ما أظهر ليدع الناس بعضهم من بعض"١ ٢
وقد ذكر أصحاب المغازي أنه نزل فيه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا..﴾ ٣ ٤.
стр. 247
كما أخرج ابن إسحاق بسند فيه مجهول١، عن الحسن قال: "فو الله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته –والذي نفس الحسن بيده- الأرض. ثم عاد والله فلفظته، فلما غل قومه عمدوا إلى صدَّين٢ فسطحوه٣ بينهما، ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه، قال: بلغ رسول الله ﷺ شأنه، فقال: والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم فيما أراكم منه"٤.
стр. 248
الفصل الثاني: سرايا تحطيم الأوثان
مقدمه
...
الفصل الثاني: سرايا تحطيم الأوثان
ويحتوي على:
١- مقدمة.
٢- بعث خالد بن الوليد إلى العزَّى.
٣- سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة.
٤- سر ية عمرو بن العاص إلى سواع.
٥- بعث خالد بن الوليد وأبي سفيان بن حرب إلى اللات.
стр. 249
مقدمة
بعد أن كان العالم غارقًا في سبات عميق يتخبط في ليل حالك الظلام، وهو يتمرغ في أدران الجاهلية والشرك يبحث عمن يخرجه من الظلمات إلى النور يبعث الله الغيث بعدما قنطوا، فكانت الرسالة المحمدية الحنيفية التي كان عليها فطرة البشر منذ خُلقوا وأُخذ عليهم العهد والميثاق بذلك.
لكنهم نقضوا العهد وخانوا الميثاق بتحريض من الشياطين أعدائِهم.
وصدق الله القائل في حديث قدسي يرويه رسول الله ﷺ عن ربه: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" ١.
فهؤلاء قوم نوح يُعرضون عن عبادة الله ويعبدون ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا وهم رجال صالحون كانوا فيهم، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عبدت٢.
ويواصل الشيطان نشاطه في الأرض أينما وجد له أرضًا خصبة ولقي له أتباعا وجنودًا من الإنس والجن، فلما حدث الطوفان وبعد سنين طويلة انتقلت هذه الأصنام بطريقة ما إلى العرب٣.
стр. 250
فصارت ودٌّ لكلب بدومة الجندل "وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع"١.
أما بقية القبائل العربية وخاصة القريبة من مكة عاصمة الشرك والوثنية قي الجاهلية فقد "اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحُجاب، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها وهي تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده"٢.
وكان من أشهر هذه الطواغيت بل وأعظمها في نظر العرب –بعد الكعبة- الثلاثة التي ذكرها الله في سورة النجم، قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٣.
"ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئا من الأصنام إعظامهم العزى ثم اللات ثم مناة"٤.
وقد بلغ من تعظيمهم إياها أنهم كانوا إذا طافوا بالكعبة يقولون: "واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"٥.
حتى إذا تلا رسول الله ﷺ الآية السابقة من سورة النجم إلى آخر السورة ثم سجد سجد معه المشركون ظنًّا منهم أن رسول الله ﷺ قد غير موقفه من آلهتهم المزعومة والتي كان موقفه منها سابقا متدرجًا من الإنكار القلبي قبل
стр. 251
بعثته إلى الإنكار القولي بعد البعثة والذي استمر طيلة الفترة المكية.
ولكن بعد أن استعلى الإسلام باندحار الشرك في الجزيرة العربية تدريجيًّا حتى سقوط مكة عاصمة الوثنية في أيدي المسلمين جاء دور الإنكار الفعلي نحو تلك الأوثان والتي غيَّرها وأزالها من حول الكعبة بيده الشريفة ﷺ .
ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنمًا إلا كسره"١.
ثم بث سراياه وبعوثه لإزالة كل رموز الشرك والوثنية من أرض الجزيرة العربية فكان منها بعثان بقيادة خالد بن الوليد ﵁ إلى كلِّ من العزى، ثم اللات، وسرية إلى مناة الثالثة الأخرى بقيادة سعد بن زيد الأشهلي، وأخرى لتحطيم سواع بقيادة عمرو بن العاص ﵁، وغيرها من البعوث والسرايا التي انطلقت لتطهير أرض الجزيرة من الأوثان، قال تعالى ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ٢.
стр. 252
بعث خالد بن الوليد إلى العزى
...
بعث خالد بن الوليد لهدم وتحطيم العزى
(يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك)
стр. 253
العُزَّى بضم المهملة وفتح الزاي، اشتقوها من اسم الله تعالى العزيز سبحانه وتعالى عما يشركون، قالوا: العزى تأنيث الأعز، مثل الكبرى تأنيث الأكبر، والأعز بمعنى العزيز، والعزى بمعنى العزيزة١.
"وكانت العرب وقريش تسمي بها عبد العزى"٢.
وقد اختُلف في صفتها ولمن كانت من العرب، فقيل: كانت شجرة بنخلة٣ لغطفان يعبدونها٤، وقيل: بل كانت بيتًا ببطن نخلة٥.
قال ابن دريد: كانت بيتًا بالطائف٦.
وأخرج أبو نعيم، والبيهقي عن أبي الطفيل، وابن الكلبي عن ابن عباس ﵄: أنها كانت بيتا على ثلاث سمرات٧.
ولكن سعيد بن جبير يقول: العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه٨.
ويروي الطبري نقلا عن الواقدي، قال: "هو صنم لبني شيبان، بطن من سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بن عبد العزى يقولون: هذا صنمنا"٩.
