← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 762

أحكام الصف في الصلاة

عبد الكريم العميريني

Полный текст (274 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وجه الدلالة: أن الحديث أمر من النبي ﷺ ، وأقل أحواله الاستحباب. (١) الدليل الثاني: حديثُ قيس بن عباد ﵁ قال: "أتيت المدينة لألقى أصحاب محمدٍ ﷺ ، ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلي من أُبي فأقيمت الصلاة، وخرج عمر مع أصحاب رسول الله ﷺ فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم، فعرفهم غيري، فَنَحَّاني، وقام في مكاني، فما عَقَلْتُ صلاتي، فلما صلى قال: يا بُنَي، لا يَسُوءُك الله، فإني لم آتك الذي أتيتك بجهالة، ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك. وكان الرجل أُبي بن كعب" (٢). الدليل الثالث: حديثُ أبي مالك الأشعري ﵁ قال: "ألا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ ، قال: فأقام الصلاة، وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان" (٣).

стр. 72

الدليل الرابع: أثر عن حذيفة ﵁ أنه "كان يفرق بين الصبيان في الصف، أو قال: في الصلاة" (١). وإعمال هذا الضابط إذا لم يحصل من اجتماعهم لعب، أو تشويش على المصلين. أما في حالة الخوف من اجتماعهم حدوث لعب، وتشويش على المصلين، فإنه في هذه الحال، لا يجمعون في مكان واحد، وإنما يوزعون بين الرجال، فيوضع بين كل رجلين صبي (٢)، وذلك إعمال للقاعدة الفقهية (الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها) (٣) وكذلك إذا تعارض مصلحة تقديم الرجال على الصبيان، ومفسدة ما قد يحصل منهم من تشويش، ولعب، فإنه في هذه الحال تعمل القاعدة الفقهية (دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح) (٤) وذلك إذا تساوتا أو رجحت المفاسد. الدليل الخامس: أُثِرَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان "إذا رأى غلاما

стр. 73

في الصف أخرجه" (١). الدليل السادس: أن وجود أصحاب العقول والنهى (الرجال) وراء الإمام قد يحتاج إليهم، في فتح، أو استخلاف. القول الثاني: أن الصبيان إذا سبقوا إلى الصف الأول، والمكان الفاضل فهم أحق به من غيرهم، ولا يؤخرون عنه، وأدلة وهو قول ابن باز، وابن عثيمين. (٢) قال ابن باز: "إذا كان الصبي مميزًا، عاقلاً، فلا يؤخر من مكانه؛ لأنه قد سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فكان أولى؛ ولما فيه من التشجيع للصبيان على المسابقة إلى الصلاة، وإذا كان دون التمييز، أو غير عاقل فإنه يؤخر؛ لأنه صلاته غير صحيحة" (٣). الدليل الأول: حديثُ ابن عمر ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه قلت لنافع ـ أحد رواة الحديث ـ الجمعة قال: الجمعة وغيرها" (٤).

стр. 74

وجه الدلالة: قال القرطبي: (١) "نهيه ﷺ عن أن يقام الرجل من مجلسه، إنما كان ذلك لأجل أن السابق لمجلس قد اختص به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه، فكأنه قد ملك منفعة ما اختص به من ذلك، فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه". الدليل الثاني: أنه قد يحصل في إبعاد الصبي ـ الصبيان ـ عن مكانه الذي سبق إليه تنفير له، وقد يؤدي أيضا إلى كره المساجد ومن فيها، ويقع في نفسه بغض الشخص الذي أخره، والحقد عليه، وهذا مخالف لمقاصد الصلاة من الألفة، والمحبة، وغيرها من المقاصد الشرعية (٢). الدليل الثالث: أن إبعاد الصبيان عن أماكنهم التي سبقوا إليها، لم يستفض نقله عن سلف الأمة، وأما ما ورد عن بعض الصحابة من تأخير الصبي، فهو محمول على الصبي الذي لا يعقل الصلاة، ويكثر العبث فيها.

