← Акыда

Акыда · id 7629

الرسائل الشخصية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء السادس)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (230 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأوصيك بالبحث عنه والحرص عليه. وأحذرك عن الهوى والتعصب؛ بل اقصد وجه الله، واطلب منه، وتضرع إليه أن يهديك للحق. وكن على حذر من أهل الأحساء، أن يلبسوا عليك بأشياء لا ترد على المسألة، أو يشبّهوا عليك بكلام باطل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١. وأنا أُشهد الله وملائكته، إن أتاني منهم حق لأقبلنّه على الرأس والعين. ولكن هيهات أن يقدر أحد أن يدفع حجج الله وبيّناته. واعلم، أرشدك الله، أن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب لمسألة واحدة، هي: توحيد الله وحده، والكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، والطاغوت هو الذي يسمى: "السيد"، الذي يُنخى ويُنذر له، ويُطلب منه تفريج الكربات غير الله تعالى. وهذا يتبين بأمرين عظيمين: الأول: توحيد الربوبية، وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا هو؛ وهذا حق، ولكن أعظم الكفار كفراً، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، يشهدون به ولم يدخلهم في الإسلام، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ

стр. 107

يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. فإذا تدبرت ٢ هذا الأمر العظيم، وعرفت أن الكفار يقرّون بهذا كله لله وحده لا شريك له، وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة والتقرب إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣، وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤. فإذا تبين لك هذا وعرفته معرفة جيدة، بقي للمشركين حجة أخرى؛ وهي أنهم يقولون: هذا حق، ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام ٥، فالجواب القاطع أن يقال لهم: إن الكفار في زمانه ﷺ ، منهم من يعتقد في الأصنام، ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات، ومنهم من يعتقد في الصالحين، وهم الذين ذكر الله في قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٦. يقول تعالى: هؤلاء الذين يدْعونهم الكفار ويدّعون محبتهم، قوم صالحون يفعلون طاعة الله ومع هذا راجون خائفون. فإذا تحققت أن العلي الأعلى ﵎ ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين وأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة عند الله والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين، وعرفت أن محمداً ﷺ لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام ومن اعتقد في الصالحين، بل قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم، تبين لك حقيقة دين الإسلام وعرفت

стр. 108

الأمر الثاني: وهو توحيد الإلهية، وهو أنه لا يُسجد إلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يُدعى في الرخاء والشدائد إلا هو، ولا يُذبح إلا له، ولا يُعبد بجميع العبادات إلا الله وحده لا شريك له، وأن من فعل ذلك في نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء فقد أشرك بالله، وذلك النبي أو الرجل الصالح بريء ممن أشرك به كتبرؤ عيسى من النصارى، وموسى من اليهود، وعلي من الرافضة، وعبد القادر من الفقراء. وعرفت أن الألوهية هي التي تسمى في زماننا: "السيد" ١، لقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٢. فتأمل قول بني إسرائيل مع كونهم إذ ذاك أفضل العالمين لنبيهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ يتبين لك معنى الإله، ويزيدك بصيرة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٣. فيا سبحان الله! إذا كان الله يذكر عن أولئك الكفار أنهم يخلصون لله في الشدائد، لا يدعون نبياً ولا ولياً، وأنت تعلم ما في زمانك أن أكثر ما بهم الكفر والشرك ودعاء غير الله عند الشدائد، فهل بعد هذا البيان بيان؟ وأما كلام أهل العلم، فقد ذكر في الإقناع، في باب حكم المرتد، إجماع المذاهب كلهم على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، أنه كافر مرتد حلال المال والدم. وذكر فيه أن الرافضي إذا شتم الصحابة فقد توقف الإمام في تكفيره، فإن ادعى أن علياً يُدعى في الشدائد والرخاء ٤ فلا شك في كفره ٥. هذا معنى كلامه في

стр. 109

الإقناع. " وهذا علي بن أبي طالب ﵁، لما اعتقد فيه النفع والضر أناس في زمانه حرقهم بالنار، مع عبادتهم "؛ فكذلك الذين يدعون شمسان وأمثاله وأجناسه، لا شك في كفرهم. واعلم أن هذه المسألة مسألة عظيمة جداً، وهي التي خلق الله الجن والإنس لأجلها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فأنت، اعرضْ هذا الكلام على كل من يدعي العلم، وأنا أعيذك بالله وجميع المسلمين من التكبر والعناد، الذي يرد صاحبه الحق بعد ما تبين. واعلم أن أكثر القرآن في هذه المسألة وتقريرها، وضرب الأمثال لها، والله أعلم.

стр. 110

الرسالة الثانية والعشرون: رسالته إلى عامة المسلمين ... -٥- الرسالة الثانية والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، أخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة؛ لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك، مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل. وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. وأنا صاحب منصب في قريتي مسموع الكلمة. فأنكر هذا بعض الرؤساء، لكونه خالف عادة نشؤوا عليها، وأيضاً ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر، وأنواع من المنكرات؛ فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه، لكونه مستحسناً عند العوام. فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس. وكبرت الفتنة جداً، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله ١. فنقول: التوحيد نوعان: توحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه متفرد

стр. 111

بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم. وهذا حق لا بد منه، لكن لا يُدخل الرجل في الإسلام؛ بل أكثر الناس مقرّون به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١، وأن الذي يُدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الإلهية، وهو: ألا يعبد إلا الله، لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً. وذلك أن النبي ﷺ بُعِثَ والجاهلية يعبدون أشياء مع الله، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة، فنهاهم عن هذا وأخبرهم أن الله أرسله ليوحّد ولا يدعى أحد لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن تبعه ووحد الله فهو الذي يشهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة، واستنصرهم والتجأ إليهم، فهو الذي جحد لا إله إلا الله، مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله. وهذه جملة لها بسط طويل، ولكن الحاصل: أن هذا مجمع عليه بين العلماء. فلما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " ٢. وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣، وصار ناس من الضالين يدعون أناساً من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف - أعني: على الداعي –. وأما الصالحون الذين يكرهون