ولكن ابن إسحاق، وابن سعد والكلبي يقولون: كانت سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم، وإن آخر مَن سدنتها منهم دبية بن حرمي السُّلمي١٠.
стр. 254
قال خليفة: كانت بيتا عظيما لقريش، وكنانة، ومضر كلها١.
وكان أول من وضعه من العرب كما تذكر الروايات هو ظالم بن أسعد، أو سعد بن ظالم الغطفاني٢.
ويذكر ابن الكلبي: أنها كانت لها مكانة عظيمة عند العرب عامة وقريش خاصة، حيث كانوا يزورونها ويهدون إليها ويتقربون عندها بالذبائح، وقد بلغ من تعظيمهم لها أن قريشا حمت لها شعبًا من وادي حراض يقال له سقام يضاهون به حرم الكعبة، كما جعلوا لها منحرًّا خاصًّا ينحرون فيه هداياها يقال له: الغبغب٣.
فلم تزل العزى كذلك حتى بعث الله نبيه ﷺ فعابها وغيرها من الأصنام ونهاهم عن عبادتها، فاشتد ذلك على قريش فأخذت تدافع عن آلهتها بكل ما تملك من قوة، وأعلنت الحرب على المسلمين من أجلها، بل إن أبا سفيان بن حرب قال يوم أحد للمسلمين مفتخرًا بها: لنا العزى ولا عزى لكم، فرد عليه المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم.
ويوم جاء الحق وزهق الباطل –يوم الفتح الأعظم- يومها تساقطت تلك الأصنام المحيطة بالكعبة المشرفة على يد نبي الهدى والرحمة ﷺ ثم بث رسول الله ﷺ سراياه وبعوثه لتحطيم بقية معاقل الشرك والوثنية منها سرية قوتها ثلاثون فارسًا كما يذكر الواقدي٤ بقيادة خالد بن الوليد ﵁، توجهت إلى الطاغوت الأعظم منزلة ومكانة عند قريش وسائر العرب العزى، وقد اتفق أهل المغازي على أنها كانت بعد الفتح ولكنهم اختلفوا في تحديد تاريخها
стр. 255
بدقة، حيث ذكرها ابن إسحاق ومن تابعه بعد سرية خالد إلى بني جذيمة١.
وذكرها الواقدي وابن سعد قبلها وحدداها بخمس ليال بقين من شهر رمضان٢.
وذكر مغلطاي أن ذكر ابن إسحاق لها بعد سرية بني جذيمة فيه نظر من حيث إن رسول الله ﷺ كان قد وجد على خالد في أمر بني جذيمة، ولا يتجه إرساله بعد ذلك في بعث٣.
قال الشامي: إن صح ما ذكره ابن إسحاق من كون سرية خالد لهدم العزى بعد سرية بني جذيمة فوجهه: أن رسول الله ﷺ رضي عنه وعذره في اجتهاده٤.
انطلق خالد بن الوليد ﵁ وأصحابه لإزالة ذلك الطاغوت من الوجود نهائيًّا، وعندما وصلت السرية إلى العزى قام إليها خالد "فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها"٥ وهو يردد: "كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك"٦.
ثم رجع خالد وأصحابه إلى رسول الله ﷺ وقدم تقريره بإنجاز المهمة، ولكن النبي ﷺ استدرك على قائد السرية كما يذكر الواقدي وكاتبه في روايتهما: "هل رأيت شيئًا؟، قال: لا"٧ فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئًا"٨.
стр. 256
فرجع خالد وهو متغيظ حنق على عدم إنهاء مهمته على الوجه المطلوب، فلما وصل إليها ونظرت السدنة إليه عرفوا أنه جاء هذه المرة ليكمل ما فاته في المرة السابقة فهربوا إلى الجبل وهو يصيحون "يا عزى خبليه، يا عزى عوريه. فأتاه خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها"١.
فقدم إليها خالد ﵁ بشجاعته الإيمانية المعروفة، وضربها بالسيف حتى قتلها" ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك فقال: "تلك هي العزى"٢ ٣.
وقد يبدو هذا الخبر غريبا بعض الشيء وقد حاول الزرقاني تفسيرة، فقال:
стр. 257
أمرتهم بتجديدها أو تخبرهم أنها لو قطعت شجراتها أو كسرت حجارتها لم تزل عظمتها، وفي خروجها لخالد ثانية آية أخرى؛ لأنها لم تكن مشاهدة١.
стр. 258
سرية سعد بن زيد الأشهلي١ إلى مناة
﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾
[النجم/٢٠]
стр. 259
قال الله تعالى ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ١.
مناة بفتح الميم والنون الخفيفة٢ اسم صنم كانت على ساحل البحر الأحمر مما يلي قديدا٣ في منطقة تعرف بالمشلل٤. وكانت للأوس والخزرج وغسان ومن دان بدينهم، يعبدونها ويعظمونها في الجاهلية ويهلون منها للحج، وقد بلغ من تعظيمهم إياهم كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة تحرجًا وتعظيمًا لها حيث كان "ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة"٥.
ولم تزل هذه عادتهم حتى أسلموا " فلما قدموا مع النبي ﷺ للحج ذكروا
стр. 260
ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية"١.
قال الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.
وقد كان أول من نصبها لهم مؤسس الشرك في الجزيرة العربية ومبتدع الأوثان محرف الحنيفية دين إبراهيم ﵇ الخزاعي عمرو بن لحي٣.