стр. 75

المطلب الخامس: إذا كان مع المأمومين صفُّ نساءٍ: وضابط التسوية في هذه الحال: الضابط الأول: أخذهن بما تقدم من المحاذاة بالمَنَاكِب، والأكعب، والتَّراص، وإكمال الصف الأول فالأول (١). وذلك لأن الأصل استواء الرجال، والنساء في الأحكام، إلا ما دل الدليل على خصوصيته. الضابط الثاني: بتأخيرهن عن صفوف الرجال، وبعدهن عنهم؛ درءا للفتنة، والاختلاط، وتحقيقا لمقصد العبادة (٢). دليل هذا الضابط: حديثُ أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " … وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (٣).

стр. 76

الفصل الثاني أحكام صفوف الرجال ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: حكم مصافة المأموم الواحد. المبحث الثاني: حكم مصافة الاثنين. المبحث الثالث: حكم مصافة أكثر من اثنين. المبحث الرابع: حكم من صف وحده خلف الصف. وفيه مطلبان: المطلب الأول: بالنسبة للرجال. المطلب الثاني: بالنسبة للنساء.

стр. 77

المبحث الأول حكم مصافة المأموم الواحد ذهب عامة الفقهاء (١) ﵏، على مشروعية وقوف المأموم الواحد، عن يمين الإمام محاذيًا له، ومن نصوصهم ما يلي: قال الزيلعي: "ويقف الواحد عن يمينه" (٢). وقال في هذيب المدونة: "وإن صلى معه رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه" (٣) وقال القيرواني: "والرجل الواحد مع الإمام يقف عن يمينه" (٤). وقال الماوردي: "إذا أم رجلٌ رجلاً، فالسنة أن يقف عن يمين الإمام" (٥). وقال ابن قدامة: "وإذا كان المأموم واحدا ذكرًا، فالسنة أن يقف عن يمين

стр. 78

الإمام، رجلاً كان أو غلامًا" (١). واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: حديثُ ابن عباس ﵃ قال: "نمت عند ميمونة ﵂، والنبي ﷺ عندها تلك الليلة، فتوضأ، ثم قام يصلي، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نَفَخَ، وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن، فخرج فصلى ولم يتوضأ" (٢). الدليل الثاني: حديثُ جابر بن عبد الله ﵃ قال: "قام رسول الله ﷺ ليصلي فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فأخذ بأيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه" (٣). الدليل الثالث: حديثُ أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه أو خالته قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا" (٤). الدليل الرابع: أُثِرَ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵁ أنه قال: "دخلت

стр. 79

على عمر بن الخطاب، فوجدته يُسَبِّح، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حِذَاءَهُ، عن يمينه" (١). الدليل الخامس: روى ابن جريج قال: قلت لعطاء: "الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شِقِّهِ الأيمن" (٢). وجه الدلالة من الأحاديث والآثار: أنها تدل صراحة، على أن المشروع للمأموم الواحد أن يقف عن يمين الإمام، وأنه ينبغي للإمام أن يحول من وقف عن يساره إلى يمينه، كما فعل النبي ﷺ . واختلف الفقهاء، فيما إذا خالف المأموم الهيئة المشروعة المتفق عليها، فصلى المأموم عن يسار الإمام، فهل صلاته صحيحة أم لا؟ على قولين: القول الأول: لا تصح صلاته، إذا صلى ركعة كاملة، وهي رواية عند الحنابلة (٣). قال في الفروع: (٤) "ومن صلى عن يساره، ركعة فأكثر، مع خلو يمينه لم يصح".

стр. 80

وقال المرداوي: "فإن لم يكن عن يمينه أحد فالصحيح من المذهب أن صلاته لا تصح إذا صلى ركعة منفردًا" (١). واستدلوا على ذلك بما يلي: الدليل الأول: حديثُ ابن عباس ﵃ السابق في الأدلة على مشروعية وقوف المأموم الواحد، عن يمين الإمام (٢). الدليل الثاني: حديثُ جابر بن عبد الله ﵃ السابق (٣). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ أدارهما من يساره إلى يمينه، فدل على أن اليسار غير موقف للمأموم الواحد، فإذا وقف فيه بطلت صلاته. ونوقش الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن فعل النبي ﷺ مع ابن عباس، وجابر ﵃، فعل مجرد، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب (٤). الوجه الثاني: أنه لو كان للوجوب، لقال النبي ﷺ لابن عباس ﵁: لا تعد لمثل هذا، كما قال ذلك لأبي بكرة ﵁ عندما انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع،

