم.
ونختم هذا الكتاب بكلمة واحدة، وهي أن أقول: يا عباد الله، لا تطيعوني ولا تفكروا ١، واسألوا أهل العلم من كل مذهب عما قال الله ورسوله. وأنا أنصحكم: لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنى والسرقة، بل هو عبادة للأصنام، مَن فعله كفر، وتبرأ منه رسول الله ﷺ . يا عباد الله، تفكروا وتذكروا. والسلام.
стр. 40
الرسالة التاسعة: رسالته إلى عامة المسلمين
...
-٩- الرسالة التاسعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، ما ذكر لكم عني: أني أكفّر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء. وكذلك قولهم: إني أقول: من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده، أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضاً من البهتان. إنما المراد: اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت. ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزينة للناس; فهذا الذي أكفّره. وكل عالم على وجه الأرض يكفّر هؤلاء، إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً؛ والله أعلم. والسلام.
стр. 41
الرسالة العاشرة: رسالته إلى حمد التويجري
...
-١٠- الرسالة العاشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ حمد التويجري، ألهمه الله رشده؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، وصل الخط، أوصلك الله ما يرضيه. وأشرفنا على الرسالة المذكورة، وصاحبها ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد، ﵀، وما تضمنته رسالته من الكلام في الصفات مخالف لعقيدة الإمام أحمد، وما تضمنته من الشُّبه الباطلة في تهوين أمر الشرك، بل في إباحته؛ فمن أبين الأمور بطلانه لمن سلم من الهوى والتعصب، وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا، بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان وأي مكان. وإنما نكفّر مَن أشرك بالله في إلهيته، بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك. وكذلك نكفّر من حسنه للناس، أو أقام الشُّبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها؛ والله المستعان. والسلام.
стр. 42
الرسالة الحادية عشره: رسالته إلى عبد الله بن سحيم
...
-١١- الرسالة الحادية عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ومنها رسالة أرسلها جواباً لعبد الله بن سحيم، مطوع أهل المجمعة، حين سأله عن الكتاب الذي أرسله عدو الله سليمان بن محمد بن سحيم مطوع أهل الرياض؛ وكانت رسالة أرسلها إلى أهل البصرة والحسا، يشنّع فيها على الشيخ بالكذب والبهتان، والزور والباطل الذي ما جرى، وما كان قصده بذلك الاستنصار بكلامهم على إبطال ما أظهره الشيخ من بيان التوحيد وإخلاص الدعوة لله، وهدم أركان الشرك، وإبطال مناهج الضلال والإفك، ورام هذا أن يرتقي إلى ذلك بأسباب، ويستدعى من كل معاند مكابر الجواب، فإن الله تعالى بفضله قد أزال اللبس والحجاب، وكشف عن القلوب ظلمات الرين والاحتجاب، وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم.
وبعد، أتانا ١ مكتوبك، وما ذكرت فيه من ذكرك وما بلغك. ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب من العارض، جملتها أربع وعشرون مسألة، بعضها حق وبعضها بهتان وكذب. وقبل الكلام فيها، لا بد من تقديم أصل؛ وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا، والجهال إذا تنازعوا، ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة، هل الواجب اتباع أمر الله ورسوله وأهل العلم؟ أو الواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها، ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم؟
стр. 43
وإنما ذكرت هذا ولو كان واضحاً، لأن بعض المسائل التي ذكرت، أنا قلتها لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم، الحنابلة وغيرهم، ولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشؤوا عليها، فأنكرها علي ١ لأجل مخالفة العادة، وإلا فقد رأوا تلك في كتبهم عياناً، وأقروا بها، وشهدوا أن كلامي هو الحق؛ لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢ الآية.
وهذا هو ما نحن فيه بعينه؛ فإن الذي راسلكم هو عدو الله ابن سحيم، وقد بينت ذلك له فأقر به، وعندنا كتب يده في رسائل متعددة أن هذا هو الحق. وأقام على ذلك سنين، لكن أنكر آخر الأمر لأسباب، أعظمها: البغي أن يُنْزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وذلك أن العامة قالوا له ولأمثاله: إذا كان هذا هو الحق، فلأي شيء لم تنهوْنا عن عبادة شمسان وأمثاله؟ فتعذروا أنكم ما سألتمونا. قالوا: وإن لم نسألكم، كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا؟ وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة، وأن فيه شرفاً لغيره. وأيضاً، لما أنكرنا عليهم أكل السحت والرشا، إلى غير ذلك من الأمور، فقام يدجل عندكم وعند غيركم بالبهتان. والله ناصر دينه ولو كره المشركون. وأنت لا تستهون مخالفة العادة على العلماء، فضلاً عن العوام.
وأنا أضرب لك مثلاً بمسألة واحدة، وهي مسألة الاستجمار ثلاثاً فصاعدا، غير عظم ولا روث، وهو كاف مع وجود الماء عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماع الأمة لا خلاف في ذلك؛ ومع هذا، لو يفعله أحد لصار هذا عند الناس أمراً عظيماً، ولنهوا عن الصلاه خلفه، وبدّعوه، مع إقرارهم بذلك،
стр. 44
ولكن لأجل العادة.
إذا تبين هذا، فالمسائل التي شنع بها، منها ما هو من البهتان الظاهر وهي قوله: إني مبطل كتب المذاهب، وقوله: إني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وقوله: إني أدعي الاجتهاد، وقوله: إني خارج عن التقليد، وقوله: إني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة، وقوله: إني أكفّر من توسل بالصالحين، وقوله: إني أكفّر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، وقوله: إني أقول: لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وقوله: إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ ، وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفّر من يحلف بغير الله.
فهذه اثنتا عشرة مسألة، جوابي فيها أن أقول: " سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن قبله من بهت النبي محمداً ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين. تشابهت قلوبهم. وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة، وعيسى، وعزيراً في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ١ الآية.
وأما المسائل الأخر، وهي: أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى "لا إله إلا الله"، ومنها: أني أعرّف من يأتيني بمعناها، ومنها: أني أقول: الإله هو الذي فيه السر، ومنها: تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله، وأخذ النذر كذلك، ومنها: أن الذبح للجن كفر، والذبيحة حرام ولو سمى الله عليها إذا ذبحها للجن، فهذه خمس مسائل كلها حق، وأنا قائلها.
ونبدأ بالكلام عليها لأنها أمّ المسائل، وقبل ذلك أذكر معنى "لا إله إلا الله"، فنقول: التوحيد نوعان: توحيد
стр. 45
الربوبية وهو: أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لا بد منه، لكن لا يُدخل الرجل في الإسلام لأن أكثر الناس مقرّون به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. وإن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو: أن لا يعبد إلا الله، لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً؛ وذلك أن النبي ﷺ بُعث وأهل الجاهلية يعبدون أشياء مع الله: فمنهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة، فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أن الله أرسله ليوحّد، ولا يدعى أحد من دونه، لا الملائكة ولا الأنبياء؛ فمن تبعه ووحد الله، فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة، واستنصرهم والتجأ إليهم، فهو الذي جحد لا إله إلا الله، مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله.