ولما كان الفتح الأعظم في السنة الثامنة من الهجرة سنة تحطيم الأوثان وبالتحديد في الرابع والعشرين من شهر رمضان٤ بعث رسول الله ﷺ إليها رجلا من أهلها سابقا الذين كانوا يعظمونها في الجاهلية وهو سعد بن زيد الأشهلي ﵁ على رأس سرية قوتها عشرون فارسًا٥ وكان واجب السرية هو إزالة مناة من الوجود نهائيًّا.
стр. 261
انطلق زيد ومن معه في مسير اقترابي سريع لإنجاز المهمة المحددة حتى وصل إليها فقابله سادنها متسائلاً: ما تريد قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها"١.
فصاح بها السادن صيحة الواثق: "مناة دونك بعض عصاتك"٢ ولكن صيحته ذهبت أدراج الرياح، فلم يأبه سعد ﵁ بكل ذلك ويضربها ضربة إيمانية قاتلة قضت عليها، ثم يقبل على الصنم مع أصحابه "فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئا، وانصرف راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٣ ٤.
وتزول مناة من الوجود كما زالت من قبل من القلوب، ويطوف الأنصار بين الصفا والمروة من غير جناح ولا حرج.
ومن الأمور العجيبة المضحكة ما ذكره الذهبي عن بعض المخرفين من مشركي الهند أنهم كانوا يعتقدون في صنمهم المسمى (سومنات) أنه هو مناة "وأنه تحوَّل بنفسه في أيام النبوة من ساحل جدة، وحصل بهذا المكان ليُقصد ويُحج معارضة للكعبة"٥ "وكانوا يقولون: أنه يرزق ويُحيى ويُميت
стр. 262
ويسمع ويعي، يحجون إليه ويتحفونه بالنفائس ويتغالون فيه كثيرا، فتجمع عند هذا الصنم مالّ يتجاوز الوصف، وكانوا يغسلونه كل يوم بماء وعسل ولبن وينقلون إليه الماء من نهر حيل مسيرة شهر، وثلاثمائة يحلقون رؤوس حجاجه ولحاهم، وثلاثمائة ويغنون"١.
وسومنات هذا كان في معبد شهير في الهند في مدينة كُجرات على شاطىء بحر العرب، وكان المعبد مبنيًّا على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص والذهب المرصعة بالأحجار الكريمة. أما سومنات الصنم نفسه فكان من حجر طوله خمسة أذرع، ثلاثة مدورة ظاهرة واثنتان في البناء وكان في حجرة مظلمة تضيئها قناديل الجوهر الفائق، كما كان عنده سلسلة ذهبية وزنها مائتا منِّ، وعنده خزانه فيها عدة الأصنام الذهبية والفضية المرصعة بالجواهر، وعلى رأس الصنم تاج لا يُقوَّم يندهش منه الناظر، وله من الوقف ما يزيد على عشرة آلاف قرية. وقد أصبحت كل تلك النفائس العظيمة غنيمة للمسلمين من جند البطل المسلم فاتح الهند السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي الذي سار بجيش ضخم قوامه ثلاثون ألف فارس غير المتطوعين والرجالة، فقطعوا القفار والمفاوز وقاسوا المشاق حتى وصلوا إلى هذا الصنم وحطموه بعد أن هزموا المدافعين عنه شر هزيمة وأحرقوا الصنم حتى صار كلسًا وألقيت النيران في المعبد٢، وكانت الهنادك يعتقدون أن سومنات مانعهم من المسلمين وأنه لا يلبث أن ينزل بهم غضبه الشديد، ولكنهم ما لبثوا أن تحسروا وسُقط في أيديهم وهم يرونه صريعًا مَهينًا، وكان كهنته قد توسلوا إلى السلطان ألا يمس معبودهم ويعطونه ما شاء من مال، ولكنه أبى فإنه لم يخرج لطلب المال وإنما خرج لإعلاء كلمة الله وهدم هذه الأصنام التي تعبد من دون الله"٣.
стр. 263
سرية عمرو بن العاص ﵁ إلى سواع
...
بعث عمرو بن العاص ﵁ إلى سواع١
﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً﴾
[نوح/٢٣]
стр. 264
قال الله تعالى مخبرًا عن قوم نوح ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ١.
وسواع المذكور ضمن هذه الأصنام: هو اسم صنم كان لقوم نوح ﵇ ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية٢.
روى البخاري تعليقا عن ابن عباس ﵄، قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما وَدٌّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع"٣.
ويوضح لنا ابن الكلبي كيف صار سواع صنمُ قوم نوح صنمًا لهذيل بعد كل تلك السنين الطويلة، فيذكر أن مبتدع الأوثان للعرب عمرو بن لحي الخزاعي كان له قرين من الجن، فأتاه يوما وأخبره أن أصنام قوم نوح المشهورة قد دفعها الطوفان إلى ساحل جدة٤ وطمرتها الرمال، وأمره أن يستخرجها ويخرج بها إلى تهامة في موسم الحج ويدعو العرب إلى عبادتها٥ ففعل وكان ممن أجاب دعوته قبيلة مضر، فدفع إلى رجل من هذيل سواعًا حيث نصبه لهم في منطقة يقال لها رهاط، وكانت سدنته منهم بني لحيان٦ وكان سواع هذا
стр. 265
حجرًا على صورة امرأة كما ذكر الواقدي١.