стр. 112

ذلك فحاشاهم. وبين أهل العلم أن هذا هو الشرك الأكبر، عبادة الأصنام؛ فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليُعبد وحده ولا يدعى معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل الشمس والقمر والصالحين والتماثيل المصورة على صورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تُنْزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تنهى عن أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء الاستغاثة. واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي ﷺ ، بأنهم يدعون الملائكة والأولياء والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب إليهم، وإلا فهم مقرّون بأن الأمر لله؛ فهم لا يدعونها إلا في الرخاء، فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ ١ الآية. واعلم أن التوحيد: هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم نوح، ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر. وآخر الرسل محمد ﷺ ، وهو الذي كسر صور الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله تعالى، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله تعالى، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من

стр. 113

الصالحين. فبعث الله محمداً ﷺ يجدد لهم دين إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى، لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهما، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره. فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢، وغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقولون بهذا كله، لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ . وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا: الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله ليلاً ونهاراً

стр. 114

خوفاً وطمعاً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا لهم، ويدعو رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى. وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على ذلك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٢. وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدين كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله. وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله تعالى بهم، هو الذي أحل دماءهم وأموالهم. عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون. وهذا التوحيد هو معنى قولك: "لا إله إلا الله"؛ فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجرة أو قبراً أو جنياً، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يقرون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ: "السيد"، فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي: "لا إله إلا الله". والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها؛ والكفار والجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه

стр. 115

الكلمة هو: إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: " قولوا: لا إله إلا الله " قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ؟ فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني؛ والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمر إلا الله. فلا خير في رجلٍ، جُهَّالُ الكفار أعلم منه بمعنى "لا إله إلا الله". فإذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ الآية، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين: الأولى: الفرح بفضل الله وبرحمته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٢، وأفادك أيضاً: الخوف العظيم. فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله، خصوصاً إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٣، فحينئذ يعظم خوفك

стр. 116

وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله. واعلم: أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ١؛ وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٢. فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣ الآية. فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحاً تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك : ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٤. ولكن، إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف ولا تحزن، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء هؤلاء المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٥، فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان. وإنما الخوف

стр. 117

على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح. وقد مَنَّ الله علينا بكتابه الذي جعله تبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين؛ فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ١، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة. والحاصل: أن كل ما ذكر عنّا من الأشياء غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك، فكله من البهتان. ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين، أني لمّا بينت لهم كلام الله، وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٢ الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤، وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ ٥ الآية، وغير ذلك، قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون. قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كلٌ

стр. 118

أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم. فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعد ما صرحت ١ الدعوة عند القبور والنذر لها؛ فعرفوا ذلك وتحققوه، فلم يزدهم إلا نفوراً. وأما التكفير، فأنا أكفّر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبّه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفّر. وأكثر الأمة، ولله الحمد، ليسوا كذلك. وأما القتال، فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة. وهم الذين أتونا في ديارنا، ولا أبقوا ممكناً، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة،: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٢، وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرف. فإنا نبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه النساء والرجال. فرحم الله من أدى الواجب عليه وتاب إلى الله وأقرّ على نفسه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لما يحبه ويرضاه.

стр. 119

القسم الثالث: بيان معنى لا إله إلا الله وما يناقضها من الشرك في العبادة الرسالة الثالثة والعشرون: رسالته إلى ثنيان بن سعود ... القسم الثالث: بيان معنى لا إله إلا الله وما يناقضها من الشرك في العبادة -١- الرسالة الثالثة والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى ثنيان بن سعود، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، سألتم عن معنى قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ١، وكونها نزلت بعد الهجرة، فهذا مصداق كلامي لكم مراراً عديدة أن الفهم الذي يقع في القلب غير فهم اللسان. وذلك أن هذه المسألة من أكثر ما يكون تكراراً عليكم، وهي التي بوب لها الباب الثاني في كتاب التوحيد. وذلك أن العلم لا يسمى علما ًإلا إذا أثمر، ٢ وإن لم يثمر فهو جهل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٣، وكما قال عن يعقوب: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ٤. والكلام في تقرير هذا ظاهر. والعلم هو الذي يستلزم العمل، ومعلوم تفاضل الناس في الأعمال تفاضلاً لا ينضبط، وكل ذلك بسبب تفاضلهم في العلم؛ فيكفيك في هذا استدلال الصِّدِّيق على عمر في قصة أبي جندل، مع كونها من أشكل المسائل التي وقعت في الأولين والآخرين، شهادة ٥ أن محمداً رسول الله. وسر المسألة: العلم بلا إله إلا الله، ومن هذا قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٦.

стр. 120

فإن العلم بهذه الأصول الكبار يتفاضل فيه الأنبياء فضلاً عن غيرهم، ولما نهى نوح بنيه عن الشرك أمرهم بلا إله إلا الله؛ فليس هذا تكراراً، بل هذان أصلان مستقلان كبيران، وإن كانا متلازمين. فالنهي عن الشرك يستلزم الكفر بالطاغوت، ولا إله إلا الله الإيمان بالله، وهذا وإن كان متلازماً فيوضحه لكم الواقع، وهو أن كثيراً من الناس يقول: لا أعبد إلا الله، وأنا أشهد بكذا، وأقر بكذا، ويكثر الكلام، فإذا قيل له: ما تقول في فلان وفلان إذا عَبَدا أو عُبِدا من دون الله، قال: ما عليَّ من الناس، الله أعلم بحالهم، ويظن بباطنه أن ذلك لا يجب عليه. فمن أحسن الاقتران: أن الله قرن بين الإيمان به والكفر بالطاغوت؛ فبدأ بالكفر به على الإيمان بالله، وقرن الأنبياء بين الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مع أن في الوصية بلا إله إلا الله ملازمة الذكر بهذه اللفظة والإكثار منها. ويتبين عظم قدرها، كما بيَّن ﷺ فضل سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ على غيرها من السور، ذكر أنها تعدل ثلث القرآن مع قصرها. وكذلك حديث موسى ﵇، فإن في ذكره ما يقتضي كثرة الذكر بهذه الكلمة، كما في الحديث: " أفضل الذكر: لا إله إلا الله " ٢. والسلام ٣.

