← Сира

Сира · id 7641

السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

بريك العمري

Полный текст (283 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كتابيهما، أما أصحاب المعاجم اللغوية فمعجم البكري كان عندهم أعظم أصولهم في تحقيق أعلام البلدان العربية وضبطها، وأكثر من انتفع به منهم الفيروز آبادي صاحب "القاموس". والزبيدي صاحب "تاج العروس"، وشيخه محمد الطيب الفاسي صاحب "الحاشية على القاموس"١. والبكري هو أبو عبيد الله بن أبي مصعب عبد العزيز بن أبي زيد محمد بن أيوب بن عمرو البكري من بكر بن وائل، كان من أسرة تبوأت المناصب في الدولة، فجده أيوب بن عمرو تولى خطة الرد بقرطبة زمن الدولة الأموية والقضاء ببلدة لبة، فلما تغلَّب ملوك الطوائف على الأندلس استقل البكريون بأونبة (ولبة) وشليطش وما بينهما من البلاد في كورة لبة على ساحل البحر المحيط غربي أشبيلية، ودامت إمرة البكريين في تلك الناحية نحو أربعين سنة، وكان آخر البكريين حكمًا بأونبة أبو مصعب عبد العزيز والد أبي عبيد صاحب المعجم. كان أبو عبيد من أهل اللغة والآداب الواسعة، والمعرفة بمعاني الأشعار والغريب والأنساب والأخبار. وللبكري مؤلفات كثيرة أشهرها هذا المعجم، وكتاب "اللآلي في شرح أمالي القالي" وكتاب "المسالك والممالك" وكتاب "النبات". توفي أبو عبيد البكري سنة سبع وثمانين وأربعمائة٢. كان أهم مصدرين لغويين في هذا البحث هما "لسان العرب" لابن منظور، "والقاموس المحيط" للفيروز آبادي. ونظرًا لما امتاز به الأخير من بعض المميزات التي من أهمها وأعظمها فائدة لهذا البحث هو حسن اختصاره، وتمام إيجازه مع أنه خلاصة ستين سفرًا ضخمًا، لذا أردت أن أترجم له ترجمة

стр. 37

موجزة حيث أفدت من منهجه هذا في التعريف المختصر الموجز للكلمات المبهمة والغريبة التي عرضت خلال هذا البحث. إن "القاموس المحيط" هو المعجم الذي طار صيته في كل مكان، وشاع ذكره على كل لسان حتى كادت كلمة القاموس تحل محل المعجم؛ إذ حسب كثير من الناس أنهما لفظان مترادفان، وذلك لكثرة تداوله وسعة انتشاره، فقد طبقت شهرته الآفاق، وتلقاه بالقبول العلماء والحذاق وهو جدير بذلك. لقد تميَّز المعجم بغزارة مواده وسعة استقصائه، كما كان لطريقته الفذّة ومنهجه المحكم في ضبط الألفاظ أكبر الأثر في تميُّزه عن سائر المعاجم اللغوية، وقد اعتنى بذكر أسماء الأشجار والنبات والعقاقير الطبية، مع توضيح فائدتها، وذكر كثير من أسماء الأمراض، وأسماء السيوف، والأفراس والوحوش والأطيار، والأيام والغزوات، فكان دائرة معارف تحفل بأنواع العلوم واللطائف، وأضاف إلى خاصيته كمعجم لغوي بإيراده أسماء الأعلام والبلدان والبقاع وضبطها بالموازين الدقيقة حتى أضحى وكأنه معجم آخر للبلدان وموضحًا للمشتبه من الأعلام١. وصاحب القاموس هو الإمام اللغوي الشهير أبو طاهر مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيرازي الفيروز آبادي، كان شيخ عصره في الحديث والنحو، واللغة والتاريخ والفقه. ولد بكازرين بفارس سنة تسع وعشرين وسبعمائة هجرية، وعندما شبَّ تنقل من البلاد الإسلامية في ذلك الوقت عندما كانت البلاد الإسلامية بلا حدود ولا حواجز، ثم استقر به المقام نهاية المطاف في زبيد باليمن، فتلقاه الملك الأشرف إسماعيل بالقبول وبالغ في إكرامه، ثم ولاّه قضاء اليمن كله، وقد كان يلقى الإكرام في كل بلد يمر بها، ويوضح لنا ذلك ابن حجر فيقول: "ولم يقدر له قط أنه دخل

стр. 38

بلدًا إلاَّ وأكرمه متوليها، وبالغ في إكرامه"١، كما يذكر ابن حجر أنه كان سريع الحفظ، حاد الذكاء، بحيث كان يحفظ في اليوم مائتي سطر٢. وقد كانت له في كل فن من الفنون الإسلامية مؤلف، فبالإضافة إلى مؤلفاته في اللغة التي كان أشهرها هذا القاموس، فهناك مؤلفات في التفسير والتاريخ والتراجم والحديث والفقه. ويسوق لنا الخزرجي خبرًا يوضح مدى ما كانت تلقاه تلك المؤلفات من التقدير والإجلال والاحترام من جانب العلماء والفقهاء والقضاة، فيذكر أن بعضًا من كتبه المؤلفة رافقه موكب مهيب إلى باب السلطان الذي أجاز بدوره مصنفه بثلاثة آلاف دينار، توفي الفيروز آبادي ليلة الثلاثاء من شوال سنة سبعة عشر وثمانمائة هجرية في زبيد٣. ومن أهم مصادر البحث الخاصة بجوانب معينة به مثل العملية النقدية، واستخلاص العبر واختلاف العلماء، وترجيح بعض الروايات مع استنباط الأحكام والمسائل الفقهية، ذلكم المؤلف القيم لابن القيِّم "زاد المعاد في هدي خير العباد" "وقد كان ابن القيم غزير العلم قوي البيان مبرزًا في فنون كثيرة، فنهج في الكتابة عن السيرة منهجًا متفردًا يحقق الهدف الأساسي من وراء دراسة السيرة وهو الهدف التربوي الذي يراد منه تحقيق الأسوة والقدوة برسول الله ﷺ في حياته كلها، في السلم وفي الحرب على حد سواء، وكان من منهجه ﵀ الاقتصار على ما صحًّ عنده من السيرة دون التطويل في سرد جميع ما قيل في السير والمغازي؛ لأن كتابه هذا لم يكن خاصًّا بالسيرة، وإنما هو في هدي المصطفى ﷺ عمومًا، فهو كتاب أحكام ومعاملات

