← История

История · id 763

ملوك حمير وأقيال اليمن وشرحها المسمى خلاصة السيرة الجامعة لعجائب الملوك التبابعة

نشوان الحميري

Полный текст (187 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فنادت نداء لم تجد لشقائه ... سوى أبن خديج إذ رأته ربابها وقالت أطع تعل الرباب وأختها ... فدونك أم السقب فاهتك حجابها فصمم عاد ذلك لعقرها ... ونادت صدوف عند ذلك حجابها فقال حباب إني غر فاعل ... لذلك، فنادت مصدعاً فأجابها وقال نشوان: وعريب أو قطن وجيدان معاً ... أضحكوا كأنهم نوى وضاح جيدان بالجيم من ولد الهميسع بن حمير، وحيدان بالحاء المهملة من ولد مالك أبن حمير، عريب هو أبن زهير ولمّا توفي زهير بن ايمن، ابنه عريب احسن قيام حمد فيه ولم يذم، وعدل ولم يجر، وولى معه الغوث بن نبت صدراً من ولاته، ثم أسند العمل إلى ابنه الأزد، فتولى جميع ما كان أبوه الغواث يتولاه لزهير ولعريب، ولم يزل يكلأ الملك، وسن في أعمال الأطراف: أنَّه كلما مات عامل طرف لد عمله الأرشد من ولده أو من أخوته أو من بني عمه، ولا يخرج إلى غيرهم. وأخذ برفع الإتاوة، وجعل له على أهل عمله السمع والطاعة، وأمره أنَّ يحيى رسم من مضى قبله في طاعة من تقلد الملك من حمير، وطاعة

стр. 37

من تقبر الأطراف من كهلان ولمّا أسن عريب بن زهير أوصى أولاده وهم أربعة نفر صناجة وجيادة وأبرهة وقطن وصية عريب بن زهير لبنيه فقال لهم: يا بني، إني وجدت الشرف والسؤدد والعز والنجدة والطاعة والملك: تدور على ستّة أشياء. يا بني إني وجدت السؤدد لا يزايل الكرم، ولا سودد لمن لا كرم له. وإني وجدت العزفي العدد حيث ما كان، ولا عز لمن لا عدد له، ولا عدد لمن لا عشيرة له، وإني وجدت النجدة في الأيادي ولا نجدة لمن لا أيادي له وإني وجدت الطاعة مع العدل، ولا طاعة لمن لا عدل له. وإني وجدت الملك في أصطناع الرجال، ولا ملك لمن لا يصطنع الرجال ليكونوا له حصنا. يا بني احفظوا وصيتي، ولا تعصوا أخاكم قطناً فأنه خليفتي بعد الله تعالى، وولي الملك بعدي دون كل أحد، وثم أنشأ يقول: مضت لأسلافنا فيما مضى سير ... سلسلو بها لهم ملكا فما وهنوا وسست بعدهم الملك الذي ملكوا ... وأنت سائس هذا الأمر يا قطن ثم أعد سيرتهم يوما وأنت لها ... لا تعد عن سيرتي ما أورق الفنن

стр. 38

بالأصل تمرع لا بالفراع مونقة ... وكيف لولا أصله الغصن ذر التغافل عن نيل تجود به ... إنَّ التغافل عياض والهدى فطن ومن هذا قالت العرب: السخاء فطنة، واللؤم تغفل. ولمّا عريب رثاه الأزد فقال: أمسى عريب عن الملك اللقاح وعن ... رعية الملك تحت. . . . . مرموسا وكان فيما مضى الملك اللقاح به ... مستوسق العز في الآفاق مأنوسا لولا أبو وائل خير الورى قطن ... لأصبح الملك ميادا ومنكوسا به استقامت لنا الدنيا وأسعد من ... بالأمس بعد عريب كان منحوسا وولى الملك قطن بن عريب، بعد أبيه عريب بن زهير، وسار في الناس سيرة أسلافه، وآزره الأزد صدرا من ولايته، ثم نصب معه أبنه مازن بن الأزد فندب أخاه نصير بن الأزد وجرده إلى الشحر وعمان في الرجال والعدد، وأمره أنْ يتوطن تلك البلاد، وكتب له: من مازن مهرق فيه الألوك إلى ... من حل في الشحر من عجم ومن عرب أنْ أسمعوا وادفعوا الخرج الوفاء إلى ... نصر ودينوا ولا تعصوه في سبب يوما وإلاّ فلوموا فيه أنفسكم ... إذا منيتم لنا بالجحفل اللجب فسار نصر باب الأزد حمير وصل الشحر، فسمع له من بمشارق. . . . . . إلى عمان، ودفعوا

стр. 39

إليه الخرج، فمن عقر نصب بن الأزد بتلك النهوج الجلندي بن المكبر بن مسعود، وكان ملكا في بقايا مملكة أبن عمارة الأزدي، من فراهيد، وهو يحوي ما بين عمان وسيراف. و. . . . . . قطن أظهر العدل، وأظهر النعمة في أهل بيته، وأشعر. . . . الأمن والعدل، وقمع السفيه وأمن السبيل وأحسن إلى الغريب، وواصل ملوك الأعاجم، فاعتقدوا خلته، وجعله كل واحد منهم معقلا وراء ظهره، وقهر القوم، وقال لابنه جيدان: قد سرت سيرة آبائك، وازددت في السياسة وما شا كلها، فاحتذ على مثالي ويمم في المشكلات مناري، وأنا لك وصيتي في ثلاث خصال: أحسن إلى أهل بيتك، فانه لا قوم للنفس إلاّ بصلاح البدن، واعتدال الطبائع، ولا حياة مع طمو إحداها ولا طغيان واحدة منها ما لم يوصل إليها من الغذاء ما يهيجها إيثار للذة، واتباع للشهوة. وأحسن إلى رعيتك: فمالك من أموالهم، وسلطنتك من فضل طاعتهم، وما أنت إلاّ واحد منهم لولادتك، فاياك أنْ تخرجهم بالعسف والجور، فيرتجوا الراحة عند

стр. 40

غيرك، ويكونوا كمن مال من الفيح إلى الظل، وإذا نزلت العظمة فاتقها بمن اصطنعت من الرجال وبني العم، وأنْ كرموا عليك وساءك ابتذالهم في مجاشمة الموت، فإن الرء قد يتقي السيف عن وجه بيده، لأن في بقيا الوجه و. . . . فيه من آلة الحياة عوضا من اليد - وإنَّ كثر غناؤها - عن الوجه، وواصل من يحادك. . . . . . الملوك بنشر ذكرك في رعاياهم، وأعمر بلادهم بمن يدخلها من أهل عملك إليهم في. . . . . . المنافع، ليروا صورة عدلك عليهمبينة، فإنَّ عدل عليهم سلطانهم كنت شريكا له بشكره، وإنْ جار عليهم كانوا إلى اجتذاب سلطانك أسرع، ولك من رعيتك الأولى أطوع، وأنشأ يقول: . . . . . يا جيدان فاحفظ وصيتي ... ولا نصح أولى من نصيحة والد تفقد بني الأعمام واريش نبالهم ... فهن خبيات لاحدى الشدائد ولا ترفعن بعضا على البعض إثارة ... فتلفيهم ما بين طاغ وحاقد ورب كثير صالح قد أزاله ... ومال به عن طبعه قل حاسد وما صالح الأشياء إلاّ أقلها ... وما هو من أجناس غير واحد أين منهم من بان عنهم بفعله ... لئلا يرى من بعده غير جاهد وأما جميع الناس بالعدل لا تدع ... لهم فيه شكوى مشتك نحو حاسد

