← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 762

أحكام الصف في الصلاة

عبد الكريم العميريني

Полный текст (274 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانيا: حسن الهيئة، والمظهر، مشابهة بصف الملائكة عند ربها، كما قال ﷺ : "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها … " (١). ثالثا: في التسوية، إقامة الصلاة، وحسنها، وتمامها، كما قال ﷺ "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة" (٢). رابعا: أن تسوية الصف من أعظم المظاهر، على التواد، والتراحم فيما بين المسلمين، بخلاف عدم الاستواء والتَّراص، فإنه يدل على التَّنافر، والاختلاف، ويثمر التباعد كما دل على ذلك حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح (٣)، حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه (٤) ثم خرج يوما، فقام حتى إذا كاد يكبر فرأى رجلاً

стр. 37

باديا صدره (١) من الصف، فقال عباد الله: لَتُسَوُّن صفوفكم، أو لَيُخَالفن الله بين وجوهكم" (٢). فجعل ﷺ اختلاف المصلين في الصف؛ سببا في اختلاف قلوبهم، وانتشار العداوة، والبغضاء بينهم. خامسا: ألا يشتغل بعضهم بالنظر إلى من يصلي بجواره، فإذا اصطفوا غابت وجوه بعضهم عن بعض، فحصل الخشوع والتذلل، الذي هو روح الصلاة. سادسا: إظهار قوة المسلمين، وتكاتفهم، واجتماعهم، كما أن صفوف المسلمين بهذا الاعتدال، والمساواة، تورث هيبة لأعدائهم، وقذفا للرعب في قلوبهم (٣). سابعا: من أجل أن يتذكر الإنسان بها وقوفه بين يدي الله تعالى يوم القيامة في ذلك الموطن المهول، والشفعاء من الأنبياء، والملائكة،

стр. 38

والمؤمنين، بمنزلة الأئمة في الصلاة يتقدمون الصفوف، وصفوفهم في الصلاة كصفوف الملائكة عند الله (١).

стр. 39

المبحث الثالث اهتمام العلماء في مصنفاتهم، بتسوية الصف لقد اهتم العلماء ﵏ في مصنفاتهم بتسوية الصف، إما بإفراد بحثٍ مستقل يتناول مبحثًا أو أكثر لهذا الموضوع ـ تسوية الصف ـ كما ألف الإمام السيوطيرحمه الله تعالى، كتابه (بسط الكف في إتمام الصف) وأفرد جمع كبير منهم أبوابًا في مصنفاتهم، فلا يكاد بحث، أو مؤلف يتعرض لأحكام الصلاة، إلا وقد تناول هذا الموضوع، سواء في كتب المحدثين، أو الفقهاء، مما يدل على أهميته، والتأكيد عليه، وممن بوب في ذلك من العلماء على سبيل المثال: ١ ـ مالك في الموطأ (١): (باب ما جاء في تسوية الصفوف). ٢ ـ محمد بن الحسن في كتاب الآثار (٢) (باب إقامة الصفوف). ٣ ـ عبد الرزاق في مصنفه (٣) (باب تسوية الصفوف عند الصلاة على الجنائز).

стр. 40

٤ ـ الدارمي في سننه (١): (باب في إقامة الصفوف). ٥ ـ البخاري في صحيحه (٢): (باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها). ٦ ـ ابن ماجه في سننه (٣) (باب إقامة الصفوف). ٧ ـ أبو داود في سننه (٤) (باب تسوية الصفوف). ٨ ـ الترمذي في سننه (٥) (باب ما جاء في تسوية الصفوف). ٩ ـ النسائي في سننه (٦) (باب حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها). ١٠ ـ ابن خزيمة في صحيحه (٧) (باب الأمر بتسوية الصفوف). ١١ ـ البيهقي في السنن الكبرى (٨) (باب إقامة الصفوف، وتسويتها).

стр. 41

١١ ـ البغوي في شرح السنة (١) (باب تسوية الصف، وإتمامه). ١٢ ـ النووي في شرحه لمسلم (٢) (باب تسوية الصفوف، وإقامتها، وفضل الأول فالأول). ١٣ ـ شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الفتاوى الكبرى (باب تسوية الصفوف) (٣). ١٤ ـ صديق حسن خان في كتاب الروضة الندية (باب على المؤتمين تسوية الصفوف) (٤).