стр. 39

وعبادات، وشمائل وآداب، وطب، وغير ذلك من العلوم المتنوعة، وأضاف إلى هذه المباحث كلها موضوع السيرة النبوية، مبينًا فيها المراحل التي مرَّ بها الإسلام في عهده الأول بأسلوب علمي رائع، هادفًا إلى استخلاص العبرة واستنباط الحكم الشرعي، وحاثًّا على الاقتداء به ﷺ في هديه وسيرته. فجاءت مباحثه في السيرة فريدة في نوعها ذات منهج متميز، لأن كتاب السير والمغازي درجوا على سرد وقائع السيرة وما يتصل بها بأسانيدها ومتونها دون العناية بالجوانب التربوية، كما أنهم في الأعمِّ الأغلب ما كانوا يستنبطون الأحكام الفقهية من السيرة النبوية، فجاء ابن القيم فكتب عن السيرة النبوية بمنهج مختلف عمَّا ألفه الناس في تصنيف مباحث السيرة، وهو منهج الاقتداء به والسير على منواله"١. وقد جاءت هذه الدراسة كمحاولة للاقتداء بمنهج ابن القيِّم والاستفادة من آرائه النقدية الفذة خاصة نقده الباطني للمتون بطريقة حكيمة بناءة، ونقاش هادىء رزين ينبىء عن عقلية ناضجة متفتحة وذهن وقَّاد، والاستفادة أيضًا بما استنبطه من المباحث الفقهية والأحكام الشرعية. ولد شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي في بيت علم وفضل في السابع من صفر سنة إحدى وتسعين في قرية زرع من قرى حوران بدمشق، واشتهر بابن قيِّم الجوزية، نسبة إلى المدرسة التي أنشأها يوسف بن عبد الرحمن بن الجوزي، لأن أباه كان قيِّمًا عليها. وصفه الحافظان ابن كثير وابن حجر بالتعبد وقلة التكلف، وقد لازم ابن تيمية ملازمة تامة منذ عودته من مصر إلى وفاته، وكان واسع المعارف عالمًا بالقرآن والسنة وعلومهما، متبحرًا في ذلك، عارفًا باللغة على اختلافها، كما كان على علم غزير بالفرق الإسلامية، ومعرفة ما وقعت فيه من أخطاء. صنَّف

стр. 40

رحمه الله تصانيف كثيرة بلغت نيفًا وستين كتابًا في مختلف العلوم وكان يهدف من تصنيفاته إلى بيان خصائص أهل السنة والجماعة، وبيان الصراط المستقيم والطريق الوسط بين الغالي فيه والجافي عنه. توفي ابن القيِّم ﵀ ليلة الخميس في الثالث والعشرين من شهر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بدمشق١. كما أن من أهم المصادر الخاصة بعملية النقد واستنباط الأحكام، بل من أهم مصادر البحث الأساسية إن لم يكن أكبرها وأعظمها غَناء، الديوان الضخم الرائع والموسوعة العلمية وأكبر مرجع في علم الحديث والفقه والجامع لعلوم أخرى مختلفة مثل علم التراجم، وعلوم اللغة العربية، وعلم التاريخ والمغازي والسير (فتح الباري شرح صحيح البخاري) للحافظ الفذِّ أحمد بن حجر العسقلاني، "وهو من الشهرة والانتشار وذيوع الصيت بمكان عظيم، فهو أوفى شروح صحيح البخاري على الإطلاق، فقد بذل فيه مؤلفه جهودًا علمية ضخمة لم تجتمع لغيره من علماء عصره، وقد أمضى في تأليفه زمنًا طويلاً يقدر بخمسة وعشرين عامًا وهو يتحرى فيه الصواب، ويحقق ويمحِّص ويعرض على علماء عصره، فخرج هذا الكتاب فتحًا جديدًا في علوم الإسلام، وفنون الحديث وسائر المعارف الشرعية، مما لم يسبق له نظير، ولم يأت بعده مثله إلى اليوم، فقد وفق فيه مؤلفه غاية التوفيق، ووصل في تحقيق مسائله غاية التدقيق، فاجتمعت على الإعجاب به والثناء عليه كلمة العلماء على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، وكان كاسمه "فتح الباري" فهو اسم طابق المسمى"٢.

стр. 41

يقول ابن حجر موضحًا منهجه في هذا السفر العظيم: "أسوق - إن شاء الله - الباب وحديثه أولاً، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ثانيًا ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادات، وكشف غامض، وتصريح مدلس بسماع، ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعًا كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك. وثالثًا أصِل ما انقطع من معلقاته وموقوفاته، وهناك تلتئم زوائد الفوائد وتنتظم شوارد الفرائد. ورابعًا أضبط ما يشكل من جميع ما تقدم أسماءً أو أوصافًا مع إيضاح معاني الألفاظ اللغوية والتنبيه على النكت البيانية ونحو ذلك. وخامسًا أورد ما استفدته من كلام الأئمة مما استنبطوه من ذلك الخبر من الأحكام الفقهية والمواعظ الزهدية والآداب المرعية، مقتصرًا على الراجح من ذلك متحريًا للواضح دون المستغلق في تلك المسالك، مع الاعتناء بالجمع بين ما ظاهره التعارض مع غيره، والتنصيص على المنسوخ بناسخه، والعام بمخصصه، والمطلق بمقيده، والمجمل بمبينه، والظاهر بمؤوله، والإشارة إلى نكت من القواعد الأصولية، ونبذ من فوائد العربية، ونخب من الخلافات المذهبية بحسب ما اتصل بي من كلام الأئمة واتسع له فهمي من المقاصد المهمة"١. لقد استفدت استفادة كبيرة من منهج ابن حجر هذا سواء ما كان منه فيما يخصُّ نقل أقوال العلماء المختلفة ومحاولة الترجيح أو الجمع بينها، أو ما يخص العملية النقدية للبحث بشقيها المتنية والإسنادية، وكذلك ضبط ما يشكل من الأسماء والأوصاف والمواضع، وأخيرًا كان من المصادر الأساسية في مجال الاستنباطات والأحكام الفقهية.

стр. 42

ولا يفوتني بل أجده من الواجب عليَّ أن أنوِّه بصاحب الفضل على ابن حجر في وضعه هذا الكتاب، بل بصاحب الفضل على العلماء وطلبة العلم والمسلمين كافة في حفظ الصحيح المسند من سنة نبينا ﷺ صاحب أصحِّ كتاب بعد كتاب الله أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ الذي رصّعت في الثناء عليه كتب الرجال، وتسابق المترجمون في وصف أحواله، وتشرفوا بنشر أقواله وأفعاله، لذلك فسوف أتكلم عنه بشكل مختصر. لقد التزم البخاري ﵀ الصحة والدقة والتحري الشديد في وضعه هذا الكتاب العظيم، فلم يورد فيه إلا حديثًا صحيحًا، وهو مستفاد من تسميته إياه "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه" ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام، فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة، وقد بذل في تمحيصه وتدقيقه جهدا جبارًا، فها هو يقول: "صنفت الجامع من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة وجعلته فيما بيني وبين الله"١. ويقول أيضا: "صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته"٢. ولكي نعرف قيمة هذا الكتاب نستمع إلى هذه القصة. يقول أبو زيد المروزي: "كنت نائمًا بين الركن والمقام فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي، ولا تدرس كتابي، فقلت: يا رسول الله وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل"٣.

