مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي"١. هذه الرواية٢ على ضعفها حديثيًّا إلا أننا نستأنس بها تاريخيًّا على مدى الحب المتمكن في قلوب أصحاب النبي ﷺ له، ذلك الحب الذي لا يتزعزع حتى في أصعب اللحظات حراجة، وهكذا نراهم يفدونه بأنفسهم أن تصيبه شوكة آمنا في بيته, وهو بين يدي أعدائهم يعاينون الموت، فما أخلصها من تضحية، وما أعظمه حبًّا أدهش أعداءهم في ذلك الوقت، يقول أبو سفيان في سياق الرواية السابقة "ما رأيت من الناس أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا"٣.
وقد استجاب الله "لعاصم بن ثابت يوم أصيب، فأخبر النبيُّ ﷺ أصحابه خبرهم وما أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حُدثوا أنه قتل ليؤتَوا بشيء منه يعرف، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر٤ فَبُعِثَ على عاصم مثل الظلة من الدَّبر٥. فحمتهم من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا٦.
وهكذا فقدت الدعوة إلى الله بعض فرسانها، وحزن رسول الله ﷺ و"المسلمون لفقدانهم عاصما وصحبه، ولمصرع أسيرهم على هذا النحو
стр. 212
الفاجع، فقد خسروا فريقا من الدعاة الأكفاء يحتاج إليهم الإسلام في هذه الفترة من تاريخه"١.
وفي الحديث من الأحكام ما ذكره ابن حجر وغيره حيث قال: إن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكّن من نفسه ولو قُتل، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك، وقال سفيان الثوري: أكره ذلك.
وفي الحديث الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل أولادهم، والتلطف بمن أريد قتله.
وفيه الدعاء على المشركين بالتعميم، وإنشاء الشعر وإنشاده عند القتل.
ودلالة على قوة يقين خبيب وشدته في دينه.
وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ولو شاء ربك ما فعلوه.
ومن فوائد الحديث استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيًّا وميتًا، وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل، وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لِما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه٢.
وفي الحديث: إثبات كرامة الأولياء. وما أكرم الله به خبيبا من إطعامه له القطف من العنب في زمان وحين لا يوجد منه بمكة حبة ولا ثمرة، وهذه المكرمة شبيهة بما قصّ الله تعالى من شأن مريم:
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ ٣، وإبلاغ الله
стр. 213
سلامه إلى رسوله، وهما دلالتان واضحتان مثلهما جائز في إبان النبوة١.
وقال ابن بطال: "هذا يمكن أن يكون الله جعله آية على الكفار وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته، فأما من يدَّعي وقوع ذلك اليوم بين ظهراني المسلمين فلا وجه له، إذ المسلمون قد دخلوا في الدين وأيقنوا بالنبوة، فأي معنى لإظهار الآية عندهم؟ ولو لم يكن في تجويز ذلك إلاّ أن يقول جاهل: إذا جاز ظهور هذه الآيات على يد غير نبي فكيف نصدقها من نبي، والفرض أن غيره يأتي بها لكان في إنكار ذلك قطعا للذريعة، إلا أن يكون وقوع ذلك مما لا يخرق عادة ولا يقلب عينا، مثل أن يكرم الله بإجابة دعوة في الحين ونحو ذلك مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الولي، ومن ذلك حماية الله تعالى عاصمًا لئلا ينتهك عدوه حرمته"٢.
قال ابن حجر: "والحاصل أن ابن بطال توسط بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها فجعل الذي يثبت ما قد تجري به العادة لآحاد الناس أحيانًا، والممتنع ما يقلب الأعيان مثلا، والمشهور عن أهل السنة إثبات الكرامات مطلقا، لكن استثنى بعض المحققين منهم كأبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك، وهذا أعدل المذاهب في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام والماء، والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جدًّا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخرق الآن فيما قاله القشيري، وتعيين تقييد قول من أطلق أن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي، ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له من ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقوله بأن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب،
стр. 214
فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان ذلك علامة ولايته، ومن لا فلا، وبالله التوفيق١.
وفيه أيضا مشروعية الصلاة عند القتل، قال في سياق رواية الصحيح: "فكان أول من سن الركعتين عند القتل"٢
قال السهيلي: "وإنما صار فعل خبيب سُنة حسنة، والسنة إنما هي أقوال من النبي ﷺ وأفعال، وإقرار؛ لأنه فعلها في حياته ﷺ فاستحسن ذلك من فعله، واستحسنه المعلمون مع أن الصلاة خير ما ختم به عمل العبد"٣.
قال الحلبي: "وكان ابن سيرين ﵀ إذا سئل عن الركعتين قبل القتل قال: صلاهما خبيب رضي الله تعالى عنه وحجر، وهما فاضلان، ويعني بحجر: حجر بن عدي رضي الله تعالى عنه"٤.
وقال: "واستدل أئمتنا بقصة خبيب هذه على أنه يستحب لمن أشرف على الموت أن يتعهد نفسه بتقليم أظفاره وأخذ شعر شاربه وإبطه وعانته، ولعل ذلك كان بلغ النبيَّ ﷺ وأقرَّه"٥.
стр. 215
بعث بئر معونة ١
(سرية القُرَّاء)
وفي منظر رائع لا يتصوره العقل البشري المُجَرَّد عن الإيمان تتحقق إحدى معجزات النبي ﷺ ، فما أن وجد الرجل مسَّ الرمح في جوفه حتى صاح وهو ينضح ماء الحياة على وجهه ورأسه فَرِحًا: الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة.