стр. 41

وأمن سبيل الناس واقمع سفيههم ... ولا تك في وصل الملوك بزاهد فأنت بهم مستظهر في رعية ... ومجتلب منهم قلوب الأباعد ولمّا حسنت سيرة جيدان بن قطن بعد أبيه وحمدت أفعاله واستحسنت، رأى إنَّ يقلد الملك في حياته ابنه الغوث بن جيدان بن قطن. فقال: وصيت غوثا بما وصى أولئله ... وللوصية إيماء وانكاث قلدته الملك لمّا أنْ رأيت له ... خصائلا نحوك للملك إحثاث وقال نشوان: والغوث المرملين ووائل ... أو عبد شمس ذو الندى الفياح الفياح: الواسع، يقال: بحر فياح. وقال بعض العلماء: خلع جيدان الملك باليمن إلى ابنه، وتبع ذا القرنين لمعرفته بفضله ورغبته في المسير معه. وذكروا أنَّ الغوث بن خيدان ولي الملك في حياة أبيه، وبعد

стр. 42

وفاته دهرا طويلا. وكان من أحسن الملوك سيرة، وأعلمهم بسيرة آبائه وأجداده. ثم أنَّه خطب إلى ذي القرنين ابنته أم البنين فزوجه بها، فلم يلبث معها إلاّ شهراً حمير توفي وهي حامل بوائل، وخلف في الملك ذا القرنين، وتوافقت على مقامه حمير وكهلان، وسنذكر حبر ذي القرنين. وكان مع الغوث بن جيدان من بني كهلان؛ مازن بن الغوث بن الأزد عاملا على أهل الثغور ولمّا نشأ بن الغوث وخال فيه جده ذو القرنين ما يصلح للملك أشار للناس اليه، فقام وائل بن الغوث بالمملكة، وسار في الناس سيرة حسنة حميدة، وساس أهل زمانه سياسة حسنة، واستكملت جزيرة العرب - من اليمن إلى الحجاز والعروض والبحرين وأدانى الشام - طاعة له وإجابة؛ فلما رأت ذلك ملوك بابل والمشرق ومصر والمغرب خافوا منه أنْ يلاقوا مثل ما لقي آباؤهم الأولون من سبأ بن يشجب، وقاموا من الحمول مع ذي القرنين وسيأتي ذكر نسبه فيما بعد إنَّ شاء الله تعالى. فقال ملوك الآفاق المذكورة: هذا رجل معه بقية من ملك آبائه، وطاعتة ومحبة من أهل الأرض من قبل أبي أمه، فلأفئدة إليه مصغية، والألباب إليه مائلة فداروه عنهم بالروح، وغمروه بالتحف والهدايا، وأدلوا له بالمصانعة وحاطوه بمن متلأهم من رعيته. ثم نصب ابنه عبد شمس بن وائل لدهائه في السؤدد والشرف على أخيه ردمان بن وائل وصية وائل بن الغوث قال له: يا بني اتق الله في نفسك يتقيك ما سواه. واعلم أنك ومن تحت يدك عباد

стр. 43

الله، فاجعل شكره فيما فضلك به عليهم، إحسانك إليهم. واعلم إنَّ كل مستدعي سائمة يعيش من درها، ويستشعر من دفئها ويجب عليه حياطتها من التلف، وحفظها من السبع، ورد ضالتها، والحاق كسيرها، وتحصين حجرتها وارجاع كل المراتع لها، من ذلك وإلاّ فحقيق أنْ يسترجع منه ما استرعى، ويسترد منه ما استودع، ويحبط ما صنع، ويعزل عن الرعاية، أحوج ما يكون من البلغة والكفاية. فاحذر أنْ تكون ذاك. وأنشد يقول: اتق الله شر سواه ... وبتقوا اوص يا عبد شمس أنت عبد الله ومن رعيت عباد ... الله نفس إذا تعيش كنفسي هو ربي مفضل البعض في الرز ... ق على البعض ذاك في كل جنس فله الشكر والحمد والحق ... علينا وحقه غير منسي وتفقد مع الصباح رعايا ... ك وحطها بمثله حين تمسي ذكر ملك عبد شمس بن وائل فلما توفي وائل بن الغوث؛ قام بمقامه ابنه عبد شمس. فاجتهد وعاش في أهل عصره ميمون الطائر، نضر الأيام، لا ترداد به الرياسة إلاّ جدة، ولا تطوية الليالي إلاّ عن ادخار لعدة، واستعداد لنجدة. فلما بلغ من عمره منتهاه مثال حان في وطره أقصاه؛ جمع بنيه: الصوار وجشم - وفيه المدد من حمير - وزرعة ذو مناخ وقطن وينكف، ولهيبة، وموكف، ومرة، والحطيب، والصهيب والقفاعة فقال:

стр. 44

يا بني، أوصيكم بطاعة أخيكم الصوار، فانه أكبركم وأرجاكم عندي. وأنت يا أبا السميع - وكان الصوار يكنى أبا السميدع - خليفتي بعد الله تعالى عليكم وعلى رعيتي واحفظ مني خصالا لن تضل ما اقتديت بها؛ اعلم أنْ العز لا يتبين في الحرب إلا بصدق اللقاء وحماية الأذمار، وذلك أمارة الغلبة، ولا يتبين في سالم إلا من منع الجار، وشموخ الأنف عن سموه الخسف، والحمل على الدنية. ولن يكون ذلك إلاّ بالرجال، ولن تعرف معك النادر منهم إلا بإبانة قدره، عمن ليس يغني عناءه. لأنك إذا ضممت مسماكين في أحدهما قصر وقع الحمل على الأطول وسقط الأقصر، وكذلك الأدق من الأجدال الحوامل. وأعلم أنْ الملك بيت أساسه العدل، وقواعده التدبير، وحيطانه التيقظ، وأركانه الحزم، وتلاحكه الشدة، وعماده إزراء الكفاة، وعوارضهالقادة، ومواحظه الأتباع. ولا استقامة لمدبري المملكة ومستخرجي الإتاوة إلاّ بمصادقة قادة الجيوش، ولا يحمل قائد الجيش وسائق الجماعة سوى أصحاب الخزانة، وربما وجدت مائة مقاتل وأعجزك كاف، وكثير أنْ يصدق الكرة العشرة من الماءة المقاتل، والمائة من الألف، والألف من عشرة أضعاف. وأنشأ يقول: أوصي بني وإنْ تقارب بينهم ... فيما لدي بطاعة الصوار

стр. 45

وإليك يا صوار أوصي بالذي ... وصى اليّ ابوتي في الجار ومحل كل حيث يبلغ قدره ... إذ من بها متفات الأقدار إنَّ الأصابع مستو آصالها ... والفرع بين أطوال وقصار ومن الرجال الكل حيث توجهت ... منه الركاب وحامل الأوزار والملك بيت لا تقوم سماؤه ... إلا بأعمدة رست وجدار فالبعض منه ببعضه متدافع ... بالطين فوق الأرض والحجار ولربما عز الخيار وأيوا ... واستنصروا في الدين بالأشرار وعاش إبراهيم الخليل ﵇ عمر هؤلاء الملوك الثلاثة. وذو القرنين ﵇ أيضاً لحق عربياً ووائلا. وكان النائب معه على الثغور حارثة بن الغطريف أبن امرئ القيس وقال نشوان: وزهير الصوار أو ذو يقدمٍ ... منيا بدهرٍ سالبٍ طراحِ ولمّا توفى عبد شمس بن وائل؛ قام بمقامه الصوار بن عبد شمس، فالتقط في ايامه آثار أجداده، واستعمل وصية أبيه عبد شمس في المملكة، وأعلم الحساب أنْ الملك كائن في ولده، وغير خارج منهم، إلى مظهر نبي من ولد إسماعيل، وأنهم يملكون في مدتهم شرق البلاد وغربها، ويبلغون من العز ما لا يبلغه غيرهم، فأخذ في جمع المال وادخار السلاح، وأنجد حمير باتخاذ العدد، ولم ينس حظه من العدل وحسن السيرة، حمير حسرت به حياته، فجمع بينه وهم آل شرح يحضب وذو يقدم والسميع والغوث وأشغم