стр. 43

هذا وقد اعتمدت ما ورد فيه من روايات خاصَّة بهذا البحث باعتبارها أصح الروايات على الإطلاق، ورجحتها على بعض الروايات الأخرى التي نقلت أحداث البحث. والبخاري: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي. ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ببخارى. مات أبوه وهو صغير فنشأ في حجر أمه. أُلهم حفظ الحديث وهو في الكتاب، فلما بلغ ست عشرة سنة حفظ كتب ابن المبارك ووكيع، وعرف كلام أهل الرأي، فلما طعن في ثماني عشرة بدأ في التصنيف فصنَّف كتاب "قضايا الصحابة والتابعين" وكتاب "التاريخ". تنقل بين الشام ومصر والحجاز والعراق في طلب العلم، وكان ممَّا ساعده في قوة التحصيل أنه كان لا يكتب أثناء مجالسة العلماء، وذلك بسبب ما أوتي من قوة الحفظ حيث كان يكتب بعد ذلك من حفظه،يقول محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف غير صحيح"١. وقد عرف فيه معاصروه من شيوخه وزملائه ذلك النبوغ المبكر والذكاء الحاد وصدق السريرة وقوة الإيمان بالله، فأثنوا عليه الثناء الجميل الذي يطول ذكره، لكني سأذكر بعض ما قيل فيه. قال الحافظ رجاء بن رجاء: هو آية من آيات الله تمشي على وجه الأرض. وكان أبو بكر بن أبي شيبة يسميه البازل يعني الكامل. وكان عبد الله بن المنير أحد شيوخه يكتب عنه ويقول: أنا من تلامذته، وقال فيه أبو حاتم الرازي: لم تخرج خراسان قط أحفظ من محمد بن إسماعيل ولا قدم منها إلى العراق أعلم منه. وسئل الدارمي عن حديث وقيل له: إن البخاري صححه، فقال: محمد بن إسماعيل أبصر مني، وهو أكيس خلق الله، عقل عن الله ما أمر به

стр. 44

ونهى عنه من كتابه وعلى لسان نبيه، إذا قرأ محمد القرآن شغل قلبه وبصره وسمعه وتفكر في أمثاله وعرف حلاله من حرامه. وقال أبو سهل محمود بن النضر الفقيه: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم وقال صالح بن محمد جزرة: كنت أستملي له ببغداد فبلغ من حضر المجلس عشرين ألفا. وقال سليم بن مجاهد: ما رأيت منذ ستين سنة أحدًا أفقه ولا أورع من محمد بن إسماعيل. وكلام الأئمة في الثناء عليه كثير لا يتسع له المقام، وأختم ذلك بقول ابن حجر: "ولو قلت أني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في الحسن والمبالغة لفعلت.. ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس، ونفذت الأنفاس، فذلك بحر لا ساحل له". توفي البخاري ﵀ ليلة السبت، ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين١. كما كان لكتاب ابن حجر الآخر القيِّم في بابه "تقريب التهذيب" أهمية بالغة في عملية النقد الإسنادية من حيث الحكم على الرواة ومعرفة أحوالهم وطبقاتهم، وهذا الكتاب خلاصة تجارب طويلة وممارسة عظيمة لعلم الرجال، قام بها ابن حجر الحافظ الحجة، والخبير المقدم في المسالك العلمية، و"التقريب" المذكور اختصار "لتهذيب التهذيب"٢ وضعه استجابة لطلب بعض طلبة العلم الذي التمس منه أن يجرد له الأسماء خاصة. فأجابه ابن حجر إلى ذلك موضحًا منهجه فيه بقوله: "رأيت أن أجيبه إلى مسألته وأسعفه بطلبته، على وجه يحصل مقصوده بالإفادة ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة، وهي أني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة وأخلص إشارة بحيث لا تزيد كل ترجمته على سطر واحد غالبًا، بجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر

стр. 45

نسبته ونسبه، وكنيته ولقبه مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثمَّ التعريف بعصر كل راو منهم بحيث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه إلاَّ من لا يؤمن لبسه"١. وقد رجعت إلى هذا الكتاب وأفدت منه في تراجم معظم رواة البحث، وبالتالي الحكم على كل راو ومعرفة طبقته، وقد أفدت كثيرًا من منهجه في الحكم على الرواة بدقة وباختصار غير مخلٍّ. ولد قاضي القضاة، وإمام الحفاظ في زمانه أحمد بن علي بن محمد بن شهاب الدين بن حجر العسقلاني المصري المولد والنشأة، الشافعي المذهب في الثامن من شهر شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بالقاهرة، واشتهرت أسرته بالعلم والفضل والأدب، فأبوه نور الدين عليٌّ كان عالمًا يصدر الفتاوى ويقوم بالتدريس، وكانت له بالفقه عناية وبالأدب اهتمام، وعمّ أبيه فخر الدين عثمان بن محمد بن عليّ، كان فقيه الشافعية في زمانه. ونشأ ابن حجر يتيمًا، وقد وهبه الله قوة الذكاء وسرعة الفهم، وتوقُّد الحافظة، فكان يحفظ في كل يوم نصف جزءٍ من القرآن الكريم. ونظر ابن حجر منذ صباه في كتب التواريخ حتى مَهَر، وقد أعانه هذا على معرفة الرجال وأحوال الرواة، فصنَّف هذه الكتب القيمة في تراجم الرجال وأعيان الزمان: كـ "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، و"الإصابة في تمييز الصحابة"، و"تهذيب التهذيب" وغيرها. وللأدب كذلك نصيب من عناية ابن حجر فاهتم به وكان شاعرًا، وحبب الله إليه الحديث فشغف به وأقبل عليه، ووقف حياته على دراسته وأكثر الرحلة في طلبه، اتصل بشيوخ عصره، وكان أظهرهم زين الدين العراقي، ونور الدين الهيثمي، فقضى معهما عشرة أعوام كانت خيرًا له ونفعًا. طلب الحديث في

стр. 46

أماكن كثيرة فسمع بالحجاز وهو صغير، وتوجه إلى اليمن فلقي كثيرًا من العلماء والحفاظ الذبن اغتبطوا بوفادته وسروا بقدومه، ثم سار إلى مكة فأدَّى فريضة الحج ثم عاد إلى مصر. وقد تصدَّى ابن حجر للتأليف والتصنيف منذ عهد مبكر من حياته، وقد أكثر من التآليف الجليلة والتصانيف المفيدة، زادت على مائة وخمسين تصنيفًا، كما تصدَّى للإقراء والتدريس في عدة مدارس بالقاهرة. ثمَّ تولى مناصب القضاء فكان قاضي القضاة بالديار المصرية، أكثر من اثنين وعشرين سنة. توفي ابن حجر ﵀ سنة اثنين وخمسين وثمانمائة١. ولقد كان لبعض الدراسات الحديثة والخاصة بعمليتي النقد بشقيها الخارجي (سبر الروايات وفق مناهج المحدثين) والباطني (نقد المتون على ضوء المنهج التاريخي) والتي سبقت هذه الدراسة الأثر الحميد في توجيهها. فقد استفدت من كتاب الدكتور: أكرم العمري - القيِّم - (المجتمع المدني) بقسميه، وكتاب الأستاذ /أحمد عادل كمال (الطريق إلى دمشق) وكتاب الدكتور /عماد الدين خليل (دراسة في السيرة) ، ومن بعض الرسائل الجامعية التي درست مرويات السيرة النبوية وفق منهج المحدثين مثل: (مرويات غزوة بني المصطلق) للشيخ إبراهيم بن إبراهيم قريبي، و (مرويات غزوة الحديبية) للحافظ الحكمي، و (مرويات موسى بن عقبة) للشيخ محمد باقشيش، كما استفدت من المنهج الأكاديمي العسكري الذي عرضه اللواء الركن /محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد) . هذا ولا يسعني في الختام - بعد أن منَّ الله عليَّ بإتمام هذا العمل الذي أرجو أن يكون خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكون في ميزان حسناتي يوم القيامة

стр. 47

إن شاء الله إلاَّ أن أحمد الله حمدًا طيبًا مباركًا فيه، وأشكره شكرًا وافيًا جزيلاً على إنعامه وفضله وإحسانه. وأشكر من خلقه اعترافًا بفضلهم عليَّ، إذ "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"١ كلاًّ من أستاذي فضيلة الدكتور /أكرم ضياء العمري حفظه الله تعالى المشرف على هذه الرسالة والذي تولاني بفضله وكرمه ورعايته، ونفعني الله به وبعلمه، وأعانني كثيرًا بملاحظاته وتوجيهاته السديدة، حيث لم يبخل عليَّ بوقته الثمين، فكان يستقبلني في منزله المبارك بكل ترحاب وسعة صدر، فجزاه الله عني خيرًا، وأمدَّ في عمره، ونفع بعلمه السديد. كما أشكر القائمين على الجامعة الإسلامية بما أتاحوه لطلبة العلم الوافدين عليها من شرق الأرض وغربها، من فرص مواتية لتلقي العلم الشرعي النافع السديد، والنهل من ينابيع المعرفة الصافية المستقاة من الكتاب والسنة. وأخص بالشكر منهم رئيس الجامعة فضيلة الدكتور /عبد الله بن صالح العبيد حفظه الله. وأشكر أيضًا الأستاذين الفاضلين الأستاذ الدكتور /علي بن محمد عودة، والأستاذ الدكتور /محمد ضيف الله البطاينة. أعضاء لجنة مناقشة هذه الرسالة حيث إنني استفدت من ملاحظاتهما وتوجيهاتهما القيمة. كما أتوجه بالشكر لكل من أعانني على إخراج هذا البحث من موظفي المكتبة المركزية ومكتبة الدراسات العليا، وإلى عميد كلية البحار بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، والدكتور محمد موسى العامودي الذي أعارني بعض المذكرات والمراجع استفدت منها في البحث، وأيضًا الدكتور محمد أسامة عبد الظاهر من مستوصف الجامعة الإسلامية الذي أعارني بعض الكتب الطبية فجزاهم الله عني كل خير. كما أشكر أهل قرية الشامية بمنطقة عسفان لما لاقيته منهم من كرم الضيافة

стр. 48

وحسن الاستقبال أثناء وقوفي على موقع سرية الرجيع القريب من قريتهم، وأخص بالشكر منهم مؤذن مسجد القرية وأبناءه، والإمام وغيرهم من شباب القرية الذين لا تحضرني أسماؤهم الآن وكانوا خير عون لي. وختامًا أرجو من الله العلي القدير أن يجد هذا العمل القبول في السماء والأرض، إنه على ذلك لقدير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 49

"جرت عادة المحدثين وأهل السير، واصطلاحاتهم غالبًا أن يسمُّوا كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضًا من أصحابه إلى العدو سرية وبعثًا"١. "وربما سمَّوا بعض السرايا غزوة كما في مؤتة، حيث قالوا: غزوة مؤتة، وكما في سرية الرجيع حيث عبَّر عنها السيوطي في "الخصائص" بغزوة الرجيع، وعن سرية سيف البحر بغزوة سيف البحر، وربما سمَّوا الواحد سرية وهو في الأصل كثير، وربما سمّوا الاثنين فأكثر بعثًا، ومنه قول الأصل كالبخاري بعث الرجيع"٢. ولكن ابن حجر ذكر أن ما افترق من السرية يسمَّى بعثًا٣. وأخرج البيهقي عن مجاهد قال: قد بعث النبي ﷺ عبد الله بن مسعود، وخباب سرية، وبعث دحية سرية وحده٤، وقال الشافعي ﵀: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري ورجلاً من الأنصار سرية وحدهما، وبعث عبد الله بن أنيس سرية وحده٥. وقال ابن القيم: وكان يبعث بالسرية فرسانًا تارة ورجالاً أخرى٦. وذكر الحلبي أنه من ظاهر كلام أهل المغازي أنهم لا يفرقون بين كون إرسال تلك السرايا والبعوث للقتال، أو لغير القتال كتجسس الأخبار، أو تعليمهم الشرائع، كما في بئر معونة والرجيع، أو حتى للتجارة كما في سرية

стр. 50

زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه حيث ذهب مع جماعة بالتجارة للشام فلقيه بنو فزارة فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم١. وقد اختُلِفَ في السرية معنى، وعددًا، فقال في اللسان: "السرية من سرايا الجيوش، فإنها فعيلة بمعنى فاعلة، سميت سرية لأنها تسري ليلاً في خفية لئلا ينذر بهم العدو فيحذروا أو يمتنعوا، يقال: سرَّى قائد الجيش سرية إلى العدو، إذا جرَّدها وبعثها إليهم وهو التسرية"٢. ونقل المسعودي٣ عن بعض ذوي المعرفة بسياسة الحروب أنها هي التي تخرج بالليل، فأما التي تخرج بالنهار فتسمى السوارب، وذلك قوله ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ ٤. أما ابن الأثير فذكر أن: "السرية: الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وجمعها السرايا، سُمُّوا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السَّري النفيس، وقيل: سمُّوا بذلك لأنهم ينفذون سرًّا وخفية، وليس بالوجه لأن لام السَّر راء وهذه ياء. وفي الحديث: يرد متسريهم على قاعدهم. المتسري: الذي يخرج في السرية، ومعنى الحديث: أن الإمام أو أمير الجيش يبعثهم وهو خارج إلى بلاد العدو، فإذا غنموا شيئًا كان بينهم وبين الجيش عامة، لأنهم ردء لهم وفئة، فأما إذا بعثهم وهو مقيم، فإن القاعدين لا يشاركونهم في المغنم"٥. واتفق أصحاب اللسان، والقاموس، وتهذيب الألفاظ، على أن السرية ما بين خمسة أنفس إلى ثلثمائة٦.