стр. 121

الرسالة الرابعة والعشرون: رسالتة إلى عبد الرحمن بن ربيعة ... -٢- الرسالة الرابعة والعشرون: ومنها رسالة أرسلها إلى عبد الرحمن بن ربيعة، مطوع أهل ثادق، وهي هذه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السلام على رسول الله ﷺ . من محمد بن عبد الوهاب، إلى عبد الرحمن بن ربيعة، سلَّمه الله تعالى. وبعد، فقد وصل كتابك، تسأل عن مسائل كثيرة، وتذكر أن مرادك اتباع الحق؛ منها مسألة التوحيد. ولا يخفاك أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: " إن أول ما تدعوهم إليه: أن يوحدوا الله. فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات " ١ ... إلخ. فإذا كان الرجل لا يدعى إلى الصلوات الخمس إلا بعد ما يعرف التوحيد وينقاد له، فكيف بمسائل جزئية اختلف فيها العلماء. فاعلم: أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم: إفراد الله بالعبادة كلها، ليس فيها حق لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهم. فمن ذلك لا يُدعى إلا إياه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢؛ فمن عبد الله ليلاً ونهاراً، ثم دعا نبياً أو ولياً عند قبره، فقد اتخذ إلهين اثنين، ولم يشهد أن لا إله إلا الله، لأن الإله هو المدعو، كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهم، وكما يفعل قبل هذا عند قبر زيد وغيره. ومن ذبح لله ألف ضحية، ثم ذبح لنبي ٣ أو غيره فقد جعل إلهين

стр. 122

اثنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ الآية، والنسك هو: الذبح، وعلى هذا فقس. فمن أخلص العبادات لله، ولم يشرك فيها غيره، فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله. ومن جعل فيها مع الله غيره، فهو المشرك الجاحد لقول لا إله إلا الله. وهذا الشرك الذي أذكره اليوم، قد طبق مشارق الأرض ومغاربها، إلا الغرباء المذكورين في الحديث، وقليل ما هم. وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم من كل المذاهب. فإذا أردت مصداق هذا، فتأمل باب حكم المرتد في كل كتاب، وفي كل مذهب، وتأمل ما ذكروه في الأمور التي تجعل المسلم مرتداً يحل دمه وماله؛ منها: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، كيف حكى الإجماع في الإقناع على ردته. ثم تأمل ما ذكروه في سائر الكتب، فإن عرفت أن في المسألة خلافاً ولو في بعض المذاهب، فنبهني. وإن صح عندك الإجماع على تكفير من فعل هذا، أو رضيه، أو جادل فيه، فهذه خطوط المويس، وابن إسماعيل، وأحمد بن يحيى، عندنا في إنكار هذا الدين والبراءة منه، وهم الآن مجتهدون في صد الناس عنه. فإن استقمت على التوحيد، وتبينت فيه، ودعوت الناس إليه، وجاهرت بعداوة هؤلاء، خصوصاً ابن يحيى، لأنه من أنجسهم وأعظمهم كفراً، وصبرت على الأذى في ذلك، فأنت أخونا وحبيبنا. وذلك محل المذاكرة في المسائل التي ذكرت، فإن بان الصواب معك وجب علينا الرجوع إليك، وإن لم تستقم على التوحيد علماً وعملاً ومجاهدة، فليس هذا محل المراجعة في المسائل. والله أعلم.

стр. 123

الرسالة الخامسة والعشرون: جواب الشيخ عن كتاب وصله ... - ٣ - الرسالة الخامسة والعشرون. (رسالة جوابية للشيخ، عن كتاب لم نقف عليه، ويستغنى عنه بجوابه) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد، قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢ الآية، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٣. قيل إنها آخر آية نزلت. وفسر نبي الله ﷺ الإسلام لجبريل، ﵇، وبناه أيضاً على خمسة أركان، وتضمن كل ركن علماً وعملاً، فرضاً على كل ذكر وأنثى لقوله: " لا ينبغي لأحد يقدم على شيء حتى يعلم حكم الله فيه ". فاعلم أن أهمها وأولاها: الشهادتان وما تضمنتا من النفي والإثبات من حق الله على عبيده، ومن حق الرسالة على الأمة. فإن بان لك شيء من ذلك ما ارتعت، وعرفت ما الناس فيه من الجهل والغفلة والإعراض عما خُلقوا له، وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية، وما معهم من الدين النبوي، وعرفت أنهم بنوا دينهم على ألفاظ وأفعال أدركوا عليها أسلافهم، نشأ