стр. 42

الفصل الأول حقيقة الصف، وحكم تسويته، وضابطها ويشمل ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حقيقة الصف. وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الصف. المطلب الثاني: الألفاظ الواردة في تسوية الصفوف. المبحث الثاني: حكم تسوية الصف، وأثره على صحة الصلاة. المبحث الثالث: ضابط تسوية الصف، وما يلحق به. وفيه مطالب: المطلب الأول: إذا كان المأموم واحدا. المطلب الثاني: إذا كان مع الإمام صف واحد. المطلب الثالث: إذا كان مع الإمام أكثر من صف. المطلب الرابع: إذا كان مع المأمومين صبيان. المطلب الخامس: إذا كان مع المأمومين صف نساء.

стр. 43

المبحث الأول حقيقة الصف وفيه مطلبان المطلب الأول: تعريف الصف: الصَّفُّ: واحد الصفوف، وهو السَّطر المستوي من كل شيء معروف، و صففت القوم فاصطفوا إذا أقمتهم في صلاة، أو حرب، وصفَّ الطائر: إذا بسط جناحيه في طيرانه، وكل شيء مددته سطرا فهو صف، وَصَفَّت الإبل قوائمها فهي صَافَّة، و صواف، والصفصف: المستوي من الأرض (١). وَصَفَّ القوم يصفون صفا، واصطفوا وتصافوا - صاروا صفا وصففتهم - جعلتهم صفًّا والمُصف - موضع الصف، وكل سطر مستو من كل شيء صف (٢). قال الأصفهاني: "الصفُّ أن تجعل الشيء على خطٍ مستوٍ، كالناس، والأشجار، ونحو ذلك (٣)، ويقال هو - مُصَافِّي أي: صفته بحذاء صفتي،

стр. 44

والتَّصاف: التَّساطر (١). وقد وردت المادة بهذا المعنى في القرآن الكريم في آيات عدة؛ منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ (٢) أي: ائتوا الموضع الذي تَجتمعون فيهِ لعيدكم، وصلاتكم (٣)، ويقال: أتيت الصف أي المصلى، قال: ويجوز ثم ائتوا صفًّا: أي مُصطفين ليكون أنظم لكم، وأشد لهيبتكم (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (٥) الصافات: الملائكةُ مُصطفون في السماء، يسبحون الله تعالى (٦)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ (٧)؛ لأن لهم مراتب يقومون عليها صفوفًا، كما يصطف المصلون (٨)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي: باسطة أجنحتها (٩)،

стр. 45

وقوله تعالى ﴿﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (١)، قد صفت قوائمها، وقوله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ (٢)، أي: ملساء مستوية (٣). ومعنى تسوية الصف: اعتدال القائمين به على سَمْتٍ واحدٍ، وخطٍّ مستقيمٍ، وسد الخلل الذي في الصف بإلزاق المَنْكِب بالمَنْكِب، والقدم بالقدم (٤). والتسوية، والاعتدال، والاستقامة، والمحاذاة، بمعنى واحد. فالسواء: المستوي يقال أرض سواء أي مستوية، ودار سواء أي: مستوية المرافق، وثوب سواء مستو عرضه وطوله، ويقال رجل سواء البطن إذا كان بطنه مستويا مع الصدر (٥). والاستقامة: الاعتدال يقال استقام له الأمر، وقام الشيء واستقام اعتدل واستوى (٦). والمحاذاة: الُموازاة، يقال: حاذى الشيء: وازاه، وحذوته: قعدت

стр. 46

بحذائه، والحذاء الإزاء والمقابل (١). وفي الموسوعه الفقهية مادة (صَفَّ) أن معنى الصف الاصطلاحي، لا يخرج عن معناه اللغوي (٢). مما سبق، يتضح أن معنى الصف في اللغة، يدور حول التسوية، والاعتدال، والاستقامة، والمحاذاة، وأن بينهما وبين الصف تلازمًا، فالصف في الحرب، يعني الاعتدال، والاستقامة، وبسط الطائر جناحيه يلزم منه تسويتهما، وصف الإبل لقوائمها، يلزم منه استواء قوائمها، والصَّفْصَفُ من الأرض: المستوي منها. وكذلك الصف في الصلاة يعني: الاستواء، والاعتدال، والاستقامة، وهو الذي دلت عليه ألفاظ الحديث، كما سيأتي في المطلب الثاني، والمعتبر في ذلك المَنَاكِب في أعلى البدن والأَكْعُبِ (٣) في أسفل البدن قال أنس ﵁: "وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه" (٤) وهو المفهوم من إطلاق اللغويين وتعميمهم بأن كل سطر مستو من كل شيء يقال