стр. 46

برك، وأقبل على ذي يقدم من بينهم وقال: يا بني رحم على حفظك من دنياك أنْ تسلبه، ولا تنس من الله تعالى، فانه. . . يناسيك ذكرته. ولا تناصب من ناصبت وقد جعلته ملاذا. . . . . . .، بل لا تسرع بالمباينة عن ضرورة، ولا تعاقبن إلاّ عن جريرة، ولا تخف في الله سواه. وإذا عمرت ما بينك وبينه، فلا تبتئس، وأنْ خرب ما بينك وبين أحد من خلقه. وإذا ملكت الرعية فاحرص على إرهابها دون السوط، وبالسوط دون السيف. فما غلب القول فبالسوط، وما غلب السوط فالسيف غالبه، ولا بقية مع السيف، فلا تركبه إلاّ فيما لا لبسة فيه. وإياك وإجماع الكلمة عليك، فإنَّ بليت فأطفئها عنك بالغفلة إنْ أنظرتك، وباللين إنْ أهملتك، إلى أنْ تستعطف من قدرت على استعطافه بما غلب عليه ذا الطمع، وذا الرئاسة والرتبة بالزيادة في رتبته. واعلم أنك إنْ شححت عندهما بالمال، هو مالهم، وإنْ سمحت فهو مالك. واعلم أنْ اليد إذا أثقلها ما يقع فيها من الطمع تخفف بثقلها ما في القلب، فإذا طفئت الثائرة، وافترقت الكلمة، فما أقدرك على أنْ تقسو. وإياك أنْ ينسلخ عنك يوم من أيام دعتك وحفضك إلاّ وأنت على مثل عدة المهايب وحذر المحارب، فرب ملك أتى عليه مالا يحسبه. وأنشأ يقول: وصى أوائلنا قدما ونحن كما ... وصوا فلا بد نوصي اليوم يا قدم فراقب الله إنَّ الله آثر من ... راقبته، إنَّه يملي وينتقم من يتق الله لا تدحض له قدم ... إلاّ وثبته من بعدها قدم

стр. 47

أو يذكر الله يذكره ويظهره ... لو أنَّه في تخوم الأرض منكتم وعامل الناس بالقول الرقيق فإنَّ ... تعجز فبالسوط أو بالسيف إنْ رغموا والترك مفسدة والقول مذكرة ... والسوط مزجرة والسيف محترم وذلك آخر ما داوى الرجال به ... إذا تعالى عليك الداء والسقم لا تصبرن على منع لواجبة ... من الرعية واصبر إنْ هم سئموا فإن شتمت وإنْ عاقبت بعضهم ... صيرتهم لك أعداء وهم خدم قد يشتم العبد مولاه فيحمله ... كرها وتظلم الزمني فيظطلم لا تجمعن عليك الناس كلهم ... ولا تهاون بداء حين ينسجم وذكروا أنْ امرأ القيس الغطريف بن حارثة البهلول أشرك أباه حارثة في عمل. . . . . الغوث، ثم عمر فاستفرد بالعمل مع أربعة أملاك: مع وائل وعبد شمس والصوار وذي يقدم. ثم قلد ابنه حارث الأحساب - وهو الغطريف - الثغور والأطراف التي ك يتولاها ويتقلدها في طاعة من ذكرنا، وكتب له عهدا وهو: من امرئ القيس ألوك لابنه ... حارث الأحساب عن أمر قدم إلى جميع اناس بالطاعة في ... آفاقها من عرب أو من عجم وأنْ يؤدي الخرج محمولا إلى ... حارثة الأحساب عمال الأمم ولا يلام قدم إنْ أعرضوا ... ووافت الخيل إليهم بالنقم ولمّا ول ذو يقدم بعد أبيه الصوار لميفقد معه غير شخصه فقام ذو يقدم بعد. . . . . . .

стр. 48

وحذاه باجتهاد واستمر على سيرة من مضى، واستخلف بعده ابنه أنس بن ذي يقدم وقال له: يا بني إنَّ في وصية آبائك الكفاية لمن علم بها وحفظها، وإني أزيدك معها خصالا لا غنى لك عنها، وقد كانت في تدبيرهم وإنْ لم يذكروها: لا تذكر الظهور فتذهب هيبتك، ولا تدمن الحجبة فتنسي ويجترئ عليك كثير من كفاتك، وييأس المتظلم من لقائك، فيظهر التشكي ويظن من ليس مثلك أنْ الرعية إذا رضيت به أنه بدل منك، ولا تقبحن مستنصحافيخفى عليك الخلل وتذم وأنت لا تعلم، ويؤتى عليك من حيث لا تشعر. واعلم أنْ نظام الدولة في اتفاق الأهواء على الملك واجتماع الكلمة معه. ولن يقدر على جمع القلوب في صدر واحد إلاّ بخصلة وهي أنْ تصدر من كل قوم رئيسهم فانه سداد من واءه، فعن غضبه يغضبون، وبرضائه يرضون. وأنشأ يقول: أبا عمرو إذا ما قمت بعدي ... فأمرك بالأقارب والعشير ولا يفقدك مطلول نصيرا ... ولا تظهر لهم ك الظهور وإنْ من الحجاب لمّا يغبي ... عليك الجاريات من الأمور ولا تقبح نذيرا جاء يسعى ... بنصح، فالنذير أخو البشير وأنْ الناس مثل النحل تأوي ... إلى يعسو بها بعد المطير وليس رحى يدور بغير قطب ... ولا عيس تقاد بلا جرير وإنْ العدل مصلح الرعايا ... ومرضاة الصغير مع الكبير

стр. 49

وإنْ إخافة المولى ومن لا ... تفارقه من الخطر الخطير قالوا: وفي أيام ذييقدم وف سنو يوسف ﵇، فقحط البلاد واتصل عليها الجدب، وغارت العيون. وفي هذه الحطمة اعتفد الناس باليمن، ويقول أهل اليمن: إنْ النواصح اتخذ. . . ذلك العصر أو بعده، وذلك أنْ أهل اليمن لمّا قدمموا على يوسف ﵇. . . . . . . من مصر، رثى لهم من بعد السفر، فقال: أين أنتم من النواصح ووصفها لهم. . . . . . . آبار النواصح، فكل بئر بقية باليمن من ذلك العهد عتد، لا تنضب ولا تنضب وتحول، وتسم العادية واليوسفية. القصيدة: أم أين ذو أنس وعمرو وابنه المل ... طاط لط بمسحت جلاح الملطاط: ساحل البحر، وز قيل الملطاط في بعض اللغات: رأس هامة البعير، وبه سمى الملطاط أي العالي، والجلاح: الذي يأخذ أعلى الشجر، والمسحت الذي يسأصل الشجر بقلع أصوله، قال الفرزدق: وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلاّ مسحتا أو مجلف ولمّا توفي ذو يقدم، وقام بعده ابنه ذو أنس، واستن على سنن آبائه، وجرى إلى غايتهم، أقبل على ابنه عمرو دون أخويه - غنم والرتع - فقال له وهو يوصيه:

стр. 50

يا بني، أنْ النعمة سرود، فاربطها بالعمل الصالح، والزيادة بتمام شكر الشيء فاستدرها بالشكر فلا رغبة لمصطنع في اصطناع من لا يظهر جميه، ولا يشكر عليه إنْ لم يكافئ، وإنما النماء في العد. . . . . . . فاستجلبه بصلة الرحم والإحسان إلى العشيرة، وأشرك بني العمك في النعمة، فانه لا بهاء. . . . . . . لا تتبين على حاشية الرجل وأهل بيته، وأفش في الناس العدل، وأذاقهم القسط. يدخل الكافة في عمارة الأرض، واستعمل الأسفار، ولا تنظر في قلة ما يؤخذ من الواحد، فإن القليل إذا أخذ من الجماعة كثير، وإنْ الكثير من البعض قليل، كالتاجر يلحقه سعة ماله من أقل الأرباح، وأكثر من أضعاف ربح المزهد المقل، ولرب قليل خير من الكثير، ولرب أكله حرمت أمثالها وأنشأ يقول: يا عمرو من صاحب الأيام كان له ... على الغرير بها فضل بما اختبروا إنْ الأنيس وإنْ لم ترض عقدته ... يسوى به العاقل العريف ما عمرا من لم يجاز بخير نعمة شردت ... عنه وأصبح عنها يقتفي الأثرا والشكر مفتاح أسباب المزيد لمن ... يبغي المزيد وكافاك الذي شكرا وإنْ في صلة الأرحام ميمنة ... وخير خيرك ما في الأهل قد ظهرا هذاك والعدل أدنى ما يطاع به ... وقد يقود لك البادين والحضر وأما عمرو بن ذي أنس، ويقال ذي أبين، فانه لمّا توفي ذو أبين - وهو ذو أنس -

стр. 51

عام من بعده ابنه عمرو مضطبعاً بعبء الرياسة، مستحقاً لمّا قلد، حافظاً لمّا أؤتمن عليه، كأنه قد شاهد أباه فكان ما وصاه حاضراً بين يديه. ثم أسند الأمر إلى ابنه الملطاط وقال: يا بني، إنَّ الملك ثمرة حلو جناها، وحسن رواها. كل فاغر لها بقيه، وليست لا بالحرسة والحفظة. فلا تزهدن في اصطناع الرجال، وادخار الثقات. ولا يغرنك أنَّ تقول إذا اعتمدت المال كانت الرجال أقرب، فرب ملك اطرح أهل الثقة والنجدة فطمع في جزائه، وأخذ بكظمه على حين لم يسعفه من الرجال إلاّ الطريف الذي لا اصطناع له بحمل، فكان كمن أراد أنَّ يحصد يوم بذر، وإنّما منافع المال بالمقدمات من أنفاقه، ولولا إنَّ الرجل يصبر على جواده من يوم أفتلائه إلى أوان قروحه؛ ما انتفع به ساعة حاجته، ولربما رأيت الرجال تأتي بالمال وتكتسب التلاد في المدة اليسيرة ولا يكسبك مالك الرجل النادر إلاّ بعد المدة الطويلة، وإذا لجأت إلى حصن فتفقد داخله معك، فأن الحصن بثقاته، والمنزل بجاره، وأدل العيون على أعداتك تباطل ما يمكرون، وتأتيهم من حيث لا يشعرون وأنشأ يقول: أوصيك يا ملطاط فاحفظ وصيتي ... كحفظي لمّا وصى به سلف الخالي بأن لا تصون المال من رجل رضي ... فإنَّ رجال الناس تأتيك بالمال

стр. 52

والمال يأتي في المهم بمانع ... يحامى عليه غير ذي التكلة الآل سوى بقعة في قرقري أو خلالة ... يخللها ما بين أضراسه الخالي فأدل عيون الحرب تأمن بياتها ... وحاد بأكثار وبيت باقلال ورادف بأحراس عليك ومثلهم ... عليهم فهم باب عليك بأقفال وأنت فشرد بالظنين فانه ... يخونك من حال وأنت على حال أمنت فسكنى الحصن مجلس ... ومفتون أقياد عليك وأغلال ولمّا توفي عمرو بن ذي انس قام بعده الملطاط بحزم وعزم، ووازره على الثغور حارثة الأحساب بن امرئ القيس بن ثعلبة كما وازره أباه وجده وجد أبيه، وذلك أنَّ عمره شبيه بعمر أبيه ثلاثمائة وستاً وثلاثين سنة بقولهم، ثم أوصى ابنه عامرا ماء السماء في أيام الملطاط فقال: يا عامر الخير إني قد وهى بصري ... ورابني ما يريب المستربينا ورابني ما يراب أبن الثلاث به ... من المئات الخوالي والثمانينا قلدت أعمال أسلافي وقلدها ... قبلي اللهاميم الأغرينا فاثبت على كل ما أوصى إليك وما ... قد كان قدماُ به الآباء توصينا لا تعد عن طاعة الملطاط انك ما ... لم تعصه كدم عند المشجينا

стр. 53

لم تعص آباؤنا آباءه ولقد ... كانوا لآبائنا قدماً مطيعينا أنا نجيب بني أعمامنا وهم ... إذا دعوناهم يوماً أجابونا نعزهم فيعزونا وننصرهم ... فينصرونا ونكفيهم فيكفونا نسعى لهم بين أيديهم إذا نهضوا ... وإنَّ نهضنا يكونوا بين أيدينا إذا مضى سيد منا يقوم لنا ... مقامه سيد نعده فينا تحكى أواخر أقوامي أوائها وإنَّ من بعدا منا سيحكينا يا عامر الخير لا تنس الوصاة وكن ... بعدي لقومك من خير الوصيبينا قال: وإنّما سمي عامر ماء السماء لأنّه كان يقيم مائه إذا مست الناس مقام المطر، فيتبلغ الناس بعطائه ورفد وقت الجدب، إلى أنَّ يلحقهم المطر والخصب ويذكر إنَّ عامر بن حارثة جرد إلى الشام زيد بن ليث في أحياء قضاعة وحمير بأمر المطاط وولي عليهم زيد بن حارث ليث بن سعود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة من حمير وكتب كاتباً إلى أهل الشام نسخته: نزيد إلى من حل بالشام حجة ... من الملك الملطاط والقيل عامر على أنَّ زيداً ليس يعصي وينتهي ... إلى أمر زيد كل باد وحاضر ويعطونه الخرج الذي يسألونه ... وفاه ولا يلقونه بالمعاذر وإلاّ فلا يلحون إلاّ نفسهم ... إذا ما منوا بالسلهبات الضوامر

стр. 54

قال: فلما صار زيد بن ليث بالحجاز؛ وقع بين عشائره كلام، فاقترفت قضاعة عنهم، فمنهم من رجع إلى اليمن، فنسلهم بها إلى اليوم، وهم خولان ومهرة ومجيد ومنهم من نزل الحجاز ونسله بها، وهم بلى بن عمرو، وبهراء بن عمرو، وأقام زيد بالحجاز، فأفترق نسله بها؛ من سعد وعذره وجهينة ونهد، فارتفعت إلى نجد العلياء، وقد كانت دهراً طويلا بتهامة. وأما من مضى من قضاعة إلى الشام ومصر والبحرين؛ فنسله بها إلى اليوم وهم: كلب بن وبرة وتنوح وسليخ وخشين والقين والعليص القصيدة: والملك بعدهم إلى شددٍ به ... عصف الزمان كعاصف الأرياح

стр. 55

ذكروا: إنَّ الملطاط وصي إلى ابنه شدد، فقال: يا بني، لو أنَّ ملكا يستغنى بثاقب رأيه دون آراء الناس لفضل عقله، وكمال معرفته، وحسن رويته، وبارع أدبه وفطنته، وعلمه بما تقدم من التجارب لأسلافه، مع حفظه ورواه وأحاط به من سنن الأوائل من آبائه وسير الماضين من أجداده، لكنت من أغنى الملوك، عن مشاركة أهل الآراء، ومشاورة الأقوال، ووصية الموصين إلاّ أنه لا بد للملك ممن يعينه في الرأي والأمر والنهى، ولا بد له من مشير يحمل عنه مض ما يثقله من ذلك، ولا بد المولد من وصية الوالد، قلت الوصية أو كثرت. وأنشأ يقول: جربت قبلك أسبابا علمت بها ... في الملك بيني وبين الناس يا شدد فلم أجد عدة للملك تكلؤه ... مثل النوال إذا ما قل العدد ولم أجد طاعة كالعدل إنَّ نزعت ... عن طاعة لمليك في الأنام يد والناس كالوحش إنَّ داريتهم شرعوا ... وان دنيت لهم عافوا وما وردوا متى أطاعتك سادات العشيرة لا ... يعصيك في الناس فأعلم بعدها أحد داري الورى وذوى القربى وجدلهم ... بالفضل انك مطلوب بما تجد وذكروا إنَّ شدد بن الملطاط امتثل ما عهد إليه أبوه، فسعد به من قاربه، وحظى به من لم ينأ عنه. ولم يكن له ولد غير ابنين: الحارث الرائش، ووتار، فأسند إليه الملك وأشهره به، وقال له:

стр. 56

يا بني، إنَّ الملوك لا يسمحون بالملك أنْ يخرج من أحدهم في حياتهم إلاّ إلى الولد والقريب، حمير إذا حيل بينه وبينه، وبلغت النفس اللهاة قال: هاك خذه حباء! هيهات جاد بما ليس له. إلاّ وإني أحبوك به أحرص ما كنت على الحياة، ألا وإنَّ الالغبطة أنفس من القارضة؛ ولرب قائل منهم يقول: ألا يا ليتني إذا مت أرجع فأنظر ما يصنعون. ألا وإني جعلت آخر الأمر أوله لأخرج من الدنيا وليس لي شجن فيها، وأنشأ يقول: جعلت عمري أثلاثاً فأوله ... صبي وأوسطه للغشم والحرث ثم استقمت فكان الثلث آخره ... قسما لدنياي موفوراً لآخرتي فلما توفي شدد قام بعده ابنه وتار، وكان ولي عهده، وكان في عهد إليه: إذا أنا مت فقف عمرك على خمس خصال، تستعذب وردها، وتستعدي صدرها، وتحمد غبها: على فرض لله تؤديه، وقرض لنفسك نقضيه، وتيقظ في الملك تحميه، وحكم عدل في الرعية تمضيه، ولذي اللب في غير الدهر ما يكفيه ولم تطل مدة وتار، ولا ثبت قدمه في الملك؛ حمير نازعه عمومته بنو الصوار في الأمر، وقالوا: نحن أقعد، وإنّما هو ملك أبينا، ولن نتخاطى به إلى الأولاد دون الآباء. فشح في ذلك وشحوا، وتداعوا إلى الحرب. ولمّا رأت ذلك وجوه حمير خافوا الفرقة وحاذروا القطيعة، فرأوا خلع وتار وإخراج عمومته من الملك ، وفتلوا حبل الملك في

стр. 57

يد بتع بن زيد صاحب السد سد بتع. فملك بتع بن زيد وحسنت سيرته ورضى بذلك بنو الصوار، وقربها جميعاً وأدناهم وآثرهم، فكان له الاسم ولهم الجسم وصية بتع الملك لابنيه علهان ونهفان فلما احتضر أوصى ابنيه علهان ونهفان، وقال: أوصيكما بتقوى الله أولا، ثم باتفاقكما بع، فلا ذل مع وفقة، ولا عز مع فرقة، ولولا تداول الرجلين بالخطو ما بلغ ذو الحاجة من المسير مراده، ولولا توافق اليدين في المتح ما ملأ الوارد ورده، وما استديمت العارية بمثل صيانتها ورعاية حق المعير فيها. فاحفظوا الله في جوار النعم، كيلا تعود نقما، فانه إذا أوسف انتقم، كوثر قصم، ولا تبسطنكم عليه دالة، فليس بينكم وبينه قرابة. وإذا زللتم فاهربوا إليه، فليس عليه مجير. ولا منه خفير، ثم اعلموا: أنَّ هذا الأمر صار إلينا عن قوم لم يرفضوه زهداً، ولم يسلموه جهداً، ولم يسلبوه قهراً. وإنّما أمانة غائب إلى أوبة ومال يتيم يرزق منه بالمعروف إلى أنْ يؤنس رشده، ويتبين حزمه، ويعز عقله ثم

стр. 58

يسلم إلى يد ما ملكت، فيكون بذلك عملكما، وعليه تحافظكما، فإذا حان من أحدكما ما حان مني فليرد الأمر بهذه الوصية إلى الغابر، وليردده الغابر إلى من غبر بعده بمثل ذلك، إلى أنْ يقوم من بني الصوار من يجتمعون عليه، ويسلمون إليه عن تسارع، كما أخذتموه عن تراض. والسلام ثم ملك علهان ونهفان فأحسنا السيرة، وأمتثلا ما وصاهما به أبوهك، حمير سبق الموت بنهفان، واستقر بالملك علهان، فأقل أعباءه، واضطلع بجمله، وسار سيرة من سلفه، حمير ألم به ما ألم بهم، فأوصى إلى أبن أخيه شهران، وقال: وصية علهان الملك لابن أخيه شهران إني لم أخصك بالملك دون أبني أيمن لأجل أنك تزيد عليه في الفضل أو تسبقه في نجدة. وكلنني أحببت أنْ أصل ما طوته الأيام من عمر أبيك دون ما بقى من عمري. وإني أوصيك يا بني بالكف عن المعصية، والإحسان إلى الرعية، فإذا أنعمت فأنعم، وإذا كويت داء العر فاحسم، وإذا أدمت المكايد فاحسم، وإذا غضبت فاكظم، وإذا أساء إليك من هو دونك فاحلم، وإذا سئلت مما في يدك فأكرم، وإذا أعنت الحرب فلا تغشها إلاّ عن مقدمات فإنّها غاية شر، لا تنجلي إلاّ بذهاب نفوس، فتوق أشد ما قدرت، فإذا حملت عليها فليكن أمرك دونهم ثم ملك شهران بن نهفان فأوسع الناس رغبة ورهبة وشملهم عدله، وأقام فيهم سلطانه فرهبوا، وأمر ببناء ما حول ناعط من القصور وابتنى تلفم وأمر بتزبير أيامهم في حجارة القصور، واستعمل ابنه تألب ريم في أرض حمير، ثم كتب له كتاباً نسخته:

стр. 59

وصية شهران الملك إلى ابنه تألب ريم بسمك اللهم رب حمير وهمدان، زبور ما زبر، على قط وحجر، بعهدي لك يا تألب بحياتي، ووصيتي لك بعد وفاتي، أنَّ لك الشركة في الأمر ما حييت، والحوزة للملك ما رديت. فاحتذ سنتي، واعمل جادتي، ولا ترضين لنفسك أنْ يقال أبوه خير منه، وأنْ تلحق الآخ بالأمر، وما الناس إلاّ زائد على أبيه، أو ناقص عنه، ولوّلا ذلك ما بقي في الغابر شيء مما يكون في الداشر. ثم اعلم أنَّ رعيتك ليسوا ثلة تأكل من حجرتها، وتبتاع من عفوتها، وإنّما هم لك أشياء، يطلبون من بلغة الدنيا مثل ما تطلب، ويرهبون من تقلبها مثل ما ترهب، وإنّما لك منهم فضل الطاعة، وعليك فيهم حسن الحياطة، واعط كلا منهم منزلته، ولا تنصب في كل بني أب غير رئيس واحد، فإنَّ كانوا أكثر افترقوا كالنحل التي لها يعسوب واحد، فإذا كثر في الخلية اليعاسيب ذهب كل منهم بفريق. واعلم أنَّ لكل عصر أهلا، وبما باينت طباعهم من كان قبلهم، فلا تستعمل في الآخر سيرة الأول أجمع، ولا تترك قلائد فإنَّ الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولولا ذلك ما كان أهل دهر أكرم من أهل دهر، ولا أهل عصر أنجد من أهل عصر، ولا أهل زمان أعلم من أهل زمان، والأيام متقلبة فاركب

стр. 60

لكل زمان وركبه؛ واعلم أنَّه لا خلل في ملك تيقظ ربه، وأطل على عماله، وسار في رعيته بالعدل، وقبض أيدي أتباعه. . . . . . قادتهم بالمال، وملأ صدورهم بالهيبة، وأشترك صلته في نعمته، وتفقد. . . . . . من حيث لا يعلمون، وأحسن إلى من يغضب لغضب الجماعة، ويرضى برضائه العصبة. وخلط اللين بالشدة، والرقة بالغلظة، ولا ينسلخ. . . . . . يوم إلاّ وهو رابح من الخير، خفيف الظهر من الوزر والسلام. فلما توفي شهران، قام بعده تألب ريم فعظم سلطانه وحسنة أيامه، وذكرته حمير في كثير من مساندها، ولم تعرف له همدان عهدا، ولا وصية، لأنه كان أكثر أيامه في بلد حمير. قيام حاشد ذلك مرع وترشيحه الحارث الرائش . ثم ملك من بعده حاشد ذو مرع، فأحسن السيرة غير طويل، ثم جمع حمير وكهلان فقال: أيها الناس، إنَّ لكل قوم دولة، ولكل دولة مدة، كما لكل حاملة تمام، ولكل مرضعة فطام، وقد حان منا انقطاع أمد، ووفاء عدد، بظهور الحارث بن شدد، وإنَّه لنا لولد، وقد جاء في الخبر أنه الملك المنتظر، والعلم المشتهر، وإني قد رأيت أنْ أنزل نفسي منزلة القيالة خشية أنْ أنزلها منه. فلم يزل على ذلك حمير قام الحارث الرائش فاستخلصه وأعتضد به.

стр. 61

القصيدة. قال نشوان: والحارث الملك المسمى رائشا ... إذ راش من قحطان كل جناح وحباهم بغنائم الفرس التي ... فاضت على الجندي والفلاح وعزا الأعاجم فاستباح بلادهم ... ملك حماه كان غير مباح ركب السفينة إلى بلاد الهند في ... لجج يسير بها على الألواح وبنى بأرضهم مدينة راية ... فيها الجباة لعامل جراح والترك كانت قد أذلت فارسا ... لم يستروا من شرهم بوجاح فشكوا إليه، فزارهم بمقانب ... فيها صراح ينتمي لصراح تركوا شبايا الترك فيهم بينهم ... للبيع تعرض في يد الصياح وغدا منوشهر يمت بطاعة ... وولاية من منعم مناح هذا الملك هو الحارث الرائش بن شدد بن قيس بن صيفي بن حمير الأصغر. هذا نسبه الصحيح. ومن ولده التبابعة، وقد نسيه الهمداني في الأكاليل إلى ولد الصوار فقال: هو الحارث الرائش بن أبي شدد بن الملطاط بن عمرو بن ذي أبين بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس، وقال في الأكاليل أيضاً: وقد قال بعض العلماء: إنَّ الرائش من ولد قيس بن صيفي. وقال نشوان بن سعيد:

стр. 62

تتابع الأملاك من حمير ... عدتهم سبعون لا تقصر من ولد الرائش جمهورهم ... من حمير الأصغر ما حمير يا أيها السائل عن تتبع ... وتبع كالشمس بل أشهر وك الحارث الرائش يدعى بملك الأملاك. ولا ملك الأملاك إلاّ الله ، وقيل إنَّه لمّا توفي شدد بن قيس قام بعده ابنه الحارث وأخذ في أهبة المسير والغزو وأمر باتخاذ الخيل والسلاح، وعرك جزيرة العرب والحجاز واليمن، حتى استوسقت له. فلما اشتد ملكه وعلا سلطانه، خافته ملوك البلدان ورؤساء النواحي، فأتته هدية من ملوك الهند فاخرة، من مسك أذفر، وكافور وعنبر، وياقوت أحمر وجوهر، وجوار حسان، ومن تحف الصين. وتطلعت نفسه إلى غزو الهند فعبأ الجنود وأظهر أنه يريد بلاد المغرب بحرا وبرا، وعبأ السفن حتى إذا رأى أنَّ البحر قد أمكن، قدم رجلاً من أهل بيته يقال له يعفر بن عمرو بن شرحبيل بن عمرو بن أبين بن ذي يقدم بن الصوار أبن عبد شمس في جيشه عظيم، وسار خلفه في خيل عظيمة حتى دخل أرض الهند. فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم الأموال. ثم أقبل إلى اليمن، وخلف بعفر في أثنى عشر ألف فارس في أرض الهند، وأمره ببناء مدينة هنالك ليذكر بها فقام وابتنى مدينة لم ير مثلها، وسماها الرياشة فثقل هذا الاسم على العجم فسموه الراية، ويقال الواية، فأقام بها يعفر بن عمرو حينا، وخلف عماله وعاد إلى اليمن بالغنائم العظيمة، فراش بها حمير وكهلان، فسمى الرائش لذلك، مأخوذ من رياشة السهم، لأنه أدخل في اليمن ما لم يدخله قبله من السي، وممن يحسن الزراعة والصنع. فلما قسم الغنائم بين حمير وكهلان أمرهم أنْ يستعملوا البي وأهل السواد في إثارة الأرض، ففتق لهم العيون، ودلهم على اتخاذ

стр. 63

المستغلات، وفي ذلك يقول نوفل بن سعد بن عبد أد الحميري حيث يقول: من ذا من الناس له ما لنا ... من عارب الناس ومن عجم سار بنا الرائش في جحفل ... مثل مغيض سائل المفعم يؤم أرض الهند غاز لها ... في معدن الأنوج والكركم منصلتا لا ينثني عزمه ... أفرض من ذي لبد ضيغم قد جرد الغارات من قبله ... يقتل في حصد القنا الملثم أعنى بها عفر إذ جاءها ... يا حبذا ذلك من مقدم في بحرها المسجور يطوي بنا ... يؤم سير الملك الأعظم

стр. 64

ساء صباحا عندها صبحوا ... من ذاك بالداهية الصيلم رجت سرنديب إلى كالة ... منها فجر ما فقرى الكولم فأول الغاية قاموا بها ... فأسلموا للفيق المظلم ناداهم إنى لكم قاهر ... واليوم يومي فأعلموه حم يقتل من شاء ويأسرهم ... . . . . . . . ماه حده محذم يستعبد الأطفال قهرا ولا ... . . . . . . . غير البطل المعلم لو تظهر الجن لنا أذعنت ... وأسلمت طوعا ولم تقدم فأقعص الرائش أملاكها ... وآب بالخيرات والأنعم ثم سبينا كل ممكورة ... ذات دلال بضمة المعصم والدر والياقوت من أرضها ... والعسجد الخالص كالعندم وقد بنى يعفر في أرضهم ... مدينة ذات بنا ملحم يذكر في الدهر بها ما بنى ... كما بقي ذكر بني آدم ولمّا وصل الرائش من بلد الهند أذعنت له الملوك وأدت له الخراج: فأقام باليمن دهرا

стр. 65

طويلا لا يغزو، ودانت له الآفاق، حتى أتاه رسل ملك بابل، وكتاب منوشهر، بعد ملوك الأكاسر بهدايا نفيسة من الجواهر والعقيق الأحمر والمسك التبتي، والحرير و. . . . . . . والحلية والآنية الفيعة، وكان أكثر ما بعث إليه من بلاد الترك وأمتعتهم من السلاح ليرغبه في بلدهم، وعرفه فسادهم في الأرض، وانبساطهم إلى أعمال بابل، وأنْ جمهورهم بأذربيجان، وأنْ بابل منهم والشام على خوف، وأنهم لا يرون أهل بابل في عيونهم شيئاً، قال عبيد بن شرية: وأهل بابل بقية ولد نوح من غير العرب، فأجمع عند ذلك على غزو الترك، وكان غزا في عمره مرتين: الأولى في بلد الهند والسند، وهي التي تقدم ذكرها. والثانية إلى بابل وخراسان وبلاد الترك. فلما رأى الرائش تلك الهدايا، قال للرسول: أي ما أرى من بلادكم؟ قال: بعضه أيها الملك، وبعضه من بلاد الترك، وهم من ورائنا، من حالهم أنهم لا يدنون لأحد من الملوك فخلف ليغزون تلك البلاد التي خرج منها ما رأى. واستخلف على اليمن بعقر بن عمرو، وكان ذلك في زمان موسى بن عمران ﵇. وكتاب منوشهر أنَّه يستدعيه إلى بلاد الفرس، ويستنصر على الترك لأنهم قد كانوا استظهروا على الفرس، وأباحوا بلادهم، فنهض الرائش في مائة ألف وخمسين ألفا، وكانت الرواد في إبقاء الطريق متقدمين، فلم يجدوا خيرا من طريق على جبلي طيء، حتى خرج ما بين العراق والجزيرة، ونزل الموصل، وبعث شمر ذا الجناح الأكبر بن عطاف بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن علاق أبن عمر بن ذي أبين، حتى دخل على الترك أذربيجان، فأوقع فيهم وقعة أترت فيهم، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، وتبع قلهم، حتى أوغل في بلد الترك، وكتب إلى الملك

стр. 66

الرائش يخبره بما قتل وسبى وما احتوى من الأموال، فأمره أنْ يصل بكل ما معه، وأمره أنْ يزبر سيره على باب مدينة الترك على حجرين متقابلين شامخين. فكتب على أحدهما إنَّ الحارث الرائش ذا مراثد سيد الأوائل بلغ من الدنيا ما أمله، وبقي ينتظر أجله، فمتى يقض يمض. وتحته مكتوب ما نسخته: يا جابيا أرض خراسان ... ملججا في أرض حران فتحت أرض الهند مستأثرا ... بيعفر الأول والثاني تتبع قرن الشمس إنْ أشرقت ... حتى بدا الضحى قاني سافر على التبت مستعجلا ... مقتحما أرض سجستان سينقض الرائش بعد الذي ... نال ويبقى الناس في شان وعلى الأخرى أثبت في اجلاميد خبر المسير في البيد، أنْ الرائش الصنديد، سار وكان أول سائر، نحو المشرق في غزا يريد حوز المكاثر، بحمير الحنوف وشعبها الكثيف واسمها المخوف وتحته هذه الأبيات: إلاّ أنْ الزمان أطلع أمري ... وسوف أطيعه كرها بقسر ركبت الدهر أعواما عزيزا ... سيسأم طول هذا الدهر دهري

стр. 67

يخادعني بأيام حسان ... ويقطع دائبا في ذاك عمري قال وهب بن منبه: إنَّ الرائش أخذ إلى أرض أرمينية إلى ما تحت بنات نعش، ثم رجع إلى الشام، ثم إلى بيت الله الحرام، ثم رجع إلى غمدان. قال عبيد بن شرية: وقد ذكر الرائش مسيرة في شعره هذا وبشر بظهور المصطفى، سيد ولد آدم محمّد ﷺ فقال: أنا الملك المقدام حين أمضي ... جلبت الخيل من أوطان سام لأغزو أعبدا جهلوا مكاني ... من أبنا يافث وقبيل حام وأحكم في بلادهم بحكم ... سوى لا يجاوز في غلام بني قحطان فانتجعوا وسيروا ... وحجوا البيت في البلد الحرام باذن الله حطوا فهو بيت ... توارثة الهمام عن الهمام دعوا إحرام لبني أبيكم ... وكونوا مثل قحطان وسام وكونوا مثل ملطاط بن عمرو ... وذي أنس الأظافر ذي المسام لأنا الأغلبون إذا بطشنا ... وإنا المانعون لكل ذام وإنا يوم نغضب أو نسامي ... تكاد الأرض ترجف بالأنام وإنْ ترضى تقر بمن عليها ... ويشرق وجهها بعد الظلام وفينا الملك والأملاك حقا ... ونحن الأكرمون بنو الكرام أبوه يعرب فيه نسامي ... فنقهر من يفاخر أو يسامي ملوك الناس طرا حيث كانوا ... بعيدا يافثا وقبيل حام

стр. 68

فإن أهلك ولم أرجع إليكم ... فقد هلك الملوك من الأنام وإنْ أهلك فقد أثلت ملكا ... لكم يبقى إلى وقت التامي ويهلك بعدنا منا ملوك ... أولو عز كعالية الغمام ويخاف بعدهم منا ملوك ... يدينون العباد بغير ذام وينتشر الأساود ثم عشراً ... عقاب الله في القوم الأثام ويملك بعدهم منا ملوك ... ضعيف أمرهم نكل المرام ويملك بعدهم ملك عظيم ... نبي لا يرخص في الحرام يفارق أهله وله كتاب ... يوافق جعله رجع الكلام يسمى أحمدا ياليت أني ... أؤخر بعد مخرجه بعام ويخلف بعده خلفاء يسر ... ويملك ما بعدهم أولاد عام وتظهر راية المنصور فيهم ... على راء وراء بعد لام فينشر ما طوى ملك طوته ... ثلاث بعد واحدة تمام فتنبعث الحقوق وقد أميتت ... كما انبعث الدفين من السلام ويملك بعدهم رجل ضعيف ... على أيامه أذكى السلام وهذه إشارة إلى المهدي آخر الزمان. ونحيل أي من الصيام والقيام، وخروجه من تحت أستار الكعبة على ما روي في الملاحم. والله أعلم

стр. 69

ولمّا استقر الرائش بقصر غمدان بصنعاء أقبل على ابنه أبرهة بن الحارث يوصيه فقال له: يا بني، إنَّ أباك خولك الملك فأقره في محتد أنت أوسط الناس فيه وأولاهم به، وإني لموصيك بزيادة ما نالت يداك من الخيرات تفعله إلى من سمع لك وأطاع، واجعل العدل لك ناصراً وخذ الإحسان لك نجدة، واصطنع العشيرة ليوم ما. وأنشأ يقول: لويت لك الملك الذي كان حازه ... لأولاده في سالف الدهر حمير فكن حافظاً للملك بعدي عامراً ... فقد يحفظ الملك الأثيل ويعمر وعمرانه أنْ تبسط العدل دونه ... وبالعدل تنهي من نهيت وتأمر وثابر على الإحسان إنك لن ترى ... كريماً به إلاّ يعان وينصر وقومك واصلهم وحطهم فإنما ... بقومك تعلوا من أردت وتقهر وقال نشوان: أو ذو المنار بنى المنار إذا غزا ... ليدله في رجعته ومراح ألقى بمنقطع العمارة بركه ... في الغرب يدعو لات حين براح ذو المنار: هو أبرهة بن الحارث الرائش الملك، ويسمى ذا المنار لأنه أوّل من نصب المنار والأعلام والأميال على الطريق ليهتدي بها جيشه عند القفول من غزوهم في رجوعهم، وكان غزوهم إلى منقطع العمارة في المغرب، فملك تلك النواحي، وولى بها

стр. 70

الولاة والعمال والكفاة وقال نشوان: والعبد ذو الأذعار إذ ذعر الورى ... بوجوه قوم في السبأ قباح قوم من النسناسمذكورون في ... أصى الشمال كل رياح ويروى أنَّ أبرهة بن الرائش كان من أجمل أهل زمانه فيما يذكر، فعشقته امرأة من الجن يقال لها العيوف ابنة الرابع فتزوجها فولدت له العبد بن أبرهة، فشب العبد

стр. 71

وبلغ مبالغ الرجال الأوائل من آبائه، وسار ابرهة نحو المغرب غازياً، ومعه ابنه العبد فصيره مع مقدمته واستخلف على اليمن ابنه إفريقيس بن ابرهة، وسار أبرهة حمير أوغل في أرض السودان براً وبحراً، وأمعن فيها، ثم بدا له المقام فأقام، وسرح ابنه العبد أبن أبرهة في غرب الأرض في عسكر حمير انتهى إلى قوم وجوههم في صدورهم، وإذا كان النهار وجرت عليهم الشمس استخفوا في الماء، فوضع فيهم السيف حمير أفناهم. ورجع إلى أبيه بسبي كثير، وأصاب من الأموال شيئاً عجيباً، وأخذ منهم قوماً. فلما قدم إلى أبيه ذعر الناس منهم فسمي ذا الأذعار لذلك. قال عبيد بن شرية: فلما رجع أبرهة من غزوته تلك أمر بمنارة فبنيت وشب فيها النيران، لتهتدي بها جيوشه، وكان ذلك المنار أوّل منار وضعه الملوك، فلذلك سمي ذا النار وقال نشوان: وأخوه إفريقيس وارث ملكه ... حتف العدو وجابر الممتاح ملك بنى في الغرب إفريقيةً ... نسبت إليه بأوضح الإضاح وأحل فيها قومه فتملكوا ... ما حولها من بلدة ونواح هذا الملك إفريقيس بن أبرهة ذي المنار بن الحارث الرائش، عزا نحو الغرب من يمين مسير أبيه في أرض البربر حمير انتهى إلى طنجة من أرض المغرب فرأى بلاداً كثيرة الخير قليلة الأهل، فأمر ببناء مدينة إفريقية، وأسكن فيها قبائل من قومه، وهم أهل كنانة

стр. 72

وعهامة وزنانة ولواتة وصنهاجة قبائل ضخمة في المغرب من حمير ونقل البربر وهم جيل من الناس بقية ممن قتلهم يوشع بن نوح، لأنه دعاهم إلى طاعة الله فكرهوا الحق وأحبوا المقام على الكفر فقتلهم، وهربت منهم طائفة إلى السواحل ثم رجعوا بعد ذلك، فقتل منهم إفريقيس في غزوته من قتل، ونقل بقيتهم إلى بربرة، فأسكنهم بحيث هم من بلاد البربر، وفي ذلك يقول: بربرت كنعان لمّا سقتها ... من بلاد الملك للعيش العجيب ورأت كوش لعمري دارها ... نرتقي عيشاً لنا لا يثرب ثم أمسوا غير ممسي من مضي ... بتريب وطريد ذي تعب فاشكري ضبعان شكراً صادقاً ... واحذري مني انتقام ذا حرب

стр. 73

قال السميدع بن عمرو بن علاق في ذلك إلى المغرب في جحفل ... فيه لعمري كل شاب همام بأمر إفريقيس لا ننثني ... بكل صهال وعضب حسام حتى أتينا الأرض طلحانها ... من دون بحر غير سهل المرام نخوض بالفرسان في ماقط ... يكثر فيه ضرب أيد وهام يأمر بالهمة ذو حنكة ... نقهر من شئنا بجيش لهام نقتل منهم شيخ أملاكهم ... أروع قوم غير وغد كهام ونسكن البربر في فصفص ... كتائب سارت كمثل الغمام ثم ابتني البنيان في جوفها ... بغير ما كره لدهر الدوام روى الخزعلي أنَّ عمرو بن عامر مزيقياً تولى الأعمال في الأطراف والثغور لأبرهة ذي المنار، وللعبد بن أبرهة، ولابنه شرحبيل، والهدهاد بن شرحبيل مصاهر الجن. وقال نشوان:

стр. 74

وكذلك الهدهاد أيضاً عامر ... هدت قواعد ملكه المنصاح النصاح: المنشق، هذا هو الملك الهدهاد بن شرحبيل بن بريل ذي سحر أبن شرحبيل بن الحارث بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، وهو حمير الأصغر أبن سبأ الأصغر بن كعب بن سهل بن زيد بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس أبن وائل بن الغوث بن جيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير الأكبر بن سبأ الأكبر. وهو أبو بلقيس التي ذكرها الله تعالى في كتابه العظيم في سورة النمل. وكان الهدهاد ملكا عظيما، ولم يكن له ولد ذكر، ولا عقب غير بلقيس أمها من الجن، وشمس أمها من العرب. فأما بلقيس فقد ملكت بعد أبيها وأما شمس فكانت عند ياسر ينعم صاحب امسند بوادي الرمل، وكان يبب تزويج الهدهاد بن شرح أبن شرحبيل من الجن أنه خرج للصيد في جماعة من خدمه وخاصته. فرأى ذئبا يطرد غزالة، وقد ألجأها إلى مضيق ليس للغزالة مخلص عنه ولا محيص، فحمل الهدهاد على الذئب فرده عن الغزالة، وبقي الهدهاد يتع نظره إلى الغزالة، لينظر إلى أين تنتهي، فسار في إثرها، وانقطع عن أصحابه، فبينما هو كذلك، إذ رفع له عن مدينة عظيمة، فيها من ما دعى باسمه من النساء، والنعم، والخيل، والإبل، والنخيل، والزرع، والفواكه،. فوقف دونها متعجبا مما ظهر له منها. فبينما هو كذلك إذا أقبل عليه رجل من أهل تلك المدينة التي ظهرت له، فسلم ورحب به وحياه، وقال له: أيها الملك إني أراك متعجبا مما ظهر لك في يومك هذا، فقال له الهدهاد: إني لكما قلت، فما هذه المدينة؟ ومن ساكنها؟ فقال هذه مأرب، سميت باسم بلد قومك. وهي مدينة عرم حي من

стр. 75

الجن، وهم سكانها، وأنا اليلب بن صعب ملكهم وصاحب أمرهم. قال فبينما هم كذلك إذ مرت بهم امرأة لم ير الراءون أحسن منها وجها، ولا أكمل منها خلقا، ولا أظهر منها صباحة، ولا أطيب منها رائحة، فافتتن بها اهدهاد، وعلم ملك الجن أنَّه قد. . . . . . .، وشغف بها، فقال له: أيها الملك، إنْ كنت قد هويتها فهي ابنتي وأنا أزوجكها، فجزاه الهدهاد خيرا على كلامه، وقال له: من لي بذلك؟ فقال له الجني: إنما عرضت عليك من تزويجي منك وجمعي بينكما على أسر الأحوال وأنا بها زعيم، فهل عرفتها؟ فقال له الهدهاد: ما رأيتها قبل يومي هذا، فقال له الجني: فإنّها الغزالة التي خلصتها من الذئب، ولا نكافئك على فعلك الجميل أبداً بأحسن من حبائك بها، بشهادة الله وشهادة ملائكته. فإذا أردت ذلك فاقدم إلينا بخاصة أهل بيتك وملوك قومك ليشهدوا إملاكها، ويحضروا وليمتها، وميعادك الشهر الداخل. وقال فانصرف الهدهاد على الميعاد، وغابت المدينة، وإذا أصحابه حوله يدورون عليه. فقالوا له: أين كنت؟ ونحن في طلبك مذ فارقتنا، ولم نترك شيئاً من هذه الفلوات إلاّ قلبناه لك وطلبناك فيه، فقال لهم الهدهاد: إني لم أبعد، ولم أجب. وأقبل يسير وهو يقول: عجائب الدهر لا تفني أوابدها ... والمرء ما عاش لا يخلوا من العجب ما كنت أحسب أنْ الأرض يعمرها ... غير الأعاجم في الآفاق والعرب وكنت أخبر بالجن فلا ... أرد أخبارهم إلاّ إلى الكذب حتى رأيت مقاصير مشيدة ... للجن محفوفة الأبواب والحجب
следующие страницы →