← Акыда

Акыда · id 7629

الرسائل الشخصية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء السادس)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (230 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؛ وحسابهم على الله " ١، وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢. وسماها سبحانه بالعروة الوثقى، وكلمة التقوى، وسموها الطواغيت كلمة الفجور. من قال: "لا إله إلا الله" عصم دمه وما له ٣، ولو هدم أركان الإسلام الخمسة، وكفر بأصول الإيمان الستة. وحقيقة اعتقادنا: أنها تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، وإلا فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، مع أنهم يقولون: "لا إله إلا الله"، بل ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، بل ويصومون، ويحجون، ويجاهدون، وهم مع ذلك تحت آل فرعون في الدرك الأسفل من النار. وكذلك ما نصه الله سبحانه عن بلعام، وضرب له مثلاً بالكلب، مع ما معه من العلم، فضلاً عن الاسم الأعظم: وعالم بعلمه لم يعملنْ ... معذَّب من قبل عبّاد الوثنْ وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد، فنحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى. وأما ما سألتم عنه من حقيقة الإيمان، فهو التصديق، وأنه يزيد بالأعمال الصالحة، وينقص بضدها، قال الله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ ٤،

стр. 72

وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٢، وغير ذلك من الآيات. قال الشيباني، ﵀: وإيماننا قول وفعل ونية ... ويزداد بالتقوى وينقص بالردى وقوله ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول "لا إله إلا الله"، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق " ٣، وقوله ﷺ : " فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " ٤، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٥، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ٦. فقال الطواغيت الذي قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٧: إن فساق مكة حشو الجنة، مع أن السيئات تضاعف فيها كما تضاعف الحسنات؛ فانقلبت القضية بالعكس، حتى آل الأمر إلى الهتيميات المعروفات بالزنى والمصريات، يأتون وفوداً يوم الحج الأكبر، كل من الأشراف معروفة بغيته منهن جهاراً، وأن أهل اللواط وأهل الشرك، الرافضة وجميع الطوائف من أعداء الله ورسوله آمنين فيها، وأن من دعا أبا طالب آمن، ومن وحد الله وعظمه ممنوع من دخولها ولو استجار بالكعبة

стр. 73

ما أجارته، وأبو طالب والهتيميات يجيرون من استجار بهم. سبحانك هذا بهتان عظيم!: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وما جئنا بشيء يخالف النقل، ولا ينكره العقل، ولكنهم يقولون ما لا يفعلون، ونحن نقول ونفعل. ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ٢. نقاتل عبّاد الأوثان كما قاتلهم ﷺ ، ونقاتلهم على ترك الصلاة، وعلى منع الزكاة، كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁؛ ولكن ما هو إلا كما قال ورقة بن نوفل: ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي وأوذي وأُخرج. وما قل وكفى خير مما كثر وألهى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 74

الرسالة الخامسة عشره: رسالته إلى أسماعيل الجراعي ... -١٥- الرسالة الخامسة عشرة: وأرسل إليه صاحب اليمن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من إسماعيل الجراعي إلى من وفقه الله: محمد بن عبد الوهاب، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... أما بعد، بلغني على ألسن الناس عنك، ممن أصدق علمه وما لا أصدق؛ والناس اقتسموا فيكم بين قادح ومادح. فالذي سرني عنك: الإقامة على الشريعة في آخر هذا الزمان، وفي غربة الإسلام، أنك تدعو به، وتقوم أركانه. فوالله الذي لا إله غيره، مع ما نحن فيه عند قومنا، ما نقدر على ما تقدر عليه من بيان الحق والإعلان بالدعوة. وأما قول من لا أصدق: أنك تكفّر بالعموم، ولا تبغي الصالحين، ولا تعمل بكتب المتأخرين. فأنت أخبرني واصدقني بما أنت عليه، وما تدعو الناس إليه، ليستقر عندنا خبرك ومحبتك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى إسماعيل الجراعي، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... أما بعد، فما تسأل عنه، فنحمد الله الذي لا إله غيره، ولا رب لنا سواه، فلنا أسوة، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام أجمعين. وأما ما جرى لهم مع قومهم، وما جرى لقومهم معهم، فهم قدوة وأسوة لمن اتبعهم.

стр. 75

فما تسأل عنه من الاستقامة على الإسلام، فالفضل لله، وقال رسول الله ﷺ : " بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ " ١. وأما القول: إنا نكفّر بالعموم، فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين؛ ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! وأما الصالحون، فهم على صلاحهم، ﵃، ولكن نقول: ليس لهم شيء من الدعوة، قال الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢. وأما المتأخرون، ﵏، فكتبهم عندنا، فنعمل بما وافق النص منها، وما لا يوافق النص لا نعمل به. فاعلم، رحمك الله، أن الذي ندين به، وندعو الناس إليه: إفراد الله بالدعوة، وهي دين الرسل؛ قال الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٣. فانظر، رحمك الله، ما أحدث الناس من عبادة غير الله، فتجده في الكتب. جعلني الله وإياك ممن يدعو إلى الله على بصيرة كما قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤. وصلى الله على محمد.

стр. 76

الرسالة السادسة عشره: رسالته إلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني ... -١٦- الرسالة السادسة عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام التام على سيدنا محمد سيد الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام. إلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني، وفقه الله وهداه، وجنبه الإشراك والبدعة وحماه. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فوصل الخط، وتضمن السؤال فيه عما نحن عليه من الدين؛ فنقول، وبالله التوفيق: الذي ندين به: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بعبادة غيره، ومتابعة الرسول النبي الأمي، حبيب الله وصفيه من خلقه، محمد ﷺ . فأما عبادة الله فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢. فمن أنواع العبادة: الدعاء: وهو الطلب بياء النداء، لأنه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة، أو بأحد أخواتها من حروف النداء. فإن العبادة اسم جنس، فأمر تعالى عباده أن يدعوه ولا يدعوا معه غيره، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٣. وقال في النهي: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٤، ﴿أَحَداً﴾ و: كلمة تصدق على كل ما دعي مع الله تعالى. وقد روى الترمذي عن أنس أن النبي ﷺ قال: " الدعاء مخ العبادة " ٥، وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله

стр. 77

صلى الله عليه وسلم: " الدعاء هو العبادة. ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١" ٢، رواه أحمد وأبو داود والترمذي. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير: حديث: " الدعاء مخ العبادة " ٣، قال شيخنا: قال في النهاية: مخ الشيء خالصه، وإنما كان مخها لأمرين: أحدهما: أنه امتثال لأمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (، فهو مخ العبادة وهو خالصها. الثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله، قطع أمله عما سواه، ودعاه لحاجته وحده، ولأن الغرض من العبادة هو الثواب عليها، وهو المطلوب بالدعاء. وقوله: " الدعاء هو العبادة "، قال شيخنا: قال الطّيبِي: أتى بالخبر المعرف باللام، ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. انتهى كلام العلقمي. إذا تقرر هذا، فنحن نعلم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم؛ بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٥، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ٦ الآيات. وهذا من معنى "لا إله إلا الله": فإن "لا" هذه: النافية

стр. 78

للجنس، فنفى جميع الآلهة. و"إلا": حرف استثناء يفيد حصر جميع العبادة على الله . و"الإله": اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، وهو الله تعالى؛ وهو الذي يخلق ويرزق ويدبر الأمور. والتأله: التعبد؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١، ثم ذكر الدليل فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٣ الآية. وأما متابعة الرسول ﷺ ، فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٤ الآية، وقال ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد " ٥، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد " ٦. فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله: فما وافق منها قُبل، وما خالف رُد على فاعله كائناً من كان؛ فإن شهادة أن محمداً رسول الله تتضمن تصديقه فيما أخبر به، وطاعته ومتابعته في كل ما أمر به. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى " ٧. فتأمل، رحمك الله، ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وما عليه الأئمة المقتدى بهم منض

стр. 79

أهل الحديث والفقهاء، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ﵃ أجمعين، لكي نتبع آثارها. وأما مذهبنا: فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وقول جمهورها. والمقصود: بيان ما نحن عليه من الدين، وأنه عبادة الله وحده لا شريك له فيها، بخلع جميع الشرك، ومتابعة الرسول فيها بخلع جميع البدع، إلا بدعة لها أصل في الشرع، كجمع المصحف في كتاب واحد، وجمع عمر ﵁ الصحابة على التراويح جماعة، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس، ونحو ذلك فهذا حسن. والله أعلم.

стр. 80

الرسالة السابعة عشره: رسالته إلى أهل المغرب ... -١٧- الرسالة السابعة عشرة: رسالة إلى أهل المغرب، هذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئاً. وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد. فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٤. فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين، وأتمه على لسان رسوله ﷺ ، وأمرنا بلزوم ما أُنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق والاختلاف، فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ

стр. 81

مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢. والرسول ﷺ قد أخبر بأن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ أنه قال: " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٣. وأخبر في الحديث الآخر: " أن أُمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ٤. إذا عرف هذا، فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها: الإشراك بالله، والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله. وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كصرف جميعها، لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ

стр. 82

َحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١. فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصاً لوجهه، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار، فكذبهم في هذه الدعوى وكفّرهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣، فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة، فقد عبدهم وأشرك بهم؛ وذلك أن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٤، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٦؛ وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٧. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ

стр. 83

وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١. فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. فإذا كان رسول الله ﷺ ، وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه، لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداء، بل " يأتي فيخرّ ساجداً، فيحمده بمحامد يعلّمه إياها، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعط، واشفع تُشفّع. ثم يحدّ له حداً فيدخلهم الجنة " ٤، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟ وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم. وأما ما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعة بعد موتهم، وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج، والصلاة عندها، واتخاذها أعياداً، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ ، وحذر منها، كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: " لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان " ٥. وهو ﷺ حمى جناب التوحيد أعظم

стр. 84

حماية، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر. وثبت فيه أيضاً أنه بعث علي بن أبي طالب ﵁، وأمره أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه، ولا تمثالاً إلا طمسه؛ ولهذا قال غير واحد من العلماء: يجب هدم القبب المبنية على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ . فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر إلى أن كفّرونا وقاتلونا، واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم. وهو الذي ندعو الناس إليه، ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة، ممتثلين لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ١. فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢. وندعو الناس إلى إقام الصلاة في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ٣.

стр. 85

فهذا هو الذي نعتقد وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم؛ له ما لنا وعليه ما علينا. ونعتقد أيضاً: أن أمة محمد ﷺ المتبعين لسنته لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وصلى الله على محمد.

стр. 86

القسم الثاني: بيان أنواع التوحيد الرسالة الثامنة عشره: رسالته إلى الأخ حسن ... القسم الثاني: بيان أنواع التوحيد -١- الرسالة الثامنة عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى. قال السائل: ما يقول الشيخ، شرح الله صدره، ويسر له أمره، في مسائل أشكلت عليَّ فيما يجب علينا من معرفة الله، إذا كان موجب الإلهية الربوبية، وأراك قليل التعريج عليها عند تقرير الإلهية؟ ويشكل عليَّ أيضاً كون مشركي العرب أقروا به، هل يكون من غير معرفة لوضوحه، أم توغلوا في التقليد ولم يلتفتوا للحقيقة الموجبة للعبادة، أم زعمهم إن هذا شيء يرضاه الرب، أم كيف الحال؟ أيضاً، كلمة التوحيد، كونها محتوية على جميع الدين من إنزال الكتب وإرسال الرسل، وأنها نافية جميع المقصودات المسماة بالآلهة الباطلة، إذ حدها القصد فتسمى بذلك من غير استحقاق، لأنها مخلوقة مربوبة مقهورة، والواحد في القصد هو الواحد في الخلق، وإن تكلم الناس في معناها وعملها، وأن ألفاظها مجردة من غير معرفة لا يفيد شيئاً، لكن نظرت في حديث الشفاعة الكبرى عند قوله سبحانه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ١، وإخراجه العصاة من أمته بإذن ربه، حتى قال: " ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله " ٢؛ هذا مشكل عليَّ جداً، وقاصر فهمي عن معرفته، إذا كان كلمة التوحيد هي الغاية وتقييدها بالمعرفة مع العمل، وإخراجه ﷺ من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأنت جزاك الله خيراً بيّن لي معنى هذا الكلام، لا أَضل ولا أُضل. وأخبرك أني غافل عن الفهم