стр. 47

له: صف. وقد وردت هذه اللفظة ومشتقاتها في سور عدة من سور القرآن الكريم (١). المطلب الثاني: الألفاظ الواردة في تسوية الصفوف: لقد تنوعت ألفاظ المصطفى ﷺ في تسوية الصفوف، وَسَأُوْرِدُ في هذا المبحث الألفاظ الثابتة، التي وقفت عليها من السنة، وَحَرِيٌ بكل إمام أن يقتدي بألفاظها، وأن ينوع العبارات، حينما يقوم بتسوية الصفوف؛ نشرًا للسنة، وتفهيمًا للمصلين بالنصوص الواردة في التسوية، كما هو الحال في كل سُنَّةٍ وردت على ألفاظ متعددة. ومن تلك الألفاظ ما يلي: الأول: حديث أنس ﵁: "أَقِيمُوا صُفُوفَكم وتراصّوا" (٢). الثاني: حديث أنس ﵁: "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة" (٣). الثالث: حديث أنس ﵁: "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام

стр. 48

الصلاة" (١). الرابع: حديث أبي هريرة ﵁: "أقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة" (٢). الخامس: حديث أبي مسعود ﵁: "استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (٣). السادس: حديث أنس ﵁: "أتموا الصفوف" (٤). السابع: حديث أنس ﵁: "أقيموا صفوفكم" (٥). الثامن: حديث النعمان بن بشير ﵁: "أقيموا صفوفكم ثلاثا" أي: قال تلك الكلمة ثلاثا (٦).

стр. 49

التاسع: حديث ابن عمر ﵁: "أقيموا الصفوف، وحَاذوا بين المَنَاكِب، وَسُدوا الخلل، وَلِيْنُوا بأيدي إخوانكم، ولا تَذَرُوا فرجات للشيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله" (١). العاشر: حديث أنس ﵁: "رصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق" (٢).

стр. 50

الحادي عشر: حديث أنس ﵁: "أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر" (١). الثاني عشر: حديث أنس ﵁: "استووا، استووا، استووا" (٢). الثالث عشر: حديث أنس ﵁: "استووا، استووا" (٣) الرابع عشر: حديث أبي هريرة ﵁: "أحسنوا إقامة الصفوف" (٤).

стр. 51

الخامس عشر: حديث جابر بن سمرة ﵁: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" (١). السادس عشر: حديث أنس ﵁: "تَرَاصُّوا واعتدلوا" (٢). السابع عشر: حديث أنس ﵁: "اعتدلوا سووا صفوفكم" (٣). فيظهر من تلك الألفاظ، أن تسوية الصف، تشمل عدة معان منها الإقامة، والاستواء، والمحاذاة، والتَّراص، وسد الفرج، وسأتناول هذه الضوابط في المبحث الرابع إن شاء الله تعالى بالتفصيل.

стр. 52

المبحث الثاني حكم تسوية الصف، وأثره على صحة الصلاة اتفق الفقهاءُ على مشروعيةِ تسويةِ الصَّف، وذلك للأحاديث الواردة المتواترة من فعل النبي ﷺ وقوله، ولفعل الخلفاء الراشدين من بعده؛ وذلك لأن التسوية، تتعلقُ بركنٍ عظيم من أركان الإسلام ـ الصلاة ـ وقد نقلَ ابنُ عبد البر الإجماعَ، على مشروعية ذلك (١). واختلف الفقهاء في حكم التسوية، هل هو سنة، أو واجب، على قولين: القول الأول: أن تسوية الصف سنة . وبه قال عامة الفقهاء، من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). واستدلوا على ذلك بأدلة منها: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " … وأقيموا