стр. 124

عليها الصغير، وهرم عليها الكبير. ويؤيد ذلك أن الولد إذا بلغ عشر سنين، غسلوا له أهله وعلموه ألفاظ الصلاة، وحيي على ذلك ومات عليه. أتظن من كانت هذه حاله، هل شم لدين الإسلام الموروث عن الرسول رائحة؟ فما ظنك به إذا وضع في قبره وأتاه الملكان وسألاه عما عاش عليه من الدين، بماذا يجيب؟ " هاه! هاه! لا أدري. سمعت الناس يقولون شيئا فقلتُه " ١. وما ظنك إذا وقف بين يدي الله سبحانه، وسأله: ماذا كنتم تعبدون؟ وبماذا أجبتم المرسلين؟ بماذا يجيب؟ رزقنا الله وإياك علماً نبوياً وعملاً خالصاً في الدنيا ويوم نلقاه. آمين. فانظر يا رجل، حالك وحال أهل هذا الزمان، أخذوا دينهم عن آبائهم ودانوا بالعرف والعادة، وما جاز عند أهل الزمان والمكان دانوا به، وما لا فلا. فأنت وذاك! وإن كانت نفسك عليك عزيزة، ولا ترضى لها بالهلاك، فالتفتْ لما تضمنت أركان الإسلام من العلم والعمل، خصوصاً الشهادتين من النفي والإثبات؛ وذلك ثابت من كلام الله وكلام رسوله. قيل: إن أول آية نزلت: قوله سبحانه بعد "اقرأ ": ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٢. قف عندها! ثم قف! ثم قف! ترى العجب العجيب، ويتبين لك ما أضاع الناس من أصل الأصول، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ ٣ الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٤

стр. 125

الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية، وغير ذلك من النصوص الدالة على حقيقة التوحيد، الذي هو مضمون ما ذكرت في رسالتك، أن الشيخ محمداً قرر لكم ثلاثة أصول: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والولاء والبراء؛ وهذا هو حقيقة دين الإسلام. ولكن قف عند هذه الألفاظ، واطلب ما تضمنت من العلم والعمل، ولا يمكن في العلم إلا أنك تقف على كل مسمى منهما مثل الطاغوت، أكاد ٢ سليمان والمويس وعريعر وأبا ذراع والشيطان رؤوسهم ٣. كذلك قف عند الأرباب منهم، أكادهم ٤ العلماء والعباد كائناً من كان، إن أفتوك بمخالفة الدين ولو جهلاً منهم فأطعتهم. كذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٥، يفسرها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ ٦ الآية. كذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٧، وهذه أعم مما قبلها، وأضرها، وأكثرها وقوعاً، ولكن أظنك وكثير من أهل الزمان ما يعرف من الآلهة المعبودة إلا هبل ويغوث ويعوق ونسراً واللات والعزى ومناة. فإن جاد فهمه عرف أن المقامات المعبودة اليوم من البشر والشجر والحجر ونحوها مثل شمسان وإدريس وأبو حديدة ونحوهم، منها. هذا ما أثمر به الجهل والغفلة والإعراض عن

стр. 126

تعلم دين الله ورسوله؛ ومع هذا يقول لكم شيطانكم المويس أن بنيات حرمة وعيالهم ١ يعرفون التوحيد فضلاً عن رجالهم، وأيضاً تعلم معنى "لا إله إلا الله" بدعة. فإن استغربت ذلك مني، فأحضر عندك جماعة، واسألهم عما يُسألون عنه في القبر، هل تراهم يعبرون عنه لفظاً وتعبيراً؟ فكيف إذا طولبوا بالعلم والعمل؟ هذا ما أقول لك، فإن بان لك شيء من ذلك ارتعت روعة صدق على ما فاتك من العلم والعمل في دين الإسلام، أكبر من روعتك التي ذكرت في رسالتك من تجهيلنا جماعتك. ولكن هذا حق ٢، من أعرض عما جاء به رسول الله ﷺ من دين الإسلام، فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب دين الله ورسوله، ويبغضه ويصد عنه مهما أمكن؟ فلما عجز عن التمرد في دينه الباطل، وقيل له: أجب عن دينك، وجادل دونه وانقطعت حجته، أقر أن هذا الذي عليه ابن عبد الوهاب أنه هو دين الله ورسوله، قيل له: فالذي عليه أهل حرمة؟ قال: هو دين الله ورسوله. كيف يجتمع هذا وهذا في قلب رجل واحد؟ فكيف بجماعات عديدة، بين الطائفتين من الاختلاف سنين عديدة ما هو معروف، حتى أن كلاً منهم شهر السيف دون دينه، واستمر الحرب مدة طويلة، وكل منهم يدعي صحة دينه ويطعن في دين الآخر؟ نعوذ بالله من سوء الفهم، وموت القلوب. أهل دينين مختلفين، وطائفتان يقتتلون كل منهم على صحة دينه، ومع هذا يتصور أن الكل دين صحيح يدخل من دان به الجنة؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! فكيف والناقد

стр. 127

بصير؟ فيا رجل! ألق سمعك لما فرض الله عليك، خصوصاً الشهادتين، وما تضمنتاه من النفي والإثبات، ولا تغتر باللفظ والفطرة، وما كان عليه أهل الزمان والمكان، فتهلك. فاعلم: أن أهم ما فرض على العباد: معرفة أن الله رب كل شيء ومليكه، ومدبره بإرادته. فإذا عرفت هذا، فانظر ما حق مَن هذه صفاته عليك بالعبودية، بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء والتأله المتضمن للذل والخضوع لأمره ونهيه، وذلك قبل فرض الصلاة والزكاة؛ ولذلك يعرّف عباده بتقرير ربوبيته ليرتقوا بها إلى معرفة إلهيته التي هي مجموع عبادته على مراده نفياً وإثباتاً، علماً وعملاً، جملة وتفصيلا. (هذا آخر الرسالة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم) .