стр. 87

في الربوبية، ما فهمي بجيد في الإلهية، فحين بان لي شيء من معرفتها، واتضح لي بعض المعرفة في الإلهية بضرب المثل: أن فيصل ما استعبد لعريعر إلا لأجل كبر ملك عريعر، مع أنه قبيل له، وأظن غالب الناس كذلك، وفيهم من لا يرى الربوبية ولا يعتبرها، أو يتهاون بها، وهذا تسمعه من بعضهم. فجزاك الله خيراً، صرِّحْ بالجواب. فأجاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى الأخ حسن، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، سرني ما ذكرت من الإشكال، وانصرافك إلى الفكرة في توحيد الربوبية. ولا يخفاك أن التفصيل يحتاج إلى أطول، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. فأما توحيد الربوبية فهو الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى فيمن أقر بمسألة منه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. ومما يوضح لك الأمر: أن التوكل من نتائجه؛ والتوكل من أعلى مقامات الدين ودرجات المؤمنين، وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ ٢ الآية، وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائماً في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها، وهي نتيجة الإلهية، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالكتب والرسل، وغير ذلك. وأما الصبر والرضى، والتسليم والتوكل، والإنابة والتفويض، والمحبة والخوف والرجاء، فمن نتائج توحيد الربوبية؛ وهذا وأمثاله لا يعرف إلا بالتفكر، لا بالمطالعة وفهم العبارة. وأما الفرق بينهما:

стр. 88

فإن أفرد أحدهما مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ١، فهو توحيد الإلهية; وكذلك إذا أفرد توحيد الإلهية مثل قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢، وأمثال ذلك. فإن قرن بينهما، فسرت كل لفظة بأشهر معانيها، كالفقير والمسكين. وأما ما ذكرت من أهل الجاهلية، كيف لم يعرفوا الإلهية إذا أقروا بالربوبية، هل هو كذا أو كذا أو غير ذلك؟ فهو لمجموع ما ذكرت وغيره. وأعجب من ذلك، ما رأيت وسمعت ممن يدعي أنه أعلم الناس، ويفسر القرآن ويشرح الحديث بمجلدات، ثم يشرح "البُردة" ويستحسنها، ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك، ويموت ما عرف ما خرج من رأسه؛ هذا هو العجب العجاب، أعجب بكثير من ناس لا كتاب لهم، ولا يعرفون جنة ولا ناراً، ولا رسولاً ولا إلهاً. وأما كون "لا إله إلا الله" تجمع الدين كله، وإخراج من قالها من النار إذا كان في قلبه أدنى مثقال ذرة، فلا إشكال في ذلك: وسر المسألة أن الإيمان يتجزأ، ولا يلزم إذا ذهب بعضه أن يذهب كله؛ بل هذا مذهب الخوارج. فالذي يقول: الأعمال كلها من "لا إله إلا الله"، فقوله الحق. والذي يقول: يخرج من النار من قالها وفي قلبه من الإيمان مثقال ذرة، فقوله الحق. السبب مما ذكرت لك من التجزي؛ وبسبب الغفلة عن التجزي غلط أبو حنيفة وأصحابه في زعمهم أن الأعمال ليست من الإيمان. والسلام.

стр. 89

الرسالة التاسعة عشره: رسالته إلى محمدبن عبيد وعبد القادر العديلي ... -٢- الرسالة التاسعة عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، خصوصاً محمد بن عبيد، وعبد القادر العديلي وابنه، وعبد الله بن سحيم، وعبد الله بن عضيب، وحميدان بن تركي، وعلي بن زامل، ومحمد أبا الخيل، وصالح بن عبد الله. أما بعد، فإن الله ﵎ أرسل محمداً ﷺ إلينا على حين فترة من الرسل، فهدى الله به إلى الدين الكامل والشرع التام؛ وأعظم ذلك وأكبره وزبدته هو: إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك؛ وهو أن لا يُدعى أحد من دونه من الملائكة والنبيين، فضلاً عن غيرهم. فمن ذلك أنه لا يسجد إلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يدعى لكشف الضر إلا هو، ولا لجلب الخير إلا هو، ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به، ولا يذبح إلا له. وجميع العبادات لا تصلح إلا له وحده لا شريك له. وهذا معنى قول: "لا إله إلا الله"؛ فإن المألوه: هو المقصود المعتمد عليه؛ وهذا أمر هين عند من لا يعرفه، كبير عظيم عند من عرفه. فمن عرف هذه المسألة، عرف أن أكثر الخلق قد لعب بهم الشيطان، وزين لهم الشرك بالله، وأخرجه في قالب حب الصالحين وتعظيمهم. والكلام في هذا ينبني على قاعدتين عظيمتين: القاعدة الأولى: أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يعرفون الله ويعظمونه، ويحجون ويعتمرون، ويزعمون أنهم على دين إبراهيم الخليل، وأنهم يشهدون أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر،

стр. 90

إلا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ ١ الآية. فإذا عرفت أن الكفار يشهدون بهذا كله فاعرف: القاعدة الثانية: وهي أنهم يدعون الصالحين، مثل الملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، وكل من ينتسب إلى شيء من هؤلاء سماه إلهاً، ولا يعني بذلك أنه يخلق أو يرزق، بل يدعون الملائكة وعيسى ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والإله في لغتهم هو الذي يسمى في لغتنا: الذي فيه سر، والذين يسمونه الفقراء شيخهم، يعنون بذلك أنه يُدعى وينفع ويضر، إلا أنهم ٢ مقرّون لله بالتفرد بالخلق والرزق. وليس ذلك معنى الإله بل الإله المقصود المدعو المرجو، لكن المشركون في زماننا أضل من الكفار في زمن رسول الله ﷺ من وجهين: أحدهما: أن الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرخاء، وأما في الشدائد فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٣ الآية. والثاني: أن مشركي زماننا يدعون أناساً لا يوازنون عيسى والملائكة. إذا عرفتم هذا، فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر عبادة الأصنام: هذا يأتي إلى قبر نبي، وهذا إلى قبر صحابي كالزبير وطلحة، وهذا إلى قبر رجل صالح، وهذا يدعوه في الضراء وفي غيبته، وهذا ينذر له،