стр. 53

الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة" (١). وجه الاستدلال: أن حسن الشيء زيادة على تمامه، فدل على أن الصلاة تامة، وأن تسوية الصف زيادة حسن وجمال. ونوقش: بأن رواية "فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" (٢) ترد هذا الاستدلال، بمعنى أن من لم يقم الصف، فإن صلاته ناقصة. ويجاب عنه: بأنه قد يؤخذ من قوله: "من تمام الصلاة" أنه مستحب، لأنه لم يذكر أنه من أركانها، ولا واجباتها، وتمام الشيء أمرٌ زائدٌ على حقيقته، التي لا يتحقق إلا بها في مشهور الاصطلاح .. ) (٣). الدليل الثاني: حديث أنس ﵁ حيث قال: "مَا أَنْكَرْتُ شيئًا، إلا أنكم لا تُقِيْمُون الصفوف" (٤). وجه الاستدلال: أن أنس ﵁ لم يأمرهم بالإعادة ولو كان واجبًا لأمرهم بها.

стр. 54

وَنُوْقِشَ: بأن تسوية الصف إنما هو واجب للصلاة، خارج عن هيئتها، لا تبطل الصلاة بتركه. (١) القول الثاني: أن تسوية الصف، واجبة . وبه قال البخاري (٢)، وابن حزم (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والشوكاني، (٥) واللجنة الدائمة (٦)، وابن باز (٧)، وابن عثيمين (٨) وغيرهم، واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سووا صفوفكم" (٩). الدليل الثاني: حديث أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقبل علينا بوجهه، قبل أن يكبر فيقول: "تراصوا واعتدلوا" (١٠).

стр. 55

الدليل الثالث: حديثُ أنس ﵁ قال: "أقيموا صفوفكم، وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" (١). وجه الدلالة من الأحاديث: أن الألفاظ الواردة فيها (سووا، تراصوا، اعتدلوا، أقيموا … ) وردت بصيغة الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، ما لم يوجد صارف عنه. الدليل الرابع: حديثُ النعمان بن بشير ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لَتُسَوُّن صفوفكم، أو لَيُخَالِفَن الله بين وجوهكم" (٢). وجه الدلالة من الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن (اللام) في قوله ﷺ : (لَتُسَوُّن صفوفكم)، واقعة في جواب قسم مقدر، وتقدير الكلام: والله لَتُسَوُّن، فالجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات هي: القسم، واللام، والنون، وهذا خبر فيه تحذير (٣). الوجه الثاني: أمر النبي ﷺ به، وتوعده على مخالفته لا يكونان إلا على واجب. الدليل الخامس: أثر عن عمر ﵁ ما يدل على الوجوب، فقد صح عنه ﵁

стр. 56

"أنه كان يأمر بتسوية الصفوف فإذا جاءوه فأخبروه أن قد استوت كبر" (١) وكان عثمان ﵁ يفعل قريبا من ذلك (٢). وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أمره ﵁ بتسوية الصفوف، وعدم تكبيره حتى تعتدل الصفوف، والأمر يقتضي الوجوب. الوجه الثاني: أنه كان يقوم بتسوية الصفوف بنفسه، ويأمر غيره بالتسوية أيضًا، ففيه المبالغة، والمتابعة، والحرص على أن تكون الصفوف معتدلة، فدل ذلك على وجوب التسوية. الدليل السادس: حديثُ أنس ﵁ حينما قدم المدينة، حيث قال: "ما أنكرت شيئًا، إلا أنكم لا تُقِيْمُونَ الصُّفوف" (٣). وجه الاستدلال: أن الإنكار يستلزم الُمْنَكر، ولا يكون الإنكار غالبًا، إلا على ترك واجب، مع أنه قد يقع على ترك السُّنن (٤).

стр. 57

ويجاب عنه: بأن ذلك مجرد احتمال والظاهر من الأثر، الأمر بالتسوية، والنهي عن عدمها. الدليل السابع: أثر عن بلال ﵁ ما يدل على الوجوب فقد ثبت عن سويد بن غفلة أنه قال: "كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة، ويسوي مناكبنا" (١). وجه الاستدلال: أن فعل بلال وتسويته المَنَاكِب، والمعاقبة على عدم الامتثال بالضرب، يدل على وجوب التسوية. قال ابن حزم (٢): "فهذا بلال ما كان ليضرب أَحَدًا، على غير الفرض". ونوقش: بأنه كان ﵁ يريد التعزير، على ترك السُّنة (٣). الراجح: من خلال عرض الأقوال، والأدلة، والمناقشة، يتضح رجحان القول الثاني- القول بوجوب التسوية -؛ لقوة أدلتهم؛ وصراحتها؛ وسلامة غالبها من المناقشة، في مقابل ما ورد على أدلة القول الأول من مناقشة والله أعلم.