وظل هذا الوثن منصوبا تعبده هذيل وتعظمه حتى إنهم كانوا يحجون إليه٢ حتى فُتحت مكة ودخلت هذيل فيمن دخل في دين الله أفواجا.
بعث رسول الله ﷺ سرية بقيادة عمرو بن العاص ﵁ لتحطيم سواع.
ويحدثنا قائد السرية عن مهمته، فيقول: "فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟، قلت: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لِمَ؟، قال: تُمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل، ويحك وهل يسمع أو يبصر، قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا شيئًا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟. قال: أسلمت لله"٣.
وهكذا تم القضاء على سواع الذي لم يجد من يدافع عنه بقوله: "ولا تذرن سواعًا".
стр. 266
بعث خالد بن الوليد،وأبي سفيان بن حرب إلى اللات
...
بعث أبي سفيان بن حرب وخالد بن الوليد لهدم وتحطيم اللات
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ..﴾
[النجم/١٩]
стр. 267
قال الله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾ ١ قرأها الجمهور بتخفيف التاء٢ وقرأها ابن عباس وابن الزبير ﵃، وتابعهما بعض التابعين٣ بتشديد التاء، قال ابن عباس ﵄: "كان اللات رجلا٤ يلت السويق الحاج"٥.
وقد اختلفوا في مكانه بالتحديد فقيل: بالطائف، وقيل: بنخلة، وقيل: بعكاظ، والراجح الأول٦.
أما صفته فقد ذكر ابن إسحاق وغيره: أنه عبارة عن صخرة بيضاء مربعة منقوشة، عليها بيت له أستار وكسوة، وحوله فناء، وله سدنة
стр. 268
وحجبة١، وكان معظما عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون به على من عداهم من العرب، وكانوا يسيرون إلى ذلك البيت ويحرمون واديه يضاهئون به الكعبة٢.
ويذكر ابن الكلبي: أن قريشا وجميع العرب كانوا يعظمونها أيضا وبها كانت العرب تسمى زيد اللات، وتيم اللات٣وهكذا ظلت اللات طاغوتا من طواغيت العرب المعظمة حتى ظهر الحق، وانتشر الإسلام ودخل العرب في دين الله أفواجا، ومنهم ثقيف التي أرسلت وفدًا إلى رسول الله ﷺ يريدون الصلح، والقضية حين رأوا أن قد فتحت مكة، وأسلمت عامة العرب"٤.
стр. 269
كان وفد ثقيف وهم يحاورون رسول الله ﷺ يعرفون في قرارة أنفسهم أنه لا بقاء لطاغوتهم اللات بعد هدم العزى، وتكسير هبل وإساف ونائلة، بل كانوا يتوقعون أن يكلفهم رسول الله ﷺ بهدمها، لذلك حاولوا ي ائسين مساومة رسول الله ﷺ على إبقاء الربَّة –كما يسمونها- مدة من الزمن علهم يمهدون لذلك الأمر الخطير الذي كان في اعتقادهم فيه جرح لمشاعر ثقيف التي تعلقت بحب الرَّبة وتعظيمها كل هذه السنين، ومن ثم يحاولون إقناع ثقيف بقبوله كأمر واقع لا بد منه، وإن كانوا لحداثة عهدهم بالإسلام يخافون من انتقام الرَّبة لمجرد علمها بنيتهم في هدمها.
"قالوا له: أرأيت الرَّبة، ماذا تصنع فيها؟، قال: اهدموها، قالوا: هيهات، لو تعلم الرَّبة أنك تريد هدمها قتلت أهلينا"١.
ولكن رسول الله ﷺ رفض مساومتهم بإصرار موضحًا لهم بالحسنى ربَّتهم الجاهلية اعتقاد زائف لا يسمح الإسلام باستمراره بعد الآن، وأن ما يخافون انتقامه وغضبه إنما هو حجر جامد لا يضر ولا ينفع، بل لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الأذى.
وبعد محاورات وتداول للرأي فيما بينهم اقتنع الوفد، وأذعنوا لتعاليم الإسلام بل قاموا بأداء بعض تكاليفه والتي كانوا يساومون رسول الله ﷺ على تركها٢.
وكان ذلك مصداقا لقول رسول الله ﷺ : "سيتصدقون، ويجاهدون إذا أسلموا" ٣.
стр. 270
ولكنهم مع ذلك تحرجوا من تولي هدمها بأنفسهم وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم من يهدمها بعد رحيلهم١.
وفعلا جهَّز رسول الله ﷺ سرية بقيادة خالد بن الوليد ﵁، ومشاركة المغيرة بن شعبة٢ ﵁، وأبي سفيان بن حرب رضي الله عنه٣. وبعثهم في أثر الوفد٤.
وبينما نجحت مساعي الوفد في إقناع ثقيف بالدخول في الإسلام وأخبروهم بمصير اللات، وإذا بالسرية قد وصلت إلى الطائف "ودخل المغيرة بن شعبة في بضعة عشر رجلا يهدمون الربة"٥، كما يذكر الواقدي،وذلك تحت حراسة مشددة من قومه بني معتب الذين قاموا دونه "خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة"٦. وخرجت ثقيف عن بكرة أبيها رجالها ونساؤها وصبيانها حتى الأبكار من خدورهن، وكانوا لقرب عهدهم بالشرك
стр. 271
"لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة"١.