стр. 91

وهذا يذبح للجن، وهذا يدخل عليه من مضرة الدنيا والآخرة، وهذا يسأله خير الدنيا والآخرة، فإن كنتم تعرفون أن هذا من الشرك كعبادة الأصنام الذي يخرج الرجل من الإسلام، وقد ملأ البر والبحر وشاع وذاع، حتى إن كثيراً ممن يفعله يقوم الليل ويصوم النهار وينتسب إلى الصلاح والعبادة، فما بالكم لم تفشوه في الناس، وتبينوا لهم أن هذا كفر بالله، مخرج عن الإسلام؟ أرأيتم لو أن بعض الناس أو أهل بلدة تزوجوا أخواتهم أو عماتهم جهلاً منهم، أفيحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتركهم لا يعلمهم أن الله حرم الأخوات والعمات. فإن كنتم تعتذرون أن نكاحهم أعظم مما يفعله الناس اليوم عند قبور الأولياء والصحابة، وفي غيبتهم عنها، فاعلموا أنكم لم تعرفوا دين الإسلام، ولا شهادة أن لا إله إلا الله؛ ودليل هذا ما تقدم من الآيات التي بينها الله في كتابه. وإن عرفتم ذلك، فكيف يحل لكم كتمان ذلك والإعراض عنه، وقد أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه. فإن كان الاستدلال بالقرآن عندكم هزؤاً وجهلاً كما هي عادتكم ولا تقبلونه، فانظروا في "الإقناع" في باب حكم المرتد، وما ذكر فيه من الأمور الهائلة التي ذكر أن الإنسان إذا فعلها فقد ارتد وحل دمه، مثل الاعتقاد في الأنبياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينه وبين الله، ومثل الطيران في الهواء، والمشي في الماء. فإذا كان من فعل هذه الأمور منكم مثل السائح الأعرج ونحوه تعتقدون صلاحه وولايته، وقد صرح في الإقناع بكفره، فاعلموا أنكم لم تعرفوا معنى شهادة أن لا إله إلا الله. فإن بان لكم في كلامي هذا شيء من الغلو، من أن هذه الأفاعيل لو كانت حراماً فلا تخرج من الإسلام، وأن فعل أهل زماننا في الشدائد في البر والبحر وعند قبور الأنبياء والصالحين

стр. 92

ليست من هذه، بينوا لنا الصواب وأرشدونا إليه. وإن تبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه النساء والرجال، فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله وأقر على نفسه؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعسى الله أن يهدينا وإياكم وإخواننا لما يحب ويرضى، والسلام.

стр. 93

الرسالة العشرون: رسالته إلى عبد الله بن سحيم ... -٣- الرسالة العشرون: ومنها رسالة أرسلها إلى عبد الله بن سحيم، مطوع المجمعة، قال فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى عبد الله بن سحيم، حفظه الله تعالى؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فقد وصل كتابك، تطلب شيئاً من معنى كتاب المويس الذي أرسل لأهل الوشم؛ وأنا أجيبك عن الكتاب جملة؛ فإن كان الصواب فيه فنبهني وأرجع إلى الحق، وإن كان الأمر كما ذكرت لك من غير مجازفة بل أنا مقتصر، فالواجب على المؤمن أن يدور مع الحق حيث دار. وذلك أن كتابه مشتمل على الكلام في ثلاثة أنواع من العلوم: الأول: علم الأسماء والصفات، الذي يسمى: علم أصول الدين، ويسمى أيضاً: العقائد. والثاني: الكلام على التوحيد والشرك. والثالث: الاقتداء بأهل العلم، واتباع الأدلة، وترك ذلك. أما الأول: فإنه أنكر على أهل الوشم إنكارهم على من قال: ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض، وهذا الإنكار جمع فيه بين اثنتين: إحداهما: أنه لم يفهم كلام ابن عيدان وصاحبه. الثانية: أنه لم يفهم صورة المسألة; وذلك أن مذهب الإمام أحمد وغيره من السلف، أنهم لا يتكلمون في هذا النوع إلا بما يتكلم الله به ورسوله: فما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله أثبتوه، مثل الفوقية والاستواء والكلام والمجيء وغير

стр. 94

ذلك، وما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله نفوه، مثل المثل والندّ والسميّ وغير ذلك. وأما ما لا يوجد عن الله ورسوله إثباته ونفيه، مثل الجوهر والجسم والعرض والجهة وغير ذلك، لا يثبتونه ولا ينفونه. فمن نفاه مثل صاحب الخطبة التي أنكرها ابن عيدان وصاحبه، فهو عند أحمد والسلف مبتدع، ومن أثبته مثل هشام بن الحكم وغيرهم فهو عندهم مبتدع. والواجب عندهم: السكوت عن هذا النوع، اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه. هذا معنى كلام الإمام أحمد الذي في رسالة المويس أنه قال: لا أرى الكلام إلا ما ورد عن النبي ﷺ . فمن العجب استدلاله بكلام الإمام أحمد على ضده؛ ومثاله في ذلك كمثل حنفي يقول: الماء الكثير ولو بلغ قلتين ينجس، بمجرد الملاقاة من غير تغير. فإذا سئل عن الدليل، قال: قوله ﷺ : " الماء طهور لا ينجسه شيء " ١، فيستدل بدليل خصمه. فهل يقول هذا مَن يفهم ما يقول؟ وأنا أذكر لك كلام الحنابلة في هذه المسألة: قال الشيخ تقي الدين، بعد كلام له على من قال: إنه ليس بجوهر ٢ ولا عرض، ككلام صاحب الخطبة، قال، ﵀: فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها، كلفظ الجوهر، والجسم، والتحيز، والجهة، ونحو ذلك من الألفاظ؛ ولهذا لما سئل ابن سريج عن التوحيد، فذكر توحيد المسلمين، قال: وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض، وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك. وكلام السلف والأئمة في ذم الكلام وأهله مبسوط في غير هذا الموضع، والمقصود: أن