стр. 81

فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصا ولا تعد" (١). (٢) الوجه الثالث: أن الصلاة إذا اكتملت شروطها، وواجباتها، وأركانها، فإنها صحيحة، حتى يوجد دليل صحيح صريح يدل على البطلان، ولا يوجد، وتحويل النبي ﷺ لابن عباس وجابر، يدل على الأفضلية فقط؛ لأنه لم ينه عنه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. (٣) ويناقش: بأن النبي ﷺ قال لأبي بكرة ﵁ لأنه يحتاج لهذا البيان، ولم يقل لابن عباس ﵁، لأنه قد بين له بالفعل، وذلك بتحويله من جهة اليسار إلى اليمين. القول الثاني: أن صلاته صحيحة، مع الكراهة. وبه قال الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) وهو رواية عند الحنابلة، قال

стр. 82

في الفروع: وهو أظهر (١)، وهو اختيار عبد الرحمن بن سعدي (٢)، وابن باز (٣)، والشيخ ابن عثيمين (٤) جاء في الفتاوى الهندية (٥): "ولو وقف على يساره جاز، وقد أساء". وقال مالك: (٦) "في رجلين صليا فقام الذي ليس بإمام عن يسار الإمام إن علم بذلك، قبل أن يفرغ من صلاته، أداره إلى يمينه، وإن لم يعلم بذلك حتى فرغ، فصلاته تامة". وقال الشافعي: "وإذا أم رجلٌ رجلاً، فوقف المأموم عن يسار الإمام، أو خلفه كرهتُ ذلك لهما، ولا إعادة على واحد منهما، وأجزأت صلاته" (٧). واستدلوا على ذلك بما يلي: الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵃ قال: "نمت عند ميمونة ﵂، والنبي ﷺ عندها تلك الليلة، فتوضأ، ثم قام يصلي، فقمت عن يساره،

стр. 83

فأخذني فجعلني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن، فخرج فصلى ولم يتوضأ" (١). الدليل الثاني: حديثُ جابر بن عبد الله ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ ليصلي، فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدراني، حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فأخذ بأيدينا جميعا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه" (٢). وجه الدلالة من الحديثين: أن إدارة النبي ﷺ لهما من اليسار إلى اليمين، إنما نقلهما إلى المكان الفاضل، فدل على صحتها، ولم يأمرهما النبي ﷺ باستئناف التحريمة، وهي ركن من أركان الصلاة. ونوقش: بأن ابن عباس وجابر ﵃ كانا معذورين بالجهل، ولا تقوم الحجة على الجاهل، إلا بعد العلم. (٣) الدليل الثالث: أن العبادات عمومًا ومنها الصلاة إذا اكتملت شروطها، وأركانها، وواجباتها، فإن الأصل الصحة، ولا تبطل إلا بدليل، ولا دليل هنا على البطلان.

стр. 84

الدليل الرابع: أن جانب الإمام الأيسر أحد الجانبين، فصحت الصلاة فيه كالجانب الآخر (١). ونوقش: بأن هذا القياس يصح لو كان مسكوتا عنه شرعا، لكنه ﵊، لم يقر من وقف عن يساره، بل حوله إلى جنبه الأيمن، فاختلف الجانبان في الحكم. (٢) الترجيح: بعد التأمل في القولين، وأدلتهما يظهر والله أعلم أن الراجح منهما هو القول الثاني، وأن الموقف المشروع، والأفضل، وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام؛ لقوته وصراحة أدلته؛ ولأن الأصل صحة الصلاة، ولا ينتقل عن الأصل إلا بدليل صريح؛ ولما ورد على أدلة القول الأول من مناقشة.