стр. 58

وببيان القول الراجح، بوجوب التسوية، يحسن التعرض إلى فرعين: الفرع الأول: أثر عدم التسوية على صحة الصلاة: تتفق أقوال الفقهاء على أن الصلاة صحيحة، مع ترك التسوية. إلا ابن حزم فيرى البطلان (١). قال الحافظ في الفتح (٢): "ومع القول بأن التسوية واجبة، فصلاة من خالف، ولم يُسَوِّ صحيحة لاختلاف الجهتين. يؤيد ذلك أن أنسًا ﵁، مع إنكاره عليهم، لم يأمرهم بإعادة الصلاة". قال الشيخ ابن عثيمين (٣) ﵀ حول هذه المسألة: " (بطلان صلاة من لم يسو الصف) فيه احتمال، قد يقال: إنها تبطل؛ لأنهم تركوا الواجب، ولكن احتمال عدم البطلان مع الإثم أقوى؛ لأن التسوية واجبة للصلاة، لا واجبة فيها، يعني أنها خارج عن هيئتها، والواجب للصلاة يأثم الإنسان بتركه، ولا تبطل الصلاة به، كالأذان مثلاً، فإنه واجب للصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه". ولأن الأصل صحة الصلاة، وترك التسوية، ليس من مبطلات الصلاة.

стр. 59

الفرع الثاني: حصول الإثم بترك التسوية . مما سبق ترجيحه بالقول بوجوب التسوية يظهر والله أعلم، أن إثم المخالفة بترك التسوية يقع على الإمام أولا إذا ترك الأمر بتسوية الصف؛ لأنه هو المأمور بذلك، وهو الذي يقابل المصلين، وينظر إليهم، ولفعل النبي ﷺ وخلفائه من بعده، كما في حديث النعمان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُسَوِّي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القِدَاح، حتى إذا رأى أنّا قد عَقَلْنَا عنه، ثم خرج يوما، فقام حتى إذا كاد أن يكبر، فرأى رجلاً باديًا صدره، فقال: عباد الله لَتُسَوُّن صفوفكم، أو لَيُخَالِفَن الله بين وجوهكم" (١)، وكذلك ما أثر عن عمر ﵁، وغيره، وإذا قام بذلك واجتهد، ولم يقم المأموم بما أمر به فإن الذي يأثم هو المأموم، لعدم امتثاله. كما ينبغي للمأمومين أن يجتهدوا في تسوية صفوفهم، والتّراص في الصف، وسد الفرج، وإكمال الصف الناقص، وغير ذلك من الأمور، التي هي من ضوابط تسوية الصف.

стр. 60

المبحث الثالث ضابط تسوية الصف، وما يلحق به المطلب الأول: إذا كان المأموم واحدا: الضابط للتسوية في هذه الحال: هو الوقوف عن يمين الإمام ملاصقا له، واختلف في صورة هذه الوقفة على قولين: القول الأول: أن يتقدم الإمام قليلا؛ حتى يتميز عن المأموم، وتكره محاذاته. وبه قال المالكية (١) والشافعية (٢). قال النَّفراوي: "وَيُنْدَب له أن يتأخر عنه قليلاً، بحيث يتميز الإمام من المأموم، وتكره محاذاته" (٣). وقال الأنصاري: "يُسْتَحَبُّ أن يقف الذكر ولو صبيًّا، إذا لم يحضر غيره، عن يمين الإمام، وأن يتأخر عنه قليلاً، استعمالاً للأدب، وإظهارًا لرتبة