стр. 95

الأئمة كأحمد وغيره لما ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة، كلفظ الجسم والجوهر والحيز، لم يوافقوهم، لا على إطلاق الإثبات ولا على إطلاق النفي. انتهى كلام الشيخ تقي الدين. إذا تدبرت هذا، عرفت أن إنكار ابن عيدان وصاحبه على الخطيب الكلام في هذا عين الصواب، وقد اتبعا في ذلك إمامهما أحمد بن حنبل وغيره في إنكارهم ذلك على المبتدعة؛ ففهم صاحبكم أنهما يريدان إثبات ضد ذلك، وأن الله جسم وكذا وكذا، تعالى الله عن ذلك. وظن أيضاً أن عقيدة أهل السنة هي نفي أنه لا جسم ولا جوهر ولا كذا ولا كذا. وقد تبين لكم الصواب أن عقيدة أهل السنة هي السكوت، من أثبت بدَّعوه، ومن نفى بدَّعوه، فالذي يقول: ليس بجسم ولا ... ولا ... هم الجهمية والمعتزلة، والذين يثبتون ذلك هو هشام وأصحابه. والسلف بريئون من الجميع: من أثبت بدَّعوه، ومن نفى بدَّعوه. فالمويس لم يفهم كلام الأحياء ولا كلام الأموات، وجعل النفي الذي هو مذهب الجهمية والمعتزلة مذهب السلف، وظن أن من أنكر النفي أنه يريد الإثبات كهشام وأتباعه. ولكن أعجب من ذلك: استدلاله على ما فهم بكلام أحمد المتقدم ومن كلام أبي الوفا ابن عقيل، قال: أنا أقطع أن أبا بكر وعمر ماتا ما عرفا الجوهر والعرض، فإن رأيت أن طريقة أبي عليّ الجبائي وأبي هاشم خير لك من طريقة أبي بكر وعمر، فبئس ما رأيت. انتهى. وصاحبكم يدَّعي أن الرجل لا يكون من أهل السنة حتى يتبع أبا علي وأبا هاشم بنفي الجوهر والعرض؛ فإن أنكر الكلام فيهما مثل أبي بكر وعمر فهو عنده على مذهب هشام الرافضي. فظهر بما قررناه، أن الخطيب الذي يتكلم بنفي العرض والجوهر، أخذه من

стр. 96

مذهب الجهمية والمعتزلة، وأن ابن عيدان وصاحبه أنكرا ذلك مثل ما أنكره أحمد والعلماء كلهم على أهل البدع. وقوله في الكتاب: ومذهب أهل السنة إثبات، من غير تعطيل ولا تجسيم ولا كيف ولا أين ... إلخ، وهذا من أبين الأدلة على أنه لم يفهم عقيدة الحنابلة، ولم يميز بينها وبين عقيدة المبتدعة؛ وذلك أن إنكار الأين من عقائد أهل الباطل، وأهل السنة يثبتونه اتباعاً لرسول الله ﷺ ، كما في الصحيح أنه قال للجارية: " أين الله؟ "، فزعم هذا الرجل أن إثباتها مذهب المبتدعة، وأن إنكارها مذهب أهل السنة كما قيل: وعكسه بعكسه. وأما الجسم، فتقدم الكلام أن أهل الحق لا يثبتونه ولا ينفونه، فغلط عليهم في إثباته. وأما التعطيل والكيف فصدق في ذلك؛ فجمع لكم أربعة ألفاظ: نصفها حق من عقيدة الحق، ونصفها باطل من عقيدة الباطل، وساقها مساقاً واحداً، وزعم أنه مذهب أهل السنة، فجهل وتناقض. وقوله أيضاً: ويثبتون ما أثبته الرسول ﷺ من السمع والبصر والحياة والقدرة والإرادة والعلم والكلام ... إلخ، وهذا أيضاً من أعجب جهله؛ وذلك أن هذا مذهب طائفة من المبتدعة يثبتون الصفات السبع، وينفون ما عداها ولو كان في كتاب الله، ويؤولونه. وأما أهل السنة، فكل ما جاء عن الله ورسوله أثبتوه، وذلك صفات كثيرة؛ لكن أظنه نقل هذا من كلام المبتدعة وهو لا يميز بين كلام أهل الحق من كلام أهل الباطل. إذا تقرر هذا، فقد ثبت خطؤه من وجوه: الأول: أنه لم يفهم الرسالة التي بعثت إليه. الثاني: أنه بهت أهلها بإثبات الجسم وغيره. الثالث: أنه نسبهم إلى الرافضة، ومعلوم أن الرافضة من أبعد الناس عن هذا المذهب وأهله.

стр. 97

الرابع: أنه نسب من أنكر هذه الألفاظ إلى الرفض والتجسيم، وقد تبين أن الإمام أحمد وجميع السلف ينكرونه، فلازم كلامه: أن مذهب الإمام أحمد وجميع السلف مجسمة على مذهب الرفض. الخامس: أنه نسب كلامهما إلى الفرية الجسمية، فجعل عقيدة إمامه وأهل السنة فرية جسمية. السادس: أنه زعم أن البدع اشتعلت في عصر الإمام أحمد، ثم ماتت حتى أحياها أهل الوشم؛ فمفهوم كلامه بل صريحه: أن عصر الإمام أحمد وأمثاله عصر البدع والضلال، وعصر ابن إسماعيل عصر السنة والحق. السابع: أنه نسبها إلى التعطيل، والتعطيل إنما هو جحد الصفات. الثامن: بهتهما أنهما نسبا من قبلهما من العلماء إلى التعطيل، لكونهما أنكرا على خطيب المبتدعة؛ وهذا من البهتان الظاهر. التاسع: أنه نسبهما إلى وراثة هشام الرافضي. العاشر: أن المسلم أخو المسلم، فإذا أخطأ أخوه نصحه سراً وبين له الصواب، فإذا عاند أمكنه المجاهرة بالعداوة. وهذا لما راسلاه صنف عليهما ١ ما علمت، وأرسله إلى البلدان. اعرفوني ... اعرفوني. تراي جاي من الشام. وأما التناقض وكون كلامه يكذب بعضه بعضاً، فمن وجوه: منها: أنه نسبهما تارة إلى التجسيم، وتارة إلى التعطيل؛ ومعلوم أن التعطيل ضد التجسيم، وأهل هذا أعداء لأهل هذا، والحق وسط بينهما. ومنها: أن نسبهما إلى الجهمية وإلى المجسمة؛ والجهمية والمجسمة بينهما من التناقض والتباعد