стр. 51

وقد خالفهم صاحب "فقه اللغة" فذكر أن السرية من خمسين إلى أربعمائة١، وذكر ابن حجر قولاً آخر وهي: أنها من مائة إلى خمسمائة٢. ثم نقل عن هؤلاء أقوالاً مختلفة في تعداد الجيوش ومسمياتها، فذكر في "فقه اللغة": أن أقل العساكر الجريدة (وهي قطعة جردت من سائرها لوجه) ، ثم السرية، ثم الكتيبة وهي من أربعمائة إلى الألف، ثمَّ الجيش وهو من ألف إلى أربعة آلاف، وكذلك الفيلق والجحفل ثمَّ الخميس وهو من أربعة آلاف إلى اثني عشر ألفًِا، والعسكر يجمعها٣. وفي "تهذيب الألفاظ": الخميس ما زاد على السرية، والهضَّاء: الكثير من الخيل، والهضَّاء: الجماعة من الناس٤. ومما نقله المسعودي: "أن ما زاد على الخمسمائة إلى دون الثمانمائة فهي المناسر، وما بلغ الثمانمائة فهو جيش وهو أقل الجيوش، وما زاد على الثمانمائة إلى دون الألف فهو الخشخاش، وما بلغ الألف فهو الجيش الآن لم يبلغ، وما بلغ الأربعة آلاف فهو الجيش الجحفل، وما بلغ اثني عشر ألفًا فهو الجيش الجرَّار، وإذا افترقت السرايا والسوارب بعد خروجها فما كان دون الأربعين فهي الجرائد، وما كان من الأربعين إلى دون الثلثمائة فهي المقانب، وما كان من الثلثمائة إلى دون الخمسمائة فهي الجمرات، وكانوا يسمون الأربعين رجلاً إذا وجهوا العصبة، وقد رأى قوم أن المقنب مثل المنسر وأن كل واحد منهما ما بين الثلاثين رجلاً إلى الأربعين، واستشهدوا على تقاربهما بقول الشاعر:

стр. 52

وإذا تواكلت المقانب لم يزل ... بالثغر منَّا منسر وعظيم وأن الكتيبة ما جمع فلم ينتشر، وأن الحظيرة النفر الذين يغزى بهم العشرة فمن دونهم، والنقيضة جماعة يغزى بهم ليسوا الجيش، وأن الأرعن الجيش الكثير الذي له رعن الجبل، والخميس الجيش العظيم، والجرار الذي لا يسير إلاَّ زحفًا لكثرته، والجرَّار أكثر ما يكون من الجيوش العظمى"١. وقد وافقه في بعض ذلك ابن حجر، إلا أنه زاد "ما بين الخمسمائة إلى الثمانمائة يسمى هيضلة"٢. هذا وقد روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، وما هُزم قوم بلغوا اثنا عشر ألفًا من قلة" ٣. هذا وقد اختلف أهل العلم من أصحاب المغازي وغيرهم في عدد السرايا والبعوث التي بعثها النبي ﷺ منذ إعلان الحرب على قريش حتى توفاه الله فكانت عن ابن إسحاق في ذلك ثلاث روايات: رواية نقلها الطبري والمسعودي، ذكرا فيها عنه أن عددها كان خمسة وثلاثين سرية وبعثًا٤، بينما ذكر ابن هشام في روايته عنه أنها كانت ثمانية وثلاثين بعثًا وسرية، أورد منها سبعة وعشرين فقط٥. أما ابن حجر فذكر أنه عدَّ ستًّا وثلاثين سرية وبعثًا٦. وكذلك الواقدي كانت عنه روايتان متقاربتان، حيث ذكر المسعودي،

стр. 53

وابن حجر عنه أنها كانت ثمانية وأربعين١، وذكرها هو في المغازي سبعة وأربعين سرية وبعثًا٢، وقد وافقه في ذلك كاتبه ابن سعد في روايته عن جمع شيوخه منهم الواقدي٣. وعدَّ خليفة بن خياط في كتابه "التاريخ" إحدى وثلاثين سرية٤. وأورد العامري ثلاثة أقوال: الأول: أنها كانت ستًّا وخمسين سرية، وقيل: خمسون. وقيل: ثمانية وثلاثون٥. وحكى ابن الجوزي: ستًّا وخمسين سرية٦. أما المسعودي فكانت عنه عدّة روايات، حيث رتب في كتابه "التنبيه والأشراف" ثلاثًا وسبعين سرية وبعثًا، ونقل عن بعضهم أنها ست وستون، وعن آخرين: نيف وخمسين٧، ونقل عنه ابن حجر، والشامي: أنه عدَّ ستين بعثًا وسرية٨. واختلف ابن حجر والشامي في نقلهم عن أبي الفضل العراقي، فذكر ابن حجر أنه بلغها في "نظم السيرة" زيادة على السبعين، بينما ذكر الشامي أنه أبلغها إلى الستين فقط٩. وروى الحاكم عن الثقة من أصحابه ببخارى أنه قرأ في كتاب محمد بن

стр. 54

نصر السرايا والبعوث دون الحروب نيفًا وسبعين١. وقد انفرد الحاكم بجعل البعوث والسرايا زيادة على المائة٢، قال العراقي: ولم أجد هذا القول لأحد سواه، وقال الحافظ ابن حجر: لعله أراد ضم المغازي إليها٣. وقال الشامي: "والذي وقفت عليه من السرايا والبعوث لغير الزكاة يزيد على السبعين"٤. وذكر مغلطاي: أن مجموع الغزوات والسرايا مائة٥. قال ابن حجر: وهو كما قال٦. هذا بالنسبة لأهل المغازي، أما غيرهم من أهل العلم، فقد روى ابن كثير تعليقًا عن بريدة٧، والإمام أحمد بن حنبل بسند جيد٨، والحاكم، كلاهما عن قتادة٩، وعبد الرزاق بسند ضعيف١٠، عن مقسم١١: أنها كانت أربعًا وعشرين سرية.

стр. 55

كما روى الذهبي تعليقًا عن قتادة قال: جميع غزوات النبي ﷺ وسراياه ثلاث وأربعون١. قال المسعودي: "وأرى أن السبب الذي أوجب هذا التنازع المتفاوت في أعداد هذه السرايا أن منهم من يعتدُّ بسرايا لا يعتد بها آخرون، وذلك أنه كانت سرايا في جملة مغازٍ فأفردها بعضهم واعتد بها، وبعض جعلها في جملة تلك المغازي، لأن رسول الله ﷺ قد وجَّه في كثير من غزواته سرايا إلى ما يلي البلاد التي حلَّها بعد عزيمة المشركين بخيبر في الطلب على ما قدمنا، ووجه بعد فتح مكة سرايا لهدم الأصنام التي حول مكة فوقع هذا التنازع لأجل ذلك"٢. وأضيف إلى ما قاله المسعودي: أن السرايا والبعوث النبوية لو حصرت كلها لفاق عددها العدد الذي ذكره أهل المغازي وغيرهم بكثير، وذلك أنه كانت هنالك سرايا وبعوث لأغراض غير قتالية، فكانت هناك سرايا وبعوث لجباية الزكاة، وأخرى لتنفيذ الحدود، وبعوث قضائية، وأخرى تعليمية، ودعوية، وغير ذلك، والكثير من السرايا المبهمة المنثورة بين طيات كتب الحديث وكتب معاجم الصحابة، ومعاجم البلدان، والمعاجم اللغوية وغيرها. إن ورود الكثير من أخبار هذه السرايا عرضًا في سياق الأحداث، وبإشارات مختصرة، بل وخاطفة في بعض الأحيان، وورود بعضها ضمن بعض الكتب والمصادر غير المتخصصة بالمغازي ككتب الفقه والتفسير، وأسباب النزول، وكتب الأدب وغيرها، كل ذلك أدى إلى هذا التنازع والاختلاف في عدد السرايا والبعوث النبوية.