стр. 85

المبحث الثاني حكم مصافة الاثنين ذهب عامة الفقهاء (١) على أن مصافة الاثنين سواء كانا خلف الإمام، أو كان أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، أن ذلك غير مبطل للصلاة. واختلفوا في أي الصفتين أفضل، على قولين: القول الأول: أن الإمام يقف بينهما (وسطهما). وبه قال ابن مسعود ﵁ (٢) وصاحباه عَلْقَمةُ، والأسود، وأبو يوسف (٣) وبعض الكوفيين (٤) واستدلوا على ذلك: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "وسطوا الإمام، وسدوا الخلل" (٥).

стр. 86

وجه الاستدلال: قالوا: المعنى أجعلوه وسط الصف، فيما بينكم غير متقدم، ولا متأخر (١). ونوقش: بأن الحديث ضعيف كما سبق تخريجه وبيان الحكم عليه. (٢) وأيضا زيادة على ضعفه يرد عليه احتمالات عدة منها: أولا: يحتمل أن المراد اجعلوه مقابلاً لوسط الصف، الذي تصفون خلفه. ثانيا: يحتمل أن يكون من قولهم: فلان وَاسِطَةُ قومه، أي: خِيَارُهم، ومع الاحتمال لا ينهض الاستدلال به، وأيضا هو مهجور الظاهر بالإجماع، لأن ابن مسعود ومن معه قالوا بتوسط الإمام في الثلاثة، لا فيما زاد عليهم، فيقفون خلفه، وظاهر الحديث عدم الفرق بين الثلاثة وأكثر منهم (٣). الدليل الثاني: حديثُ عَلْقَمَةَ والأسود ﵃، قالا: "أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا، قال: فقوموا فصلوا فلم يأمرنا بأذان، ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، قال: فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال:

стр. 87

فضرب أيدينا، وطبق بين كفيه، ثم أدخلهما بين فخذيه، قال: فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء، يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة، فصلوا جميعا، وإذا كنتم أكثر من ذلك، فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه، وليجنأ (١) وليطبق بين كفيه، فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ فأراهم" (٢). وجه الاستدلال: أن فعل عبد الله بن مسعود يدل على أن موقف الإمام من الاثنين أن يكون بينهما. ونوقش: من وجوه: الوجه الأول: أن فعل ابن مسعود ﵁، كان لضيق المكان (٣). ويجاب عنه: أنه ورد في نص الحديث (وذهبنا لنقوم خلفه) فهذا يدل

стр. 88

على أن المكان واسع (١). الوجه الثاني: أن حديث ابن مسعود ﵁ يدل على جواز ذلك، وحديث جابر وجبار ﵃ يدل على الأفضل، لأنه جعلهما خلفه، ولا ينقلهما إلا إلى الأكمل (٢). الوجه الثالث: قال بعض العلماء: إن حديث ابن مسعود ﵁ موقوف عليه، وأعله بعضهم، وقال بعضهم، إنه منسوخ. (٣) قال ابن باز ﵀: "والصواب أنه موقوف من اجتهاده أومنسوخ" (٤). القول الثاني: أن موقفهما المشروع خلف الإمام. وبه قال الحنفية، (٥) والمالكية، (٦) والشافعية، (٧) والحنابلة (٨).

стр. 89

قال البابرتي (١): "وإن أم اثنين، تقدم عليهما". وقال الحطاب: "يستحب وقوف الرجل عن يمين إمامه، واثنان خلفه" (٢). وقال النووي (٣): "إذا حضر إمام ومأمومان، تقدم الإمام، واصطفا خلفه، سوا كانا رجلين، أو صبيين، أو رجلا وصبيا، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، إلا عبد الله بن مسعود، وصاحبيه عَلْقَمَةَ والأسود". وقال البهوتي: "السنة أن يقف المأمومون، رجالاً كانوا أو نساء، إن كانوا اثنين فأكثر، خلف الإمام" (٤). واستدلوا على ذلك بما يأتي: الدليل الأول: حديثُ أنس بن مالك ﵁، أن جدته مُلَيْكَة ﵂، دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، فقال: "قوموا فلأصلي بكم، فقمت إلى حصير لنا، قد اسود من طول ما لبث، فَنَضَحْتُهُ بماء، فقام رسول الله ﷺ ، واليتيم معي، والعجوز من ورائنا، وصلى بنا ركعتين" (٥).