وكان المغيرة ﵁ رجلا فيه دعابة وظرف فقال لأصحابه "والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين٢ ثم سقط يركض، فارتج الطائف بصيحة واحدة، وقالوا: أبعد الله المغيرة قد قتلته الربة، وفرحوا حين رأوه ساقطا"٣وقالوا مخاطبين أفراد السرية: "من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها فوالله لا تستطاع أبدا، فوثب المغيرة بن شعبة، وقال:قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع٤ حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه"٥.
لقد كان المغيرة ﵁ محقًّا في قوله ذلك، فالإنسان العاقل اللبيب لا يتصور أن يكون ربه حجرا أصم لا يعقل أو يسمع، ولكنها سخافة الجاهلية وأدرانها التي تذهب بالعقول اللبيبة، فالحمد لله على نعمة الإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أكمل المغيرة بن شعبة ﵁ ومن معه هدم الطاغية حتى سووها بالأرض، وكان سادنها واقفا على أحر من الجمر ينتظر نقمة الربة وغضبها على هؤلاء العصاة، فما أن وصلوا إلى أساسها حتى صاح قائلا كما يذكر الواقدي "سترون إذا انتهى إلى أساسها يغضب الأساس غضبًا يخسف بهم"٦.
стр. 272
فلما سمع المغيرة ﵁ السخف قال لقائد السرية: "دعني أحفر أساسها فحفره حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليتها، وأخذوا ثيابها، فبُهتت ثقيف"١. وأدركت الواقع الذي كانت تحجبه غشاوة على أعينهم.
تقول عجوز منهم وهي تتأوه حزنًا وحسرة "أسلمها الرضاع وتركوا المصاع"٢.
وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله ﷺ بحليتها وكسوتها، فقسمه رسول الله ﷺ من يومه، وحمدوا الله على نصرة نبيه ﷺ وإعزاز دينه"٣.
وتم القضاء على ثاني أكبر طواغيت الشرك في الجزيرة العربية، وحل محلها بيت من بيوت الله يوحد فيه الربُّ الذي لا إله إلا هو، وذلك بتوجيه كريم من رسول الله ﷺ إلى عثمان بن أبي العاص٤ ﵁ عامله على الطائف حيث أمره "بأن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم"٥ ٦ ولله الحمد.
стр. 273
هذا وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف١ عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: "أُتي رسول الله ﷺ بأسارى من اللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ : هل دعوهم إلى الإسلام؟، فقالوا: لا، قال: خلوا سبيلهم حتى يبلغوا مأمنهم، ثم قرأ رسول الله ﷺ هاتين الآيتين ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ ٢، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ ٣ ٤.
وفي القصة وما قبلها من الفقه: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبتة. وهذا حكم المَشَاهِد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تُعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك، والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. أو أعظم شركا عندها وبها، والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة
стр. 274
بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين١.
ومنها أيضا جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين، فيجوز للإمام، بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه الطواغيت التي تساق إليها كلها، ويصرفها على الجند والمقاتلة، ومصالح الإسلام، كما أخذ النبي ﷺ أموال اللات وأعطاها لأبي سفيان يتألفه بها، وقضى منها دين عروة والأسود. وكذلك يجب عليه أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا، وله أن يقطعها للمقاتلة، أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين. وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها، فالوقف عليها باطل، وهو مال ضائع، فيصرف في مصالح المسلمين، فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهد ولا قبر يسرج عليه ويعظم وينذر له، ويحج إليه، ويعبد من دون الله، ويتخذ وثنا من دونه، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام، ومن اتبع سبيلهم٢.
стр. 275
الخاتمة
تناولت هذه الرسالة (السرايا والبعوث النبوية حول مكة والمدينة) وهي دراسة نقدية تحليلية، وتقع في: مقدمة، وتمهيد، وبابين يقع تحت كل باب منهما فصلان. تحدثت في كل فصل عن نوع من أنواع السرايا والبعوث النبوية.
أما المقدمة: فقد أشرت فيها إلى فضل وأهمية علم التاريخ، وضرورة نقد المرويات التاريخية وفق منهج المحدثين، مستعينا ببعض الاقتباسات لبعض كبار المؤرخين المسلمين كابن خلدون، وبعض المؤرخين المعاصرين مثل الأستاذ الدكتور أكرم العمري، والأستاذ أحمد عادل كمال.
وأما التمهيد: فقد ذكرت فيه الخلاف الشديد بين أهل المغازي في عدد السرايا والبعوث النبوية، وسبب ذلك الخلاف، كما سقت الخلاف في معنى السرية والبعث، وقوة السرية، ثم تطرقت إلى المهام التي أنيطت بها تلك السرايا والبعوث، ثم ذكرت الوصايا والتعاليم النبوية التي كانت تزود بها تلك السرايا والبعوث من قبل القائد الأعلى ﷺ .
وفي الباب الأول، وفي فصل (السرايا الاعتراضية) : رجحت رواية الغالبية من أئمة المغازي على أن أول سرية كانت سرية حمزة بن عبد المطلب ﵁.
كما أخذت بقول الواقدي في أن خروج النبي ﷺ في غزوة الأبواء إنما كان لاعتراض قافلة تجارية لقريش، ومن ثمَّ أرسل عبيدة بن الحارث في سرية لملاحقتها.
واعتمدت رواية جندب بن عبد الله ﵁ الصحيحة في سرية
стр. 276
نخلة، كما نوَّهت بالابتكار النبوي في هذه السرية والمتمثل في الرسالة المكتومة التي أعطاها لقائد السرية.