стр. 61

الإمام، على رتبة المأموم، فإن ساواه، أو وقف عن يساره، أو خلفه كره" (١). وعللوا ذلك بما يلي: الأول: حتى يتميز الإمام عن المأموم. (٢) الثاني: استعمالاً للأدب مع الإمام؛ وإظهارًا لِرُتْبَتِهِ؛ وحتى يتم الاقتداء به. (٣) وحتى يتم الاحتراز من الوقوع في المنهي عنه، وهو التقدم على الإمام. ويناقش: بأن هذه التعليلات في مقابل النصوص الثابتة (٤)، فلم يبق في التعليلات حجة. القول الثاني: أن التسوية تكون بالمحاذاةِ (٥) مع الإمام. وبه قال الحنفية (٦)، والحنابلة (٧)، وهو اختيار البخاري (٨)،

стр. 62

وابن حجر (١)، وابن باز (٢)، وابن عثيمين (٣). قال الكاساني: "المختار هو الوقوف على يمين الإمام، إذا كان معه رجل واحد، ثم إذا وقف عن يمينه، لا يتأخر عن الإمام في ظاهر الرواية" (٤). وقال في تبيين الحقائق (٥): "ويقف الواحد عن يمينه أي عن يمين الإمام مساويا له". وقال في منار السبيل (٦): "ويقف الرجل الواحد عن يمينه، محاذيًا له" واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ قال: "نمت عند ميمونة ﵂، والنبي ﷺ عندها تلك الليلة، فتوضأ، ثم قام يصلي، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نَفَخ، وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن، فخرج فصلى، ولم يتوضأ (٧).

стр. 63

الدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ لِيُصَلي، فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فَأَدَارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا، حتى أقامنا خلفه" (١). الدليل الثالث: عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه أو خالته قال: فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا" (٢). وجه الدلالة من الأحاديث: أن ظاهر فعل النبي ﷺ مع ابن عباس، وجابر، وأنس ﵁ يدل على المحاذاة وعدم التأخر عنه ﷺ إذ لو كان فيه تأخر لنقل، لتكرر الحادثة ولحرص الصحابة ﵁ على فعل السنة ونقلها. الدليل الرابع: الأثر الذي رُوِيَ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵁ قال: "دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ فوجدته يُسَبِّح، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حذاءه، عن يمينه" (٣).

стр. 64

الترجيح: من خلال عرض القولين يظهر والله أعلم، أن القول الثاني هو الراجح _ أن التسوية تكون بالمحاذاةِ مع الإمام _؛ وذلك للأدلة الواضحة؛ ولموافقة فهم الصحابة، الذين هم خير القرون؛ ولما أورد على تعليلات القول الأول من مناقشة. المطلب الثاني: إذا كان مع الإمامِ صفٌ واحدٌ: إذا كان وراء الإمام صفٌّ واحدٌ فإن ضابط التسوية، وكمالها، في هذه الحال تكون بما يلي: الضابط الأول: بالمحاذاة بين المأمومين، وذلك من الأعلى بالمَنَاكِب ، ومن الأسفل بالأكعب، وأدلة هذا الضابط: الدليل الأول: حديثُ النعمان بن بشير ﵁ قال: "أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم ثلاثًا، والله لَتُقِيْمُنَّ صفوفكم، أو لَيُخَالِفَنَّ الله بين قلوبكم، قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه" (١).

стр. 65

الدليل الثاني: حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري" (١) "وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، ولو ذهبت تفعل ذلك لترى أحدهم كأنه بغل شُمُوس" (٢) (٣). وجه الدلالة من الحديثين: أن الصفة المذكورة في الحديثين تدل دلالة واضحة، وصريحة، على أن التسوية تكون بالمحاذاة، والمساواة، بدليل إلصاق المَنْكِب بالمَنْكِب، والركب بالركب، والقدم بالقدم. الدليل الثالث: عن عاصم عن أبي عثمان قال: "ما رأيت أَحَدًا كان أشد تعاهدًا للصف من عمر ﵁ إن كان يستقبل القبلة، حتى إذا قلنا قد كبر، التفت فنظر إلى المَنَاكِب، والأقدام، وإن كان يبعث رجالاً يطردون الناس حتى يلحقوهم بالصفوف" (٤).