стр. 216
استمرارا لمنهجية نشر الإسلام ورسالته، ورغم ما أصاب الدعوة في صميم عملها بفقدان عدد من خيرة فرسانها في الرجيع، فقد واصل رسول الله ﷺ بث الدعاة ونشر الدعوة إلى الله في كل مكان في الجزيرة العربية، حيثما وجد بصيصًا من الأمل لقبولها وانتشارها، "إذ لا بدَّ من تبليغ دعوة الإسلام مهما غلت التضحيات"١.
فلما قدم عليه ﷺ وفد من قبائل رعل وذكوان وعُصية السلمية، وذكروا أن فيهم إسلاما وطلبوا منه معلمين يفقهونهم في الدين، ويعينونهم على المشركين من قومهم بزعمهم٢.
قام رسول الله ﷺ بتجهيز بعثة تعليمية قوامها سبعون معلمًا٣ من خيرة
стр. 217
الصحابة ومثقفيهم حتى إنهم كانوا يسمون القرَّاء لمثابرتهم على التحصيل العلمي حيث كانوا "يقرأون القرآن، ويتدارسون بالليل ويتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء"١.
وأسند القيادة إلى المنذر بن عمرو الساعدي رضي الله عنه٢، كما ذكر أهل المغازي٣، ثم وجههم إليهم.
وفي شهر صفر من السنة الثالثة، أو الرابعة على خلاف بين أهل المغازي٤
стр. 218
انطلقت البعثة في مسيرها الاقترابي بحذر يتقدمهم دليل من أهل المنطقة كما تذكر رواية مرسلة عن عروة١.
حتى إذا ما وصلوا بئر معونة –وهي منطقة تماس حدودية بين أراضي قبيلة بني عامر وحرة بني سليم- عسكروا بإزائها، ومن هناك بعثوا حرام بن ملحان رضي الله عنه٢ أحد أفراد البعثة إلى الأعراب في مهمة استطلاعية وتمهيدية لمهمة البعثة الأساسية، وذلك بمبادرة منه تطوعية إذ قال لهم: "أتقدمكم فإن أمَّنوني حتى أبلغهم عن رسول الله ﷺ ، وإلاَّ كنتم مني قريبا"٣. فتقدم نحو البيوت بعد أن أمَّنوه حيث وجه خطابه لهم –كما وقع في رواية عن أنس ﵁ فيها بعض الضعف٤ "يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم أني أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله"٥.
ولكن الأعراب كانوا أشدَّ كفرا ونفاقا وغدرا، فتنفيذا لخطة التآمر الدنيئة التي دبروها مع قائدهم عامر بن الطفيل العامري، وبينما حرام "يحدثهم عن النبي ﷺ إذ أومأوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه"٦، وفي منظر رائع لا يتصوره العقل البشري المجرَّد عن الإيمان، تتحقق إحدى معجزات النبي صلى الله عليه وسلم٧، فما أن وجد الرجل مسَّ الرمح في جوفه حتى صاح وهو ينضح ماء
стр. 219
الحياة على وجهه ورأسه فرحا "الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة"١.
ذلك المشهد العظيم والذي لم يعهده المشركون من قبل، جعل قاتله يسلم٢ متعجبا من رَدَّة الفعل التي لم يك أحد من الحاضرين يتوقعها من رجل يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لم يكتف الأعراب بذلك بل تبعوا أثره حتى وجدوا أصحابه فأحاطوا بهم من كل جانب ودافع أصحاب رسول الله ﷺ عن عقيدتهم السمحة التي جاءوا لنشرها بين من غدروا بهم، ولكن هول المفاجأة وكثرة الأعراب المستعدين لخيانتهم المدبَّرة سلفا لم تتح لهم الفرصة في قتال متكافىء، فسقطوا شهداء على أرض بئر معونة إلاّ رجلا أو رجلين منهم٣، حيث سطروا بدمائهم الزكية ملحمة من أروع الملاحم الجهادية في تاريخ الإسلام بعد أن كسبوا رضوان الله عليهم.
فهذا الروح الأمين ﵇ يخبر "النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم"٤، قال أنس ﵁: "فقرأنا فيهم قرآنا ثم إن ذلك
стр. 220
رفع "بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا"١.
فيا لها من منزلة عظيمة تتوق إليها نفس كل مسلم، وكان رسول الله ﷺ قد أخبر أصحابه بمصيرهم، ويصف أنس ﵁ شدّة تأثر رسول الله ﷺ لمصابهم: "ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على شيء قط ما وجد على أصحاب سرية بئر معونة، أصحاب سرية المنذر بن عمرو، فمكث شهرا يدعو على الذين أصابوهم في قنوت صلاة الغداة"٢٣.
ومن الطبعي أن يتأثر رسول الله ﷺ لمصابهم، فقد كانوا من خيرة أصحابه، ومن فرسان الدعوة المعدودين، وقد كان فقدهم في وقت كانت دعوة الإسلام بحاجة ماسَّة لخدماتهم، كما أن الطريقة التي تم فيها قتلهم تعصر القلب ألمًا وحزنًا عليهم، فهي طريقة شائنة لم تتح لهم الفرصة في قتال فروسي مشرف.