стр. 98

كما بين السواد والبياض، وأهل السنة وسط بينهما. ومنها: أنه يقول: مذهب أهل الحق: إثبات الصفات، ثم يقول: ولا أين، ولا ... ولا ... وهذا تناقض. ومنها: أنه يقول: ما أثبته الله ورسوله أثبت، ثم يخص ذلك بالصفات السبع؛ فهذا عين التناقض. فعقيدته التي نسب لأهل السنة جمعها من نحو أربع فرق من المبتدعة، يناقض بعضهم بعضاً، ويسب بعضهم بعضاً، ولو فهمت حقيقة هذه العقيدة لجعلتها ضحكة. ومنها: أنه يذكر عن أحمد أن الكلام في هذه الأشياء مذموم، إلا ما نقل عن رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعيهم، ثم ينقل لكم إثبات كلام المبتدعة ونفيهم، ويتكلم بهذه العقيدة المعكوسة، ويزعم أنها عقيدة أهل الحق. هذا ما تيسر كتابته عجلاً على السراج، والمأمول فيك أنك تنظر فيها بعين البصيرة، وتتأمل هذا الأمر. واعرض هذا عليه، واطلب منه الجواب عن كل كلمة من هذا، فإن أجابك بشيء، فاكتبه، وإن عرفته باطلاً، وإلا فراجعني فيه، أبينه لك. ولا تستحقر هذا الأمر، فإن حرصت عليه جداً، عرّفك عقيدة الإمام أحمد وأهل السنة وعقيدة المبتدعة، وصارت هذه الواقعة أنفع لك من القراءة في علم العقائد شهرين أو ثلاثة، بسبب الخطإ والاختلاف، مما يوضح الحق ويبين لخبائه ١. وأما النوع الثاني: فهو كلام في الشرك والتوحيد، وهو المصيبة العظمى والداهية الصمّا، والكلام على هذا النوع والرد على هذا الجاهل يحتمل مجلداً، وكلامه فيه كما قال ابن القيم: إذا قرأ المؤمن تارة يبكي، وتارة يضحك، ولكن أنبهك منه على كلمتين:

стр. 99

الأولى: قوله: إنهما نسبا من قبلهما إلى الخروج من الإسلام والشرك الأكبر، أفيظن أن قوم موسى لما قالوا: اجعل لنا إلها، خرجوا من الإسلام؟ أفيظن أن أصحاب رسول الله ﷺ لما قالوا: اجعل لنا ذات أنواط، فحلف لهم أن هذا مثل قول قوم موسى: اجعل لنا إلهاً، أنهم خرجوا من الإسلام؟ أيظن أن النبي ﷺ لما سمعهم يحلفون بآبائهم فنهاهم، وقال: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ١، أنهم خرجوا من الإسلام؟ إلى غير ذلك من الأدلة التي لا تحصر؛ فلم يفرق بين الشرك المخرج عن الملة من غيره، ولم يفرق بين الجاهل والمعاند. والكلمة الثانية: قوله: إن المشرك لا يقول: لا إله إلا الله، فيا عجباً من رجل يدعي العلم، وجاي من الشام يحمل كتب فلم ٢ تكلم، إذ إنه لا يعرف الإسلام من الكفر، ولا يعرف الفرق بين أبي بكر الصديق وبين مسيلمة الكذاب! أما علم أن مسيلمة يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم؟ أما علِم أن غلاة الرافضة الذين حرقهم عليّ يقولونها؟ وكذلك الذين يقذفون عائشة ويكذبون القرآن، وكذلك الذين يزعمون أن جبريل غلط. وغير هؤلاء ممن أجمع أهل العلم على كفرهم، منهم من ينتسب إلى الإسلام، ومنهم من لا ينتسب إليه كاليهود، وكلهم يقولون: لا إله إلا الله؛ وهذا بيِّن عند من له أقل معرفة بالإسلام من أن يحتاج إلى تبيان. وإذا كان المشركون لا يقولونها، فما معنى باب حكم المرتد الذي ذكر الفقهاء من كل مذهب؟ هل الذين ذكروهم الفقهاء وجعلوهم مرتدين لا يقولونها؟ هذا

стр. 100

الذي ذكر أهل العلم أنهم أكفر من اليهود والنصارى، وقال بعضهم: من شك في كفر أتباعه فهو كافر، وذكرهم في الإقناع في باب حكم المرتد، وإمامهم ابن عربي، أيظنهم لا يقولون: لا إله إلا الله؟ لكن هو آت من الشام، وهم يعبدون ابن عربي، جاعلين على قبره صنماً يعبدونه، ولست أعني أهل الشام كلهم، حاشا وكلا! بل لا تزال طائفة على الحق وإن قلّت واغتربت. لكن العجب العجاب استدلاله أن رسول الله ﷺ دعا الناس إلى قول: لا إله إلا الله، ولم يطالبهم بمعناها، وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، فتحوا بلاد الأعاجم وقنعوا منهم بلفظ ... إلى آخر كلامه، فهل يقول هذا من يتصور ما يقول؟ فنقول: أولاً: هو الذي نقض كلامه، وكذبه بقوله: دعاهم إلى ترك عبادة الأوثان، فإذا كان لم يقنع منهم إلا بترك عبادة الأوثان تبين أن النطق بها لا ينفع إلا بالعمل بمقتضاها، وهو ترك الشرك؛ وهذا هو المطلوب. ونحن إذا نهينا عن الأوثان المجعولة على قبر الزبير وطلحة وغيرهما، في الشام أو في غيره، فإن قلتم: ليس هذا من الأوثان، وإن دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم في الشدائد ليست من الشرك، مع كون المشركين الذين في عهد رسول الله ﷺ يخلصون لله في الشدائد، ولا يدعون أوثانهم، فهذا كفر. وبيننا وبينكم كلام العلماء من الأولين والآخرين، الحنابلة وغيرهم. وإن أقررتم أن ذلك كفر وشرك، وتبين أن قول: لا إله إلا الله لا ينفع إلا مع ترك الشرك، وهذا هو المطلوب، وهو الذي نقول، وهو الذي أكثرتم النكير فيه وزعمتم أنه لا يخرج إلا من خراسان. وهذا القول كما في أمثال العامة "لا وجه سميح ولا بنت رجال"، لا أقول صواباً إلا خطأ ظاهراً وسباً لدين الله، ولا هو أيضاً قول باطل يصدق بعضه بعضاً؛ بل مع كونه خطأ،