وهذه جملة لها بسط طويل، لكن الحاصل: أن هذا مجمع عليه بين العلماء. ولما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ ، حيث قال: " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " ٢، وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣، فصار ناس من الضالين يدعون أناساً من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعديّ بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، فأنكر عليهم أهل العلم غاية الإنكار، وزجروهم عن ذلك، وحذروهم غاية التحذير والإنذار من
стр. 46
جميع المذاهب الأربعة في سائر الأقطار والأمصار، فلم يحصل منهم انزجار، بل استمروا على ذلك غاية الاستمرار. وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم من ذلك. وبين أهل العلم أن أمثال هذا هو الشرك الأكبر.
وأنت ذكرت في كتابك تقول: يا أخي، ما لنا والله دليل إلا من كلام أهل العلم؛ وأنا أقول: كلام أهل العلم رضى، وأنا أنقله لك، وأنبهك عليه؛ فتفكرْ فيه، وقم لله ساعة ناظراً ومناظراً، مع نفسك ومع غيرك. فإن عرفت أن الصواب معي، وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء، أعني دين الإسلام الصرف، الذي لا يمزج بالشرك والبدع، وأما الإسلام الذي ضده الكفر، فلا شك أن أمة محمد ﷺ آخر الأمم، وعليها تقوم الساعة، فإن فهمت أن كلامي هو الحق فاعمل لنفسك.
واعلم أن الأمر عظيم، والخطب جسيم. فإن أشكل عليك شيء، فسفرك إلى المغرب في طلبه غير كثير. واعتبر لنفسك حيث قلت لي فيما مضى: إن هذا هو الحق الذي لا شك فيه، لكن لا نقدر على تغييره، وتكلمت بكلام حسن؛ فلما غربلك الله بولد المويس، ولبس عليك، وكتب لأهل الوشم يستهزئ بالتوحيد، ويزعم أنه بدعة، وأنه خرج من خراسان، ويسب دين الله ورسوله، لم تفطن لجهله وعظم ذنبه، وظننت أن كلامي فيه من باب الانتصار للنفس. وكلامي هذا لا يغيرك، فإن مرادي أن تفهم أن الخطب جسيم، وأن أكابر أهل العلم يتعلمون هذا ويغلطون فيه، فضلاً عنا وعن أمثالنا. فلعله إن أشكل عليك تواجهني؛ هذا إن عرفت أنه حق وإن كنت إذا نقلت لك عبارات العلماء، عرفتَ أني لم أفهم معناها، وأن الذي نقلتُ لك كلامهم أخطؤوا، وأنهم خالفهم أحد من أهل العلم، فنبهني على الحق، وأرجع إليه إن شاء الله تعالى.
стр. 47
فنقول: قال الشيخ تقي الدين: وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر، ومن أهل العبادة، حتى قلبوا حقيقته: فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات، وطائفة ظنوا أنه الإقرار بتوحيد الربوبية، ومنهم من أطال في تقرير هذا الموضع، وظن أنه بذلك قرر الوحدانية، وأن الألوهية هي القدرة على الاختراع ونحو ذلك، ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١ الآيات، وهذا حق، لكن لا يخلص به عن الإشراك بالله الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص الدين لله، فلا يعبد إلا الله، فيكون دينه لله؛ والإله هو: المألوه الذي تألهه القلوب. وأطال، ﵀، الكلام.
وقال أيضاً، في "الرسالة السنية" التي أرسلها إلى طائفة من أهل العبادة ينتسبون إلى بعض الصالحين، ويغلون فيه، فذكر حديث الخوارج، ثم قال: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ممن ينتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام قد يمرق من الدين، وذلك بأمور: منها: الغلوّ الذي ذمه الله، مثل الغلو في عديّ بن مسافر أو غيره، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه؛ فكل من غلا في نبي، أو صحابي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني! أو أنا في حسبك، ونحو هذا، فهذا كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليُعبد ولا يُدعى معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل الشمس والقمر، والصالحين والتماثيل المصورة على صورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تنزل المطر، وتنبت النبات،
стр. 48
وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فبعث الله الرسل وأنزل الكتب، تنهى أن يُدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. وأطال الكلام، ﵀. فتأمل كلامه في أهل عصره من أهل النظر الذين يدعون العلم، ومن أهل العبادة الذين يدعون الصلاح.
وقال في الإقناع، في باب حكم المرتد في أوله: فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته - إلى أن قال - أو استهزأ بالله أو رسله، قال الشيخ: أو كان مبغضاً لرسوله أو لما جاء به اتفاقاً، أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم، كفَر إجماعاً - إلى أن قال - أو أنكر الشهادتين أو إحداهما. فتأمل هذا الكلام بشراشر قلبك، وتأمل هل قالوا هذا في أشياء وجدت في زمانهم، واشتد نكيرهم على أهلها، أو قالوها ولم تقع. وتأمل الفرق بين جحد الربوبية والوحدانية، والبغض لما جاء به الرسول.
وقال أيضاً في أثناء الباب: ومن اعتقد أن لأحد طريقاً إلى الله غير متابعة محمد ﷺ ، أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن لغيره خروجاً عن اتباعه، أو قال: أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أو قال: إن من العلماء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، كفَر في هذا كله. ولو تعرف من قال هذا الكلام فيه، وجزم بكفرهم، وعلمت ما هم عليه من الزهد والعبادة، وأنهم عند أكثر أهل زماننا من أعظم الأولياء، لقضيت العجب.
وقال أيضاً في الباب: ومن سب الصحابة، واقترن بسبه دعوى أن علياً إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. فتأمل هذا. إذا كان
стр. 49
كلامه هذا في عليّ، فكيف بمن ادعى أن ابن عربي أو عبد القادر إله؟ وتأمل كلام الشيخ في معنى الإله الذي تألهه القلوب. واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي ﷺ ، بأنهم يدعون الأولياء والصالحين في الرخاء والشدة، ويطلبون منهم تفريج الكربات وقضاء الحاجات، مع كونهم يدعون الملائكة والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب بهم، وإلا فهم مقرّون بأن الأمر لله؛ فهم لا يدعونهم إلا في الرخاء، فإذا جاءتهم الشدائد أخلصوا لله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ ١ الآية.