стр. 90

الدليل الثاني: حديثُ جابر ﵁ قال " .. قمت عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء ابن صخر حتى قام عن يساره، فأخذنا بيديه جميعًا حتى أقامنا خلفه." الحديث (١). الدليل الثالث: حديثُ عتبان بن مالك ﵁ قال عتبان: فَغَدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال أَيْنَ تُحِبّ أن أصلي من بيتك قال فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله ﷺ فكبر فقمنا فصفنا فصلى ركعتين ثم سلم" الحديث (٢). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن فعل النبي ﷺ مع ﵁ أنس واليتيم، ومع جابر وجبار، ومع عتبان ﵃، أدلة صحيحة، صريحة، على أن الموقف المشروع للاثنين خلف الإمام. الترجيح: بعد التأمل في القولين، وأدلتهما، يظهر والله أعلم بالصواب أن

стр. 91

القول بأن موقف المأمومين الاثنين، خلف الإمام ـ القول الثاني ـ هو الراجح؛ وذلك لقوة الأدلة؛ وصراحتها؛ ولما ورد على أدلة القول الأول من مناقشة واحتمالات. أما إذا وقف الإمام وسطهما فإن الصلاة صحيحة. قال الكاساني: "لو قام الإمام وسطهما لا يكره لورود الأثر وكون التأويل من باب الاجتهاد". (١) قال الشافعي: "وكذلك إن أم اثنين، فوقفا عن يمينه، ويساره، أو عن يساره معا، أو عن يمينه، أو وقف أحدهما عن جنبه، والآخر خلفه، أو قفا معا خلفه منفردين، كل واحد منهما خلف الآخر، كرهت ذلك لهما، ولا إعادة على واحد منهما، ولا سجود للسهو". (٢) قال البهوتي: "ويصح وقوفهم معه، أي مع الإمام عن يمينه، أو عن جانبيه". (٣) وكذلك إذا وقفا عن يمينه، أو وقفا عن يساره، مع خلو يمينه، فقد خالفا السنة، وصلاتهم صحيحة، جائزة، على القول الراجح كما سبق في موقف المأموم الواحد (٤).

стр. 92

المبحث الثالث حكم مصافة أكثر من اثنين إذا كان مع الإمام ثلاثة فما فوق، فمما تقدم من أن موقف الاثنين خلف الإمام؛ لأنهم جماعة، فما كان أكثر من ذلك، فإن وقوفهم خلف الإمام من باب أولى، وهذا ما نص عليه أكثر الفقهاء. قال الكاساني (١): "إذا كان سوى الإمام ثلاثة، يتقدمهم لفعل رسول الله ﷺ ، وعمل الأمة بذلك". وجاء في الخلاصة الفقهية (٢) "ووقوف اثنين فأكثر خلف الإمام". وقال ابن القيم: "الإمام يسن له التقدم، والمؤتمون يسن في حقهم الاصطفاف" (٣). وقد نقل الإجماع ابن قاسم (٤) على أن موقف الاثنين، فأكثر خلف الإمام فقال: "بإجماع المسلمين سواء كانوا رجلين فأكثر، أو صبيين فأكثر، أو

стр. 93

رجلا وصبيا، عند العلماء كافة، إلا ابن مسعود، وصاحبيه، فيكونون صفا". واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: حديثُ أنس بن مالك ﵁ قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري" (١). الدليل الثاني: حديثُ جبار بن صخر ﵁ قال: "فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه" (٢). قال النووي (٣): "فيه فوائد منها أن المأمومين يكونون صفًا وراء الإمام كما لو كانوا ثلاثة أو أكثر، وهذا مذهب العلماء كافة، إلا ابن مسعود، وصاحبيه، ﵃ فإنهم قالوا: يقف الاثنان عن جانبيه". الدليل الثالث: حديثُ سمرة بن جندب: ﵁ "أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا" (٤).

стр. 94

الدليل الرابع: حديثُ أبي مالك الأشعري ﵁ قال: "ألا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ قال: فأقام الصلاة، وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم … " (١).

стр. 95

المبحث الرابع حكم من صف وحده خلف الصف وفيه مطلبان المطلب الأول: بالنسبة للرجال: اختلف الفقهاء في صلاة المنفرد خلف الصف، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الرجل إذا صف وحده خلف الصف، فصلاته صحيحة مطلقا. وهذا قول الحنيفة، (١) والمالكية، (٢) والشافعية، (٣) ورواية عند الحنابلة، (٤) وقال في المجموع "حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري، والأوزاعي وأصحاب الرأي" (٥).

стр. 96

الأدلة: الدليل الأول: حديث أبي بكرة ﵁ أنه دخل المسجد، والنبي ﷺ ، راكع، قال: فركعت دون الصف، فقال النبي ﷺ ، "زادك الله حرصا ولا تعد" (١). وجه الاستدلال: أن جزءا من الصلاة وقع خلف الصف، فإذا جاز الجزء، جاز سائر الأجزاء، ولو لم تكن جائزة، لأمره ﷺ بالإعادة. قال البغوي (٢): "في هذا الحديث أنواع من الفقه، منها أن من صلى خلف الصف منفردا بصلاة الإمام، تصح صلاته، لأن أبا بكرة ركع خلف الصف، فقد أتى بجزء من الصلاة، خلف الصف، ثم لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة". وقد نقل ابن عبد البر، وجه استدلال الشافعي بحديث أبي بكرة ﵁ على صحة صلاة المنفرد خلف الصف، قال (٣): "وإذا جاز الركوع للرجل خلف الصف وحده، أجزأ ذلك عنه، فكذلك سائر صلاته، لأن الركوع ركن من أركانها". ونوقش: بأن الاستدلال في غير محل النزاع، إذ أن أبا بكرة ﵁ دخل مع النبي ﷺ ، قبل الرفع من الركوع، ولم يصل خلف الصف ولا ركعة، وعذره

стр. 97

فيما فعله لجهله بتحريمه، وللجهل تأثير في العفو (١). ولا يطلق عليه أنه صلى خلف الصف منفردا. قال ابن تيمية: "وأما حديث أبى بكرة، فليس فيه أنه صلى منفردا خلف الصف، قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به، ما يكون به مدركا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر فيصافه في القيام، فان هذا جائز باتفاق الأئمة" (٢). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ أن جدته مُلَيْكَة، دعت رسول الله ﷺ ، لطعام صنعته فأكل، ثم قال: "قوموا فأصلي لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ فصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز وراءنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف ﷺ ) (٣). وجه الاستدلال: أن الحديث دل على صحة وقوف المرأة وحدها خلف الصف، فيدل على صحة وقوف الرجل وحده، قياسا عليها، لأن المرأة تشارك الرجل في أحكام الصلاة (٤).

стр. 98

ونوقش: أنه قد اتفق الفقهاء، على صحة وقوفها منفردة، إذا لم يكن في الجماعة امرأة غيرها، كما جاءت به السنة، والرجل ورد أمره بالمصافة، والنهي عن انفراده وحده، فيكون القياس غير صحيح (١). واعترض عليه: بأن حال من لم يجد أحدا يصافه، هو مثل حال المرأة إذا لم يكن في الجماعة امرأة غيرها، ومن ثم فالقياس صحيح. الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵃، قال: "نمت عند ميمونة ﵂، والنبي ﷺ عندها تلك الليلة، فتوضأ، ثم قام يصلي، فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن، فخرج فصلى ولم يتوضأ" (٢). الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: "قام رسول الله ﷺ ليصلي فجئت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدراني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه" (٣). وجه الاستدلال من الحديثين: حديث ابن عباس، وجابر ﵃ حينما أدارهما النبي ﷺ من وراء ظهره، فقد