"إن هذه النازلة ملأت قلوب المسلمين غيظا، وهم لم يضيقوا بخسائرهم فحسب، بل الذي أحرج مشاعرهم في هذه الحادثة أنها كشفت عمَّا تخبئه
стр. 221
الوثنية في ضميرها من غلّ كامن على الإسلام وأهله، غلٍّ عاصف بكل مبادىء الشرف والوفاء"١ التي اشتهر بها العرب في الجاهلية وزادها الإسلام قوة وعزًّا، لكن حقد الوثنية الدفين على الإسلام ورجالاته طغى على هذه المبادىء في قلوب أصحابها فأعمى بصائرهم وبصيرتهم.
ومن فقه هذه القصة ما بوَّب له البخاري بقوله: باب القنوت قبل الركوع وبعده، ثم ذكر الأحاديث الخاصة بهذه القصة٢.
قال ابن حجر: القنوت يطلق على معان، والمراد به هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام، قال الزين بن المنيّر: أثبت بهذا الترجمة مشروعية القنوت إشارة إلى الردّ على من رُوي عنه أنه بدعة كابن عمر، وفي الموطأ عنه: أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات، ووجه الردِّ عليه ثبوته من فعل النبي ﷺ فهو مرتفع عن درجة المباح.
وهل هو قبل الركوع أو بعده خلاف؟ قال ابن حجر: ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع. وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح.
ذكر ابن العربي: أن القنوت ورد لعشرة معان فنظمها شيخنا الحافظ زين الدين العراقي فيما أنشدنا لنفسه إجازة غير مرة:
ولَفْظُ القنوت اعدُدْ معانيه تجد ... مزيدًا على عشرة معانٍ مرضية
دعاء، خشوع، والعبادة، طاعة ... إقامتها، إقراره بالعبودية
سكوت، صلاة، والقيام وطوله ... كذاك دوام الطاعة الرابح القنية٣
стр. 222
وقال النووي: مذهب الشافعي ﵀: أن القنوت مسنون في صلاة الصبح دائما، وأما غيرها فله فيها ثلاثة أقوال: الصحيح المشهور أنه إن نزلت نازلة كعدو وقحط وعطش وضررٍ ظاهر في المسلمين، ونحو ذلك قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة، وإلا فلا. والثاني: يقنتون في الحالين. والثالث: لا يقنتون في الحالين. ومحل القنوت بعد رفع الرأس من الركوع في الركعة الأخيرة.
وفي استحباب الجهر بالقنوت في الصلاة الجهرية وجهان: أصحهما يجهر ويستحب رفع اليدين فيه ولا يمسح الوجه. وقيل: يستحب مسحه. وقيل: لا يرفع اليد واتفقوا على كراهية مسح الصدر. والصحيح أنه لا يتعين فيه دعاء مخصوص، بل يحصل بكل دعاء. وفيه وجه: أنه لا يحصل إلاَّ بالدعاء المشهور: اللهم اهدني فيمن هديت.. إلى آخره، والصحيح أن هذا مستحب لا شرط له، ولو ترك القنوت في الصبح سجد السهو. وذهب أبو حنيفة، وأحمد، وآخرون إلى أنه لا قنوت في الصبح. وقال مالك: يقنت قبل الركوع. ودلائل الجمع معروفة١.
كما أن من فقه هذه القصة معرفة كيفية موت الشهيد، فقد ورد في ثنايا القصة أن حرام بن ملحان ﵁ عندما طعن بالرمح لم يتألم كما هو معروف ومشاهد في مثل هذه الحالة، بل بالعكس من ذلك صاح فرحًا: الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة.
وهذا الموقف الخارق للعادة يدعونا للتساؤل: هل يتعرض الشهيد لألم الموت؟
وتأتينا الإجابة الشافية من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، إن
стр. 223
هو إلاّ وحي يوحى: "ما يجد الشهيد من مسِّ القتل إلاَّ كما يجد أحدكم من مسِّ القرصة" ١.
نعم فللشهيد منزلة خاصة عند الله، فجزاء الثمن الباهظ الذي يدفعه وهو روحه رخيصة في سبيل الله لم يبخسه أعدل العادلين حقه فكافأه بست جوائز كل واحدة منها تعدل الدنيا وما فيها، فعن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلَّى حلَّة الإيمان، ويزوَّج من الحور العين، ويشفَّع في سبعين إنسانا من أقاربه" ٢.
هذا بالإضافة إلى العلامة المميَّزة المشرفة التي يأتي بها يوم القيامة. عن أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول- الله ﷺ : "ما من مجروح يجرح في سبيل الله، والله أعلم بمن يجرح في سبيله، إلاَّ جاء يوم القيامة، وجرحه كهيئته يوم جرح: اللون لون الدم، والريح ريح مسك" ٣.
كما أن حياة الشهداء لا تنتهي بمجرد موتهم، بل هم أحياء يرزقون ويتنعمون عند ربهم، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٤.
стр. 224
بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
...
سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
(دعوية)
(فلم يُحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا)
стр. 225
عقب فتح مكة بعث رسول الله ﷺ سراياه وبعوثه حولها لإخضاع قبائل الأعراب الحليفة لقريش، والتي كانت تكوِّن كتلة الأحابيش التي شاركت ضمن الجيوش القرشية التي خاضت بدرا وأحدا والخندق ضد المسلمين، وذلك إكمالا لإحكام سيطرة المسلمين على المنطقة ونشر الدعوة فيها، وفتح الطريق أمامهم إلى الطائف ثاني أكبر معاقل الوثنية في الجزيرة العربية آنذاك، والتي كانت تمثل حاجزا أمام نشر الدعوة الإسلامية فيها.