وقال أيضا في الإقناع في الباب: ويحرم تعلم السحر وتعليمه وفعله، وهو عقد ورقي وكلام يتكلم به أو يكتبه، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله، ومنه ما يقتل، ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يبغض أحدهما للآخر، ويحبب بين اثنين، ويكفر بتعلمه وفعله، سواء اعتقد تحريمه أو إباحته. فتأمل هذا الكلام، ثم تأمل ما جرى في الناس خصوصاً الصرف والعطف، تعرف أن الكفر ليس ببعيد. وعليك بتأمل هذا الباب في الإقناع وشرحه تأملاً جيداً. وقف عند المواضع المشكلة، وذاكر فيها كما تفعل في باب الوقف والإجارة، يتبين لك إن شاء الله أمر عظيم.
وأما الحنفية، فقال الشيخ قاسم في شرح درر البحار: النذر الذي يقع من أكثر العوام، وهو أن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً: يا سيدي فلان، إن ردّ غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك كذا وكذا، باطل إجماعاً لوجوه، منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها: ظن أن الميت يتصرف
стр. 50
في الأمر واعتقاد هذا كفر - إلى أن قال - إذا عرف هذا، فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها، وينقل إلى ضرائح الأولياء، فحرام بإجماع المسلمين؛ وقد ابتلي الناس بهذا، لا سيما في مولد أحمد البدوي. فتأمل قول صاحب النهر، مع أنه بمصر ومقر العلماء، كيف شاع بين أهل مصر ما لا قدرة للعلماء على دفعه. فتأمل قوله من أكثر العوام، أتظن أن الزمان صلح بعده؟
أما المالكية، فقال الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع: روى البخاري عن أبي واقد الليثي قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر، هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. لتركبنّ سنن من كان قبلكم ". فانظروا، رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس، وينوطون بها الخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها. وقال ﷺ : " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس " ١. ومعنى هذا: أن الله لما جاء بالإسلام، فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته غريباً مستخفياً بإسلامه، قد جفاه العشيرة، فهو بينهم ذليل خائف، ثم يعود غريباً لكثرة الأهواء المضلة والمذاهب المختلفة، حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناسن لقلتهم وخوفهم على أنفسهم.
وروى البخاري عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: " والله ما أعرف فيهم من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعاً "، وذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره. وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي
стр. 51
فقلت: ما يبكيك؟ فقال: " ما أعرف فيهم شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة؛ وهذه الصلاة قد ضيعت ". انتهى كلام الطرطوشي.
فليتأمل اللبيب هذه الأحاديث، وفي أي زمان قيلت؟ وفي أي مكان؟ وهل أنكرها أحد من أهل العلم؟ والفوائد فيها كثيرة، ولكن مرادي منها ما وقع من الصحابة، وقول الصادق المصدوق إنه مثل كلام الذين اختارهم الله على العالمين لنبيهم: اجعل لنا إلهاً، يا عجبا! إذا جرى هذا من أولئك السادة، كيف ينكر علينا أن رجلاً من المتأخرين غلط في قوله: يا أكرم الخلق؟ كيف تعجبون من كلامي فيه، وتظنونه خيراً وأعلم منهم؟ ولكن هذه الأمور لا علم لكم بها، وتظنون أن من وصف شركاً أو كفراً أنه الكفر الأكبر المخرج عن الملة.
ولكن أين كلامك هذا من كتابك الذي أرسلت إليّ قبل أن يغربلك الله بصاحب الشام، وتذكر وتشهد أن هذا هو الحق، وتعتذر أنك لا تقدر على الإنكار؟ ومرادي: أن أبين لك كلام الطرطوشي، وما وقع في زمانه من الشرك بالشجر، مع كونه في زمن القاضي أبي يعلى. أتظن الزمان صلح بعده؟
وأما كلام الشافعية، فقال الإمام محدث الشام: أبو شامة في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، وهو في زمن الشارح وابن حمدان: وقد وقع من جماعة من النابذين لشريعة الإسلام، المنتمين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من اعتقادهم في مشايخ لهم ضالين مضلين، فهم داخلون تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١ الآية.
стр. 52
وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا القسم ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع في كل بلد؛ يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه أحداً ممن شهر بالصلاح، فيفعلون ذلك، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله، ثم يجاوزون ذلك إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بين عيون وشجر، وحائط وحجر. وفي دمشق، صانها الله، من ذلك مواضع متعددة، كعوينة الحمى، والشجرة الملعونة خارج باب النصر، سهل الله قطعها؛ فما أشبهها بذات أنواط.
ثم ذكر كلاماً طويلاً - إلى أن قال - أسأل الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه، ولا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه.
فتأمل ذكره في هذا النوع، أنه نبذ لشريعة الإسلام، وأنه خروج على الإيمان، ثم ذكر أنه عم الابتلاء به في الشام. فأنت قل لصاحبكم: هؤلاء العلماء من الأئمة الأربعة ذكروا أن الشرك عم الابتلاء به وغيره، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، وذكروا أن الدين عاد غريباً. فهو بين اثنتين: إما أن يقول: كل هؤلاء العلماء جاهلون، ضالون مضلون خارجون، وإما أن يدعي أن زمانه وزمان مشايخه صلح بعد ذلك.
ولا يخفاك أني عثرت على أوراق عند ابن عزاز، فيها إجازات له من عند مشايخه، وشيخ مشايخه رجل يقال له عبد الغني، ويثنون عليه في أوراقهم، ويسمونه العارف بالله؛ وهذا اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي الذي ذكر العلماء أنه أكفر من فرعون، حتى قال ابن المقري الشافعي: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر. فإذا كان إمام دين ابن عربي والداعي إليه هو شيخهم، ويثنون عليه أنه العارف بالله، فكيف يكون الأمر؟ ولكن أعظم من هذا كله ما تقدم
стр. 53
عن أبي الدرداء وأنس وهما بالشام، ذلك الكلام العظيم. واحتج به أهل العلم على أن زمانهم أعظم، فكيف بزماننا؟
وقال ابن القيم، ﵀، في الهدي النبوي، في الكلام على حديث وفد الطائف لما أسلموا وسألوا النبي ﷺ أن يترك لهم اللات لا يهدمها سنة، ولمّا تكلم ابن القيم على المسائل المأخوذة من القصة قال: ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها وإبطالها، يوماً واحداً؛ فإنها شعائر الشرك والكفر، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة. وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً تُعبد من دون الله، والأحجار التي تُقصد للتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته؛ وكثير منها بمنْزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركاً عندها وبها. والله المستعان. ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من قبلهم، وسلكوا سبيلهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة. وغلب الشرك على أكثر النفوس لغلبة الجهل وخفاء العلم. وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة. ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير. وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء. وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناسز انتهى كلامه.
وقال أيضاً، في الكلام على هذه القصة، لما ذكر أن النبي ﷺ أخذ مال اللات وصرفه في المصالح: ومنها: جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه
стр. 54
الطواغيت، في الجهاد ومصالح المسلمين؛ فيجب عليه أن يأخذ أموال هذه الطواغيت التي تساق إليها، ويصرفها على الجند والمقاتلة، ومصالح الإسلام، كما أخذ النبي ﷺ أموال اللات. وكذا الحكم في وقفها؛ والوقف عليها باطل، وهو مال ضائع، فيصرف في مصالح المسلمين؛ فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة الله ورسوله، فلا يصح على مشهد ولا قبر يسرج عليه ويعظم، وينذر له ويعبد من دون الله. وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الدين، ومن اتبع سبيلهم. انتهى كلامه.
فتأمل كلام هذا الرجل الذي هو من أهل العلم، وهو أيضاً من أهل الشام، كيف صرح أنه ظهر في زمانه فيمن يدعي الإسلام في الشام وغيره عبادة القبور والمشاهد، والأشجار والأحجار، التي هم أعظم من عبادة اللات والعزى أو مثله، وأن ذلك ظهر ظهوراً عظيماً حتى غلب الشرك على أكثر النفوس، وحتى صار الإسلام غريباً، بل اشتدت غربته. أين هذا من قول صاحبكم لأهل الوشم في كتابه، لما ذكروا له أن في بلدانكم شيئاً من الشرك: يأبى الله أن يكون ذلك في المسلمين. وكلام هؤلاء الأئمة من أهل المذاهب الأربعة، أعظم وأعظم وأطمّ مما قال ابن عيدان وصاحبه في أهل زمانهما، أفَترى هؤلاء العلماء أتوا فرية عظيمة ومقالة جسيمة؟
فهذا ما يسر الله نقله من كلام أهل العلم على سبيل العجلة، فأنت تأمله تأملاً جيداً، واجعل تأملك لله، مستعيذاً بالله من اتباع الهوى. ولا تفعل فعلك أولاً لما ذكرت لك أنك تتأمل كلامي وكلامه: فإن كان كلامي صحيحاً لا مجازفة فيه، وأن شاميكم لا يعرف معنى "لا إله إلا الله"، ولا يعرف عقيدة الإمام أحمد وعقيدة الذين ضربوه، فاعرف
стр. 55
قدره، فهو بغيره أجهل. واعرف أن الأمر أمر جليل، فإن كان كلامي باطلاً، ونسبت رجلاً من أهل العلم إلى هذه الأمور العظيمة بالكذب والبهتان، فالأمر أيضاً عظيم، فأعرضت عن ذلك كله وكتبت لي كتاباً في شيء آخر. فإن كان مرادك اتباع الهوى أعاذنا الله منه، وأنك مع ولد المويس كيف كان فاترك الجواب؛ فإن بعض الناس يذكرون عنك أنك صائر معه لأجل شيء من أمور الدنيا. وإن كنت مع الحق، فلا أعذرك من تأمل كلامي هذا وكلامي الأول، وتعرضهما على كلام أهل العلم، وتحررهما تحريراً جيداً، ثم تتكلم بالحق.
إذا تقرر هذا، فخمس المسائل التي قدمت جوابها في كلام العلماء، وأضيف إليها مسألة سادسة وهي: إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم، وسميتهم طواغيت، وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله، عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى بأضعاف. وليس في كلامي مجازفة، بل هو الحق، لأن عبّاد اللات والعزى يعبدونها في الرخاء، ويخلصون لله في الشدة، وعبادة هؤلاء أعظم من عبادتهم إياهم في شدائد البر والبحر. فإن كان الله أوقع في قلبك معرفة الحق والانقياد له، والكفر بالطاغوت والتبري ممن خالف هذه الأصول، ولو كان أباك أو أخاك، فاكتب لي وبشرني، لأن هذا ليس مثل الخطإ في الفروع، بل ليس الجهل بهذا فضلاً عن إنكاره مثل الزنى والسرقة؛ بل والله، ثم والله، ثم والله، إن الأمر أعظم. وإن وقع في قلبك إشكال، فاضرع إلى مقلّب القلوب أن يهديك لدينه ودين نبيه.
وأما بقيه المسائل، فالجواب عنها ممكن إذا خلصنا من شهادة أن لا إله إلا الله، وبيننا وبينكم كلام أهل العلم. لكن العجب من قولك: أنا هادم قبور الصحابة، وعبارة الإقناع في الجنائز يجب هدم القباب التي على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول؛
стр. 56
والنبي ﷺ صح عنه أنه بعث علياً لهدم القبور. ومثل صاحب كتابكم لو كتب لكم أن ابن عبد الوهاب ابتدع، لأنه أنكر على رجل تزوج أخته، فالعجب كيف راج عليكم كلامه فيه.
وأما قولي: إن الإله الذي فيه السر، فمعلوم أن اللغات تختلف؛ فالمعبود عند العرب والإله الذي يسمونه عوامنا: السيد، والشيخ، والذي فيه السر، والعرب الأولون يسمون ١ الألوهية ما يسميها عوامنا: السر، لأن السر عندهم هو: القدرة على النفع والضر، وكونه يصلح أن يُدعى ويُرجى ويُخاف ويُتوكل عليه. فإذا قال رسول الله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ٢، وسئل بعض العامة: ما فاتحة الكتاب؟ ما فسرتَ له إلا بلغة بلده، فتارة تقول: هي: فاتحة الكتاب، وتارة تقول: هي: أم القرآن، وتارة تقول: هي: الحمد، وأشباه هذه العبارات التي معناها واحد. ولكن إن كان السر في لغة عوامنا ليس هذا، وأن هذا ليس هو الإله في كلام أهل العلم، فهذا وجه الإنكار، فبينوا لنا. والحمد لله رب العالمين.
стр. 57
الرسالة الثانية عشره: جوابه عن الشبهات من أجاز وقف الحنف والإثم
...
-١٢- الرسالة الثانية عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم ١
هذه كلمات: جواب عن الشبهة التي احتج بها من أجاز وقف الجنف والإثم، ونحن نذكر قبل ذلك صورة المسألة، ثم نتكلم على الأدلة.
وذلك أن السلف اختلفوا في الوقف الذي يراد به وجه الله على غير من يرثه، مثل الوقف على الأيتام، وصوام رمضان، أو المساكين، أو أبناء السبيل.
فقال شريح القاضي وأهل الكوفة: لا يصح ذلك الوقف؛ حكاه عنهم الإمام أحمد. وقال جمهور أهل العلم: هذا وقف صحيح، واحتجوا بحجج صحيحه صريحة ترد قول أهل الكوفة. فهذه الحجج التي ذكرها أهل العلم يحتجون بها على علماء أهل الكوفة، مثل قوله: " صدقة جارية " ٢، ومثل " وقف عمر أوقاف أهل المقدرة من الصحابة على جهات البر التي أمر الله بها ورسوله "، ليس فيها تغيير لحدود الله.
وأما مسألتنا، فهي: إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه، وفر من قسمة الله، وتمرد عن دين الله، مثل: أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النخل، ولا تأكل منه إلا حياة عينها، أو يريد أن يزيد بعض أولاده على بعض فراراً من وصية الله بالعدل، أو يريد أن يحرم نسل البنات، أو يريد أن يحرم على ورثته بيع هذا العقار لئلا يفتقروا بعده، ويفتي له بعض المفتين أن هذه البدعة الملعونة صدقة برّ تقرب إلى الله، ويوقف على هذا الوجه قاصداً وجه الله، فهذه مسألتنا. فتأمل هذا بشراشر قلبك، ثم تأمل ما نذكره من الأدلة فنقول:
من أعظم المنكرات، وأكبر الكبائر: تغيير شرع الله ودينه، والتحيل على ذلك بالتقرب إليه؛ وذلك مثل أوقافنا هذه، إذا أراد أن يحرم من أعطاه الله من
стр. 58
امرأة، أو امرأة ابن، أو نسل بنات، أو غير ذلك، أو يعطي من حرمه الله، أو يزيد أحداً عما فرض الله، أو ينقصه من ذلك، ويريد التقرب إلى الله بذلك مع كونه مبعداً عن الله، فالأدلة على بطلان هذا الوقف، وعوده طائعاً، وقسمه على قسم الله ورسوله، أكثر من أن تحصر؛ ولكن من أوضحها: دليل واحد، وهو أن يقال لمدعي الصحة: إذا كنت تدعي أن هذا مما يحبه الله ورسوله، وفعْله أفضل من تركه، وهو داخل فيما حض عليه النبي ﷺ من الصدقة الجارية، وغير ذلك، فمعلوم أن الإنسان مجبول على حبه لولده وإيثاره على غيره، حتى أصحاب رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ١. فإذا شرع الله لهم أن يوقفوا أموالهم على أولادهم، ويزيدوا من شاؤوا، أو يحرموا النساء والعصبة ونسل البنات، فلأي شيء لم يفعل ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ؟ ولأي شيء لم يفعله التابعون؟ ولأي شيء لم يفعله الأئمة الأربعة وغيرهم؟ أتراهم رغبوا عن الأعمال الصالحة ولم يحبوا أولادهم، وآثروا البعيد عليهم، وعلى العمل الصالح، ورغب في ذلك أهل القرن الثاني عشر؟ أم تراهم خفي عليهم حكم هذه المسألة، ولم يعلموها حتى ظهر هؤلاء فعلموها؟ سبحان الله ما أعظم شأنه وأعز سلطانه! فإن ادعى أحد أن الصحابة فعلوا هذا الوقف، فهذا عين الكذب والبهتان؛ والدليل على هذا أن هذا الذي تتبع الكتب، وحرص على الأدلة، لم يجد إلا ما ذكره، ونحن نتكلم على ما ذكره.
فأما حديث أبي هريرة الذي فيه: " صدقة جارية " فهذا حق، وأهل العلم استدلوا به على من أنكر الوقف على اليتيم وابن السبيل والمساجد، ونحن أنكرنا على مَن غيّر حدود الله، وتقرب بما لم يشرعه. ولو فهم
стр. 59
الصحابة وأهل العلم هذا الوقف من هذا الحديث لبادروا إليه.
وأما حديث عمر أنه تصدق بالأرض على الفقراء والرقاب والضيف وذوي القربى وأبناء السبيل، فهذا بعينه من أبين الأدلة على مسألتناح وذلك أن من احتج على الوقف على الأولاد ليس له حجة إلا هذا الحديث، لأن عمر قال: " لا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف "، وإن حفصة وليته، ثم وليه عبد الله بن عمر، فاحتجوا بأكل حفصة وأخيها دون بقية الورثة؛ وهذه الحجة من أبطل الحجج، وقد بينه الشيخ الموفق، ﵀، والشارح، وذكروا أن أكل الولي ليس زيادة على غيره، وإنما ذلك أجرة عمله كما كان في زماننا هذا، يقول صاحب الضحية: لوليها الجلد والأكارع، ففي هذا دليل من جهتين:
الأولى: أن من وقف من الصحابة مثل عمر وغيره لم يوقفوا على ورثتهم، ولو كان خيرا لبادروا إليه. وهذا المصحح لم يصحح بقوله: " ثم أدناك أدناك ". فإذا كان وقف عمر على أولاده أفضل من الفقراء، وأبناء السبيل، فما باله لم يوقف عليهم؟ أتظنه اختار المفضول وترك الفاضل؟ أم تظن أنه هو ورسول الله ﷺ الذي أمره لم يفهما حكم الله؟
الثانية: أن من احتج على صحة الوقف على الأولاد وتفضيل البعض، لم يحتجّ إلا بقوله: " تليه حفصة ثم ذو الرأي، وإنه يأكل بالمعروف "، وقد بينا معنى ذلك، وأنه لم يبرّ أحداً، وإنما جعل ذلك للولي عن تعبه في ذلك. فإذا كان المستدل لم يجد عن الصحة إلا هذا، تبين لك أن قولهم: تصدق أبو بكر بداره على ولده، وتصدق فلان وفلان، وأن الزبير خص بعض بناته، ليس معناه كما فهموا، وإنما معناه أنهم تصدقوا بما ذكر صدقة عامة على المحتاجين، فكان أولاده إذا قدموا البلد نزلوا تلك الدار لأنهم من أبناء السبيل، كما يوقف الإنسان مسقاة
стр. 60
ويتوضأ منها وينتفع بها هو وأولاده مع الناس، وكما يوقف مسجداً ويصلي فيه.
وعبارة البخاري في صحيحه: " وتصدق أنس بدار، فكان إذا قدم نزلها "، " وتصدق الزبير بدوره، واشترط للمردودة من بناته أن تسكنها ". فتأمل عبارة البخاري، يتبين لك أن ما ذكر عن الصحابة، مثل من وقف نخلاً على المفطرين من الفقراء في هذا المسجدن ويقول: إن افتقر أحد من ذريتي فليفطر معهم، فأين هذا من وقف الجنف والإثم؟ على أن هذه العبارة كلام الحميدي، والحميدي في زمن القاضي أبي يعلى، وأجمع أهل العلم على أن مراسيل المتأخرين لا يجوز الاحتجاج بها، فمن احتج بها فقد خالف الإجماع. هذا لو فرضنا أنه يدل على ذلك، فكيف وقد بينا معناه ولله الحمد؟
إذا تبين لك أن من أجاز الوقف على الأولاد والتفضيل، لم يجد إلا حديث عمر وقوله: " ليس على من وليه جناح "، وأن الموفق وغيره ردوا على من احتج به، تبين لك أن حديث عمر من أبين الأدلة على بطلان وقف الجنف والإثم. وأما قوله: لم يكن من أصحاب رسول الله ﷺ ذو مقدرة إلا وقف، فهل هذا يدل على صحة وقف الجنف والإثم؟ وما مثله إلا كمن رأى رجلاً يصلي في أوقات النهي، فأنكر عليه، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ ١، ويقول: إن أصحاب رسول الله ﷺ يصلون، أو يذكر فضل الصلوات؛ وكذلك مسألتنا، إذا قلنا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢، ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ٣، وغير ذلك، أو قلنا: " إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " ٤، أو قلنا: إن النبي ﷺ غلظ القول فيمن تصدق بماله كله، أو قلنا: " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " ٥، وادعوا علينا أن الصحابة وقفوا، هل أنكرنا الوقف كأهل الكوفة حتى يحتج علينا بذلك؟
стр. 61
وأما قول أحمد: من رد الوقف فكأنما رد السنة، فهذا حق، ومراده وقف رسول الله ﷺ وأصحابه كما ذكره أحمد في كلامه. وأما وقف الإثم والجنف، فمن رده فقد عمل بالسنة وردّ البدعة، واتبع القرآن.