стр. 101

فهو متناقض يكذب بعضه بعضاً، لا يصدر إلا ممن هو أجهل الناس ١. وأما دعواه أن الصحابة لم يطلبوا من الأعاجم إلا مجرد هذه الكلمة، ولم يعرّفوهم بمعناها، فهذا قول من لا يفرق بين دين المرسلين ودين المنافقين الذين في الدرك الأسفل من النار؛ فإن المؤمنين يقولونها والمنافقين يقولونها، لكن المؤمنين يقولونها مع معرفة قلوبهم بمعناها، وعمل جوارحهم بمقتضاها، والمنافقون يقولونها من غير فهم لمعناها ولا عمل بمقتضاها. فمن أعظم المصائب وأكبر الجهل من لا يعرف الفرق بين الصحابة والمنافقين؛ لكن هذا لا يعرف النفاق ولا يظنه في أهل زماننا، بل يظنه في زمان رسول الله ﷺ وأصحابه، وأما زمانه فصلح بعد ذلك. وإذا كان زمانه ٢ وبلدانه يُنَزَّهون عن البدع، ومخرجها من خراسان، فكيف بالشرك والنفاق؟ ويا ويح هذا القائل، ما أجرأه على الله! وما أجهله بقدر الصحابة وعلمهم حيث ظن أنهم لا يعلمون الناس "لا إله إلا الله"! أما علم هذا الجاهل أنهم يستدلون بها على مسائل الفقه، فضلاً عن مسائل الشرك، ففي الصحيحين: " أن عمر ﵁ لما أشكل عليه قتال مانعي الزكاة لأجل قوله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ٣، قال أبو بكر: فإن الزكاة من حقها ". فإذا كان منع الزكاة من منع حق "لا إله إلا الله"، فكيف بعبادة القبور، والذبح للجن، ودعاء

стр. 102

الأولياء وغيرهم مما هو دين المشركين؟ وصرح الشيخ تقي الدين في اقتضاء الصراط المستقيم، بأن من ذبح للجن فالذبيحة حرام من جهتين: من جهة أنها مما أهل لغير الله به، ومن جهة أنها ذبيحة مرتد؛ فهي كخنْزير مات من غير ذكاة. ويقول: ولو سمى الله عند ذبحها، إذا كانت نيته ذبحها للجن، وردّ على من قال: إنه إن ذكر اسم الله حل الأكل منها مع التحريم. وأما ما سألت عنه من قوله ١: اللهم صلى على محمد ... ٢ إلخ، فهذه المحامل التي ذكر غير بعيدة، ولو كان الإنكار على الرجل الميت الذي صنفها، والإنكار إنما هو على الخطباء والعامة الذين يسمعون، فإن كان يزعم أن عامة أهل هذه القرى كل رجل منهم يفهم هذا التأويل، فهذا مكابرة، وإن كان يعرف أنهم ما قصدوا إلا المعاني التي لا تصلح إلا لله لم يمنع من الإنكار عليهم، وتبين ٣ أنه شرك كون ٤ الذي قالها أولاً قصد معنى صحيحاً، كما لو أن رجلاً من أهل العلم كتب إلى عامة أن نكاح الأخوات حلال، ففهموا منه ظاهره، وجعلوا يتزوجون أخواتهم خاصتهم وعامتهم، لم يمنع من الإنكار عليهم وتبيين أن الله حرم نكاح الأخوات كون القائل ٥ أراد الأخوات في الدين، كما قال إبراهيم ﵇ لسارة: هي

стр. 103

أختي. وهذا واضح بحمد الله؛ ولكن من انفتح له تحريف الكلم عن مواضعه، انفتح له باب طويل عريض. وأما النوع الثالث، وهو الكلام على التقليد والاستدلال، فكلامه فيه من أبطل الباطل وأظهر الكذب، وهو أيضا كلام جاهل ينقض بعضه بعضاً؛ ونحن ما أردنا المعنى الذي ذكر، والكلام على هذا طويل، ولكن أنا كتبت له كلاماً في هذا، مع رسالة طويلة؛ فاطلبه وراجعه وتأمله، وتكلمْ لله في سبيل الله بما يرضي الله ورسوله، واحذر من فتنة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١؛ فمن نجا منها فقد نجا من شر كثير. ولا تغفل عن قوله في خطبة شرح الإقناع: من عثر على شيء مما طغى به القلم ... إلخ، وقوله في آخرها: اعلم، رحمك الله، أن الترجيح إذا اختلف ٢ بين الأصحاب ... إلخ. وإن طمعت بالزيارة والمذاكرة من الرأس لعلك أيضاً تحقق علم العقائد وتميز بين حقه من باطله، وتعرف أيضاً علوم الإيمان بالله وحده، والكفر بالطاغوت، فتراي أشير وألزم، فإن رأيت أمر الله ورسوله فهو المطلوب، وإلا فقد وهبك الله من الفهم ما تميز به بين الحق والباطل، إن شاء الله تعالى. وهذا الكتاب، لا تكتمه عن صاحب الكتاب، بل اعرضه عليه، فإن تاب وأقر ورجع إلى الله فعسى، وإن زعم أن له حجة ولو في كلمة واحدة أو أن في كلامي مجازفة فاطلب الدليل، فإن أشكل شيء عليك فراجعني فيه حتى تعرف كلامي وكلامه. نسأل الله أن يهدينا وإياك والمسلمين إلى ما يحبه ويرضاه.

стр. 104

وأنت لا تلمني على هذا الكلام؛ تراني ١ استدعيته أولاً بالملاطفة، وصبرت منه على أشياء عظيمة، والآن أشرفت منه على أمور ما ظننتها لا في عقله ولا في دينه. منها: أنه كاتب إلى ٢ أهل ٣ الحساء يعاونهم على سب دين الله ورسوله ٤.