стр. 128

الرسالة السادسة والعشرون: رسالتة إلى علماء الإسلام ... -٤- الرسالة السادسة والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من علماء الإسلام، أنس الله بهم غربة الدين، وأحيا بهم سنة إمام المتقين، ورسول رب العالمين؛ سلام عليكم معشر الإخوان، ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير، مثل عبادة غير الله وتوابع ذلك من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور وعبادتها واتخاذها مساجد، وغير ذلك مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة وقطع العذرة؛ ولكن الأمر كما قال ﷺ : " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ " ١. فلما عظم العوام قطع عاداتهم، وساعدهم على إنكار دين الله بعض من يدعي العلم، وهو من أبعد الناس عنه - إذ العالم من يخشى الله -، فأرضى الناس بسخط الله، وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم وصدهم عن إخلاص الدين لله، وأوهمهم أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين، وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله ﷺ لما ذكر أن عيسى، ﵇، عبد مربوب، ليس له من الأمر شيء، قالت النصارى: إنه سبَّ المسيح وأمه، وهكذا قالت الرافضة لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله ﷺ وأحبهم، ولم يغلُ فيهم، رموه ببغض أهل بيت رسول الله ﷺ . وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة

стр. 129

أهل الكتاب من قبلنا في اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء والصالحين والأولياء. والله تعالى ناصر لدينه ولو كره المشركون. وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم من جميع الطوائف؛ فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله ورسوله وكتابه ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم. فأما كلام الحنابلة: فقال الشيخ تقي الدين، ﵀، لما ذكر حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضاً، وذلك بأمور، منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى، كالغلوّ في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل الغلوّ في عليّ بن أبي طالب، بل الغلوّ في المسيح ونحوه. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني! أو أجرني! أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله أرسل الرسل ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر. والذين يجعلون مع الله آلهة، أخرى مثل الملائكة أو المسيح أو العزير أو الصالحين أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١، فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. انتهى. وقال في الإقناع، في أول باب حكم المرتد، أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، فهو كافر إجماعاً. وأما كلام الحنفية: فقال الشيخ قاسم في شرح درر البحار: النذر الذي

стр. 130

يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي! إن ردَّ غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا، باطل إجماعاً، بوجوه، منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز. ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر - إلى أن قال - وقد ابتلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي. وقال الإمام البزازي في فتاويه: إذا رأى رفض صوفية زماننا هذا في المساجد مختلطاً بهم جهال العوام، الذين لا يعرفون القرآن والحلال والحرام، بل لا يعرفون الإسلام والإيمان، لهم نهيق يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهواً ولعباً. فويل للقضاة والحكام حيث لا يغيرون هذا مع قدرتهم. وأما كلام الشافعية: فقال الإمام محدث الشام: أبو شامة، وهو في زمن الشارح وابن حمدان في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث: لكن نبين من هذا ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف من المنتسبين إلى الفقر، الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من مؤاخاة النساء الأجانب، واعتقادهم في مشايخ لهم، وأطال ﵀ الكلام - إلى أن قال - وبهذه الطرق وأمثالها، كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها. ومن هذا: ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحداً ممن شهر بالصلاح، ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي ما بين عيون وشجر وحائط. وفي

стр. 131

مدينة دمشق، صانها الله، من ذلك مواضع متعددة. ثم ذكر، ﵀، الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ ، لما قال له بعض من معه: اجعل لنا ذات أنواط، قال: " الله أكبر! قلتم، والذي نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ " ١. انتهى كلامه، ﵀. وقال: في اقتضاء الصراط المستقيم: إذا كان هذا كلامه ﷺ في مجرد قصد شجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عندها، فكيف بما هو أعظم منها، الشرك بعينه بالقبور ونحوها؟ وأما كلام المالكية: فقال أبو بكر الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع، لما ذكر حديث الشجرة ذات أنواط: فانظروا، رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء لمرضاهم من قبلها، فهي ذات أنواط، فاقطعوها. وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله ﷺ : " فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين! عضوا عليها بالنواجذ! وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة " ٢. قال في البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: " والله ما أعرف من أمر محمد شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً ". وروى مالك في الموطإ عن بعض الصحابة أنه قال: " ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس، إلا النداء بالصلاة ". قال الزهري: دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي ... فقال:? " ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة؛ وهذه الصلاة قد ضيعت ". قال الطرطوشي، ﵀: فانظروا، رحمكم الله، إذا كان في ذلك الزمن طمس

стр. 132

الحق، وظهر الباطل، حتى ما يعرف من الأمر القديم إلا القبلة، فما ظنك بزمانك هذا؟ والله المستعان. وليعلم الواقف على هذا الكلام من أهل العلم، أعزهم الله، أن الكلام في مسألتين: الأولى: أن الله سبحانه بعث محمداً ﷺ لإخلاص الدين لله، لا يجعل معه أحد في العبادة والتأله، لا ملك ولا نبي، ولا قبر ولا حجر ولا شجر، ولا غير ذلك، وأن من عظم الصالحين بالشرك بالله فهو يشبه النصارى؛ وعيسى ﵇ بريء منهم. والثانية: وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ ، وترك البدع، وإن اشتهرت بين أكثر العوام؛ وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء. فرحم الله من نصر الله ورسوله ودينه، ولم تأخذه في الله لومة لائم. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 133

الرسالة السابعة والعشرون: رسالته إلى عامة المسلمين ... -٥- الرسالة السابعة والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى من يصل إليه من المسلمين، هدانا الله وإياهم لدينه القويم، وسلوك صراطه المستقيم، ورزقنا وإياهم ملة الخليلين محمد وإبراهيم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ ٣ إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٤ الآية؛ فيجب على كل إنسان يخاف الله والنار، أن يتأمل كلام ربه الذي خلقه. هل يحصل لأحد من الناس أن يدين الله بغير دين النبي ﷺ ؟ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ ٥ الآية، ودين النبي ﷺ : التوحيد، وهو معرفة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والعمل بمقتضاهما. فإن قيل: كل الناس يقولونها، قيل: منهم من يقولها، ويحسب معناها: أنه لا يخلق إلا الله، ولا يرزق إلا الله، وأشباه ذلك. ومنهم من لا يفهم

стр. 134

معناها. ومنهم من لا يعمل بمقتضاها. ومنهم من لا يعقل حقيقتها. وأعجب من ذلك: من عرفها من وجه، وعاداها وأهلها من وجه. وأعجب منه: من أحبها، وانتسب إلى أهلها، ولم يفرق بين أوليائها وأعدائها. يا سبحان الله العظيم! أتكون طائفتان مختلفتين في دين واحد، وكلهم على الحق؟! كلا والله! فماذا بعد الحق إلا الضلال. فإذا قيل: التوحيد زين، والدين حق، إلا التكفير والقتال، قيل: اعملوا بالتوحيد ودين الرسول، ويرتفع حكم التكفير والقتال. فإن كان حق التوحيد الإقرار به، والإعراض عن أحكامه، فضلاً عن بغضه ومعاداته، فهذا والله عين الكفر وصريحه. فمن أشكل عليه من ذلك شيء، فليطالع سيرة محمد ﷺ وأصحابه. والسلام عائد عليكم كما بدأ، ورحمة الله وبركاته.

стр. 135

الرسالة الثامنة والعشرون: رسالته إلى أهل الرياض ومنفوحة ... - ٦- الرسالة الثامنة والعشرون: ومنها رسالة أرسلها إلى أهل الرياض ومنفوحة، وهو إذ ذاك مقيم في بلد العيينة، وكتب إلى عبد الله بن عيسى قاضي الدرعية يسجل تحتها بما رآه من الكلام، ليكون ذلك سبباً لقولها، وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ١، وذلك أن الله أرسل محمداً ﷺ ليبين للناس الحق من الباطل؛ فبين ﷺ للناس جميع ما يحتاجون إليه في أمر دينهم بياناً تاماً، وما مات ﷺ حتى ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. فإذا عرفت ذلك، فهؤلاء الشياطين من مردة الإنس، يحاجون في الله من بعد ما استجيب له، إذا رأوا من يعلم الناس ما أمرهم به محمد ﷺ من شهادة أن لا إله إلا الله، وما نهاهم عنه، مثل الاعتقاد في المخلوقين الصالحين وغيرهم، قاموا يجادلون ويلبسون على الناس، ويقولون: كيف تكفّرون المسلمين؟ كيف تسبون الأموات؟ آل فلان أهل ضيف، آل فلان أهل كذا وكذا؛ ومرادهم بهذا: لئلا يتبين معنى "لا إله إلا الله"، ويتبين أن الاعتقاد في الصالحين النفع والضر ودعاءهم كفر ينقل عن الملة؛ فيقولون الناس لهم: إنكم قبل ذلك جهال لأي شيء لم تأمرونا بهذا. وأنا أخبركم عن نفسي، والله الذي لا إله إلا هو،

стр. 136

لقد طلبت العلم، واعتقدَ من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى "لا إله إلا الله"، ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي، ما منهم رجل عرف ذلك. فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى "لا اله إلا الله"، أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أن أحداً عرف ذلك ١، فقد كذب وافترى، ولبس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه. وشاهد هذا أن عبد الله بن عيسى ما نعرف في علماء نجد ولا علماء العارض ولا غيره أجلّ منه، وهذا كلامه واصل إليكم إن شاء الله. فاتقوا الله عباد الله، ولا تكبروا على ربكم، ولا نبيكم. واحمدوه سبحانه الذي منّ عليكم ويسر لكم من يعرّفكم بدين نبيكم ﷺ . ولا تكونوا من الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار؛ جهنم يصلونها وبئس القرار. إذا عرفتم ذلك، فاعلموا أن قول الرجل: لا إله إلا الله: نفي وإثبات، إثبات الألوهية كلها لله وحده، ونفيها عن الأنبياء والصالحين وغيرهم. وليس معنى الألوهية أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر ولا يحيي ولا يميت إلا الله؛ فإن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يقرون بهذا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢. فتفكروا عباد الله فيما ذكر الله عن الكفار، أنهم مقرون بهذا كله لله وحده لا شريك له، وإنما كان شركهم أنهم يدعون الأنبياء والصالحين، ويندبونهم وينذرون لهم، ويتوكلون

стр. 137

عليهم، يريدون منهم أنهم يقربونهم ١ إلى الله، كما ذكر الله عنهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢. إذا عرفتم ذلك، فهؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم، من أهل الخرج وغيرهم، مشهورون عند الخاص والعام بذلك، وأنهم يترشحون له ويأمرون به الناس، كلهم كفار مرتدون عن الإسلام؛ ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفّرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلاً فلا يخرجهم إلى الكفر، فأقلّ أحوال هذا المجادل أنه فاسق لا يقبل خطه ولا شهادته، ولا يصلى خلفه، بل لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣. ومصداق هذا: أنكم إذا رأيتم من يخالف هذا الكلام وينكره، فلا يخلو: إما أن يدعي أنه عارف، فقولوا له: هذا الأمر العظيم لا يغفل عنه، فبينْ لنا ما يصدقك من كلام العلماء إذا لم تعرف كلام الله ورسوله؛ فإن زعم أن عنده دليلاً، فقولوا له يكتبه حتى نعرضه على أهل المعرفة، ويتبين لنا أنك على الصواب ونتبعك؛ فإن نبينا ﷺ قد بين لنا الحق من الباطل. وإن كان المجادل يقر بالجهل، ولا يدعي المعرفة، فيا عباد الله! كيف ترضون بالأفعال والأقوال التي تغضب الله ورسوله، وتخرجكم عن الإسلام؟ اتباعاً لرجل يقول: إني عارف، فإذا طالبتموه بالدليل عرفتم أنه لا علم عنده، أو اتباعاً لرجل جاهل، وتعرضون عن طاعة ربكم