стр. 66

وجه الدلالة: أن عمر ﵁ كان يتعاهد الصفوف، وينظر إلى المَنَاكِب، والأقدام التي هي محل تسوية الصف، والضابط له. الضابط الثاني: التَّراص في الصف، وسد الفرج، والتقارب بين المأمومين (١). وأدلة هذا الضابط: الدليل الأول: حديثُ جابر بن سمرة ﵁ قال خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ألا تَصُفوُّنَ كما تصف الملائكة عند ربهم، قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصف الأول، ثم يَتَرَاصُوْنَ في الصف" (٢). الدليل الثاني: حديثُ ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المَنَاكِب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ للشيطان، ومن وَصَلَ صفًّا، وصله الله، ومن قطع صفًّا، قطعه الله" (٣). الضابط الثالث: تفضيل ميمنة الصف، على يساره ، وذلك إذا تساوى

стр. 67

ميمنة الصف مع يساره، أو تقاربا، (١) بحيث لا يظهر جليًّا الفرق بينهما، فإن اليمين أفضل، وذلك للأدلة العامة، ومنها: الدليل الأول: حديثُ عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يعجبه التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِه، وَطُهُوْرِهِ، وفي شأنه كله" (٢). الدليل الثاني: حديثُ عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله، وملائكته، يصلون على مَيَامِنِ الصفوف" (٣). الدليل الثالث: حديث البراء ﵁ قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني

стр. 68

عذابك، يوم تبعث، أو تجمع عبادك" (١). الدليل الرابع: الذي أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني غير واحد، عن ابن عباس ﵁ قال: "عليكم بميامن الصفوف … " (٢). المطلب الثالث: إذا كان مع الإمام، أكثر من صف: أما إذا كان وراء الإمام صفوف، فإن ضابط التسوية يتضمن التالي: الضابط الأول: بـ (المحاذاة، والتَّراص في الصف، وتفضيل يمين الصف) وسبق بيانها، وأدلتها (٣). الضابط الثاني: إكمال الأول فالأول. وأدلة هذا الضابط: الدليل الأول: حديثُ سمرة ﵁ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم، قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال يتمون الصف الأول، ثم يتراصون في الصف" (٤).

стр. 69

الدليل الثاني: حديثُ أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتموا الصف الأول، ثم الذي يليه، فإن كان نَقْصٌ فليكن في الصف المُؤَخَّرِ" (١). الضابط الثالث: تقارب الصفوف فيما بينها، بحيث لا يكون هناك مسافة واسعة بين الإمام، والصف الأول، وبين الصف الأول والذي يليه، وهكذا بقية الصفوف (٢). وذلك لأمور: الأول: أنه أدعى للاجتماع، فإن المسافة إذا زادت بين الصف والذي يليه كثيرًا، كان ذلك خللا في حصول الألفة، والاجتماع، الذي هو من مقاصد صلاة الجماعة. الثاني: أن الصفوف كلما كانت متقاربة متراصة كان ذلك أحسن وأجمل في هيئتها، وزيادة في هيبتها لعدوها. الثالث: حصول تمام الاقتداء، فإن التقارب بين الصفوف، أدعى أن

стр. 70

يقتدي كل صف بالذي يليه في أفعال الصلاة، فالصف الذي يلي الإمام يقتدي بالإمام، ومن خلفهم يقتدي بالصف الأول وهكذا، ويؤيده قوله ﷺ : "تقدموا فائتموا بي وليائتم بكم من بعدكم" (١). وقد بوب البخاري على هذا فقال: (باب الرجل يائتم بالإمام و يائتم الناس بالمأموم) (٢). المطلب الرابع: إذا كان مع المأمومين صبيان: إذا اجتمع الرجال، مع الصبيان ـ المميزين ـ فالضابط في هذه الحالة، فيه قولان: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء على تقديم الرجال وتأخير الصبيان. (٣) سواء حضروا جميعا، أو تقدم بعضهم على بعض. واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: قول النبي ﷺ : "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى" (٤).