стр. 105

الرسالة الحادية والعشرون: رسالته إلى محمد بن سلطان ... -٤- الرسالة الحادية والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إلى محمد بن سلطان، سلمه الله تعالى. وبعد، لا يخفاك أنه ذكر لنا عنك كلام حسن، ويذكر أيضاً كلام ما هو بزين. وننتظر قدومك إلينا ونبين لك، عسى الله أن يهدينا وإياك الصراط المستقيم. وجاءنا عنك أنك تقول: أبغيكم تكتبون لي الدليل من قول الله وقول رسوله وكلام العلماء، على كفر الذين ينصبون أنفسهم للنذور، والنخي في الشدائد، ويرضون بذلك، وينكرون على من زعم أنه شرك. ويذكرون عنك أنك تقول: أبغي أعرضه على العلماء في الخرج وفي الأحساء؛ ولكم عليّ أني ما أقبل منهم الطفايس والكلام الفاسد. فإن بينوا حجة صحيحة من الله ورسوله أو عن العلماء تفسد كلامكم، وإلا اتبعت أمر الله ورسوله، واعتقدت كفر الطاغوت ومَن عبدهم، وتبرأت منهم. فإن كنت قلت هذا، فهو كلام حسن، وفقك الله لطاعته. ولا يخفاك أني أعرض هذا من سنين على أهل الأحساء وغيرهم، وأقول: كل إنسان أجادله ١ بمذهبه: إن كان شافعياً فبكلام الشافعية، وإن كان مالكياً فبكلام المالكية، أو حنبلياً أو حنفياً، فكذلك، فإذا أرسلت إليهم ذلك عدلوا عن الجواب، لأنهم يعرفون أني على الحق وهم على الباطل؛ وإنما يمنعهم من الانقياد التكبر والعناد على أهل نجد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ ٢. وأنا أذكر لك الدليل على هذا الأمر،

стр. 106

وأوصيك بالبحث عنه والحرص عليه. وأحذرك عن الهوى والتعصب؛ بل اقصد وجه الله، واطلب منه، وتضرع إليه أن يهديك للحق. وكن على حذر من أهل الأحساء، أن يلبسوا عليك بأشياء لا ترد على المسألة، أو يشبّهوا عليك بكلام باطل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١. وأنا أُشهد الله وملائكته، إن أتاني منهم حق لأقبلنّه على الرأس والعين. ولكن هيهات أن يقدر أحد أن يدفع حجج الله وبيّناته. واعلم، أرشدك الله، أن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب لمسألة واحدة، هي: توحيد الله وحده، والكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، والطاغوت هو الذي يسمى: "السيد"، الذي يُنخى ويُنذر له، ويُطلب منه تفريج الكربات غير الله تعالى. وهذا يتبين بأمرين عظيمين: الأول: توحيد الربوبية، وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا هو؛ وهذا حق، ولكن أعظم الكفار كفراً، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، يشهدون به ولم يدخلهم في الإسلام، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ

стр. 107

يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. فإذا تدبرت ٢ هذا الأمر العظيم، وعرفت أن الكفار يقرّون بهذا كله لله وحده لا شريك له، وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة والتقرب إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣، وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤. فإذا تبين لك هذا وعرفته معرفة جيدة، بقي للمشركين حجة أخرى؛ وهي أنهم يقولون: هذا حق، ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام ٥، فالجواب القاطع أن يقال لهم: إن الكفار في زمانه ﷺ ، منهم من يعتقد في الأصنام، ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات، ومنهم من يعتقد في الصالحين، وهم الذين ذكر الله في قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٦. يقول تعالى: هؤلاء الذين يدْعونهم الكفار ويدّعون محبتهم، قوم صالحون يفعلون طاعة الله ومع هذا راجون خائفون. فإذا تحققت أن العلي الأعلى ﵎ ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين وأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة عند الله والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين، وعرفت أن محمداً ﷺ لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام ومن اعتقد في الصالحين، بل قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم، تبين لك حقيقة دين الإسلام وعرفت

стр. 108

الأمر الثاني: وهو توحيد الإلهية، وهو أنه لا يُسجد إلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يُدعى في الرخاء والشدائد إلا هو، ولا يُذبح إلا له، ولا يُعبد بجميع العبادات إلا الله وحده لا شريك له، وأن من فعل ذلك في نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء فقد أشرك بالله، وذلك النبي أو الرجل الصالح بريء ممن أشرك به كتبرؤ عيسى من النصارى، وموسى من اليهود، وعلي من الرافضة، وعبد القادر من الفقراء. وعرفت أن الألوهية هي التي تسمى في زماننا: "السيد" ١، لقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٢. فتأمل قول بني إسرائيل مع كونهم إذ ذاك أفضل العالمين لنبيهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ يتبين لك معنى الإله، ويزيدك بصيرة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٣. فيا سبحان الله! إذا كان الله يذكر عن أولئك الكفار أنهم يخلصون لله في الشدائد، لا يدعون نبياً ولا ولياً، وأنت تعلم ما في زمانك أن أكثر ما بهم الكفر والشرك ودعاء غير الله عند الشدائد، فهل بعد هذا البيان بيان؟ وأما كلام أهل العلم، فقد ذكر في الإقناع، في باب حكم المرتد، إجماع المذاهب كلهم على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، أنه كافر مرتد حلال المال والدم. وذكر فيه أن الرافضي إذا شتم الصحابة فقد توقف الإمام في تكفيره، فإن ادعى أن علياً يُدعى في الشدائد والرخاء ٤ فلا شك في كفره ٥. هذا معنى كلامه في

стр. 109

الإقناع. " وهذا علي بن أبي طالب ﵁، لما اعتقد فيه النفع والضر أناس في زمانه حرقهم بالنار، مع عبادتهم "؛ فكذلك الذين يدعون شمسان وأمثاله وأجناسه، لا شك في كفرهم. واعلم أن هذه المسألة مسألة عظيمة جداً، وهي التي خلق الله الجن والإنس لأجلها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فأنت، اعرضْ هذا الكلام على كل من يدعي العلم، وأنا أعيذك بالله وجميع المسلمين من التكبر والعناد، الذي يرد صاحبه الحق بعد ما تبين. واعلم أن أكثر القرآن في هذه المسألة وتقريرها، وضرب الأمثال لها، والله أعلم.

стр. 110

الرسالة الثانية والعشرون: رسالته إلى عامة المسلمين ... -٥- الرسالة الثانية والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، أخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة؛ لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك، مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل. وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. وأنا صاحب منصب في قريتي مسموع الكلمة. فأنكر هذا بعض الرؤساء، لكونه خالف عادة نشؤوا عليها، وأيضاً ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر، وأنواع من المنكرات؛ فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه، لكونه مستحسناً عند العوام. فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس. وكبرت الفتنة جداً، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله ١. فنقول: التوحيد نوعان: توحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه متفرد
следующие страницы →