وكان من تلك البعوث (دورية قتال) دعوية، هدفها بني جذيمة١، يذكر أهل المغازي أن قوتها كانت حوالي ثلثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار٢، ورجال من بعض القبائل العربية المسلمة كسليم، وبني مدلج بن مرة٣، وكان بعض كبار الصحابة ﵃ مثل عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، وأبي قتادة، وسالم مولى أبي حذيفة٤، جنودا ضمن أفراد هذه الدورية التي أُسندت القيادة فيها إلى سيف الله المسلول خالد بن الوليد ﵁.
وفي شهر شوال من السنة الثامنة الهجرية، قبيل الخروج إلى حنين، كما يذكر أهل المغازي٥، تحركت الدورية في مسيرها الاقترابي نحو هدفها.
стр. 226
ويذكر ابن إسحاق في روايته المنقطعة: أن بني جذيمة لما سمعوا بخبر السرية استعدوا للقتال ولبسوا السلاح١، وعلى الغميصاء٢ تقابل الجيشان، فدعاهم خالد إلى الإسلام "فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا"٣.
ونظرًا لما هذه الكلمة من ماضٍ سيء في تاريخ الإسلام، حيث كانت تطلق في مقام الذم للمسلمين الأوائل بمكة، والاستهزاء بهم من قِبَلِ المشركين، ونظرا لدقة الموقف وحراجته والذي يتطلب سرعة الخاطر في إعطاء القرار الحاسم من أي قائد يحرص على نجاح مهمته، فقد تأوَّل خالد بن الوليد ﵁ "الذي كان يعرف الكلمة وظروف استعمالها"٤، كلمتهم تلك على أنها استهزاء وسخرية بالمسلمين "فجعل يقتل منهم ويأسر"٥ثم إنه أمر بعد فترة بقتل الأسرى باعتبار أنهم كانوا مستهزئين بالإسلام، فرأى أنه لا بدَّ وأن يثخن فيهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم من الأعراب.
ولكن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، وبعض الصحابة ﵃ كما تذكر روايات أهل المغازي٦، لم ينقادوا لأمر خالد ﵁ وخالفوه في اجتهاده، ورأوا أن بني جذيمة قد "عبروا عن إسلامهم بما يعرفون"٧، وكان أكثرهم معارضة له عبد الرحمن بن عوف،
стр. 227
وعبد الله بن عمر ﵃، حيث قال عبد الله ﵁: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره"١.
ويذكر الواقدي أن بني سليم قتلوا كل من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم، فكان عدد قتلى بني جذيمة قريبا من ثلاثين رجلا٢، منهم رجل غير جذيمي ساقته منيته وأودى به عشقه لامرأة جذيمية إلى مصيره المحتوم٣.
وعند رجوع السرية من مهمتها رفع المعارضون لخالد تقريرا مفصلا بما حدث للقائد الأعلى رسول الله ﷺ والذي عبَّر عن إنكاره لفعل خالد بقوله: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"٤. قالها مرتين.
ووقع في رواية ابن إسحاق المنقطعة أن رسول الله ﷺ بعث عليَّ بن أبي طالب ﵁ بمال فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال وزادهم فوق ذلك إحسانا إليهم وتطييبا لنفوسهم٥٦.
стр. 228
وقد ذهب أهل المغازي بعيدا في تفسيراتهم للواقعة، فأخذوا يسوقون الروايات الضعيفة المُشْعِرِةِ بإدانة خالد ﵁، وأنه فعل ذلك إدراكا لثأر قديم مع بني جذيمة١، ولو أننا تأملنا في هذه الحادثة بعمق –وذلك ما يجب علينا كباحثين مسلمين، حيث لا بدَّ لنا من الإحاطة الكاملة بكل جوانب القضية –لظهرت لنا عدة تساؤلات منها على سبيل المثال:
.. ما مدى صحة الروايات التي ساقها أهل المغازي تفسيرًا للخبر؟ ربما كان بعض هذه الروايات أو تفسيراتها دسًّا من بعض الرواة غير العدول على خالد ﵁.
..لماذا أثيرت كل هذه الضجة حول هذه الحادثة؟ ولماذا خالد بالذات الذي أثيرت حوله.
ما هو التفسير الصحيح للخبر؟ وهنا مربط الفرس، حيث لا بدَّ لمن يتعرَّض لتفسير الخبر أن يتجرد عن العواطف والاتجاهات المسبقة، ولا بدَّ له من دراسة النوازع الشخصية لكل أفراد الحادثة، بدءا من خالد ﵁، إلى أفراد القبيلة، ومعرفة الظروف والملابسات التي أحاطت بالحادثة.
стр. 229
فهناك شخصية خالد قائد الجيش وما يتطلبه منه الموقف من حزم وسرعة بديهة وتصرُّف عاجل، وهناك على ما أعتقد قلة خبرته الفقهية الضرورية لإصدار الأحكام الاجتهادية قياسا مع الصحابة الذين أنكروا عليه، كعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر ﵃، لسابقتهم في الإسلام، وحداثة عهده به١.
وهناك شخصية أفراد القبيلة وماضيهم المليء بالغدر والفتك٢، والذي بعرفه خالد جيدا.