стр. 71

وجه الدلالة: أن الحديث أمر من النبي ﷺ ، وأقل أحواله الاستحباب. (١) الدليل الثاني: حديثُ قيس بن عباد ﵁ قال: "أتيت المدينة لألقى أصحاب محمدٍ ﷺ ، ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلي من أُبي فأقيمت الصلاة، وخرج عمر مع أصحاب رسول الله ﷺ فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم، فعرفهم غيري، فَنَحَّاني، وقام في مكاني، فما عَقَلْتُ صلاتي، فلما صلى قال: يا بُنَي، لا يَسُوءُك الله، فإني لم آتك الذي أتيتك بجهالة، ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك. وكان الرجل أُبي بن كعب" (٢). الدليل الثالث: حديثُ أبي مالك الأشعري ﵁ قال: "ألا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ ، قال: فأقام الصلاة، وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان" (٣).

стр. 72

الدليل الرابع: أثر عن حذيفة ﵁ أنه "كان يفرق بين الصبيان في الصف، أو قال: في الصلاة" (١). وإعمال هذا الضابط إذا لم يحصل من اجتماعهم لعب، أو تشويش على المصلين. أما في حالة الخوف من اجتماعهم حدوث لعب، وتشويش على المصلين، فإنه في هذه الحال، لا يجمعون في مكان واحد، وإنما يوزعون بين الرجال، فيوضع بين كل رجلين صبي (٢)، وذلك إعمال للقاعدة الفقهية (الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها) (٣) وكذلك إذا تعارض مصلحة تقديم الرجال على الصبيان، ومفسدة ما قد يحصل منهم من تشويش، ولعب، فإنه في هذه الحال تعمل القاعدة الفقهية (دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح) (٤) وذلك إذا تساوتا أو رجحت المفاسد. الدليل الخامس: أُثِرَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان "إذا رأى غلاما

стр. 73

في الصف أخرجه" (١). الدليل السادس: أن وجود أصحاب العقول والنهى (الرجال) وراء الإمام قد يحتاج إليهم، في فتح، أو استخلاف. القول الثاني: أن الصبيان إذا سبقوا إلى الصف الأول، والمكان الفاضل فهم أحق به من غيرهم، ولا يؤخرون عنه، وأدلة وهو قول ابن باز، وابن عثيمين. (٢) قال ابن باز: "إذا كان الصبي مميزًا، عاقلاً، فلا يؤخر من مكانه؛ لأنه قد سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فكان أولى؛ ولما فيه من التشجيع للصبيان على المسابقة إلى الصلاة، وإذا كان دون التمييز، أو غير عاقل فإنه يؤخر؛ لأنه صلاته غير صحيحة" (٣). الدليل الأول: حديثُ ابن عمر ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه قلت لنافع ـ أحد رواة الحديث ـ الجمعة قال: الجمعة وغيرها" (٤).

стр. 74

وجه الدلالة: قال القرطبي: (١) "نهيه ﷺ عن أن يقام الرجل من مجلسه، إنما كان ذلك لأجل أن السابق لمجلس قد اختص به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه، فكأنه قد ملك منفعة ما اختص به من ذلك، فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه". الدليل الثاني: أنه قد يحصل في إبعاد الصبي ـ الصبيان ـ عن مكانه الذي سبق إليه تنفير له، وقد يؤدي أيضا إلى كره المساجد ومن فيها، ويقع في نفسه بغض الشخص الذي أخره، والحقد عليه، وهذا مخالف لمقاصد الصلاة من الألفة، والمحبة، وغيرها من المقاصد الشرعية (٢). الدليل الثالث: أن إبعاد الصبيان عن أماكنهم التي سبقوا إليها، لم يستفض نقله عن سلف الأمة، وأما ما ورد عن بعض الصحابة من تأخير الصبي، فهو محمول على الصبي الذي لا يعقل الصلاة، ويكثر العبث فيها.

стр. 75

المطلب الخامس: إذا كان مع المأمومين صفُّ نساءٍ: وضابط التسوية في هذه الحال: الضابط الأول: أخذهن بما تقدم من المحاذاة بالمَنَاكِب، والأكعب، والتَّراص، وإكمال الصف الأول فالأول (١). وذلك لأن الأصل استواء الرجال، والنساء في الأحكام، إلا ما دل الدليل على خصوصيته. الضابط الثاني: بتأخيرهن عن صفوف الرجال، وبعدهن عنهم؛ درءا للفتنة، والاختلاط، وتحقيقا لمقصد العبادة (٢). دليل هذا الضابط: حديثُ أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " … وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (٣).
следующие страницы →