وأما قوله: إن في صدقة رسول الله ﷺ أن يأكل بالمعروف، وإن زيداً وعمراً سكنا داريهما التي وقفا، فيا سبحان الله! من أنكر هذا؟ وهذا كمن وقف مسجداً وصلى فيه وذريته، أو وقف مسقاة واستسقى منها وذريته؛ وقول الخرقي: والظاهر أنه عن شرط، فكذلك، وهذا شرط صحيح وعمل صحيح، كمن وقف داره على المسجد، أو أبناء السبيل، أو استثنى سكناها مدة حياته؛ وكل هذا يردون به على أهل الكوفة، فإن هذا ليس من وقف الجنف والإثم.
وأما قوله: " ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول " ١، وقوله: " صدقتك على رحمك صدقة وصلة " ٢، وقوله: " ثم أدناك أدناك "، وأشباه ذلك، فكل هذا صحيح لا إشكال فيه، لكن لا يدل على تغيير حدود الله.
فإذا قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ٣ ووقف الإنسان على أولاده، ثم أخرج نسل الإناث محتجاً بقوله: " ثم أدناك أدناك "، أو صلة الرحم، فمثله كمثل رجل أراد أن يتزوج خالة أو عمة فقيرة، فتزوجها يريد الصلة، واحتج بتلك الأحاديث. فإن قال: إن الله حرم نكاح الخالات والعمات، قلنا: وحرم تعدي حدود الله التي حد في سورة النساء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ ٤. فإذا قال: الوقف ليس من هذا، قلنا: هذا مثل قوله: من تزوج خالته إذا تزوجها لفقرها ليس من هذا، فإذا كان عندكم بين المسألتين فرق فبينوه.
وأما قول عمر: " إن حدث
стр. 62
بي حادث، فإن ثمغي صدقة "، هذا يستدلون به على تعليق الوقف بالشرط، وبعض العلماء يبطله، فاستدلوا به على صحته. وأما القول بأن عمر وقفه على الورثة، فيا سبحان الله! كيف يكابرون النصوص؟! ووقف عمر وشرطه ومصارفه ثمغي وغيرها معروفة مشهورة. وأما قول عمر: " إلا سهمي الذي بخيبر، أردت أن أتصدق به "، فهذا دليل على أهل الكوفة، كما قدمناه، فأين في هذا دليل على صحة هذا الوقف الملعون؟ الذي بطلانه أظهر من بطلان أصحاب ١ بكثير.
وأما وقف حفصة الحلي على آل الخطاب، فيا سبحان الله! هل وقفت على ورثتها، أو حرمت أحداً أعطاه الله، أو أعطت أحداً حرمه الله، أو استثنت غلته مدة حياتها؟ فإذا وقف محمد بن سعود نخلاً على الضعيف من آل مقرن، أو مثل ذلك، هل أنكرنا هذا؟ وهذا وقف حفصة، فأين هذا مما نحن فيه؟
وأما قولهم: إن عمر وقف على ورثته، فإن كان المراد ولاية الوقف، فهو صحيح، وليس مما نحن فيه. فإن كان مراد القائل: إنه ظن أنه وقف يدل على صحة ما نحن فيه، فهذا كذب ظاهر ترده النقول الصحيحة في صفة وقف عمر.
وأما كون صفية وقفت على أخ لها يهودي، فهو لا يرثها، ولا ننكر ذلك. وأما كلام الحميدي فتقدم الكلام عنه.
وسر المسألة: أنك تفهم أن أهل الكوفة يبطلون الوقف على المساجد، وعلى الفقراء والقرابات الذين لا يرثونهم، فرد عليهم أهل العلم بتلك الأدلة الصحيحة، ومسألتنا هي إبطال هذا الوقف الذي يغير حدود الله، وإيتاء حكم الجاهلية؛ وكل هذا ظاهر لا خفاء فيه، ولكن إذا كان الذي كتبه يفهم معناه وأراد به التلبيس على الجهال كما فعل غيره، فالتلبيس
стр. 63
يضمحل. وإن كان هذا قدر فهمه، وأنه ما فهم هذا الذي تعرفه العوام، فالخلف والخليفة على الله.
وأما ختمه الكلام بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١، فيا لها من كلمة ما أجمعها! ووالله إن مسألتنا هذه من إنكارها. وقد أتانا رسول الله ﷺ يلزم حدود الله والعدل بين الأولاد، ونهانا عن تغيير حدود الله، والتحيل على محارم الله، وإذا قدرنا أن مراد صاحب هذا الوقف وجه الله لأجل من أفتاه بذلك، فقد نهانا رسول الله ﷺ عن البدع في دين الله، ولو صحت نية فاعلها، فقال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد " ٢، وفي لفظ: " ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد " ٣. هذا نص الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٥، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٦. فمن قَبِل ما آتاه الرسول، وانتهى عما نهى، وأطاعه ليهتدي، واتبعه ليكون محبوباً عند الله، فليوقف كما أوقف رسول الله ﷺ ، وكما وقف عمر ﵁، وكما وقفت حفصة، وغيرهم من الصحابة وأهل العلم.
وأما هذا الوقف المحدث الملعون، المغير لحدود الله، فهذا الذي قال الله فيه بعد ما حد المواريث والحقوق للأولاد والزوجات وغيرهم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ
стр. 64
يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١.
وقد علمتم ما قال الرسول فيمن أعتق ستة من العبيد، وما ردّ وأبطل من ذلك، فهو شبيه بمن أوقف ماله كله خالصاً لوجه الله على مسجد أو صوّام أو غير ذلك، فكيف بما هو أعظم وأطمّ من هذه الأوقاف؟
وأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢، فوالله الذي لا إله إلا هو، إن فعل الخير اتباع ما شرع الله، وإبطال من غير حدود الله، والإنكار على من ابتدع في دين الله؛ هذا هو فعل الخير المعلق به الفلاح، خصوصاً مع قوله ﷺ : " وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة " ٣، وقوله: " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل "، وقوله: " لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها، وأكلوا ثمنها " ٤. فليتأمل اللبيب الخالي عن التعصب والهوى - الذي يعرف أن وراءه جنة وناراً، الذي يعلم أن الله يطلع على خفيات الضمير - هذه النصوص، ويفهمها فهماً جيداً، ثم ينْزلها على مسألة وقف الجنف والإثم، فيتبين له الحق إن شاء الله، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
هذا آخر ما ذكره الشيخ، ﵀، في الرد على من أجاز وقف الجنف، وبيان الوقف الصحيح الموافق لما فعله أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 65
الرسالة الثالثة عشره:رده على سليمان بن سحيم
...