стр. 99

صليا جزءا من الصلاة خلف الصف، ولم يأمرهما النبي ﷺ بالإعادة، والمفسد للصلاة يستوي فيه الكثير، والقليل، كالحدث. ونوقش الاستدلال بهما من وجهين: الوجه الأول: بأن هذا انفراد جزئي، ومن فعل كما فعل ابن عباس، وجابر ﵃، لم يسم مصليا خلف الصف بهذه الصفة. (١) الوجه الثاني: أن ما فعله المصلي قبل الركوع لا يؤثر، فإن الإمام يحرم قبل المأمومين، ولا يضر انفراده بما قبل إحرامهم، وكذلك المأمومون يحرم أحدهم قبل الباقين فلا يضر، ولا يلزم من العفو عن ذلك العفو عن ركعة كاملة (٢). الدليل الخامس: أن هذا الداخل إلى المسجد يريد الصلاة مع الجماعة، وَفعَل ما أُمر به، وقد أدى أركان الصلاة، وواجباتها، وقد قال النبي ﷺ "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٣) وقد ائتم بإمامه فكبر حين كبر. ونوقش: بأن هناك واجبات أخرى يجب مراعاتها، مثل المصافة ولم يأت

стр. 100

بها هذا المصلي. (١) واعترض عليه: بأن الواجبات تسقط بالعجز، وهذا الذي لم يجد من يصافه، عاجز عن الإتيان بواجب المصافة، فيسقط عنه فتصح صلاته. القول الثاني: أن الرجل إذا صف وحده خلف الصف، وصلى ركعة فأكثر، فصلاته باطلة مطلقا. وبه قال: الحنابلة في المشهور عنهم، (٢) وهو قول إسحاق، والنخعي، والحكم، والحسن بن صالح، وابن المنذر، وابن حزم (٣). (٤) وهو اختيار ابن باز (٥). قال ابن قدامة: (٦) "ومن صلى خلف الصف وحده، أو قام بجنب الإمام عن يساره، أعاد الصلاة، وجملته أن من صلى وحده ركعة كاملة، لم تصح صلاته".

стр. 101

وقال ابن حزم: (١) "وأيما رجل صلى خلف الصف، بطلت صلاته". الأدلة: الدليل الأول: عن وابصة بن معبد ﵁: "أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد". قال سليمان: الصلاة (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ، أمر الرجل الذي صلى خلف الصف وحده، بإعادة الصلاة، فدل على بطلانها. قال ابن باز (٣): "أنه ﷺ أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة

стр. 102

ولم يسأله هل وجد فرجة أم لا. فدل ذلك على أنه لا فرق بين من وجد فرجة في الصف ومن لم يجد، سدا لذريعة التساهل في الصلاة خلف الصف منفردا". ونوقش: بأن الأمر بالإعادة محمول على الاستحباب، بقرينة حديث أبي بكرة، حينما ركع خلف الصف، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة (١). واعترض عليه: بأن الأصل في الأمر الوجوب، وحمله على الاستحباب يحتاج إلى دليل، ينقله من الوجوب إلى الاستحباب، ولا دليل على ذلك؛ ولأن أبا بكرة صلى خلف الصف، أقل من ركعة وهذا خارج محل النزاع. الدليل الثاني: حديث علي بن شيبان (٢) ﵁ قال: "قال خرجنا حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه، وصلينا خلفه، ثم صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة، فرأى رجلا فردا خلف الصف، قال: فوقف عليه نبي الله ﷺ حين انصرف قال: استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصف" (٣).

стр. 103

وجه الدلالة: الحديث فيه الأمر بإعادة الصلاة، وهذا يقتضي أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة. ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أن هذه قضية عين، لا نجزم بأن السبب هو كونه صلى خلف الصف، فقد يكون هناك سبب آخر، أوجب الأمر بإعادة الصلاة. (١) ويجاب عنه: أن الواجب حمل النص على ظاهره المتبادر منه، إلا أن يدل دليل على خلافه، والمتبادر هنا: أن النبي ﷺ أمره بالإعادة، لكونه صلى منفردا خلف الصف، كما يفيده سياق الكلام، والأصل عدم ما سواه، ولم يكن النبي ﷺ ليدع بيان ذلك، لو كان كما ادعوا. والقاعدة الأصولية تقول: (بأن ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال) (٢). الوجه الثاني: على فرض التسليم بأن السبب في البطلان، كونه صلى