ثم تحدثت عن الأوليات التي تمخضت عن السريتين، وذكرت بعض الأحكام الفقهية المستفادة من سرية نخلة.
وقد أوردت خبر اعتراض قافلة أبي العاص التجارية، مع أنه لا يدخل ضمن نطاق البحث موضوعيًّا مرجِّحًا قول الزهري بأن الذي اعترضها هو أبو بصير وأصحابه وليس سرية اعتراضية كما ذكر بقية أهل المغازي، وقد ناقشت الروايات التي ذكرت خلاف ذلك سندًا ومتنًا، وبيَّنت ما وقع فيها من ذهول، ثم ذكرت ما وقع في القصة من الأحكام الفقهية.
وفي سرية الخبط: تساءلت لماذا لم يوضح جابر بن عبد الله ﵁ أحد أفراد السرية لهم حكم ميتة البحر؟ وهو الذي مرَّ بتجربة مماثلة في غزوة بواط، وعرف الحكم من النبي ﷺ وهل يعني ذلك أن هذه السرية كانت قبل الغزوة التي ذكرها أهل المغازي متقدمة كثيرا على سرية الخبط؟ كذلك عرَّفت بحوت العنبر الذي وجده أصحاب السرية على ساحل البحر تعريفا علميًّا دقيقا وذلك من الكتب القديمة والحديثة المختصة، وبالاتصال مع بعض المختصين في كلية البحار بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ثم ذكرت بعض الأحكام المستفادة من أحداث السرية.
وفي الفصل الثاني الذي جعلته (لسرايا المغاوير) : تحدَّثت عن النجاح الباهر الذي وافق مهماتها رغم صعوبتها البالغة موفرة على دولة الإسلام في المدينة الكثير من الجهد وحقنت الكثير من الدماء التي كانت ستسيل لو بقي مثل هؤلاء الأعداء يُنفِّذون مخططاتهم العدوانية ضد المسلمين.
هذا وقد اعتمدت الرواية الأصح سندا بين الروايات التي تحدثت عن المرأة
стр. 277
التي كانت تهجو النبي ﷺ فقتلها زوجها، وأومأت إلى احتمال تعدد القصة، كما ذكرت الخلاف في حكم قتل سابِّ النبي ﷺ ضمن الفوائد الفقهية المستفادة من القصة.
وفي سرية عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي: أشرت إلى وقوع تحريف في التاريخ الذي ساقه الواقدي للسرية بناء على النقد الباطني للرواية، ثم ذكرت بعض الأحكام الفقهية، منها حكم صلاة الطالب التي صلاها عبد الله بن أنيس ﵁ اجتهادًا منه وأقرَّه عليها النبي ﷺ ، كما أشرت إلى الاعتقاد بوجود شبكة منظمة من العيون والجواسيس كانت تمد النبي ﷺ بالمعلومات الدقيقة والسريعة عن الأعداء حيث يضع خططه المضادة بناء على تلك المعلومات ممَّا كان له أكبر الأثر في تشتيت وعرقلة مخططاتهم العدوانية ضد المسلمين.
وفي البعث إلى كعب بن الأشرف: اعتمدت على الروايات الأصح سندا من بين الروايات الكثيرة المتعددة التي تشير إلى عداوة كعب للمسلمين، وذلك بعد غربلتها ومقارنتها ونقدها، كما سقت الاختلاف بين أهل المغازي في صلته السابقة ببعض أفراد السرية التي توجهت لقتله، ثم ذكرت بعض الأحكام المستفادة، وقد ضعفت الرواية التي ذكرها ابن إسحاق في إسلام حويصة بناء على ضعف سندها ومخالفتها لأصلٍ من أصول الشريعة.
أما في بعث عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان: فقد أثبت اختلاف أهل المغازي في هذا البعث، وقارنت بين رواياتهم المختلفة، ثم رجحت أن القصة واحدة لكنها رويت بطرق مختلفة.
وفي البعث إلى أبي رافع: أشرت إلى الخلاف الكبير في تاريخ البعث من أهل المغازي وخلافهم في أسماء قوة البعث، ثم ذكرت بعض الأحكام المستفادة، وأشرت إلى الخلاف في حكم التبييت بين الفقهاء.
стр. 278
أما في البعث إلى اليسير بن رزام: فقد ذكرت اختلاف المصادر التاريخية في اسم اليسير، كما أشرت إلى الاختلاف في قائد البعث بين عروة بن الزبير وبقية أهل المغازي.
وأثبت سرية أبي قتادة بن ربعي إلى خضرة في البحث مع أنها لا تدخل ضمن نطاقه الجغرافي لأجل الخلاف فيها بين أصحاب المغازي، وذكر ابن إسحاق لها على أساس أنها سرية توجهت إلى الغابة القريبة من المدينة.
هذا بالنسبة للباب الأول.
أما الباب الثاني: فكان الفصل الأول منه (للسرايا ذات المهمات الخاصة) : التي تنوعت مهماتها من سرايا تعقبيَّة، وبعوث تعليمية ودعوية، وسرايا تأديبية، وأخرى تحويلية، وهكذا.
أما السرايا التعقُّبيَّة: فقد رجحت روايتي ابن عبد البر وابن حزم التي تذكر أن سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرَّار كانت لتعقب كرز بن جابر وأصحابه الذين أغاروا على سرح المدينة فلحق بهم النبي ﷺ ، ولكنهم فاتوه فجهز هذه السرية لمتابعة مطاردتهم.