стр. 138

وما بينه نبيكم ﷺ وأهل العلم بعده. واذكروا ما قص الله عليكم في كتابه لعلكم تعتبرون؛ فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ١، وهؤلاء أهلكهم الله بالصيحة. وأنتم الآن إذا جاءكم من يخبركم بأمر رسول الله ﷺ ، إذا أنكم فريقان تختصمون، أفلا تخافون أن يصيبكم من العذاب ما أصابهم؟ والحاصل: أن مسائل التوحيد ليست من المسائل التي هي من فن المطاوعة خاصة، بل البحث عنها أو تعلمها: فرض لازم على العالم والجاهل، والمحرم والمحل، والذكر والأنثى. وأنا لا أقول لكم: أطيعوني؛ ولكن الذي أقول لكم: إذا عرفتم أن الله أنعم عليكم، وتفضل عليكم بمحمد ﷺ ، وبين لكم دينكم كله، فلا تطيعوني ولا غيري، واحرصوا على ما كان يأمركم به نبيكم والعلماء بعده؛ فلا ينبغي لكم معاندة محمد ﷺ . وقولكم: إننا نكفّر المسلمين، كيف تفعلون كذا؟ كيف تفعلون كذا؟ فإنا لم نكفّر المسلمين، بل ما كفّرنا إلا المشركين. وكذلك أيضاً، من أعظم الناس ضلالاً: متصوفة في معكال وغيره، مثل ولد موسى بن جوعان، وسلامة بن مانع، وغيرهما، يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض. وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى. فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية، فهو كافر بريء من الإسلام، ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تُقبل شهادته. والعجب كل العجب أن الذي يدعي المعرفة يزعم أنه لا يعرف

стр. 139

كلام الله، ولا كلام رسوله؛ بل يدعي أني أعرف كلام المتأخرين مثل الإقناع وغيره، وصاحب الإقناع قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة والمشايخ فهو كافر. سبحان الله! كيف يفعلون أشياء في كتابهم أن من فعلها كفر، ومع هذا يقولون: نحن أهل المعرفة وأهل الصواب، وغيرنا صبيان جهال. والصبيان يقولون: أظهروا لنا كتابكم، ويأبون عن إظهاره. أما في هذا ما يدل على جهالتهم وضلالتهم؟ وكذلك أيضاً، من جهالة هؤلاء وضلالتهم: إذا رأوا من يعلّم الشيوخ وصبيانهم أو البدو، شهادة أن لا إله إلا الله، قالوا: قولوا لهم يتركون الحرام؛ وهذا من عظيم جهلهم. فإنهم لا يعرفون، إلا ظلم الأموال، وأما ظلم الشرك فلا يعرفون؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وأين الظلم الذي إذا تكلم الإنسان بكلمة منه، أو مدح الطواغيت أو جادل عنهم، خرج من الإسلام، ولو كان صائماً قائماً، من الظلم الذي لا يخرج من الإسلام، بل إما أن يؤدي إلى صاحبه بالقصاص، وإما أن يغفره الله؟! فبين الموضعين فرق عظيم. وبالجملة، رحمكم الله، إذا عرفتم ما تقدم أن نبيكم ﷺ قد بيّن الدين كله، فاعلموا أن هؤلاء الشياطين قد أحلوا كثيراً من الحرام في الربا والبيع وغير ذلك، وحرموا عليكم كثيراً من الحلال، وضيقوا ما وسعه الله؛ فإذا رأيتم الاختلاف، فاسألوا عما أمر الله به ورسوله، ولا تطيعوني ولا غيري. وسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 140

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ومنَّ علينا باتباع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. وبعد، فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى: عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن: إن أول واجب على كل ذكر وأنثى: معرفة شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ل، هـ الذي أرسل الله بها جميع رسله، وأنزل لأجلها جميع كتبه، وجعلها أعظم حقه على عباده، كما ذكر الله لنا في كتابه، وعلى لسان رسوله في مواضع لا تحصى، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٢، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٣ الآية. وقد أمر الله عباده بالاستجابة لهذه الكلمة فقال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ ٤، وتوعد سبحانه أفضل الخلق وأكرمهم، سيد ولد آدم والنبيين قبله، على مخالفتها فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٥. فكيف بغيرهم من سائر الخلق؟ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ

стр. 141

نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١. فمن نصح نفسه وأهله وعياله، وأراد النجاة من النار، فليعرف شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها العروة، الوثقى وكلمة التقوى، لا يقبل الله من أحد عملاً إلا بها، لا صلاة ولا صوماً ولا حجاً ولا صدقة، ولا جميع الأعمال الصالحة، إلا بمعرفتها والعمل بها. وهي كلمة التوحيد، وحق الله على العبيد. فمن أشرك مخلوقاً فيها من ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو وليّ، أو صحابي وغيره، أو صاحب قبر أو جني، أو غيره، أو استغاث به، أو استعان به فيما لا يُطلب إلا من الله، أو نذر له أو ذبح له، أو توكل عليه أو رجاه، أو دعاه دعاء استغاثة أو استعانة، أو جعله واسطة بينه وبين الله لقضاء حاجته، أو لجلب نفع أو كشف ضر، فقد كَفَرَ كُفْر عبّاد الأصنام، القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢، القائلين: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣، كما ذكر الله عنهم في كتابه، وهم مخلدون في النار، وإن صاموا وصلوا وعملوا بطاعة الله الليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ الآية، وغيرها من الآيات. وكذلك من ترشح بشيء من ذلك، أو أحب من ترشح له، أو ذب عنه، أو جادل عنه، فقد أشرك شركاً لا يُغفر، ولا يُقبل، ولا تصح منه الأعمال الصالحة، الصوم والحج وغيرها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) (البينة:٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٥ ٦، ولا يقبل عمل المشركين. وقد نهى الله نبيه وعباده عن المجادلة عمن فعل ما دون الشرك من الذنوب