стр. 56

من جهة أخرى كان هذا النشاط المتدفق من السرايا والبعوث على شكل موجات متعاقبة من جند الإسلام الأوائل دلالة قاطعة على أن دولة الإسلام في المدينة وبقيادة النبي القائد ﷺ كانت مثل خلية النحل لا تهدأ ولا تكل، عمل دءوب متواصل لتبليغ دعوة الحق إلى الناس جميعًا، وهؤلاء الرجال الأفذاذ جنود الحق الذين لا تأخذهم فيه لومة لائم، والذين كانوا يتسابقون في الخروج تطوعًا وعن طيب خاطر، جنودًا بواسل في هذه السرايا والبعوث غير آبهين بالمشاق والمصاعب والمخاطر، بل كانوا يتحرَّقون لملاقاتها وقهرها طمعًا في الأجر وإعلاء لكلمة الله . كما أن هذه السرايا كانت بمثابة تمرينات عسكرية تعبوية، ومناورات حية لجند الإسلام، استعدادًا للغزوات الكبرى التي كانوا يخوضون غمارها مع قائدهم الأعلى المصطفى ﷺ من حين لآخر. إننا نرى وبوضوح كامل كيف كان معظم الصحابة رضوان الله عليهم مشاركين ضمن هذه السرايا والبعوث قوادًا تارة، وجنودًا عاديين أخرى، فكان ذلك من الخطط (والاستراتيجيات) بعيدة المدى التي كان يعدُّها النبي ﷺ لتثبيت دعائم الدولة الإسلامية، وإعدادًا منظمًا ودقيقًا لجيوش الفتوحات الإسلامية التي ما فتىء ﵊ يبشر بها أصحابه بين الفينة والأخرى في أوقات السلم والحرب والخوف والأمن. إنه بنظرة فاحصة في قوَّاد وجنود تلك السرايا والبعوث تطالعنا أسماء لمعت كثيرًا في تاريخ الفتح الإسلامي فيما بعد. مثل قائد فتوحات الشام، أمين الأمة، أبي عبيدة بن الجراح، وسعد القادسية وفاتح المدائن، وسيف الله المسلول أسد العرب خالد بن الوليد، وأرطبون العرب فاتح مصر عمرو بن العاص، وغيرهم ﵃ أجمعين.

стр. 57

إذا كانت تلك السرايا بمثابة تدريب عملي حي نابض، بل يمكن اعتبارها بلا مبالغة دورات أركان للقادة الذين فتحوا مشارق الأرض ومغاربها فيما بعد. إن هذا الكم الوافر من السرايا والبعوث، والطرق التي كانت تتمُّ بها تنقلاتها المسيرية نحو أهدافها، يدل على أن الجندي المسلم في ذلك الوقت كان يتمتع بلياقة بدنية هائلة مع خفة حركة تشحذها روح إيمانية لتضيف إليها العزم والتصميم اللذين يمثلان الروح المعنوية اللازمة، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية للانتصارات المتوالية التي كان يحققها جند الإسلام في كل معركة، ولا شكَّ أن تلك اللياقة القوية لم تأت من فراغ، أو أنها كانت محض صدفة، فالمتتبع للحياة اليومية التي كان يعيشها جند الإسلام الأوائل، يستطيع أن يعرف لماذا كانوا يتمتعون بتلك اللياقة العالية على الرغم من أنهم لم يكونوا جنودًا نظاميين يخضعون بتدريبات عنيفة، وينتظمون في معسكرات إلزامية في مؤسسات عسكرية نظامية كما هو الحال في عالمنا المعاصر. ولكن بالنظر في حياتهم وتحركاتهم خلال الأربع والعشرين ساعة اليومية يرى أنها كانت عبارة عن تدريب مستمر، فالبرنامج اليومي المنتظم يبدأ مبكرًا مع صلاة الفجر تؤدى جماعة مع قائدهم الأعلى رسول الله ﷺ الذي كان دائمًا ما يحثهم على أداء هذه الصلاة جماعة وفي وقتها موضحًا لهم ولأمته أنها المفتاح العجيب ليوم مليء بالنشاط والحيوية "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدة، فإن توضأ انحلَّت عقدة، فإن صلَّى انحلَّت عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيِّب النفس، وإلاَّ أصبح خبيث النفس كسلان"١. ثم ينطلق كل منهم إلى عمله الذي تتخلله فترات الصلوات الباقية، حتى إذا ما صلَّوا الصلاة الآخرة (صلاة العشاء) ناموا تطبيقًا لأمر القائد الأعلى،

стр. 58

حتى إذا ما أخذوا قسطًا وافرًا من النوم أوَّل الليل إلى الثلث الأخير منه، قام معظمهم لأداء صلاة التهجد التي تملأ قلوبهم روحانية وتكسبهم مزيدًا من النشاط لأدائها في وقت يكون الجسم فيه مرتاحًا. فبالإضافة إلى أن حركات الصلاة حركات تدريبية رياضية لكل أعضاء الجسم، فإن في الروحانية المتمثلة في اتصال العبد مع خالقه في خشوع وطمأنينة، رياضة إضافية للنفس تملؤها إيمانًا ويقينًا، هذا بالإضافة إلى الاستعداد الدائم واليقظة التامَّة امتثالاً لقوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ١. فكانوا دائمًا يقومون بنشاطات تدريبية مركَّزة تتمثَّل في ركوب الخيل، والسبق، والرماية، وكان النبي ﷺ يحثُّهم على فعل ذلك، بل ويشاركهم فيه، معطيًا من نفسه القدوة، فكان يبزُّ الشباب من الصحابة قوة ومهارة ونشاطًا وحيوية، فعن سلمة بن الأكوع ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ مرَّ على ناس يتنضَّلون٢، فقال: حسن هذا اللهم – مرتين أو ثلاثًا – ارموا وأنا مع ابن الأدرع، فأمسك القوم بأيديهم، فقالوا: لا والله لا نرمي معه وأنت معه يا رسول الله إذًا ينضلنا. فقال: ارموا وأنا معكم جميعًا، فقال: لقد رموا عامة يومهم ذلك ثمَّ تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضًا"٣. وكان ﷺ يركِّز على تعلم الرماية كثيرًا موضِّحًا أنها خير ما يعدُّ من قوة استعدادية للكفار، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" ٤.