وهناك الأهم، وهو تصرفهم أثناء الحادثة، قوم مدجَّجون بالسلاح، مستعدون للقتال، وفجأة عند ما ظهر عليهم المسلمون قالوا: صبأنا صبأنا. وكانت هذه اللفظة متداولة في مكة، وتطلق على كل من أسلم حديثا على سبيل الذم والاحتقار، فكان واجب القيادة يحتم على خالد سرعة الحسم، فربَّما أنه رأى في تقديره الشخصي وما أدَّى إليه اجتهاده أنهم لو كانوا قد أسلموا لما لبسوا السلاح، واستعدوا للقتال وهم يعرفون أن المسلمين قريبون منهم ويسمعون أخبارهم.
وما خبر فتح مكة بالخبر الذي يخفى، وربما أنه اعتقد أنهم لو أسلموا لكانوا عرفوا النطق بالشهادتين، وهي الوثيقة الوحيدة التي تفرق بين المسلم والكافر٣ أو ربما أنه ظن أنهم قالوا كلمتهم تلك احترازا وخوفا من
стр. 230
السيف١.
وقال الخطابي: "وقد يحتمل أن يكون خالد إنما لم يكفَّ عن قتالهم بهذا القول من قِبَلِ أنه ظنَّ أنهم عدلوا عن اسم الإسلام إليه أنفة من الاستسلام والانقياد فلم ير ذلك القول منهم إقرارا منهم بالدين"٢.
كما أنني أعتقد –والله أعلم- أنه قد جرى اجتهاده بالنسبة للأسرى قياسا على أسرى بدر، وما جرى حولهم من عتاب الله لنبيه ﷺ ، فربما أنه ظنَّ أنهم أسرى كفّار، لا بدَّ من أن يثخن فيهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم من المشركين.
فكل هذه الاحتمالات وما يصاحبها من أمور دقيقة وملابسات شائكة، تجعل أي قائد في مثل موقف خالد ﵁ في موضع شكٍّ في مثل من هم في موقف بني جذيمة، فجرى اجتهاده الذي لامه عليه رسول الله ﷺ ؛ لأن المسألة تتعلق بأرواح أناس بَدَرَ منهم شبهة تدرأ القتل عنهم "وإنما نقم رسول الله ﷺ من خالد موضع العجلة، وترك التثبت في أمرهم أن يتبين المراد من قولهم: صبأنا"٣.
وأخيرا لو كان الأمير سيئًا للدرجة التي وردت في بعض الروايات التي لا تصلح للاحتجاج بها لضعفها الشديد ونكارتها، والتي استغلها بعض الحاقدين على الإسلام ورجالاته الأفذاذ، مثل خالد بن الوليد ﵁، سيف الله المسلول، الذي دوّخ الكفرة والمشركين بانتصاراته الباهرة –لحدث بعد هذه الحاديثة أمران مهمان جدا لا بدّ من حدوثهما في مثل هذه المسائل الخطيرة وهما: أولا: نزول آيات قرآنية تشجب تصرف خالد وتعاتبه عليه كما حدث
стр. 231
في سرية أضم وقصة محلم بن جثامة مع عامر بن الأضبط١.
ثانيًا: محاسبة خالد ومعاقبته على فعلته أو على أقل تقدير عزله من قيادة الجيش والسرايا بعد تلك الحادثة، وذلك أمر لم يحدث مطلقا.
وحتى يكتمل حديثنا عن هذه المسألة نعرج على رأي الفقهاء فيها، قال ابن بطال: لا خلاف أن الحاكم إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم أنه مردود، لكن ينظر، فإن كان على وجه الاجتهاد فإن الإثم ساقط، وأما لضمان فيلزم عند الأكثر مع الاختلاف هل يلزم ذلك عاقله الحاكم أو بيت المال؟
وقال الثوري وأهل الرأي وأحمد وإسحاق: ما كان في قتل أو جراح ففي بيت المال.
وقال الأوزاعي والشافعي وصاحبا أبا حنيفة: على العاقلة.
وقال ابن الماجشون: لا يلزم ضمان٢.
قال ابن حجر: والذي يظهر أن التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله، ولا إلزامه الغرامة، فإن إثم المخطىء مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود٣.
وقال الخطابي: الحكمة في تبرئه ﷺ من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدا أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله٤.
وفي نهاية المطاف نقول: إن خالد بن الوليد ﵁ قد ائتمنه
стр. 232
رسول الله ﷺ على دماء المسلمين وأعراضهم، ومن بعده صاحبُه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁، فلا يمكن أن يقتل أحدًا من الناس دون حقٍّ إلاَّ متأولاً. قالها أبو بكر الصديق ﵁ حينما بلغه قتل خالد لمالك بن نويرة١.
стр. 233
سرايا ذات مهمات خاصة
مقدمه
...
مقدمة
دأب رسول الله ﷺ على إرسال سراياه وبعوثه بانتظام وفق خطط مدروسة، وكانت هذه السرايا والبعوث تؤدي مهماتها وتنجز أعمالها الموكلة إليها، فمن سرايا استطلاع إلى سرايا قتالية وبعوث اعتراضية وأخرى تعرُّضية. ولكن كانت هناك بعض السرايا ترسَل لتؤدي مهمات محددة قد لا يكون فيها استطلاع ولا تعرُّض واعتراض، مثل سرية أبي قتادة بن ربعي ﵁ إلى أضم التي بعثها إلى تلك المنطقة لتحويل أنظار قريش وحلفائها عن نية رسول الله ﷺ الخروج إلى مكة حيث يظن ظان أنه يريد مهاجمة تلك المنطقة.
وهذه العملية تسمى اليوم بالعمليات الاستعراضية التضليلية، وذلك يعطينا دلالة قوية على ذكاء النبي ﷺ وفطنته العسكرية، فهو دائم الابتكار، حاضر البديهة في مواجهة أعدائه، لا يدع مجالا ولا أسلوبا يستطيع التغلب فيه عليهم ومباغتتهم إلاَّ عمل به، وكان دائما يردد قولته المشهورة: "الحرب خدعة"١.
ولكن خُدَعَه وأساليبه العسكرية لا تخرج عن نطاق الحرب الفروسية المشرفة، لا كما يفعل غالبية قادة الجيوش في العالم قديما وحديثا، فكان دائما ما يوصي جنوده بالضبط العسكري التام، وعدم خرق الأعراف والتقليد الإنسانية الخيِّرة، فكان يشدد على عدم الاعتناء على الآمنين والضعفاء من الشيوخ والنساء والأطفال، بل كان يغضب عندما يسمع أو يرى بعض التجاوزات غير الخارقة من بعض جنوده وقواده، ويحاسبهم على ذلك، لأن
стр. 234
هدفه من الحرب كان ساميا للغاية، غايته إعلاء كلمة الله ، ونشر العقيدة الإسلامية، ولأجل ذلك كان النصر والتأييد دائما حليفه وحليف جيوشه وسراياه، والمدد من الله ينزل عليهم دائما وبأشكال وصور مختلفة، تارة بالملائكة كما في بدر وحنين، وأخرى بالسيل ينجيهم من أعدائهم.
فهذا غالب بن عبد الله الليثي يغير على جموع الأعراب الكديد في سرية تأديبية فيقتل منهم ويسلب ويسوق ماشيتهم، فلا يستطيع بنو الملوح اللحاق به وبأصحابه على الرغم من قصر المسافة بينهم، لأن المدد جاءهم من الله. ولكن في هذه المرة على صورة سيل عارم يضرب جنبات وادي قديد من غير مطر ولا رعد ولا برق، فينظرون إليهم بحنق شديد وهم يسوقون نَعمهم لا يستطيعون إدراكهم، لأن بينهم جنديا من جنود الله أرسله مددًا وعزًّا لأصحاب السرية ومزيدًا من الذل والهوان والغيظ للمشركين. والفرق شاسع بين الفريقين لأن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ ١.
стр. 235
سرية عبد الله بن غالب الليثي إلى بني الملوح
...
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد
أَبَى أبو القاسم أَنْ تعرّ بي ... في خطل نباته مغلولب
صُفْرٌ أعالِيه كَلَوْنِ المُذَهَّبِ ...
الطبراني، المعجم (٢/١٧٩) .
(تأديبية)
стр. 236
نتيجة للتحركات المشبوهة والمعادية من الأعراب المحيطين بالمدينة، فضلا عن قطعهم الطريق أمام الدعاة المسلمين، فقد قام رسول الله ﷺ بحملة واسعة ومكثفة لتأديب هؤلاء الأعراب، قاد خلالها عدة غزوات، وبعث أصحابه في سرايا تعرضيَّة١ تأدبية، كان منها سرية بقيادة غالب بن عبد الله الليثي٢، وقوة بضعة عشر رجلا٣، إلى بني الملوح٤. القاطنين في منطقة الكديد الواقعة بين عسفان وقديد٥.
стр. 237
وكانت مهمتها بناء على الأوامر الصادرة لهم من القيادة العليا هي مباغتة بني الملوح بشنِّ غارة مفاجئة ومركَّزة عليهم١.
خرجت السرية ميممة شطر الهدف٢ وفي منطقة قديد٣ أثناء مسيرهم الاقترابي التقوا برجل من قبيلة ليث يدعى الحارث بن البرصاء الليثي، فألقوا القبض عليه فقال محتجًّا: "إنما جئت أريد الإسلام، ما خرجت إلا إلى رسول الله ﷺ "٤.
فرد عليه القائد: "إن كنت إنما جئت مسلمًا فلن يضرك رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك فسنوثق منك"٥.
стр. 238
ثم أمر بشد وثاقه، ودفع به إلى أحد أفراد السرية١، وقال له: "امكث معه حتى نمرَّ عليك، فإن نازعك فاحتز رأسه"٢.
ثم انطلقوا في طريقهم حتى وصلوا منطقة الكديد عند غروب الشمس، فكمنوا في الوادي، ثم أرسلوا جندب بن مكيث الجهني رضي الله عنه٣ أحد أفراد السرية للاستطلاع، واستكشاف أحوال القوم.
يقول جندب ﵁: "فخرجت حتى آتي تلاًّ مشرفا على الحاضر٤، فأسندت فيه، فعلوت على رأسه، فنظرت إلى الحاضر، فوالله إني لمنبطح على التل إذ خرج رجل منهم من خبائه، فقال لامرأته: إني لأرى على التل سوادًا ما رأيته في أول يومي، فانظري إلى أوعيتك هل تفقدين منها شيئا، لا تكون الكلاب جرَّت بعضها، قال: فنظر، فقلت: لا والله ما أفقد شيئا، قال: فناوليني قوسي وسهمين، فناولته، قال: فأرسل سهما، فوالله ما أخطأ جنبي٥ فأنزعه فأضعه، وثبتُّ مكاني، قال: ثم أرسل الآخر، فوضعه
стр. 239
في منكبي، فأنزعه فأضعه، وثبتُّ مكاني، فقال لامرأته: لو كان ربيئة١ لقوم لقد تحرك، لقد خالطه سهماي لا أبا لك، إذا أصبحت فابتغيهما، فخذيهما، لا يمضغهما عليَّ الكلاب. قال ثم دخل"٢.