-١٣– الرسالة الثالثة عشرة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يعلم من يقف عليه، أني وقفت على أوراق بخط ولد ابن سحيم، صنفها يريد أن يصد بها الناس عن دين الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله، فأردت أن أنبه على ما فيها من الكفر الصريح، وسب دين الإسلام، وما فيها من الجهالة التي يعرفها العامة.
فأما تناقض كلامه فمن وجوه:
الأول: أنه صنف الأوراق يسبنا، ويرد علينا في تكفير كل من قال: لا إله إلا الله، وهذا عمدة ما يشبّه به على الجهال وعقولها؛ فصار في أوراقه يقول: أما من قال: "لا إله إلا الله" لا يكفر، ومن أمّ القبلة لا يكفر. فإذا ذكرنا لهم الآيات التي فيها كفره، وكفر أبيه، وكفر الطواغيت، يقول: نزلت في النصارىن نزلت في الفلاني. ثم رجع في أوراقه يكذب نفسه ويوافقنا ويقول: من قال: إن النبي ﷺ أملس الكف كفر، ومن قال: كذا كفر، تارة يقول: ما يوجد الكفر فينا، وتارة يقرر الكفر. أعجب لبانيه يخربه!
الثاني: أنه ذكر في أوراقه: أنه لا يجوز الخروج عن كلام العلماء، وصادق في ذلك، ثم ذكر فيها كفر القدرية، والعلماء لا يكفّرونهم، فكفّر ناساً لم يكفروا، وأنكر علينا تكفير أهل الشرك.
الثالث: أنه ذكر معنى التوحيد: أن تصرف جميع العبادات من الأقوال
стр. 66
والأفعال لله وحده، لا يجعل فيها شيء لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهذا حق. ثم يرجع يكذب نفسه ويقول: إن دعاء شمسان وأمثاله في الشدائد، والنذر لهم ليبرئوا المريض، ويفرجوا عن المكروب، الذي لم يصل إليه عبدة الأوثان، بل يخلصون في الشدائد لله، ويجعل هذا ليس من الشرك؛ ويستدل على كفره الباطل بالحديث الذي فيه: " أن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب " ١.
الرابع: أنه قسم التوحيد إلى نوعين: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، ويقول: إن الشيخ بين ذلك، ثم يرجع يرد علينا في تكفير طالب الحمضي وأمثاله، الذين يشركون بالله في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ويزعمون أن حسيناً وإدريس ينفعون ويضرون، وهذه الربوبية، ويزعم أنهم ينخون ويندبون وهذا توحيد الألوهية.
الخامس: أنه ذكر في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٢ أنها كافية في التوحيد، فوحد نفسه في الأفعال: فلا خالق إلا الله، وفي الألوهية: فلا يعبد إلا إياه، وبالأمر والنهي: فلا حكم إلا لله؛ فيقرر هذه الأنواع الثلاثة، ثم يكفر بها كلها ويرد علينا. فإذا كفّرنا من قال: إن عبد القادر والأولياء ينفعون ويضرون، قال: كفّرتم أهل الإسلام، وإذا كفّرنا من يدعو شمسان وتاجاً وحطاباً، قال: كفّرتم أهل الإسلام. والعجب أنه يقول: إن من التوحيد توحيد الله بالأمر والنهي، فلا حكم إلا لله، ثم يرد علينا إذا عملنا بحكم الله، ويقول: من عمل بالقرآن كفر، والقرآن ما يفسر.
السادس: أنه ينهى عن تفسير القرآن، ويقول: ما يعرف، ثم يرجع يفسره في تصنيفه، ويقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٣ فيها كفاية، فلما فسرها كفر بها.
стр. 67
السابع: أنه ذكر أن التوحيد له تعلق بالصفات وتعلق بالذات، وقبل ذلك قد كتب إلينا أن التوحيد في ثلاث كلمات: أن الله ليس على شيء، وليس في شيء، ولا من شيء؛ فتارة يذكر أن التوحيد إثبات الصفات، وتارة ينكر ذلك ويقول: التوحيد نفي الصفات.
الثامن: أنه ذكر آيات في الأمر بالتوحيد، وآيات في النهي عن الشرك، ثم قال: المراد بهذا الشرك في هذه الآيات والأحاديثك الشرك الجلي، كشرك عباد الشمس، لا على العموم كما يتوهمه بعض الجهال. فصرح بأن مراد الله ومراد النبي ﷺ لا يدخل فيه إلا عبادة الأوثان، وأن الشرك الأصغر لا يدخل فيه، ويسمي الذين أدخلوه فيه الجهال. ثم في آخر الصفح بعينه قال: وقد يطلق الشرك بعبارات أخر، وكل ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، فرد علينا في أول الصفح، وكذب على الله ورسوله في أن معنى ذلك بعض الشرك. ثم رجع يقرر ما أنكره، ويقول: إن الشرك الأكبر والأصغر داخل في قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
التاسع: أنه ذكر أن الشرك أربعة أنواع: شرك الألوهية، وشرك الربوبية وشرك العبادة، وشرك الملك؛ وهذا كلام من لا يفهم ما يقول. فإن شرك العبادة هو شرك الإلهية، وشرك الربوبية هو شرك الملك.
العاشر: أنه قال في مسألة الذبح والنذر: ومن قال: إن النذر والذبح عبادة، فهو منه دليل على الجهل، لأن العبادة ما أمر به شرعاً، من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي، لكن البهيم لا يفهم معنى العبادة، فاستدل على النفي بدليل الإثبات.
стр. 68
الحادي عشر: بعد أربعة أسطر، كذب نفسه في كلامه هذا فقال: من ذبح لمخلوق يقصد به التقرب، أو لرجاء نفع، أو دفع ضر، من دون الله، فهذا كفر. فتارة يرد علينا إذا قلنا إنه عبادة، وتارة يكفّر من فعله.
الثاني عشر: أنه قرر أن من ذبح لمخلوق لدفع ضر أنه يكفر، ثم قرر أن الذبح للجن ليس بكفر.
الثالث عشر: أنه رد علينا في الاستدلال بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١، ثم رجع يقرر ما قلنا بكلام البغوي: كان ناس يذبحون لغير الله، فنَزلت فيهم الآية. فيا سبحان الله! ما من عقول تفهم أن هذا الرجل من البقر التي لا تميز بين التين والعنب؟! والحمد لله رب العالمين.
стр. 69
الرسالة الرابعة عشره: رسالته إلى البكبلى صاحب اليمن
...