وفي سرية كرز بن جابر لتعقب المفسدين: ذكرت اختلاف أهل المغازي في القبيلة التي ينتمي إليها هؤلاء الرهط الذين وفدوا على النبي ﷺ .
وقد حاولت جهدي التعريف بالمرض الذي أصابهم من خلال الكتب الطبية المختصة القديم منها والحديث، مع مناقشة الاختلافات في ذلك ومحاولة الترجيح، وقد اقترحت إقامة مركز في الجامعة لدراسة وبحث الأدوية الطبية النبوية بحثًا علميًّا لتعريف الناس بقوة وعظمة تلك الوصفات الدوائية الربانية، ثم ذكرت بعض الأحكام المستفادة.
وفي سرية أبي عامر إلى أوطاس: عرَّفت بهذا الوادي تعريفًا وافيًا، كما
стр. 279
أشرت إلى الخلاف الكبير في اسم قاتل أبي عامر الأشعري، بعد أن أثبت الروايات المختلفة في الحاشية، وأشرت أيضا إلى الخلاف في قاتل دريد بن الصمَّة.
وفي سرية حمزة بن عمرو الأسلمي لمطاردة هبَّار وصاحبه: ذكرت الخلاف في اسم صاحب هبَّار، وترجيح ابن حجر لأحد الأقوال، ثم ذكرت ما قاله بعض الأئمة للجمع بين ما ذكر في إحدى روايات الخبر من أفضلية زينب ﵂ وبين الأحاديث الدالة على فضل فاطمة ﵂، وأشرت إلى الخلاف في قصة إسلام هبَّار وترجيح ابن حجر لرواية الواقدي على رواية ابن أبي نجيح في ذلك.
وفي تخريج حديث السرية قسمته إلى ثلاثة أقسام، خرَّجت كل قسم على حدة ثم ذكرت الأحكام المستفادة.
وفي سرية خالد بن الوليد ﵁ إلى بني جذيمة: اعتمدت على رواية الصحيح في سياق الأحداث، وأعرضت عن روايات أصحاب المغازي الضعيفة والمشعرة بإدانة خالد بن الوليد ﵁ كما أشرت إلى الروايات العديدة التي تحكي قصة الرجل العاشق للجذيمية، ثم ناقشت روايات أهل المغازي وتفسيراتهم للحادثة وبيَّنت ضعفها ونكارتها، ثم أتبعت ذلك بذكر بعض الأحكام المستفادة.
وفي سرية أبي قتادة إلى أضم: رجحت قول الواقدي في أن تلك السرية كانت عملية استعراضية لصرف انتباه قريش عن خطة النبي ﷺ لغزو مكة المكرمة، كما أشرت إلى الخلاف في اسم الرجل الذي نزلت فيه الآية المذكورة في السرية. وأخيرا قسمت عملية التخريج قسمين بحسب الروايتين اللتين عليهما مدار الخبر.
أما في سرية غالب بن عبد الله إلى بنو الملوح: أشرت إلى الخلاف في اسم
стр. 280
الرجل الذي دفع إليه أصحاب السرية أسيرهم، ثم تحدثت عن الكرامة التي أكرمهم بها الله فنجاهم من القوم الكافرين بعد أن كادوا يطبقون عليهم.
وفي الفصل الثاني (سرايا تحطيم الأوثان) : فتحدثت في بعث خالد بن الوليد إلى العزى، عن موقعها، وصفتها، ومكانتها عند العرب، وذكرت الخلاف في سدنتها، ثم الخلاف في تاريخ البعث، وعند تخريجي للخبر أوردت كلام النقاد في الوليد بن جميع الذي عليه مدار معظم روايات الخبر.
وفي بعث سعد بن زيد إلى مناة: نبهت إلى عدم ورود روايات مسندة حول الخبر حيث كان الاعتماد على أقوال الإخباريين بعد نقدها، ثم تحدثت عن صفة الصنم وأهله ومكانته، ثم أشرت إلى الخلاف في قائد البعث بين أهل المغازي.
وفي بعث عمرو بن العاص إلى سواع: أوردت نفس الملحوظة حول عدم ورود روايات مسندة للخبر، ولذلك تم الاعتماد على روايات أصحاب المغازي الغير مسندة، ثم بيَّنت كيفية انتقال هذا الصنم وغيره من أصنام قوم نوح إلى العرب، وذكرت ملاحظة حول تأييد علم الآثار الحديث لهذه القصة وإن كانت ضعيفة سندًا، ثم ذكر الخلاف الكبير حول المكان الذي كان فيه الصنم.
أما في بعث خالد إلى اللات: فذكرت الخلاف في أصل اللات، وفي مكان ذلك الصنم ومن هم سدنته، ثم تحدثت عن صفته وأهله، وعن تاريخ البعث، ذكرت خلاف أهل المغازي في ذلك. وأخيرا ذكرت ما يستفاد من القصة من أحكام.
هذا بالنسبة للنتائج الخاصة، أما النتائج العامة فيمكن تلخيصها فيما يلي:
١-إن السرايا الاعتراضية لم تكن لقصد النهب والسلب –كما يدَّعي بعض المستشرقين، وإنما كانت تنفيذًا لأمر الله بالقتال، وتحطيم قوة العدو الاقتصادية تدخل ضمن هذا الإطار، كما أن ذلك كان بمثابة المعاملة
стр. 281
بالمثل، فكما أن قريشا سلبت المسلمين أموالهم ودورهم في مكة، أفلا يحق للمسلمين أن يفعلوا ذلك بقريش وهم في حالة حرب دائمة معها؟.