ويرجع جندب إلى أصحابه الذين وضعوا خطة الهجوم بناء على ملحوظاته التي ضمَّنها تقريره عن مهمته التي أثبت من خلالها أن جند الإسلام الأوائل كانوا على قدر كبير من الشجاعة والقوة ورباطة الجأش، وقوة الاحتمال٣.
واتفقوا على شعار (أمت، أمت) كلمة تعارف بينهم٤.
وفي وجه السَّحر وبعد أن اطمأن بنو الملوح وناموا، شنُّوا عليهم هجوما فجريًّا خاطفًا ومباغتًا أفقدهم توازنهم مما أمكنهم من السيطرة على المدافعين منهم بسهولة، حيث قتلوا بعضهم، ثم استاقوا ماشيتهم وتوجهوا قافلين بسرعة، حيث مروا بابن البرصاء وصاحبه فاحتملاهما معهم، ولكن الليثيين ما لبثوا أن نظموا صفوفهم بسرعة بعد زوال آثار الهجوم المباغت عنهم، وتبعوهم بقوة تعقُّبية كبيرة، حتى إذا ما أدركوهم في منطقة قديد ليس بينهم إلا الوادي فقط يقطعونه ليطبقوا عليهم بما لا قبل لهم به إذ بالعناية الإلهية تتدخل في آخر لحظة لإنقاذهم من الخطر المحدق بهم.
يقول جندب ﵁: "فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء ﵎ من غير سحابة نراها، ولا مطر، فجاء بشيء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر أن يجاوزه، فوقفوا ينظرون إلينا، وإنا لنسوق نعمهم، ما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا، ونحن نحدوها٥ سراعًا، حتى فُتناهم، فلم يقدروا
стр. 240
على طلبنا"١٢.
لقد أثبتت هذه السرية القوة، والجلد، ورباطة الجأش، والشجاعة النادرة، والتحكم في الأعصاب، والأحاسيس، التي كان يتحلى بها جند الحق والإيمان، وطلائع الجهاد الإسلامي، إن الروعة لم تكن تتجلى في قوة وجلد ذلك الجندي الشجاع المؤمن جندب بن مكيث ﵁ فحسب، بل في رباطة الجأش العظيمة التي تميَّز بها وهو يواجه سهمين قويين من رام قنَّاص ماهر، استقرا في جسمه وخالطاه، ومع ذلك ثبت كالطود٣ ولم يتزعزع، وكأنه قطعة من التل الذي كان منبطحا عليه، حتى إن الأعرابي تراجع عن شكه واثقًا أن ما رماه لم يكن كائنًا حيًّا، فلو كان كذلك لتحرك من مكانه على الأقل كما ذكر لزوجته. ولم يعلم ذلك الأعرابي أن الإيمان إذا تمكن من قلب الإنسان، فإنه يسمو به في روحانية عجيبة، وشفافية نادرة تسيطران عليه فتملكان عليه حسَّه وأحاسيسه.
إن قوة الإيمان تحرك في الجسم البشري قواه وطاقاته الكامنة، وتنفق فيه قوة عجيبة من التحكم والسيطرة والتحمل. وذلك ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ الأشداء على الكفر والكافرين، وهذه القصة إحدى الشواهد القوية على ذلك.
стр. 241
وقد تحققت في السرية بعض الكرامات التي يجعلها الله لأوليائه الصالحين عندما يكونون في حاجة ماسة للعون الإلهي، فيمدهم بهذه الكرامات لنصرهم على أعدائهم وحمايتهم ممن يريد الشر بهم، وهذا الأمر ليس قاعدة، وإنما يظهرها الله في بعض الأحيان لتكون عبرة وعظة وتثبيتا للمؤمنين إلى جانب مهمتها الأساسية.
إن هذه المكرمة مع الفارق الكبير تشبه المعجزة التي أجراها الله على يد نبيه موسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ِإنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقد تكررت مثل هذه الكرامات لبعض الصحابة مثل العلاء بن الحضرمي ﵁، الذي جاز بجنده مياه الخليج العربي إلى جزيرة دارين، وسعد بن أبي وقاص ﵁، الذي جاز هو وجيشه نهر دجلة إلى المدائن ففتحوها بإذن الله، إن هذه الكرامات هي من جنود الجبار ، يرسلها في الوقت المناسب لتكون نصرًا وتثبيتًا للمؤمنين، وخذلانًا للكافرين وما يعلم جنود ربك إلا هو.
في السنة الثامنة الهجرية١ وقبل خروج رسول الله ﷺ إلى مكة٢، قام بعملية استعراضية مرسومة القصد منها تحويل انتباه قريش وحلفائها عن خطته لغزوها٣.
حيث أرسل رسول الله ﷺ (سرية تحويلية) "إلى أضم وادٍ من أودية أشجع"٤ يشير الواقدي إلى أنها كانت بقوة ثمانية أفراد منهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي٥ ومحلَّم بن جثَّامة الليثي٦، وكانوا تحت قيادة أبي
стр. 244
قتادة بن ربعي رضي الله عنه١. فخرجوا حتى إذا توسطوا وادي أضم، مرَّ بهم رجل أشجعي يقال له عامر بن الأضبط٢ على جمل له ومعه زاده ومتاعه، فسلم عليهم بتحية الإسلام فأمسك عنه القوم. "وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره، ومتاعه"٣ ويذكر الواقدي٤: أنهم لم يلقوا جمعًا، فانصرفوا راجعين حتى انتهوا إلى ذي خشب٥، فبلغهم أن رسول الله ﷺ قد توجه إلى مكة، فيمموا شطر مكة حتى لحقوا بالنبي ﷺ بالسقيا٦.