-١٤- الرسالة الرابعة عشرة: وله رسالة إلى البكبلي، صاحب اليمن:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي نزل الحق في الكتاب، وجعله تذكرة لأولي الألباب، ووفق مَنْ مَنَّ عليه من عباده للصواب، لعنوان الجواب، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه ورسوله، وخيرته من خلقه، محمد وعلى آله وشيعته وجميع الأصحاب، ما طلع نجم وغاب، وانهل وابل من سحاب.
من عبد العزيز بن محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ في الله: أحمد بن محمد العديلي البكبلي، سلمه الله من جميع الآفات، واستعمله بالباقيات الصالحات، وحفظه من جميع البليات، وضاعف له الحسنات، ومحا عنه السيئات؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، لفانا١ كتابكم، وسر الخاطر بما ذكرتم فيه من سؤالكم، وما بلغنا على البعد من أخباركم، وسؤالكم عما نحن عليه، وما دعونا الناس إليه؛ فأردنا أن نكشف عنكم الشبهة بالتفصيل، ونوضح لكم القول الراجح بالدليل، ونسأل الله أن يسلك بنا وبكم أحسن منهج وسبيل.
أما ما نحن عليه من الدين: فعلى دين الإسلامن الذي قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
стр. 70
الْخَاسِرِينَ﴾ ١. وأما ما دعونا الناس إليه، فندعوهم إلى التوحيد الذي قال الله فيه، خطاباً لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣.
وأما ما نهينا الناس عنه، فنهيناهم عن الشرك الذي قال الله فيه: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٤، وقوله تعالى لنبيه ﷺ على سبيل التغليظ، وإلا فهو منَزه هو وإخوانه عن الشرك: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٥، وغير ذلك من الآيات.
ونقاتلهم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٦، أي: شرك،: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٧، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٨، وقوله ﷺ : " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله
стр. 71
وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؛ وحسابهم على الله " ١، وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢. وسماها سبحانه بالعروة الوثقى، وكلمة التقوى، وسموها الطواغيت كلمة الفجور. من قال: "لا إله إلا الله" عصم دمه وما له ٣، ولو هدم أركان الإسلام الخمسة، وكفر بأصول الإيمان الستة.
وحقيقة اعتقادنا: أنها تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، وإلا فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، مع أنهم يقولون: "لا إله إلا الله"، بل ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، بل ويصومون، ويحجون، ويجاهدون، وهم مع ذلك تحت آل فرعون في الدرك الأسفل من النار. وكذلك ما نصه الله سبحانه عن بلعام، وضرب له مثلاً بالكلب، مع ما معه من العلم، فضلاً عن الاسم الأعظم:
وعالم بعلمه لم يعملنْ ... معذَّب من قبل عبّاد الوثنْ
وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد، فنحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى.
وأما ما سألتم عنه من حقيقة الإيمان، فهو التصديق، وأنه يزيد بالأعمال الصالحة، وينقص بضدها، قال الله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ ٤،
стр. 72
وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٢، وغير ذلك من الآيات.
قال الشيباني، ﵀:
وإيماننا قول وفعل ونية ... ويزداد بالتقوى وينقص بالردى
وقوله ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول "لا إله إلا الله"، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق " ٣، وقوله ﷺ : " فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " ٤، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٥، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ٦. فقال الطواغيت الذي قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٧: إن فساق مكة حشو الجنة، مع أن السيئات تضاعف فيها كما تضاعف الحسنات؛ فانقلبت القضية بالعكس، حتى آل الأمر إلى الهتيميات المعروفات بالزنى والمصريات، يأتون وفوداً يوم الحج الأكبر، كل من الأشراف معروفة بغيته منهن جهاراً، وأن أهل اللواط وأهل الشرك، الرافضة وجميع الطوائف من أعداء الله ورسوله آمنين فيها، وأن من دعا أبا طالب آمن، ومن وحد الله وعظمه ممنوع من دخولها ولو استجار بالكعبة
стр. 73
ما أجارته، وأبو طالب والهتيميات يجيرون من استجار بهم. سبحانك هذا بهتان عظيم!: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وما جئنا بشيء يخالف النقل، ولا ينكره العقل، ولكنهم يقولون ما لا يفعلون، ونحن نقول ونفعل. ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ٢. نقاتل عبّاد الأوثان كما قاتلهم ﷺ ، ونقاتلهم على ترك الصلاة، وعلى منع الزكاة، كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁؛ ولكن ما هو إلا كما قال ورقة بن نوفل: ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي وأوذي وأُخرج. وما قل وكفى خير مما كثر وألهى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 74
الرسالة الخامسة عشره: رسالته إلى أسماعيل الجراعي
...
-١٥- الرسالة الخامسة عشرة: وأرسل إليه صاحب اليمن:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من إسماعيل الجراعي إلى من وفقه الله: محمد بن عبد الوهاب، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
أما بعد، بلغني على ألسن الناس عنك، ممن أصدق علمه وما لا أصدق؛
والناس اقتسموا فيكم بين قادح ومادح. فالذي سرني عنك: الإقامة على الشريعة في آخر هذا الزمان، وفي غربة الإسلام، أنك تدعو به، وتقوم أركانه. فوالله الذي لا إله غيره، مع ما نحن فيه عند قومنا، ما نقدر على ما تقدر عليه من بيان الحق والإعلان بالدعوة.
وأما قول من لا أصدق: أنك تكفّر بالعموم، ولا تبغي الصالحين، ولا تعمل بكتب المتأخرين. فأنت أخبرني واصدقني بما أنت عليه، وما تدعو الناس إليه، ليستقر عندنا خبرك ومحبتك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب، إلى إسماعيل الجراعي، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
أما بعد، فما تسأل عنه، فنحمد الله الذي لا إله غيره، ولا رب لنا سواه، فلنا أسوة، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام أجمعين. وأما ما جرى لهم مع قومهم، وما جرى لقومهم معهم، فهم قدوة وأسوة لمن اتبعهم.
стр. 75
فما تسأل عنه من الاستقامة على الإسلام، فالفضل لله، وقال رسول الله ﷺ : " بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ " ١.
وأما القول: إنا نكفّر بالعموم، فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين؛ ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! وأما الصالحون، فهم على صلاحهم، ﵃، ولكن نقول: ليس لهم شيء من الدعوة، قال الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢.
وأما المتأخرون، ﵏، فكتبهم عندنا، فنعمل بما وافق النص منها، وما لا يوافق النص لا نعمل به.
فاعلم، رحمك الله، أن الذي ندين به، وندعو الناس إليه: إفراد الله بالدعوة، وهي دين الرسل؛ قال الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٣. فانظر، رحمك الله، ما أحدث الناس من عبادة غير الله، فتجده في الكتب. جعلني الله وإياك ممن يدعو إلى الله على بصيرة كما قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤. وصلى الله على محمد.