١- سرايا المغاوير: لم تكن الأساليب التي اتبعتها تدخل ضمن الأساليب غير الشريفة كالغدر والخيانة، وإنما كان ذلك جزاء الغدر والخيانة ونقض المواثيق التي قام بها أولئك الأعداء المتربصون، والحرب خدعة كما قال المصطفى ﷺ ومخادعة مثل أولئك الأعداء للقضاء عليهم فيها حقن لدماء كثيرة وتوفير لجهد كبير.
كما أن تلك الفرق الشجاعة كانت تتمتع بضبط عسكري نادر، بحيث لم ينقل عنها أي اعتداء على النساء والأطفال الأبرياء تنفيذًا للأوامر والتعاليم النبوية العليا رغم صعوبة ذلك على المنفذين للظروف والملابسات الشائكة التي كانت تحيط مثل تلك الأعمال.
٢- سرايا تحطيم الأوثان: انطلقت لتنفيذ المهمة الأساسية لدعوة الإسلام الخالدة وهي إزالة كل رموز الشرك والوثنية من أرض التوحيد والحنيفية السمحة. وقد كانت قصص تحطيم تلك الأصنام فيها عبرة وعظة وتوضيح لضعف الإنسان إذا ما عاند فطرته السليمة التي بعثه الله عليها وركن إلى هواه، فهؤلاء السدنة وغيرهم من المتعلقين بتلك الرموز البالية، والأحجار الصَّماء الواهية لا يزالون متشبثين بها حتى آخر حجر يهوي منها، وكأن الغشاوة التي على عيونهم والرَّان الذي على قلوبهم قد بلغ منهم مبلغه، فلا يبصرون حتى يروا العذاب الأليم.
هذا ولقد ظهرت من خلال أحداث بعض السرايا بعض المعجزات النبوية وبعض الكرامات لبعض الصحابة. فمن المعجزات النبوية ما كان من صفة الأعرابي المخيفة التي وصفه بها رسول الله ﷺ وهو لم يره من قبل، فلما أراد
стр. 282
النبي ﷺ بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي، قال له: صفه لي يا رسول الله، فوصفه له وصفا دقيقا، يقول عبد الله بن أنيس ﵁ فلما رأيته هبته، وفرقت منه، فقلت: صدق الله ورسوله.
كما كشفت قصة بئر معونة عن معجزة نبوية أخرى، وهي كيفية موت الشهيد التي أوضحها النبي ﷺ في حديث القرصة.
أما الكرامات التي تحققت لبعض الصحابة فهي كما يلي:
في سرية الخبط: وعندما أشرف أصحاب السرية على الهلاك من شدة الجوع، إذ بالعناية الإلهية تخرج إليهم حوتا ضخما فتلقيه على الساحل فيأكلون منه حتى رجعوا إلى المدينة. والسيل يكون مددًا لأصحاب سرية عبد الله بن غالب الليثي يحول بينهم وبين بني الملوح بعد أن أدركوهم.
وفي سرية الرجيع: خبيب بن عدي ﵁ يأكل عنبا وما بمكة ثمرة قط يومئذ، وهو محبوس في بيت من بيوتها ومقيد بالحديد داخل غرفة من غرفه.
والدَّبر تحمي جثة عاصم بن ثابت ﵁ من المشركين الذين أرادوا العبث بها.
وأيضا تميَّزت بعض السرايا والبعوث ببعض الابتكارات العسكرية الفذة، ففي سرية عبد الله بن جحش ﵁ إلى نخلة استُخدم أسلوب الرسائل المكتومة وهو أسلوب متطور يعد من أفضل (التكتيكات) الراقية لنظم الاستخبارات العسكرية.
وقد كان ﵊ يستخدم نظام المخابرات بشكل دقيق ومنظم في معظم السرايا والبعوث، بما كان متاحًا من أساليب في ذلك الوقت، ولكنها كانت تؤدي دورها بنجاح وتؤتي ثمارها تفوقًا تعبويًّا وسوقيًّا في نتائج
стр. 283
السرايا والبعوث. ويمكن أن نرى ذلك واضحًا في سرية عبد الله بن رواحة إلى اليسير بن رزام، وسرية عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي وغيرها من السرايا والبعوث النبوية.
وإن نظام فرق المغاوير الذي استحدثه رسول الله ﷺ في جيشه للتعامل مع الأفراد من أعداء الدولة الإسلامية يعد في حد ذاته ابتكارا عسكريًّا ذكيًّا استطاع به القضاء على مثل هؤلاء الأعداء بيسر وسهولة دون ما خوض في معارك يسقط فيها الكثير من الجانبين.
ومن الأساليب التي استخدمها ﷺ في سراياه وبعوثه (نظام تتبع الآثار) لضمان سرعة النتائج، كما حدث في (سرية كرز بن جابر) لتعقب العرنيين، وهذا الأسلوب وإن لم يكن من الأساليب المبتكرة في ذلك الوقت وإنما مجرد استخدامه في تلك السرية يدل على سرعة بديهته ﵊ وحسن تصرفه باستخدامه الأسلوب المناسب والمتاح للوضع المناسب له، وفي الوقت المناسب.
هذا ولله مزيد الشكر، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
وصلى الله وسلَّم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه.