← История

История · id 763

ملوك حمير وأقيال اليمن وشرحها المسمى خلاصة السيرة الجامعة لعجائب الملوك التبابعة

نشوان الحميري

Полный текст (187 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الأمر جد وهو غير مزاح ... فاعمل لنفسك صالحا يا صاح كيف البقاء مع اختلاف طبائع ... وكرور ليل دائم وصباح الدهر أنصح واعظ يعظ الفتى ... ويزيد فوق نصيحة النصاح وانظر بعينيك اليقين ولا تسل ... يا أيها السكران وهو الصاحي تجري بنا الدنيا على خطر كما ... تجري عليه سفينة الملاح تجري بنا في لج بحر ما له ... من ساحل أبدا ولا ضحضاح شغل البرية عن عبادة ربهم ... فتن على دنياهم وتلاحي ومحبة الدنيا التي سلكت بهم ... أبداً مع الأزواج والأشباح كل البرية شارب كأس الردى ... من حتف أنف أو دم سفاح

стр. 2

لا تبتئس للحادثات ولا تكن ... بمسرة في الدهر بالمفراح أًفأين هود ذو التقى ووصيته ... قحطان زرع نبوة وصلاح هود النبي ﷺ ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن ملك ين متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس ﵇: أبن يارذ بن مهلائيل بن أنوش بن شيت بن آدم أبي البشر ﷺ . واتفق كثير من علماء السير أنَّ أول نبي مرسل بعثه الله بعد نوح بشيرا ونذيرا وأمينا على وحيه هو هود ﵇ وهو أبن العرب العاربة وهو الذي يقول في علقمة: أبونا نبي الله هود بن عابر ... ونحن بنو هود النبي الطهر لنا الملك في شرق البلاد وغربها ... ومفخرا يسمو على كل مفخر فمن مثل كهلان القواضب والقنا ... ومن مثل أملاك البرية حمير

стр. 3

ذكر وصية هود ﵇ ثم إنَّ هودا ﵇ وصى بنيه ووعظهم فقال: أوصيكم بتقوى الله وطاعته والإقرار بوحدانيته وأحذركم الدنيا فإنّها غرارة خداعة غير باقية عليكم ولا أنتم باقون عليها. فاتقوا الله الذي إليه تحشرون ويقتننكم الشيطان أنه لكم عدو مبين. ثم أقبل على قومه وعمه عاد يوصيهم بما وصى بنيه ويعظهم بما حكى الله ﵎ عنه: (وإلى عاد أخاهم هوداً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) إلى قوله (ولا تتولوا مجرمين) فكان ردهم: ما حكى الله تعالى عنهم: (يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين. وقالوا من أشد منا قوة) إلى قوله (ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) فأهلكهم الله بالريح الصرصر كما قال (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية. سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية) فلما هلك عاد على غير دين هود جزع هود عليهم واكتأب فأنشده ابنه قحطان شعرا يسلى عليه بعض ما كان به من القلق والارتماض والحزن على قومه وبنيه وبني عمه فقال: إني رأيت أبي هودا يؤرقه ... حزن دخيل وبلبال وتسهاد لا يحزنك إنْ خصة بدهية ... عاد بن عوص فعاد بئس ما عادوا عاد عصوا ربهم واستكبروا وعتوا ... عما نهوا لا سادوا ولا قادوا

стр. 4

بعدا لعاد فما أوهى حلومهم ... في كل ما ابتدوا وكل ما اعتادوا قاموا يردون عنهم سفاهتهم ... ريحا بها أهلكوا أيان ما بادوا إلاّ يظنون إنَّ الله غالبهم ... وإنَّ كلا لأمر الله منقاد يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... أسالم لي لقمان وشداد ويروى أنَّ هذه الأبيات لابنه يعرب ثم إنَّ هودا ﵇ ومن آمن معه من قومه أقاموا على ساحل البحر مما يلي أرض عاد يعبدون الله حتى ماتوا وانقرضوا قال الخزاعي: ثم توفي هود بالأحقاف من أرض اليمن وقبره هناك معروف بالقرب من نهر الحقيف. قال عبيد بن شرية: إنَّ الذين آمنوا مع هود كانوا أقل من

стр. 5

أربعين نفرا وذكر بعض أهل السير والعلم بأمر هود قال: أخبرنا البحتري عن محمّد بن إسحاق يرفع الحديث إلى أبي سيد الخزاعي عن أبي الطفيل بن أبي عامر لكناني عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنَّ رجلاً من حضر موت جاء يسأل أهل العلم فقال له على كرم الله وجهه: يا حضرمي أرأيت في بلادك كثيبا أحمر أعفر يخالطه مدرة حمراء فيه أراك وسدر موضع كذا وكذا من بلدك هل رأيت قط أو تعرفه؟ قال الحضرمي: نعم والله يا أمير المؤمنين قال عليّ ﵇ فإن فيه قبر هود ﵇. قال وصار أمر هود بعده إلى وصية ابنه قحطان فدفنه بالأحقاف بموضع يقال له بجوار نهر الحقيف. قال وهب: إنَّه لمّا كان في زمن عمرو ذلك الأذعار هبت ريح عظيم فزع أهل اليمن منها وزعموا أنها كانت الريح العقيم فكشفت عن منبر هود ﵇ وهو منبر من الذهب مرصع درا وياقوتا وعن يمينه عمود من الجزع الأحمر مكتوب عليه بالمستند: لمن ملك الذمار؟ لحمير الأخيار. لمن ملك الذمار؟ للحبشة الأشرار لمن ملك ذمار؟ لفارس الأحرار. لمن

стр. 6

ملك ذمار لقريش التجار ويقال إنَّ هودا كتبه وإنَّه من علم الوحي وذمار: غمدان ومأرب وصنعاء وعالية الهنيق وما بينهما فلما صار أمر هود ﵇ بعده إلى وصيه قحطان لزم طريقته واقتدى بها ولمّا احتضره الموت أقبل على بنيه وأهل بيته يوصيهم فقال لهم: لم تجهلوا ما نزل بعاد دون غيرهم حين عتوا على ربهم واتخذوا إلها غيره يعبدونه من دونه وعصوا أمر نبيهم هود وهو أبوهم الذي علمهم الهدى وعرفكم سواء السبيل (وما بكم من نعمة فمن الله) وأوصيكم بذي الرحم خيرا وإياكم والحسد فانه داعية إلى القطيعة فيما بينكم وأخوكم يعرب أمين عليكم وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا أمره واحفظوا وصيتي واعملوا بها واثبتوا عليها ترشدوا وإياكم والتحاسد والتباغض فقال أي قحطان في ذلك شعرا: أبا يشجب أنت المرجى وأنت لي ... أمين على سري وجهري حافظ عليك بدين لست تنكر فضله ... فقد سبقت فيه إليك المواعظ وواصل ذوي القربى وحطهم فانهم ... ملاذك إنْ حامت عليك البواهظ ولفظك فأعربه بأحسن منطق ... فانك مرهون بما أنت لافظ وكن كاظما للغيظ في كل بدرة ... إذا شخصت تلك العيون اللواحظ تغيظ به الأعداء سرا وجهرة ... بحلمك هاتيك النفوس الغوائظ

стр. 7

وما ساد من قد ساد إلاّ بحلمه ... إذا لم يلاحظه من البخل لاحظ وكن راكبا محض الشمائل ماجدا ... تقيا نقيا إنني لك واعظ قال نشوان: أم أين يعرب وهو أول معرب ... في الناس أبدى النطق بالإنصاح قال عبيد بن شرية: يعرب بن قحطان بن هود النبي هو أكبر أولاد قحطان وهم: يعرب وخيار وأنمار والمعتم والمناحي ولأي وماعز وغاضب ومنيع وجرهم والملتمس والقاطمي وظالم والغشيم والمغتفر وباقر: ستّة عشر رجلاً وأمهم امرأة من عاد وكلهم قد ملك غير ظالم يملك وقد ك يسير في الجيوش فلما توفي قحطان بن هود قام

стр. 8

مقامه ولده يعرب وخلفه بأحسن الخلافة في أخوته وأهل بيته، وسار سيرته في أهل مملكته وحفظ وصته أبيه وثبت عليها وتجمل بها، وهو أول من ألهم العربية المحضة. وقال فأبلغ، واختصر يجز، وأشار إلى المعنى وحذف. واشتق اسم العربية من أسمه ويعرب، أول من عظمه أهل بيته، حيي بتحية الملك أبيت اللعن وأنعم صباحا. وكان ملكا عظيما لم يغز ولم يكن بنو سام تصدر إلاّ عن رأيه. ذكر وصية يعرب ثم إنَّه وصى بنيه قبل موته وقال: يا بني منى حصلا عشرا وتكن لكم شرفا وذكرا وذخرا. يا بني تعلموا العلم وأعلموا به واتركوا الحسد ولا تلتفتوا إليه فانه داعيه إلى القطيعة فيما بينهم واجتنبوا الشر وأهله فإن الشر لا يجلب عليكم إلاّ الشر وأنصفوا الناس من أنفسكم وإياكم والكبر فإنه يبعد قلوب الرجال. وعليكم بالتواضع فإنه يقربكم إلى الناس ويحبكم إليهم واحفظوا الجار واصفحوا عن المسئ فإنَّ الصفح عن المسئ يحسم العداوة ويزيد مع السؤدد سؤددا ومع الفضل فضلا. وآثر الجار والدخيل على أنفسكم فإن جماله جمالكم ولأن تسوء حالة أحدكم خير له من أنْ تسوء حالة جاره ولأن يفقد الناس المقتدى أكثر من أنْ يفقدهم المقتدى وانصروا المولى في السلم والحرب وفانه منكم ولكم وآثروا المولى من أنفسكم وحقه عليكم مثل حق أحدكم على سائركم وإذا استشاركم مستشير فأشيروا عليه بمثل ما تشيرون على أنفسكم فإنّها أمانة ألقاها في أعناقكم وأمانة ما قد علمتم وتمسكوا

стр. 9

باصطناع الرجال تسودوا به غيركم فإن ذلكم يزيدكم شرفا وفخرا إلى آخر الدهر وأنشأ يقول: نعرفكم بما وصى أبوكم ... بما وصاه قحطان بن هود فوصاكم بما وصى أباه ... أبو أبيه عن الجدود أذيعوا العلم ثم تعلوا ... فما ذو العلم كالكل البليد ولا تصغوا إلى جبل فتغووا ... غواية كل محتمل حسود وذو دوا الشر عنكم ما استطعتم ... فليس الشر من خلق الرشيد وكونوا منصفين لكل دان ... لنصفكم من القاضي البعيد عليكم بالتواضع لا تزيدوا ... على فضل التواضع من مزيد فإنَّ الصفح أفضل ما ابتغيتم ... به شرفا مع الملك العتيد وحق الجار لا تنسوه فيكم ... فإن الجار ذو حق أكيد عليكم باصطناع الخير حتى ... تنالوا كل مكرمة وجود قال نشوان: أم أين يشجب خانه من دهره ... شجب وحاه له بقدر واحي وحاه: أي قدره. واحي: أي مقدر. والشجب الهلاك. قيل: فثبت يشجب على هذه الوصية دون غيره من إخوته وعشيرته فساد الجميع

стр. 10

بلزومه منهاج أبيه، وحفظه لمّا أمره به وندب إليه، فساد بني سام وملك أمرهم ونهيهم عمره، وحاز اليمن والحجاز، ولم يغير وصية يشجب . ثم إنَّه لأوصى بنيه وأهل بيته، فقال يا بني إني لم أر إخوتي وعشيرتي إلاّ بحفظي وصية أبي يعرب وبعملي بها وثباتي عليها، وإنَّ أبي يعرب لم يسد إخوته وعشيرته إلاّ بحفظه وصية أبيه هود ﵇، وبعمله بها وثباته عليها، فأقيموا على ما وجدتموني عليه، وهو الذي أنهيه إليكم، فاحفظوا ذلك واثبتوا عليه، وأعملوا به. والله خليفتي عليكم، والرشيد المهتدي منكم. وأنشأ يقول: أوصى النبي ابنه قحطان جدي بما ... أوصى بنيه أب من بعد قحطان علم حواء أبي دون إخوته ... وحزته بعده من دون إخواني وزادني يعرب من عنده شيما ... وصى بنيه بها يوما ووصاني حفظتها حين ما غيري استهان بها ... وحفظها آخر الأيام من شأني أعبد شمس أبيت اللعن من خلف ... هل بعدي اليوم لي في ملكنا ثاني هل أنت تحفظ عني ما حفظت وما ... به بنيت لكم ملكي وسلطاني إني رأيتك هشا ما جدا فطنا ... وقد إخالك طبا غير كلان قال نشوان: و سبا بن يشجب وهو أول من سبأ ... في الغزو قدما كل ذات وشاح سبأ بن يشجب بن يعرب، ك ملكا عظيما، واسمه عامر، وك يعبد الشمس فسمى عبد شمس، وهو الذي يقول فيه الشاعر:

стр. 11

ورثنا العز من جد فجد ... وراثة حمير من بعد شمس وغزا بابل فافتتحها، وك سبب ذلك أنه لمّا مات أبوه يشجب، ادعى كل واحد من أولاد يعرب الملك، ففتر الأمر، وتغلبت ملوك الأعاجم: بنو فارس على الفرس، وبنو يافث على أرمينية وما والاها، وبنو عوجان بن يافث على انطاكية ودروب الروم، وبنو كنعان على بيت المقدس إلى المغرب. فقام عبد شمس بن. . . . . فجمع بني قحطان وبني هود، وخطب خطبة تركناها للاختصار. ثم زحف إلى بابل فافتتحها وقتل من وجد فيها، وسار خلفهم يقتل، إلى أنْ بلغ أرض غرسان، ثم رجع على بني يافث من ناحية اديلم والخزر إلى أرمينية كل من لقيه، ويستخلف على كل أمة قوما من المتعربين معه، حتى بلغ إلى أرض الجزيرة فبنى صنجة وهي من أوابد الدنيا، ثم لم يزل حتى عبر اى اشام يأسر ويقتل من لقي من بني عوجان بن يافث، حتى أبعدهم إلى خلف عمورية، ثم رجع إلى الشام يسير ويقتل في بني حام، حتى بلغ بهم أقصى المغرب، ومنهم من هرب إلى براري مصر ذات الجنوب، وأذعنوا له بالطاعة فأسكنهم على شاطئ النيل، وكان كلما قتل أمة سبا ذراريهم، فسمى بذلك سبأ، ولم يعرف قبله السبي، وإنّما أحل الله له ذلك لأنهم نكثوا وغدروا وبدلوا الشريعة، ثم بني مدينة مصر وسماها بابليون، لأنه خلف ابنه بابليون واليا على مصر وعلى أولاد حام، وأنشأ يقول: إلاّ قل البابليون والقول حكمة ... ملكت زمام الشرق والغرب أجمل وخذ لبني سام من الأمر قسطه ... ولا تك جبارا عليهم وأمهل

стр. 12

وخذ حام من الأمر حظه ... إذا صدقوا يوما على الحق واقبل فإن جنحوا بالقول طاعة ... يريدون وجه الحق والعدل فاعدل ولا تظهرن الجور في الناس يجتروا ... عليك به، واجعله ضربة فيصل ولا تأخذن المال من غير وجهه ... فإنك إنْ تأخذه بالرفق يسهل ولا تتلفن المال في غير حقه ... فإنَّ جاء مالا بد منه فأسدل وداو ذوي الأحقاد بالسيف إنَّه ... متى بلق منك العزم ذو الحقد يعقل وكن لسؤال الناس غيثا ورحمة ... ومن يك ذا عرف من الناس يسأل وإياك والضيف الغريب فإنه ... سيثني بما تؤتيه في كل منزل ثم رجع سبأ إلى اليمن، فبنى السد الذي ذكره الله تعالى في كتابه، واسمه العرم. وهو سد يقبل إليه سبعون واديا بالسيول. ولمّا أسس قواعد السد بناه ولم يتممه. وسبأ هو الذي قسم الملك بين ولديه حمير وكهلان، ونصب ولده حمير ملكا بعد أنْ جمع أهل مملكته، وأجلس ولده حمير عن يمينه وولده كهلان عن يساره، وقال للناس: هذا يصلح ليمني أنْ تقطع شمالي وهل يصلح لشمالي أنْ تقطع يميني؟ قالوا: لا يصلح ذلك لهما، فقال أرأيتم إنَّ غفلت عنها وأراد بعضهما أنْ يقطع بعضا، ما أنتم صانعون؟ فقالوا جميعا: نمنع اليمين عن الشمال، وتمنع الشمال عن اليمين، فقال: أعطوني العهود على ذلك. فأعطوه العهود والمواثيق على منع بعضهما من بعض، فقال: أيها الناس إني لم أرد بيدي إلاّ ولدي هذين حميرا وكهلان، ولا آمن أنْ يختلفا بعدي، فأعطوا حميرا من ملكي ما يصلح لليمين، وأعطوا كهلان ما يصلح للشمال. وإني جعلت حميرا عن يميني لأنه أكبر من كهلان، وجعلت له ما يصلح لليمين. وجعلت كهلان عن شمالي، لأنه أصغر من حمير، فجعلت له ما يصلح للشمال. فقالوا جميعا: يصلح لليمين، والسيف والقلم والسوط، وحكموا للشمال بالعنان والترس والقوس

стр. 13

والدواة، وقالوا: إنَّ صاحب السيف يصلح للثبات والوقوف في موضعه، وصاحب القلم لا يكون إلا مديرا فاتقا راتقا آمرا ناهيا، وصاحب السوط لا يكون إلاّ رائضاً سائساً. وحكموا أنَّ صاحب الوقوف والثبات والفتق والرتق والتدبير لا يكون إلاّ الملك الأعظم الراقد في دار المملكة وهو حمير؛ وحكوا أنَّ العنان وصرف لهوادي الخيل، للذب عن الملك نكاية الأعداء حيث كانوا، وحكموا أنَّ الترس يرد به البأس عند اللقاء، وأنَّ القرش ينال به الناوئ والمعادي على البعد منها، وحكموا أنَّ جميع ذلك لا يصلح إلاّ لحائط الدولة والذاب عنها وعن بيضتها والقائم بحروبها وفتوحها وإصلاح ثغورها: وهو كهلان. فتملك حمير الملك الراتب في دار المملكة، وسلم إليه فكنى أبا أيمن لجلوسه عن يمين أبيه، وتقلد كهلان الأطراف والثغور والحروب ومنتوأة الأعداء حيث كانوا، فلم يزلا على ذلك وأولادهما وأولاد أولادهما: ومن ولد حمير ملك قائم بالملك، ومن ولد كهلان ولد قائم بالثغور والأعمال وقود الجيوش والغزو إلى العدو حيث ك، وكان لكهلان على حمير المعونة بمثل معونة اليمن للشمال في الرمي بالقوس والنزع عليها بالنبل؛ وهما في غير القوس والمال والنجدة؛ وكان لحمير على كهلان الطاعة وكفاية ما تقلد من رتق الفتق وسد الخلل واستخراج الأتاوات. وفي ذلك يقول هي بن بي أحد من حضر القسمة هذه: ما سد هذا الورى أبناء قحطان ... إلاّ بفضل لهم وإحسان ما في الأنام لهم حي يشاركهم ... ولا لواحدهم في الأرض من ثاني لم يشهد الناس في بدو ولا حضر ... حكما كحكم عظيم الملك والشان سبا بن يشجب لا بنيه وإنهما ... للسيدان الرفيعان العظيمان

стр. 14

أعطي ابنه حميراً منه اليمن وقد ... أعطى الشمال ابنه المسمى بكلهان وقال أقسم ملكي اليوم بينهما ... وقسمة المال للابنين سهمان يعطي اليمن الذي تسطو اليمن به ... فيما يعانيه من سر وإعلان وللشمال الذي تسطو الشمال به ... عند النوائب من بأس وسلطان فالسيف والسوط صارا لليمن معاً ... وهكذا القلم الجاري ببرهان والترس والقوس صارا للشمال وقد ... صار العنان لهما فالمال نصفان وصار ذاك بتاج الملك معتصماً ... دون الجحاجح من أولاد قحطان وصار بالخيل يحمي الأرض قاطبة ... طول الزمان لذاك الآخر الثاني وروى أنَّ سبأ لم يكمل بناء السد حتى نزل به الموت، وقيل إنَّ عمره كان خمسمائة سنة وسبعين عاماً، منها خمسمائة عام في الملك. فلما توفى عبد شمس أنشد ابنه حمير يرثيه؛ وهي أوّل مرثية قيلت في العرب: عجبت ليومك ماذا فعل ... وسلطان عزك كيف انتقل فأسلمت ملكل لا طائعاً ... وسلمت للأمر لمّا نزل فلا تبعدن فكل امرئ ... سيدركه بالمنون الأجل فيا عبد شمس بلغت المدى ... وشيدت مجداً فلم يمتثل وشيدت ذحراً لدار البقا ... فلما أفلت إليها أفل فلم يبق من غير التقى ... وذاك لعمري أبقى العمل وأحكمت من هودٍ المحكما ... تِ وآمنت من قبله بالرسل وأحرمت بالبيت توفي النذو ... رُ كما كان هود لديها فعل

стр. 15

وطغت وأهلكت حتى إذا ... رأيت الهلال بها يستهل رحلت وزادك خير التقى ... وقوضت عن حرمتها محل قال نشوان: أو حمير وأخوه كهلان الذي ... أودى بحادث دهره المجتاح حمير بن سبأ بن يشجب بن يعقوب بن هود النبي ﷺ قالوا: ثم إنَّ حمير أقام بمملكة أبيه سبأ، وزاد فيها تعظيما، وكهلان ردفه على ذلك، فلم يزل ملكا حتى مات هرماً، وملك زيادة على خمسمائة سنة، ولمّا أسن، جمع بنيه وبني عمه ووجه عشيرته فوصاهم وقال: يا بني - وكانوا اثني عشر رجلاً - اعلموا أنَّه ما اجتمع اثنان متآزران متعاضدان على أربعة أو خمسة من أشتان الرجال إلاّ غلباها وملكا أسرها وقيادها، وما اجتمع خمسة نفر متعاضدان متآزران على عشرة أنفار إلاّ غلبوهم، ولا اجتمع عشرة أنفار متعاضدان متآزران على الجماعة التي تكون ضعفهم عدة في رأي العين من أشتات الرجال، إلاّ غلبوهم وملكوا قيادهم؛ وأيما عصبة غلبت أربعين رجلاً يوشك أنْ تغلب الثمانين والمائة وما فوقها، وغلاب المائة حريون أنْ يغلبوا الألف، ومنتهى العز لفرقة أنْ يطمع فيها ألف رجل، وما من رجل أطاعه رجل فقام له بالمجازاة على ذلك إلاّ أطاعه عشرة أنفار، وما من رجل أطاعه عشرة أنفار

стр. 16

فقام لها بمجازاتها على طاعتها إلاّ إطاعة مائة رجل، وما من رجل أطاعه مائة رجل فقام لها بمجازاتها على طاعتها إلاّ إطاعة ألف رجل إلاّ وقد ساد لا محالة، ومن ساد فقد ملك، ومن ملك فقد أوتى المنتهى من أهل في دنياه. يا بني أطيعوا الأرشد منكم، ولا تعصوا الهميسع فأنه خليفتي بعد الله عليكم وأميني فيما بينكم، وأنَّه لسيفكم وانتم لحد ذلك السيف. وأنَّه لرحم، وإنكم سنان ذلك الرمح. وما السيف لولا هذه؟ وما الحد لولا السيف؟ وما السنان لولا الرمح؟ وما الرمح لولا سنانه؟ انتم بالهميسع وله، والهميسع بكم ولكم. وأنشأ يقول: همسع لا تجهل مع الناس سيرتي ... فسر بها في الناس بعد هميسع بني انهم أوصيك خيراً فأنهم ... تضر بهم من شئت يوماً وتنفع وعمك وأبن العم دونك بعده ... مرد لمن يردى صفاك ومدفع هم لكهف بل هو لك موئل ... وهم لك من دون البرية مقزع وليست عناق الطير يوماً وإنَّ لها ... تذل وتستخذى البغاث وتخضع تؤوب إلى وكر سوى وكرهت الذي ... تؤوب إليه للمبيت وترجع هميسع إنَّ الناس وحش وانهم ... إلى الفرق من رد القوارب أسرع هميسع دار الناس تعط قيادهم ... فحظك منهم أنَّ يطيعوا ويسمعوا هميسع جد بالخير تجز بمثله ... فكل امرئ يجزى بما هو يصنع هميسع لا والله ما أنت حاصد ... طوال الليالي غير ما أنت تزرع

стр. 17

وأوصيك بالأقصين مثل وصيتي ... بأخوتك الدنيا فهل أنت تسمع قالوا: واقتصر كهلان على ما حكم له به من مؤازرة أخيه، وسلمت إليه الأعنة، وملك لأطراف والثغور، وندب إلى أرض الحجاز جرهم بن الغوث ومن لف لفها وولى عليها سيدهم هي بن بي بن جرهم بن الغوث بن شداد بن سعد بن جرهم بن قحطان، وأمرهم أنَّ يسمعوا له ويطيعوا أمره، وقسم عليهم الخيل والعدة والسلاح والروايا وكتب لهي بن إليَّ ساكني الحجاز من العمالقة وهو وسعد بن هران وبني مطر وبني الأزرق وغفار بالسمع والطاعة ودفع الإتاوة إليه. وكان كاتب عهده له: إلاّ ئك من كهلان عن أمر حمير ... لعامله هي بن بي بن جرهم إلى من بأعراض الحجاز محله ... من الناس طرأ من فصيح وأعجم على أنَّ هيا ليس يعصي وأنَّه ... لديهم لذو أمر مشير مقدم وإلاّ فلا يلحون إلاّ نفوسهم ... إذا ما ابتلوا بالهضلان العرمرم وجهز إلى أرض نجد مما تياسر من الطائف إلى حضر، فإلي ضرية، فحدود اليمامة، الهميمبن عاصم بن جلهمة الجديسي فيمن تخالف من جديس باليمن ومن لحقهم من

стр. 18

الأتباع. وكتب له إلى سكان ظهر نجد من العمالقة وعبس الأول وعبد ضخم كتاباً، وهو: باسمك اللهم. من أبن سبا كهلان عن أمر حمير ... إلى أهل للهيم بن عاصم على أنَّ لا يعصي الهميم وأنَّه ... يطاع ويعطى الخرج السوائم وإلاّ فلا يلحون إلاّ نفوسهم ... إذا ما ناموا بالخيل تحت الضراغم قالوا: فتجهز الهميم والياً على أهل الوبر بنجد، وسارت الأدلاء بين يديه، حتى توسط بلاد نجد ما بين اليمامة وجبلي طيء والطائف. فملكها وأخذ الإتاوة من أهلها وانفذ بها إلى كهلان. ثم إنَّ كهلان دعا أبن جحدر أحد من تخلف باليمن من ثمود بن عابر، ليتجهز إلى تيماء فالوادي فخيبر فتلك النهوج إلى ما قارب أيلة، وعقد له الولاية على ساكني هذه البلاد من ثمود وزهرة بن عمليق، وكان كتابه كتاب لعمرو بن جحدر: باسمك اللهم، من أبن سبا كهلان عن أمر حمير ... إلى ساكني الوادي لعمر بن جحدر على طاعة منهم لعمرو بن جحدر ... وللقليل كهلان وللملك حمير ودفع الإتاوات التي يسألونها ... إلى عاملي عمرو الهمام الغضنفر وإلاّ فلا يلحون إلاّ نفوسهم ... إذا زارهم بالبيض والسمر عسكري قال: فتجهز عمرو بن جحدر والياً على ساكني تلك المواضع في أهل بيته وعشائره من بني سام بالخيل والإبل والعدد، حمير قطن بتيماء. فلما توفي حمير، قام بعده ابنه الهميسع، وآزره عمه كلاه وهو شيخ كبير وقتاً، ثم أقبل على ابنه زيد بن كهلان فقال يا بني إنَّ العمر قد ولى، وبقي من أبيك الأثر، فقم من أبن عمك مقام أبيك من

стр. 19

أبيه وحفظ الهميسع وصية أبيه، وعمل بها، وأجرى الناس على ما كان أبوه حمير يفعله وقال نشوان: وملوك حمير ألف ملك أصبحوا ... في الترب رهن ضرائح وصفاح آثارهم في الأرض بخبرنا بهم ... والكتب من سيرٍ تقص صحاح أنسابهم فيها تنير وذكرهم ... في الطيب مثل العنبر النفاح ملكوا المشارق والمغارب واحتووا ... ما بين أنقرة ونجد الجاح ملكوا ثمود وعادا الأخرى معا ... منهم كرام لم تكن بشحاح أنقرة: موضع بأقصى بلاد الروم به هلك أمرؤ القيس بن حجر بن حارث الملك أبن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر أبن معاوية بن كندة. فلما حضرت امرأ القيس الوفاة في بلاد الروم قال:

стр. 20

كم خطبة مستحنفره ... وحفنة مدعثر وطعنةٍ مثعنجره ... مقبورةٍ بأنقره وله حديث. وقوله ملكت ثمود وعاد الأخرى فإنَّ ملوك حمير ملكت ثموداً وعاداً الأولى وثمود الآخرة والدليل على عاد الأولى وعاد الآخرة قوله تعالى (وأنَّه أهلك عاداً الأولى). وجمير أمة قديمة كعاد وثمود في القدم يدل على ذلك قول الخلجان بن الوهم العادي ملك عاد يخاطب قومه: أفي كل يوم بدعة تحدثونها ... ورؤيا على غير السبيل تعبر فإنَّ لعاد سنة في حفاظها ... سنحيى عليها ما حيينا ونقبر وأنا لنخزي من أمور تسبينا ... بها جرهم فيمن تسب وحمير قوله وملوك حمير ألف ملك يدل قول علقمة بن ذي جدن: يا ابنة القليل ذي فائش الفا ... ئق بعض الكلام، ويحك غضي

стр. 21

لو رأيت القشيب بعد بهاء ... جارجاً هد بعضه فوق بعض وأقاويل حمير قد تولوا ... بعد عقدٍ للأمر منهم ونقض ألف ملك سقاهم الدهر كأساً ... مرة زلزلت بهم كل أرض والتبابعة منهم الذين غزوا بلاد الأعاجم، سبعون تبعاً؛ يدل على ذلك قول نعمان بن بشير الأنصاري، في شعر له طويل إلى معاوية: لنا بني قحطان سبعون تبعاً ... أطاعت لها بالخرج منها الأعاجم ويدل على ذلك قول لبيد بن ربيعة الكلابي: فإن تسألنا فيم نحن فإننا ... عصافير في هذا الأنام المسحر المسحر: المعلل والمسحر: المخدوع، قال الله تعالى (إنما أنت من المسحرين) أي من المعللين ويقال من المخدوعين ويحتج المفسرون على القولين جميعاً بهذا البيت: عبيد لحي حمير إنْ تملكوا ... ونظلمنا عمال كسرى وقيصر ونحن وهم ملك لحمير عنوة ... وما إنْ أنا من سادة غير حمير تبابعة سبعون من تبع ... توفوا جميعاً أزهاراً بعد أزهر وقال الربيع بن ضبع الفزاري - وكان من المعمرين، عمر ثلاثمائة وخمسين

стр. 22

سنة - حيث يقول: وغمدان إذ غمدان لا قصر مثله ... زهاء وتشييداً يحاذي الكواكبا ومأرب إذ كانت وأملاك مأرب ... توافي جباة الصين بالخرج ماربا وأصحاب بينون وأصحاب ناعط ... خلا ملكهم منهم وأصبح عازبا وقل في ظفار يوم كانت وأهلها يدينون نهراً شرقها والمغاربا لهم دانت الدنيا جميعاً بأسرها ... تؤدى إليهم خراجها الروم دائبا فمن ذا يرجى الملك من بعد حمير ... ويأمن تكرار الردى والنوائبا أولئك مأوى للنعيم كفاهم ... ولكن وجدنا الخير للشر صاحبا وقد ذكرت الشعراء ملوك حمير في أشعار كثيرة لا يحتملها هذا الموضوع لكثرتها ومدى ما ملكوا كثير يزيد على ثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة سنة على ما ذكر أصحاب السير في تاريخهم. وقال نشوان: أين الهميسع ثم أيمن بعده ... وزهير ملك زاهر وضاح في عصره هلكت ثمود بناقةٍ ... لقيت بها ترحاً من الأتراحِ الهميسع بن حمير سبأ. ولمّا توفي حمير قام الهميسع مقام أبيه حمير وحفظ وصيته واستقام عليها وعمل بها، وأجرى الناس على ما كان أجراهم عليه حمير حين ولاه أبوه

стр. 23

سبأ، فاشتدت أطناب المملكة للهميسع، واستحصدت مدايرها وآزره عمه كهلان؛ وهو شيخ كبير وقتا؛ ثم أقبل على ابنه زيد بن كهلان يوصيه بطاعة الهميسع بن حمير فقال: بني، إنَّ العمر واى وبقى من أبيك الأثر، فقم من أبن عمك مقام أبيك من أبيه وأنشأ يقول: يا زيد إنَّ اباك اصبح نسره ... لا يستطيع إلى النهوض سبيلا اليوم عمك خف عنا آفلا ... وغداً ستشهد من أبيك أفولا يا زيد لا تعص الهميسع وانتظر ... ماعونه لك بكرة وأصيلا يا زيد إنَّ لك الحجاز ونجدها ... وإليك أصبح خرجها محمولا وإليك يرفع عن ثمود وغيرها ... عمرو بن جحدر خراجها المسؤلا وإليك من عند الهميم رواحل ... بالخرج تداب في البلاد ذميلا كن للهميسع طائعاً كيما يكو ... ن لك الهميسع ناصراً وكفيلا ولمّا توفي كهلان بن سبأ، قام زيد بن كهلان للهميسع قيام أبيه كهلان، وتقلد ما كان يتقلد من الأعمال في الأطراف والثغور، وجدد لهم العهود، فسمعوا له وأطاعوا، ودفعوا له الإتاوات. ثم إنَّ زيد بن كهلان جرد ابنه عمراً إلى مدين وما حولها، وأمرهم له بالسمع والطاعة ودفع الإتاوة، وكتب له كتاباً نسخته: لعمرو بن زيد من أبيه وعمه ... ألوك من الأحياء من أهل مدين

стр. 24

بطاعتهم عمراً وتسليم خرجهم ... إليه وحيا من مسر ومعلن وإلاّ فأولى الخليل تغيظ مدينا ... وتسرح أخاها بلحج وأبين وتوفى الهميسع بن حمير وتولى ابنه بعده أيمن بعه فأجال بالشرف والسؤدد، فقال مالك أبن حمير في ذلك: نطيع ولا نعصي أخانا هميسعاً ... وأيمن ما غنى الحمام وسجعا لقد ساد أملاك البلاد هميسع ... وما بلغت تسعاً سنوه وأربعا وأيمن شمنا فيه ما في هميسع ... رأته بنو هود فطيما ومرضعا فو الله ما ننفك نجمع أمرنا ... على ما عليه الرأي والأمر أجمعا ونوصي بنينا أنْ يكون جموعهم ... لأيمن ما عاشوا وما عاش تبعا ثم تولى أيمن بن الهميسع بعد أبيه فسار سيرة أبيه وجده. وحفظ جميع ما انتهى إليه من وصايا أبيه وأسلافه لصيانة الدولة وسياسة الملك، فحمدت أيامه، وشاع عدل، ورغب الناس فيه فحسنت الأحدوثة، ونصب معه زيد بن كهلان ابنه مالك بن زيد ين كهلان. ولمّا مات الهميسع بن حمير وولى الملك أيمن بن الهميسع، أقبل زيد على مالك وهو يقول: أتى يوم الهميسع فاحتواه ... وزيد يومه لا بد آتي وكل لا محالة مستقل ... يؤول من الحياة إلى الممات

стр. 25

وكل جماعة لا بد يوماً ... تصير إلى التفرق والشتات أملك سر لأيمن في مسير ... لوالده إذا حانت وفاتي أطعمه يطعمك أيمن مثل ما قد ... أطاعني الهميسع في حياتي هو الملك العظيم وأنت فاعلم ... على عماله وعلى الولاة إليك إتاوة الأطراف تجبى ... وتأمر بالجيش الناشرات ثم توفي أيمن بن الهميسع، وولى الملك بعده ابنه زهير بن أيمن، وهو الذي يقول فيه أخوه الغوث بن أيمن بن الهميسع: أبي الملك إلاّ أن يكون وليه ... ومالكه بعد الهميسع أيمن وأن يتلقاه زهير وراثة ... وللتبر في شبر من الأرض معدن قد استوطن الملك الأنيل محله ... وللجذر أغصان وللملك موطن أرى لزهير أذعن الناس كلهم ... كما لأبيه أو لجده أذعنوا وآزره على أمره نبت بن مالك بن زيد بن كهلان؛ وعاضده على ملكه صدراً من ولايته، ثم نصب معه ابنه الغوث بن نبت، فتولى ما كان يتولى نبت مع زهير، ولمّا أسن زهير وصى ابنه عريب بن زهير؛ ولم يكن له أبن غيره، فقال: يا بني أوصيك بتقوى الله، فآثره على من سواه. وأعظك مع جميع حمير بمصارع ثمود نصب أعينكم، وسماع آذانكم، فما أجيب لها نداء، ولا قبل منها فداء ولا ملكوا قبلها حذرا، ولا اعتلقوا لمّا فاجأهم وزرا. بل أصبح بينهم ما اوعدوا به

стр. 26

فهل تسمع لهم خبراً، أو تنظر لهم أثراً؟ ثم أوصيك أنْ تعمل لدنياك بسنة آبائك، فقد انتهى إليك ما كان من وصية آبائك ووصية جدك سبأ بن يشجب، وما افترق عليه أبناؤه يوم الوصية والقسمة، وما جداك حمير وكهلان، فلا تجرين الأمور إلاّ على ما جرتبه الرسوم من عصرهما ذلك إلى هذه الغاية ووص بذلك من صار ذلك الأمر من ولدك أو بني عمك. وأوصيك بالاستقامة على ما وجدتني عليه من العدل على الرعية والتجاوز عن المسيء، والكف عن أذى العشيرة، والتحفظ بها، والتحبب إليها، فما المرء إلاّ بقومه ولو عز وعلا؛ ثم أنسأ يقول: عريب لا تنس ما وصى أبوك به ... إنَّ الوصية لمّا يعدها الرشد كل امرئ عزه فاعلم عشيرته ... وفي العشيرة يكن العز والعدد أما رأيت ثموداً أمس كيف لقوا ... سوء النكال وعاداً قبلها انجردوا من بعد ما ملؤا سهل البلاد فلم ... ينفعهم عدد منهم ولا جلد ولمّا اعتزل نبت عن العمل في ولاية زهير، ونصب ابنه الغوث، أقبل عليه وكان كاملا في أحواله من الشجاعة، والفطنة، والرأي الثاقب، فقال يرثي أيمن الهميسع ويوصيه: قضى نحبه بعد الهميسع أيمن ... وأيمن فاعلم خير حي وهالك وكل امرئ لا شك يقضي قضاءه ... ويسقي بحوض المنهل المتدارك

стр. 27

فشبه بني الدنيا إذا ما جهلتم ... بتلك النجوم الثاقبات الشوابك فمن بين باد لاح عند طلوعه ... ومن آفل دان وهاد وسالك وكل نور على قدر ذاته ... وسلطانه عند اختلاف المسالك هو الغوث لا ينسى وصيتي التي ... يخص بها الغوث بن نبت بن مالك يطيع زهيراً مثل ما كنت لم أزل ... أطيع أباه أيمناً في المآلك بني عرفت الرشد فاعرف حياءه ... مدى الدهر واسلك في الأمور مسالكي فذكروا أنَّ الغوث بن نبت حفظ وصية أبيه، وعمل بها، وثبت عليها. وتقلد أعمال أبيه من الأطراف والثغور في طاعة الملك زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير، وكتب إلى العمال؛ فسمعوا له وأطاعوا. وحملوا الإتاوة. ثم أنَّه جرد ابنه الأزد بن الغوث واسمه درء إلى مأرب ليستوطنها. وعقد له الولاية على ساكنيها، وأمرهم بالسمع والطاعة، وكتب إليهم كتاباً إلى جميع أهل مأرب: من حضرموت ومرخة، وشبوة القوس وبيحان شعراً: من الغوث عن شورى زهير ورأيه ... إلى مأرب بالأمر والنهي للأزد على أنَّ بعد الغوث للأزد أمره ... وتجبى له الأطراف في الغور والنجد ولا يتعدى طاعة الأزد مأرب ... مدى الدهر ما وهم براكبه يحي