وتلاحقت أحداث الفتح، ثم غزوة حنين، وبينما فرغ رسول الله ﷺ من صلاة الظهر، إذ "عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها، وهو بحنين، فقام إليه الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، يختصمان في عامر بن أضبط الأشجعي، عيينة يطلب بدم عامر، وهو يومئذ رئيس غطفان، والأقرع بن حابس يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف، فتداولا
стр. 245
الخصومة عند رسول الله ﷺ "١ "ثم ارتفعت الأصوات، وكثرت الخصومة واللغط"٢، "فقال رسول الله ﷺ لقوم عامر بن الأضبط الأشجعي: هل لكم أن تأخذوا منا خمسين بعيرا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة٣ مثل ما أذاق نسائي".
"فقام رجل من بني ليث يقال له ابن مكيتل، وهو قصد من الرجال٤، فقال: يا رسول الله، ما أجد لهذا القتيل مثلاً في غرة الإسلام٥، إلا كغنم وردت فرميت أولادها فنفرت أخراها، اسنن اليوم، وغيِّر غدًا، فقال رسول الله ﷺ هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرًا الآن، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، قال قوم محلم: ائتوا به حتى يستغفر له رسول الله ﷺ قال: فجاء رجل طوال ضرب اللحم٦ في حلة قد تهيأ فيها للقتل"٧، "فجلس بين يدي رسول الله ﷺ وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله إني قد فعلت الذي بلغك وإني أتوب إلى الله، فاستغفر لي يا رسول الله. فقال رسول الله: أقتلته بسلاحك في غرة الإسلام: اللهم لا تغفر لمحلم. بصوت عال" ٨ "فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه"٩.
قال راوي الحديث: "فأما نحن بيننا فنقول: قد استغفر له، ولكنه أظهر
стр. 246
ما أظهر ليدع الناس بعضهم من بعض"١ ٢
وقد ذكر أصحاب المغازي أنه نزل فيه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا..﴾ ٣ ٤.
стр. 247
كما أخرج ابن إسحاق بسند فيه مجهول١، عن الحسن قال: "فو الله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته –والذي نفس الحسن بيده- الأرض. ثم عاد والله فلفظته، فلما غل قومه عمدوا إلى صدَّين٢ فسطحوه٣ بينهما، ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه، قال: بلغ رسول الله ﷺ شأنه، فقال: والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم فيما أراكم منه"٤.
стр. 248
الفصل الثاني: سرايا تحطيم الأوثان
مقدمه
...
الفصل الثاني: سرايا تحطيم الأوثان
ويحتوي على:
١- مقدمة.
٢- بعث خالد بن الوليد إلى العزَّى.
٣- سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة.
٤- سر ية عمرو بن العاص إلى سواع.
٥- بعث خالد بن الوليد وأبي سفيان بن حرب إلى اللات.
стр. 249
مقدمة
بعد أن كان العالم غارقًا في سبات عميق يتخبط في ليل حالك الظلام، وهو يتمرغ في أدران الجاهلية والشرك يبحث عمن يخرجه من الظلمات إلى النور يبعث الله الغيث بعدما قنطوا، فكانت الرسالة المحمدية الحنيفية التي كان عليها فطرة البشر منذ خُلقوا وأُخذ عليهم العهد والميثاق بذلك.
لكنهم نقضوا العهد وخانوا الميثاق بتحريض من الشياطين أعدائِهم.
وصدق الله القائل في حديث قدسي يرويه رسول الله ﷺ عن ربه: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" ١.
فهؤلاء قوم نوح يُعرضون عن عبادة الله ويعبدون ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا وهم رجال صالحون كانوا فيهم، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عبدت٢.
ويواصل الشيطان نشاطه في الأرض أينما وجد له أرضًا خصبة ولقي له أتباعا وجنودًا من الإنس والجن، فلما حدث الطوفان وبعد سنين طويلة انتقلت هذه الأصنام بطريقة ما إلى العرب٣.
стр. 250
فصارت ودٌّ لكلب بدومة الجندل "وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع"١.
أما بقية القبائل العربية وخاصة القريبة من مكة عاصمة الشرك والوثنية قي الجاهلية فقد "اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحُجاب، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها وهي تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده"٢.
وكان من أشهر هذه الطواغيت بل وأعظمها في نظر العرب –بعد الكعبة- الثلاثة التي ذكرها الله في سورة النجم، قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٣.
"ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئا من الأصنام إعظامهم العزى ثم اللات ثم مناة"٤.
وقد بلغ من تعظيمهم إياها أنهم كانوا إذا طافوا بالكعبة يقولون: "واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"٥.
حتى إذا تلا رسول الله ﷺ الآية السابقة من سورة النجم إلى آخر السورة ثم سجد سجد معه المشركون ظنًّا منهم أن رسول الله ﷺ قد غير موقفه من آلهتهم المزعومة والتي كان موقفه منها سابقا متدرجًا من الإنكار القلبي قبل