стр. 142

بقوله: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ ١ الآية. فكيف بمن جادل عن المشركين، وصد عن دين رب العالمين؟ فالله الله! عباد الله! لا تغتروا بمن لا يعرف شهادة أن لا إله إلا الله، وتلطخ بالشرك وهو لا يشعر. فقد مضى أكثر حياتي ولم أعرف من أنواعه ما أعرفه اليوم؛ فلله الحمد على ما علمنا من دينه. ولا يهولنكم اليوم أن هذا الأمر غريب، فإن نبيكم ﷺ قال: " بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ " ٢، واعتبروا بدعاء أبينا إبراهيم، ﵇، بقوله في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ٣. لولا ضيق هذه الكراسة، وأن الشيخ محمداً أجاد وأفاد بما أسلفه من الكلام فيها، لأطلنا الكلام. وأما الاتحادي ابن عربي صاحب الفصوص المخالف للنصوص، وابن الفارض الذي لدين الله محارب وبالباطل للحق معارض، فمن تمذهب بمذهبهما فقد اتخذ مع غير الرسول سبيلًا، وانتحل طريق المغضوب عليهم والضالين المخالفين لشريعة سيد المرسلين؛ فإن ابن عربي وابن الفارض ينتحلان نحلاً تكفرهما، وقد كفّرهم كثير من العلماء العاملين. فهؤلاء يقولون كلاماً أخشى المقت من الله في ذكره، فضلاً عمن انتحله؛ فإن لم يتب إلى الله من انتحل مذهبهما، وجب هجره وعزله عن الولاية إن كان ذا ولاية، من إمامة أو غيرها؛ فإن صلاته غير صحيحة لا لنفسه ولا لغيره. فإن قال جاهل: أرى عبد الله توّه يتكلم في هذا الأمر، فيعلم أنه إنما تبين لي الآن وجوب الجهاد في ذلك عليّ وعلى غيري، لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ٤ إلى أن قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٥. وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 143

الرسالة التاسعة والعشرون: رسالته إلى عامة المسلمين ... -٧- الرسالة التاسعة والعشرون: ومنها الرسالة التي أرسلها إلى بعض البلدان، قال فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فاعلموا، رحمكم الله، أن الله بعث محمداً ﷺ إلى الناس بشيراً ونذيراً، مبشراً لمن اتبعه بالجنة ومنذراً لمن لا يتبعه بالنار. وقد علمتم إقرار كل من له معرفة أن التوحيد الذي بينا للناس هو الذي أرسل الله به رسله، حتى كل مطوع معاند يشهد بذلك، وأن الذي عليه غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين وفي غيرهم هو الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ١. فإذا تحققتم هذا، وعرفتم أنهم يقولون: لو يترك ٢ أهل العارض التكفير والقتال، كانوا على دين الله ورسوله، ونحن ما جئناكم في التكفير والقتال، لكن ننصحكم بهذا الذي قطعتم أنه دين الله ورسوله إن كنتم تعلمونه وتعملون به ٣، إن كنتم من أمة محمد باطناً وظاهراً. وأنا أبين لكم هذه بمسألة القبلة، أن النبي ﷺ وأمته يصلّون، والنصارى يصلّون، ولكن قبلته ﷺ وأمته بيت الله، وقبلة النصارى مطلع الشمس؛ فالكل منا ومنهم يصلي، ولكن اختلفنا في القبلة. ولو أن رجلاً من أمة محمد ﷺ يقر بهذا، ولكن يكره من يستقبل القبلة، ويحب من يستقبل

стр. 144

الشمس، أتظنون أن هذا مسلم؟ وهذا ما نحن فيه. فالنبي ﷺ بعثه الله بالتوحيد، وأن لا يدعى مع الله أحد، لا نبي ولا غيره، والنصارى يدعون عيسى رسول الله، ويدعون الصالحين يقولون: ليشفعوا لنا عند الله، فإذا كان كل مطوع مقراً بالتوحيد، فاجعلوا التوحيد مثل القبلة، واجعلوا الشرك مثل استقبال المشرق، مع أن هذا أعظم من القبلة. وأنا أنصحكم لله، وأنخاكم لا تضيعوا حظكم من الله، وتحبون دين النصارى على دين نبيكم. فما ظنكم بمن واجه الله وهو يعلم من قلبه أنه عرف أن التوحيد دينه ودين رسوله، وهو يبغضه ويبغض من اتبعه، ويعرف أن دعوة غيره هو الشرك، ويحبه ويحب من اتبعه، أتظنون أن الله يغفر لهذا؟ والنصيحة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما القلب الخالي من ذلك فلا. والسلام.

стр. 145

الرسالة الثلاثون: رسالتة إلى الأخ فايز ... -٨- الرسالة الثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى الأخ فايز، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، مسألة الشرك بالله بيّنها الله سبحانه، وأكثر الكلام فيها، وضرب لها الأمثال; ومن أعظم ما ذكر فيها قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، مع أن الذين طلبوا منه ليس شرك القلب. وأما كونك تعرفه مثل معرفة الفواحش، وتكرهه كما تكرهها، فهذا له سببان: أحدهما: اللجوء إلى الله، وكثرة الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم بحضور قلب. الثاني: الفكرة في المثل الذي ضربه الله في سورة الروم بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢ الآية. فإذا أمعنت النظر وتأملت، لو أن رجلاً يشرك بين رسول الله ﷺ وبين مسيلمة في الرسالة، أنها أكبر قبحاً من الفواحش، فكيف لو يشرك بين رسول الله ﷺ وبين امرأة زانية؟ وأنت تعرف أن أهل بلد لو يصلون على شيخهم أو إمامهم كما يصلون على النبي ﷺ ، عد هذا من أعظم الفواحش بكثير. فإذا وازنت بين هذا وبين ما يفعله أكثر الناس اليوم من دعوة الله ودعوة أبي طالب أو الكواز، أو أخس الناس، أو شجرة أو حجر أو غير ذلك، تبين لك أن الأمر أعظم مما ذكرنا بكثير. لكن الذي غير القلوب، أن هذا تعودته وألفته، وتلك الأنواع لم تعودها القلوب، فلذلك تكرهها، لأن القلوب على الفطرة إلا أن تتغير إذا كبرت بالعادات. والسلام.
следующие страницы →