стр. 28

وإلاّ فلا يلحون نفوسهم ... إذا ما منوا بالخافقات وبالجرد وقوله في عصره هلكت ثمود فكان هلاكها في زمن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير. حديث هلاك ثمود ز وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح بن لمك أبن متوشلح بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيت بن آدم أبي البشر ﷺ وعلى الطيبين من ذريته أجمعين. قال عبيد بن شرية: إنَّه لمّا أهلك الله عاداً الأولى والآخرة، خلفت ثمود بعدهم فانتشروا في البلاد واثاروها وتكبروا، وساروا في الأرض بغير الحق، وعبدوا الأصنام. وكانت منازلهم بالحجر - وهو وادي القرى إلى رملة فلسطين - ما بين الحجاز والشام وذلك قول الله (ولقد كذَّب أصحابُ الحجر المرسلين) وكانوا قوماً عرباً، وأعطاهم الله فضلا في القوة والأبدان وسعة في الرزق، وطولا في الأعمار، فلم يزدهم ذلك إلاّ طغياناً وكفراً، فلما كثر عتوهم، بعث الله إليهم صالحاً ﵇، وكان من أوسطهم نسباً وهو صالح بن عمرو بن وهبة بن كاشح بن أحقب بن الود بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، لإارسله إليهم حجة عليهم، فمكث يدعوهم من عصر شبيبته، إلى أنْ صار شيخاً كبيراً وكان من أمرهم أنهم قالوا له: يا صالح قد أكثرت علينا العاء وخوفتنا العذاب، وأنت بشر مثلنا، وذكرت أنَّ الله أرسلك إلينا، ونحب أنْ تأتينا بىية أنْ كنت من الصادقين. فقال لهم صالح: فإذا فعلت

стр. 29

ذلك لكم، وفعله لي ربي وربكم، ما الذي تفعلون؟ قالوا: نعبد إلهك، ونؤمن به، ونتبعك. فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق وتأكد عليهم أشد التأكيد. وكان لثمود عيد في كل سنة يخرجون إليه، يجتمعون، ويأكلون، ويشربون، ويقربن لأصنامهم القربان، فخرجوا وخرج معهم صالح، فلما قضوا ما يحتاجون إليه من عيدهم، وصالح معتزل عنهم قريب من صخرة كانت هنالك، يعبد الله تعالى، فلما كان من الغد، اجتمعوا إلى صالح فتحدثوا ما شاء الله، ثم نظروا إلى صخرة منفردة في قاع أفيق، قالوا: يا صالح، إنا نطلب منك أنْ تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة حمراء عشراء لها ضجيج وعجيج، ورغاء شديد، تفور لبنا سائغا. فإن فعلت لنا ذلك، فعلنا لك فعلنا لك عاهدناك عليه، وإلاّ علمنا أنك كاذب. وإنما سألوا ذلك الجزاء به، وظنوا أنه لا يفعل، ولا يكون منه ذلك، ولا يقدر عليه. ولم يكن الله ليحقر نبيه، وهو القادر على ما يشاء، فقال لهم صالح: زيدوا أعطوني عهودكم ومواثيقكم على ذلك، فأعطوه ما وثق به، ثم قام صالح، وصلى ما شاء الله، ثم رفع رغبته إلى الله، فدعاه، وتضرع إليه، وهم يدعون أصنامهم أنْ تحول بين صالح وبين ذلك. فبينما هم ينظرون اى صالح ما يفعل له إله، وما تفعل لهم أصنامهم، إذ نظروا اى الصخرة تتحرك وترتعد من خشية الله تعالى، ثم اضطربت، فنظروا إليها تتمخض كما تتمخض المرأة للولد، ثم انصدعت وانفلقت عن ناقة عظيمة، على ما سألوا ووصفوا. إلاّ إنَّ الله عظم خلقها على كل دابة في الأرض. وكانت كأنها طود عظيم، رأسها كأعظم بعير فلما رأى ذلك رئيسهم جندع بن عمرو خرو لله ساجدين، وسجد معهم بشر كثير من عظمائهم، وأقر الله عين نبيهم، وصدق ظنه، وكانت العامو من ثمود عند ذلك قد خشو أنْ يموت تلك الساعة، فهل تسمع لهم خبرا، أو تنظر لهم أثرا؟ ثم أوصيك أنْ تعمل لدنياك بسنة آبائك، فقد انتهى إليك ما ك من وصية آبائك ووصية جدك سبأ بن يشجب، وما افترق عليه أبناؤه يوم الوصية والقسمة، وهما جداك حمير وكهلان، فلا تجرين الأمور إلاّ على ما جرت به الرسوم من عصرهما ذلك إلى هذه الغاية، ووصى بذلك من صلى بذلك الأمر من ولدك أو بني عمك. وأوصيك بالاستقامة على ما وجدتني من العدل والرعية والتجاوز عن المسيء، والكف عن أذى العشيرة، والتحفظ بها، والتحب إليها، فما المرء بقومه ولو عز وعلا، ثم أنشأ يقول: عريب لا تنسى ما وصى أبوك به ... إنْ الوصية لمّا يعدها الرشد كل امرى عزه فاعلم عشيرته ... وفي العشيرة العز والعدد أما رأيت ثمودا أمس كيف لقوا ... سوء النكال وعادا قبلها انجردوا من بعد ما ملؤوا سهل البلاد فلم ... ينفعهم عدد منهم ولا جلد ولمّا اعتعزل نبت عن العمل في ولاية زهير، ونصب ابنه الغوث، أقبل عليه وكان كاملا في أحواله من الشجاعة، والفطن، والرأي الثاقب، فقال يرثي أيمن الهميسع - ويوصيه: قضى نحبه بعد الهميس أيمن ... وأيمن فاعلم خبر حي وهالك وكل امرئ لا شك يقضي قضاءه ... ويسقي بحوض المنهل المتدارك

стр. 30

فقام فيهم نفر من مشايخهم، مشايخ أهل الكفر والضلالة. ومنهم رباب بن صعر صاحب كهناهم، والحباب بن خليفة، وردوان بن عمرو صاحب أورثناهم، فنهوا ثمودا عن الإسلام وزجروهم عنهم، وذلك قول الله (وأما ثمود فهديناهم فاستجابوا العمى على الهدى). واستحوذ عليهم الشيطان فأعطوا ساداتهم وكبرائهم، وارتدوا إلى الكفر عبيد بن شرية: وثبت جند رأسهم وسيدهم على الإسلام وأناس معه حمير ماتوا رحمهم الله تعالى. ومكنت الناقة في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء. ثم أنْ صالحا خشى عليها سفهاء ثمود فقال: يا معاشر ثمود (هذه ناقة الله لكم أية، فذروها تأكل من أرض الله ولا تمسوها فيأخذكم عذاب أليم) فأوحى الله إليهم (ونبئهم أنْ. . . . . . بينهم، كل شرب مخضر) وقال (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم). وقيل كانت يوم شربها، فإذا وردت وضعت رأسها في الماء فتسفه حمير لا تدع قطرة. قال ثم ترفع رأسها فتقوم فتفجع لهم، ثم تدر، فيحلبون ما شاءوا من اللبن، فيشربون منه، ما اشتهوا حليبا، ودخرون منه في آنيتهم ما أحبوا، ويتزودونه كما يتزودون الماء، فيكون لبنها خلفا لهمعن الماء، وسموها الهجول وإذا كان يوم وردهم شربوا من الماء ما شاءوا، وادخروا منه ما شاءوا ليوم وردها. وكانوا من ذلك في سعة وفضل وحالة حسنة، وكانت الناقة إذا جاء الصيف طلعت ظهر الوادي، فهربت منها المواشي من الإبل والبقر والغنم وغيرها من الوحوش إلى بطن الوادي، فيضر بها. . .، وإذا ورد الشتاء والبرد هبطت الناقة إلى بطن الوادي، وذعرت منها الدواب،

стр. 31

إلى ظهر الوادي، في برد شديد وجذب شديد، وأضر ذلك بمواشيهم، وذلك للبلاء الذي أراده الله بهم، وقدره عليهم، فلما كان ذات يوم، أصبحت الناقة في بطن الوادي معها سقب لها على مثل خلقها وهيئتها، فلما رآه كفار ثمود قالوا: سحر صالح الناقة حنتجت سقبا. فمكثوا على ذلك حتى دنا الوقت الذي أراد الله فيه هلاكهم، فانبعثت فيه عجوز ملعونة فاسقة، يقال لها عنيزة بنت غنم، وكانت ذات ماشية كثيرة هي وأخت لها من أمها، يقال لها الصدوف ابنة المحيا. ثم إنْ الفاسقين - عنيزة والصدوف - أجمع رأيهما على عقر الناقة، فأخذتها في المكر والحيل فأتت الصدوف رجلاً يقال له مصدع بن مهرع، فدعته إلى نفسها أنْ عقر الناقة. ونكاحها أنْ فعل لها ذلك. فأجابه رغبة في جمالها وسعة مالها، وانطلقت عنيزة الفاسقة، إلى رجل من أهل مدينة قرح يقال له قدار بن سالف، وكان فاسقا ملعونا جريئا على الله سبحانه وعلى الفواحش وهو أحد التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في محكم كتاب بقوله (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون)، فكلمته عنيزة الفاسقة في عقر الناقة، وبذلت له على ذلك نكاح أبنتها الرباب، وكانت وسية الخلق، فأجابها عدو الله إلى ذلك وكان قدار وامقا للرباب قد طلبها فلم يجد إليها سبيلا، وكانت الرباب وكانت الرباب أجمل

стр. 32

امرأة زمانها، فلما ذكرتها أمها لعدو الله، تاقت نفسه إليها فطاوعها، فاجتمع هو ومصدع فتكلما في ذلك، ثم استغويا من سفهائهم ومترفيهم من أهل مدينة قرح سبعة نفر، فتبايعو على عقر الناقة، واجتمعوا في بيت عنيزة. . . . . . وأتتهم الصدوف بما شاءوا من الخمر واللحم، وعمدت إلى ابنتها الرباب فزينتها وحلتها وأمرتها أنْ تبدي محاسنها لقدار، فما رآها الفاسق ذهب عقله، وتام حلمه. وتبرجت الصدوف لمصدع، فذهبت بعقله، وكان ذلك يوم ورد الناقة، فبينما هم في ناديهم، إذ قل عيهم الماء لمزاج الخمر، فطلبووا ماء فلم يقدروا هذا شيء منه، فحمل عليهم مصدع فمرت به فرماها بسهم فانتظم ساقها، وحمل عليها فضرب عرقوبها، وخرت الناقة صريعة لها رغاء شديد، ثم طعن بالسيف في لبنتها فنحرها، وهرب سقبها، فتعلق بحبل يقال له غبق ولحقه مصدع وأخوه فامتنع منها في صخرة منذ الجبل ولم يقدر عليه. قال عبيد بن شرية: وأكب قدار وأصحابه على الناقة، فذبوحها وجزروا لحمها أنَّ ضاء، وأتتهم عنيزة والصدوف بالخمر والقدور إلى الوادي، فنصبوها فشووا وشربوا وأكلوا، وظلوا نهارهم في ذلك المكان يتمتعون ويلهون ويقولون الأشعار، فكان مما روى لنا مما قالوا هذا الشعر: وأصبح صالح فردا حقيرا ... وما يرجو لناقته نصيرا عقرناها بأيد عز ... ولم نخش لذي ثأر نكيرا وما نلق لنا فيما فعلنا ... بها إلاّ الكرامة والسرورا

стр. 33

وأصبح لحمها فنيا غريضا ... تلهوجه وطائفة وغيرا سنطلب صالحا ومصديقه ... لنلحقه بناقة عقيرا سنطلبه ونقتله فمن ذا ... يكون له وإنْ هرب المجيرا فأجابه رجل من المسلمين يقول: عصت بغيا ثمود ربي ... أخاهم صالحا وعصوا قديرا على الأشياء أخرج كي يتوبوا ... لهم من صخرة الوادي بعيرا كما سألوا نبيهم فكانوا ... لمّا قد عاينوا من ذلك بورا سقاهم مثلها ماء معينا ... وأرواهم بها درا غزيرا فما اعتبروا أولاك طغوا عليها ... ببغيهم وغالوها كفورا وقالوا فاعقروها ثم ملوا ... لنا من لحمها الوادي قدورا أطاعوا مصدعا وقدار غيا ... ورهطا تسعة كسبوا الشرورا قال: وكان صالح ﷺ نازحا عنهم في دار قومه، ولا علم له بما فعلوا بالناقة، حتى بلغه الخبر، فخرج مسرعا في عصبة من قومه نحوهم حتى وقف عليهم، فإذا الخمر واللحم عندهم وهم يأكلون ويشربون. فقال هم صالح: أعقرتموها؟ رماكم الله بما لا طاقة لكم به من العذاب وأنتم تنظرون. وقام صالح ﵇ فصلى ودعا إلى الله، فاستجاب الله دعاءه، وأوحا الله إليه أنْ الصيحة نازلة بهم لثلاثة أيام، فقال لهم صالح (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب)، فقالوا وهم. . . . . . منه: ما علاقة ذلك

стр. 34

يا صالح؟ فأوحى الله ﵎ إليه إنَّ علامة ذلك أنَّ تصبح وجوههم يوم الخميس مصفرة، وتصبح يوم الجمعة محمرة، وتصبح يوم السبت مسودة، ثم يأتيهم العذاب غداة يوم الأحد مشرقين. فلما سمعوا قوله كذبوه، وتآمروا لقتله في ليلتهم تلك، وقالوا: هلموا لنقتل صالحاً وأصابه في ليلتنا هذه ونلحقه بناقته. ونستريح منه؛ فإنَّ يك صداقاً فقد جعلناه قبلنا، وإنَّ يك كاذباً فقد اشر منه. فتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا وأجمعوا على قتله؛ فأنطلق قدار وأصحابه حين أسوا حمير أتوا منزل صالح يريدون قتله فوجدوه وأصحابه المسلمين قعودا يذكرون الله تعالى، فلما طال ذلك عليهم قالوا: هلموا لنقتله وأصحابه ولا يعلم أحد من قتلهم؛ وإنَّ طالبنا أحد من أوليائهم، أقسمنا لهم: ما شهدنا مهلك أهله، وذلك قوله تعالى (قالوا تقاسموا الله لنبيتنه وأهله، ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصداقون). ثم وثبوا ليقتحموا البيت على صالح، فبعث الله تعالى ملائكته معهم حجارة من نار، فدمغتهم بها، فهلك قدار وأصحابه، ولا علم لصالح وأصحابه بهم فلما أبطأ قدار ومن معه على قومهم، انطلقوا إلى منزل صالح في طلبهم، فوجدوه على باب صالح موتى، وقد رضخوا بالحجارة. ولم يكن لصالح وأصحابه علم بشيء من ذلك، من قتل قدار وأصحابه ولا بمجيئهم إليهم، فأخذوا صالحاً وقالوا له: أنت فعلت هذا وقتلت أصحابنا، وقد قتلوا على بابك. فوثب رهط صالح دونه وقالوا: والله لا وصلتم إليه أو نموت دونه عن أخرنا، وقد أخبركم أنَّ العذاب نازل بكم إلى ثلاثة أيام فإنَّ يك صادقا فذلك أعز له، وإنَّ يك كاذباً سلمناه الكم بما جناه على نفسه من الكذب؛ وكان رهط صالح أعز بيت في ثمود وأمنعهم، وضيت ثمود منهم بذلك. قال فأوحى الله تعالى إلى صالح بأمر قدار وأصحابه الرهط إذ لم يعلم صالح من قتلهم (إنا دمرناهن وقومهم أجمعين) لمّا أرادوا قتل صالح وأصحابه. وأصبحت وجوههم يوم الخميس مصفرة، سوى صالح ومن أسلم معه. فلما رأوا ذلك أيقنوا بالعذاب، وعلموا أنَّ صالحاً قد صدقهم، فأزدادوا كفرا وطغياناً وجرأة على الله وبغضاً لنبيه صالح على السلام، وأجمعوا على قتله وقتل أصحابه،

стр. 35

وقالوا: لسنا ندعه يعش بعدنا هو وأصحابه، وشغل عنه رهطه بما جاءهم من الأمر. وبلغ صالحاً ﵇ ذلك عنهم فخرج من بين أظهرهم ومن معه من المسلمين إلى الشام، فلما أصبحت وجوههم يوم الخميس مصفرة ويوم الجمعة محمرة ويوم السبت مسودة، وأيقنوا بالعذاب وجعل بعضهم يخبر بعضاً بما يرون في وجوههم من التغير، فأحتفر كل منهم قبراً لنفسه وتحنطوا ولبسوا أكفانهم، وكانت أكفانهم الأنطاع وحنطوا المر، وجلسوا في حفرهم يوم الأحد، فلما ارتفع الضحى أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير، إلاّ امرأة يقال لها بديعة وكانت مقعدة فأطلق الله رجليها وكانت كثيرة العداوة لصالح ﵇ فخرجت حمير أتت إلى قرح، فأخبرتهم بما رأته من العذاب الذي أصيب به ثمود، ثم هلكت تلك المرأة حين أخبرتهم بما رأته. قال عبيد: سمعت أبن عباس يقول: إنَّ الله ﵎، بعث جبريل ﵇ فوقف على الفج الذي عقرت فيه الناقة، فصاح فيهم صيحة، فخرجت أرواحهم من أبدانهم فهلكوا جميعاً، إلاّ هذه الجارية المقعدة التي أخبرت أهل قرح بهلاك أهل الحجر. قال عبيد: ثم إنَّ الله ﵎ اهلك ثمود وأهل قرح، وبعد ذلك لإحدى وعشرين ليلة، قال تعالى (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)، وفي ذلك يقول مبدع بن تميم؛ وهو من أصحاب صالح ﵇ شعراً: أبى الله إلاّ أنْ يحل بأرضنا ... من أجل صدوف والعجوز أبها دعت أم غنم شر خلق علمته ... بأرض ثمود كلها فأجابها أزيرق من قر دعته، وربما ... دعت أم غنم للقبيح شبابها

стр. 36

فنادت نداء لم تجد لشقائه ... سوى أبن خديج إذ رأته ربابها وقالت أطع تعل الرباب وأختها ... فدونك أم السقب فاهتك حجابها فصمم عاد ذلك لعقرها ... ونادت صدوف عند ذلك حجابها فقال حباب إني غر فاعل ... لذلك، فنادت مصدعاً فأجابها وقال نشوان: وعريب أو قطن وجيدان معاً ... أضحكوا كأنهم نوى وضاح جيدان بالجيم من ولد الهميسع بن حمير، وحيدان بالحاء المهملة من ولد مالك أبن حمير، عريب هو أبن زهير ولمّا توفي زهير بن ايمن، ابنه عريب احسن قيام حمد فيه ولم يذم، وعدل ولم يجر، وولى معه الغوث بن نبت صدراً من ولاته، ثم أسند العمل إلى ابنه الأزد، فتولى جميع ما كان أبوه الغواث يتولاه لزهير ولعريب، ولم يزل يكلأ الملك، وسن في أعمال الأطراف: أنَّه كلما مات عامل طرف لد عمله الأرشد من ولده أو من أخوته أو من بني عمه، ولا يخرج إلى غيرهم. وأخذ برفع الإتاوة، وجعل له على أهل عمله السمع والطاعة، وأمره أنَّ يحيى رسم من مضى قبله في طاعة من تقلد الملك من حمير، وطاعة

стр. 37

من تقبر الأطراف من كهلان ولمّا أسن عريب بن زهير أوصى أولاده وهم أربعة نفر صناجة وجيادة وأبرهة وقطن وصية عريب بن زهير لبنيه فقال لهم: يا بني، إني وجدت الشرف والسؤدد والعز والنجدة والطاعة والملك: تدور على ستّة أشياء. يا بني إني وجدت السؤدد لا يزايل الكرم، ولا سودد لمن لا كرم له. وإني وجدت العزفي العدد حيث ما كان، ولا عز لمن لا عدد له، ولا عدد لمن لا عشيرة له، وإني وجدت النجدة في الأيادي ولا نجدة لمن لا أيادي له وإني وجدت الطاعة مع العدل، ولا طاعة لمن لا عدل له. وإني وجدت الملك في أصطناع الرجال، ولا ملك لمن لا يصطنع الرجال ليكونوا له حصنا. يا بني احفظوا وصيتي، ولا تعصوا أخاكم قطناً فأنه خليفتي بعد الله تعالى، وولي الملك بعدي دون كل أحد، وثم أنشأ يقول: مضت لأسلافنا فيما مضى سير ... سلسلو بها لهم ملكا فما وهنوا وسست بعدهم الملك الذي ملكوا ... وأنت سائس هذا الأمر يا قطن ثم أعد سيرتهم يوما وأنت لها ... لا تعد عن سيرتي ما أورق الفنن

стр. 38

بالأصل تمرع لا بالفراع مونقة ... وكيف لولا أصله الغصن ذر التغافل عن نيل تجود به ... إنَّ التغافل عياض والهدى فطن ومن هذا قالت العرب: السخاء فطنة، واللؤم تغفل. ولمّا عريب رثاه الأزد فقال: أمسى عريب عن الملك اللقاح وعن ... رعية الملك تحت. . . . . مرموسا وكان فيما مضى الملك اللقاح به ... مستوسق العز في الآفاق مأنوسا لولا أبو وائل خير الورى قطن ... لأصبح الملك ميادا ومنكوسا به استقامت لنا الدنيا وأسعد من ... بالأمس بعد عريب كان منحوسا وولى الملك قطن بن عريب، بعد أبيه عريب بن زهير، وسار في الناس سيرة أسلافه، وآزره الأزد صدرا من ولايته، ثم نصب معه أبنه مازن بن الأزد فندب أخاه نصير بن الأزد وجرده إلى الشحر وعمان في الرجال والعدد، وأمره أنْ يتوطن تلك البلاد، وكتب له: من مازن مهرق فيه الألوك إلى ... من حل في الشحر من عجم ومن عرب أنْ أسمعوا وادفعوا الخرج الوفاء إلى ... نصر ودينوا ولا تعصوه في سبب يوما وإلاّ فلوموا فيه أنفسكم ... إذا منيتم لنا بالجحفل اللجب فسار نصر باب الأزد حمير وصل الشحر، فسمع له من بمشارق. . . . . . إلى عمان، ودفعوا

стр. 39

إليه الخرج، فمن عقر نصب بن الأزد بتلك النهوج الجلندي بن المكبر بن مسعود، وكان ملكا في بقايا مملكة أبن عمارة الأزدي، من فراهيد، وهو يحوي ما بين عمان وسيراف. و. . . . . . قطن أظهر العدل، وأظهر النعمة في أهل بيته، وأشعر. . . . الأمن والعدل، وقمع السفيه وأمن السبيل وأحسن إلى الغريب، وواصل ملوك الأعاجم، فاعتقدوا خلته، وجعله كل واحد منهم معقلا وراء ظهره، وقهر القوم، وقال لابنه جيدان: قد سرت سيرة آبائك، وازددت في السياسة وما شا كلها، فاحتذ على مثالي ويمم في المشكلات مناري، وأنا لك وصيتي في ثلاث خصال: أحسن إلى أهل بيتك، فانه لا قوم للنفس إلاّ بصلاح البدن، واعتدال الطبائع، ولا حياة مع طمو إحداها ولا طغيان واحدة منها ما لم يوصل إليها من الغذاء ما يهيجها إيثار للذة، واتباع للشهوة. وأحسن إلى رعيتك: فمالك من أموالهم، وسلطنتك من فضل طاعتهم، وما أنت إلاّ واحد منهم لولادتك، فاياك أنْ تخرجهم بالعسف والجور، فيرتجوا الراحة عند

стр. 40

غيرك، ويكونوا كمن مال من الفيح إلى الظل، وإذا نزلت العظمة فاتقها بمن اصطنعت من الرجال وبني العم، وأنْ كرموا عليك وساءك ابتذالهم في مجاشمة الموت، فإن الرء قد يتقي السيف عن وجه بيده، لأن في بقيا الوجه و. . . . فيه من آلة الحياة عوضا من اليد - وإنَّ كثر غناؤها - عن الوجه، وواصل من يحادك. . . . . . الملوك بنشر ذكرك في رعاياهم، وأعمر بلادهم بمن يدخلها من أهل عملك إليهم في. . . . . . المنافع، ليروا صورة عدلك عليهمبينة، فإنَّ عدل عليهم سلطانهم كنت شريكا له بشكره، وإنْ جار عليهم كانوا إلى اجتذاب سلطانك أسرع، ولك من رعيتك الأولى أطوع، وأنشأ يقول: . . . . . يا جيدان فاحفظ وصيتي ... ولا نصح أولى من نصيحة والد تفقد بني الأعمام واريش نبالهم ... فهن خبيات لاحدى الشدائد ولا ترفعن بعضا على البعض إثارة ... فتلفيهم ما بين طاغ وحاقد ورب كثير صالح قد أزاله ... ومال به عن طبعه قل حاسد وما صالح الأشياء إلاّ أقلها ... وما هو من أجناس غير واحد أين منهم من بان عنهم بفعله ... لئلا يرى من بعده غير جاهد وأما جميع الناس بالعدل لا تدع ... لهم فيه شكوى مشتك نحو حاسد
следующие страницы →