стр. 104

خلف الصف وحده، فإن النفي الوارد في الحديث، يحمل على نفي كمالها، كما ورد في حديث "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان" (١) ومعلوم أن الإنسان لو صلى بحضرة طعام فصلاته صحيحة، ولو صلى وهو يدافع الأخبثين، فصلاته صحيحة، فالنفي نفي الكمال، لا نفي الصحة. ويجاب عنه: بأن النفي إذا وقع فله ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: أن يكون نفيا للوجود الحسي. والمرتبة الثانية: أن يكون نفيا للوجود الشرعي، أي: نفي للصحة، كما في حديث المسيء في صلاته (٢). المرتبة الثالثة: أن يكون النفي للكمال. والحديث الذي معنا لا يمكن أن يكون نفيا للوجود، لأنه من الممكن أن يصلي الإنسان خلف الصف منفردا، فيكون نفيا للصحة، والصحة هي

стр. 105

الوجود الشرعي، لأنه ليس هناك مانع يمنع نفي الصحة. (١) الوجه الثالث: أن الحديث قد ضعفه كثير من أهل العلم (٢). ويجاب عنه: بأنه قد حسنه، وصححه، جمع من أهل العلم، فقد حسنه النووي (٣)، والبوصيري (٤)، وشيخ الإسلام (٥) وصححه الألباني (٦) فيبقى حجة في الموضوع. واعترض عليه: أن الحديث بما أنه تطرق إليه احتمال الضعف، فتبقى دلالته غير قوية في إثبات الحكم. القول الثالث: أن الرجل إذا صف وحده خلف الصف مع القدرة على الاصطفاف، فصلاته باطلة، ومع عجزه على الاصطفاف فصلاته صحيحة، فعلى من دخل ووجد الصف مكتملا، أن يحاول قدر المستطاع للدخول في الصف الذي أمامه.

стр. 106

وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، والسعدي (٣)، واختاره ابن عثيمين (٤) والألباني (٥). قال شيخ الإسلام: "ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفا إلا خلف الصف، فهذا فيه نزاع بين المبطلين لصلاة المنفرد، والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع، لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز" (٦). الأدلة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٧). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٨). وجه الدلالة من الآيتين: أن هذا المصلي خلف الصف قد بذل ما يستطيعه في محاولة المصافة،

стр. 107

ولم يجد إلا أن يصلي خلف الصف وحده، حتى لا تفوته الركعة، أو الصلاة مع الجماعة. الدليل الثالث: قول النبي ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١). وجه الدلالة: أن الداخل قد امتثل أمر النبي ﷺ ، بالحضور إلى الصلاة، ولم يجد مكانا له في الصف فصلى خلف الصف، وهذه استطاعته. الدليل الرابع: القاعدة الشرعية (لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) (٢) وهذا المصلي لا يستطيع المصافة لاكتمال الصف، فلم يجد إلا أن يصلي وحده منفردا. الترجيح: أن القول الثالث ـ القائل بالتفصيل ـ هو الراجح؛ وذلك إعمالا للأدلة؛ وللأدلة العامة في سقوط الواجبات بالعجز، والله تعالى أعلم (٣).

стр. 108

المطلب الثاني: بالنسبة للنساء: نقل شيخ الإسلام ا تفاق العلماء، على أن المرأة إذا صلت منفردة وحدها، دون أن يكون معها غيرها من النساء فإن صلاتها صحيحة (١). واستدلوا على ذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن جدته مُلَيْكَة دعت النبي ﷺ إلى طعام صنعته فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصلي لكم قال أنس: فقمت إلى حَصِيْرٍ (٢) لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته (٣) بالماء فقام عليه رسول الله وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف" (٤). وجه الدلالة: أن المرأة صلت خلف الصف وحدها، مع النبي ﷺ ، ولم ينكر عليها، فدل ذلك على صحة صلاتها. كما أن المرأة إذا صلت خلف الصف بحضور النساء وبدون عذر، فإن

стр. 109

صلاتها باطلة، على ما تم ترجيحه في صلاة الرجل منفردا خلف الصف، وذلك لأن المرأة كالرجل، في أحكام الصلاة إلا ما استثناه الدليل، ولا يوجد دليل عليه. (١)

стр. 110

الفصل الثالث أحكام صفوف الصبيان والنساء . وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم مصافة الصبيان. المبحث الثاني: أحكام صفوف النساء.
следующие страницы →