стр. 59

بل وكان ﵊ يشجعهم على الصناعة الحربية المتمثلة في ذلك الوقت بصناعة الأسهم، وأن الأجر الذي غايته الجنة ينسحب على صاحبها والمتنبل بها، فيروي لنا عقبة، عن رسول الله ﷺ قوله: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه الذي احتسب في صنعته الخير، ومتنبله، والرامي، ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا، وليس من اللهو إلاَّ ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته زوجته، ورميه بنبله عن قوسه، ومن عُلِّم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها" ١. فما أروعه من عصر تمسك فيه الصحابة بالتعاليم القرآنية الربانية، وعضّوا عليها بالنواجذ، وقاموا بتطبيقاتها حرفيًّا في شتى شئون حياتهم، فعزوا واستعلوا على أمم الأرض، شرقًا وغربًا، رغم قلتهم وبساطتهم. وحين ابتعد المسلمون عن تلك التعاليم وألقوا بها وراء ظهورهم ركبهم الذُلُّ والصغار، وتداعت عليهم الأمم من أقطارها بعد أن أصبحوا غثاءً كغثاء السيل. إن المهمات والأهداف التي أُوكلت للسرايا والبعوث النبوية، كانت تتفاوت تبعًا لاختلاف الظروف المحيطة والحادثة، فكانت السرايا الأولى في معظمها عبارة عن دوريات استطلاعية واستكشافية وجسِّ نبض، ثمَّ تطوَّرت إلى سرايا اعتراضية توقع الرعب والفزع في القوافل القرشية، وذلك قبل غزوة بدر الفاصلة، وعندما قويت شوكة المسلمين بعدها، أصبحت مهمَّة بعض السرايا والبعوث تنصب في تصفية الأفراد من أعداء الدولة الإسلامية المندسين في صفوفها مثل كعب بن الأشرف، والعصماء بنت مروان، وأبي عفك، فكان في قتل كعب ردعًا لليهود، وقتل العصماء وأبي عفك ردعًا للمشركين والمنافقين في المدينة. وعندما انقلبت الأمور (الاستراتيجية) لغير صالح المسلمين بعد أحد،

стр. 60

وعندما طمع الأعراب في خيرات المدينة، واستهانوا بالمسلمين لدرجة أنهم غدروا ببعض البعوث التعليمية كما في الرجيع وبئر معونة، غيَّر تبعًا لذلك رسول الله ﷺ (استراتيجيته) العسكرية، فانتقل بالسرايا من قريش إلى الأعراب لتأديبهم وردعهم، ولكن بطريقة صارمة وسريعة ومباغته. وكان أهم ما يميَّز تلك السرايا هو الهجوم التعرضي، وذلك بأن يتم فيها مهاجمة الأعراب قبل تحشُّدهم وجمع أمرهم بالهجوم على المسلمين. وهكذا ظلت السرايا والبعوث النبوية تؤدي دورها وتقوم بمهامها الخاصة لخدمة أهداف النبي ﷺ القريبة والبعيدة المدى، فمن دوريات قتالية، إلى سرايا تعقبية، وأخرى تمويهية، حتى إذا ما توطَّد الأمر للمسلمين بعد فتح مكة، اهتم النبي ﷺ بإزالة كل ما يمتُّ للوثنية بصلة، فبعث السرايا والبعوث من مكة لتحطيم بقية رموز الشرك والوثنية، فانطلقت السرايا لتحطيم العزى، ومناة، واللات وسواع، وذا الخلصة، وغيرها من الأصنام والطواغيت الوثنية. ثم انطلقت السرايا الدعوية إلى كافة أرجاء الجزيرة العربية، تدعو إلى عبادة الله وحده وتزيل من طريق الدعوة كل العراقيل والقوى التي تقف في وجه الدعوة الإسلامية وهي خاضعة للضبط العسكري النبوي، منفذة لكل الأوامر النبوية العليا، والتي يمكن اعتبارها قمة أهداف وممارسات الحرب الفروسية المشرفة التي لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل ولا من بعد، والتي هي أحد دعائم الدعوة الإسلامية، بل أحد أهمِّ الأسباب التي دعت معظم سكان المناطق التي كانت تمرُّ بها هذه السرايا النبوية، ثمَّ الجيوش الراشدية الفاتحة بعد ذلك إلى الدخول طواعية وبحب غامر ورغبة ملحة في الإسلام. لقد أدهشت النتائج السريعة الإيجابية لحركة الفتوح الإسلامية جميع المحللين على اختلاف مشاربهم ودياناتهم، ولكن المحلِّل المنصف المتجرد ستزول دهشته حتمًا عندما يقرأ تلك التعاليم والوصايا النبوية لقوَّاد وجنود السرايا

стр. 61

والبعوث والتي هي نواة حركة الفتوح الإسلامية، وأصبح الذين شاركوا بالأمس في السرايا والبعوث مشاركين اليوم على رأس تلك الجيوش الفاتحة مقتدين نفس النهج، سائرين على نفس الطريق الذي رسمه لهم قائد الأمة المصطفى ﷺ حتى تلك الأوامر والتعاليم النبوية صارت تتكرر على ألسنة الخلفاء وقادة جيوش الفتوح فيما بعد. والآن ما هي تلك الوصايا؟ عن بريدة ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل لله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغُلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم وكفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما للمهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلاَّ أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفَّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" ١.

стр. 62

وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشًا قال: "انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلُّوا وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين" ١. وعن أبي موسى رضي لله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا" ٢. وعن ابن عمر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشًا أو سرية يقول: إذا رأيتم مسجدًا أو سمعتم مؤذنًا فلا تقتلوا أحدًا" ٣. وعن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع" ٤. وعن عبد الرحمن بن عائذ رحمه الله تعالى قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشًا قال: تألفوا الناس وتأتوهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم إلى الإسلام؛ فما على الأرض من أهل بيت مدر ولا وبر إلاَّ تأتوني بهم مسلمين أحبُّ إليَّ من أن تقتلوا رجالهم وتأتوني بنسائهم" ٥. وقد كان المصطفى ﷺ يتمنى ألا يتخلف عن أي سرية أو بعث يبعثه للجهاد في سبيل الله تعالى، وإعزاز دينه، ولكنه كان يفعل ذلك اضطرارًا لدرء المشقة عن المسلمين، وها هو يعتذر عن ذلك، موضحًا حكمة بعوثه وسراياه فيقول: "والذي نفسي بيده، لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة

стр. 63

فيتبعوني، ويشق أن يقعدوا بعدي، والذي نفسي بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثُم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل" ١. فيا لروعة هذا الاعتذار وسُموِّه، والذي يوضح بطريق غير مباشر، المنزلة العظيمة للشهيد عند الله لدرجة أن المصطفى ﷺ يتمنى أن يقتل شهيدًا في سبيل الله عدة مرات.

стр. 64

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الباب الأول "السرايا والبعوث داخل وخارج المدينة النبوية" ويشتمل على فصلين: ١ – الفصل الأول: السرايا الاعتراضية. ٢ – الفصل الثاني: السرايا ذات المهمات الصعبة.

стр. 65

الفصل الأول السرايا الاعتراضية وتشمل: ١- مقدمة. ٢- أول السرايا. ٣- سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر. ٤- سرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ. ٥- سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة. ٦- سرية زيد بن حارثة إلى العيص أو خبر اعتراض أبي بصير وأصحابه لقافلة أبي العاص. ٧- سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر (الخبط) .

стр. 66

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . [الحج: (٤٠) ] وقال رسول الله ﷺ : "إن الله أمرني أن أحرِّق قريشًا، فقلت: ربِّ إذًا يثلعوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نُغزِك، وأنفق فستنفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك". الألباني مختصر صحيح مسلم (ص ٥٢٣)

стр. 67

الباب الأول: السرايا والبعوث النبوية داخل وخارج المدينة الفصل الأول: السرايا الا عتراضية مقدمه ... مقدمة بعد أن استقر المقام بالمسلمين في المدينة النبوية، عاصمة الإسلام الأولى، ومأزره، بدأ العمل الدءوب الشاق لتثبيت دعائم الدولة الإسلامية، التي كانت فتية وفي طور الإنشاء والتكوين. وكان رسول الله ﷺ قد أخذ على عاتقه النهوض بهذه الدولة، فقام بعدة مبادرات سريعة لحل بعض المشكلات العارضة، وإن كانت في حد ذاتها تمهيدًا (لاستراتيجيات) بعيدة المدى. فعلى النطاق الاجتماعي سن نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ذلك النظام الذي استطاع به أن يحل مشكلة المجتمع المسلم في المدينة والذي تكون من فئات مختلفة ومستويات متفاوتة حتى أصبح بفضل من الله ﵎ مجتمعًا واحدًا مترابطًا انصهر تدريجيًّا في بوتقة الإيمان فذاب فيها. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ ١. هذه المبادرة – وإن كانت حلاًّ وقتيًّا أملته الظروف الحادثة – لكنها في نفس الوقت تمهيد (لاستراتيجية) أخوة الإسلام، تلك الأخوة التي لا تربط بالدم والعرق والأرض كما تعوَّد العرب في الجاهلية، بل بالدين والعقيدة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٢ وذلك هو شأن الإسلام الذي يعتمد أساسًا على عملية التدرج في تشريع الأحكام والمعاملات بين أفراده.

стр. 68

"إن هذا التآخي جعل المسلمين كرجل واحد يؤمن بعقيدة واحدة، ويعمل لهدف واحد بإمرة قائد واحد"١. أما على النطاق السياسي فقد وضع دستور المدينة (الوثيقة) بموجب معاهدات وأحلاف عقدها بينه وبين مشركي المدينة، ويهودها، وذلك بتنظيم العلاقات بين سكانها على اختلاف عقائدهم، حتى يعرف كل طرف الالتزامات المنوطة به، ولتتحدد معالم الحقوق والواجبات بين الأطراف المختلفة. "لقد نصت المعاهدة على قيادة محمد ﷺ لسكان المدينة المنورة كافة مسلمين، ومشركين، ويهود، فإليه يرجع الأمر كله، وله أن يحكم في كل اختلاف يقع بين السكان. وبذلك أصبح النبي ﷺ (قائدًا) في المدينة المنورة. كما نصت المعاهدة على تعاون أهل المدينة في رد كل اعتداء يقع عليها من الخارج، وبذلك توحدت صفوف أهل المدينة وأصبح لهم هدف، هو الدفاع عن المدينة ضد كل اعتداء خارجي. كما أعلنت المعاهدة بصراحة أنه لا يجوز لمشرك من أهل المدينة أن يجير مالاً لقريش، أو نفسًا، وأن اليهود يعاونون المؤمنين في النفقة عليهم ما داموا محاربين، وبذلك أوشك الكفاح بين المسلمين وقريش أن يبدأ"٢. لقد كانت نظرته ﷺ بعيدة حيث استطاع بهذا المعاهدة أن يضمن حياد اليهود ومشركي المدينة في الصراع المتوقع حدوثه بينه وبين قريش وحلفائها، وبالتالي يتفرغ للسياسة الخارجية للدولة التي جعل محورها هدفين سريعين: ١- محاولة كسب حلفاء الإيلاف التجاري القديم إلى جانبه تمهيدًا للهدف الثاني وهو:

стр. 69

٢- التعرض لتجارة قريش، وبالتالي إضعافها اقتصاديًّا وصولاً إلى تحطيم معنوياتها العالية وهز صورتها القوية في مجتمع الجزيرة العربية. من أجل ذلك بدأ العمل للحشد العسكري منذ وطئت قدماه ﷺ دار هجرته المدينة المنورة ونزول قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١. "لقد استطاع الرسول ﷺ أن يلجأ إلى المدينة ويحشد قواته فيها، ويوحد صفوف سكانها على اختلاف ميولهم وأهوائهم ودياناتهم، ويجعلهم كتلة متحدة للدفاع ضد الغارات الخارجية"٢ على شكل سرايا اعتراضية كان من أهدافها ما يلي: ١- إعلان الحرب على قريش تنفيذًا لأمر الله ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٤. ٢- إشعار أعداء الدولة الإسلامية الفتية "بأن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم، ذلك الضعف الذي مكَّن قريشًا في مكة من مصادرة عقائدهم، وحرياتهم، واغتصاب دُورهم وأموالهم"٥. ٣- استهدفت إرباك قريش وحلفائها، وإضعافهم، وتحطيم معنوياتهم بضرب نشاطهم التجاري الذي يمثل عصب حياتهم، وشريان وجودهم٦. وذلك يبث الرعب والفزع في نفوسهم بإثارتهم الدائمة فهم يتوقعون هجوم

стр. 70

المسلمين في كل لحظة، مما يشل تفكيرهم، فيسلبهم بذلك مبدأ المبادرة الأساسي في تحقيق أي نصر. ١- تدريب قوات المسلمين على القتال لتتحقق لهم اللياقة الكاملة اللازمة لخوض غمار المعارك الكبرى، فهم في حالة استنفار قصوى منذ بدأت السرايا الأولى، "ومن جهة أخرى جاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حيَّة كان المقاتل المسلم يجس عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية، ماديًّا، ومعنويًّا، ويمارس مزيدًا من التدريب وتنمية قدراته وطاقته على الصمود"١. ٢- عقد المعاهدات مع حلفاء قريش التجارين الذين تخلوا عن حلفهم القديم المسمى بالإيلاف، وبالتالي ضمن رسول الله ﷺ حيادة هذه القبائل وعدم نصرتها لقريش حتى يتمكن المسلمون من التعرض لقوافلهم وهي مفتقرة لحماية الحلفاء. ٣- المعاملة بالمثل فكما أن قريشًا قد استولت على أموال المهاجرين في مكة، كان في الاستيلاء على قوافلهم نوع من العوض عما فقده المهاجرون من أموال ومتاع، وبالتالي "الحصول على مورد للتموين والتسليح في أعقاب الأزمة المالية التي كان المسلمون يعانون منها في مطلع عهدهم بالهجرة"٢ بسبب ما تركوه من مال ومتاع في مكة فرارًا بدينهم وحفاظًا على عقيدتهم وهجرة إلى الله ورسوله "فلا عجب إذا رأينا المسلمين يفكرون جديًّا في استخلاص أموالهم من قريش"٣.

стр. 71

أول السرايا اختلف أهل المغازي في أول السرايا والبعوث. فمنهم من جعلها سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه١ وروى ابن إسحاق بلا سند أن راية عبيدة بي الحارث هي"أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الإسلام لأحد من المسلمين"٢ أما غالبية أهل المغازي فقد أجمعوا على أن أول سرية بعثها رسول الله ﷺ حمزة بن عبد المطلب"٣ ﵁.

стр. 72

وبتحليل الأقوال السابقة نجد أن القول الأول في روايتان مرسلتان في سند إحداهما جهالة عين، أما الرواية الموصولة فإضافة إلى ضعف سندها الموضح سابقًا، ففيها اضطراب في المتن، كما أن الراوى لم ينص صراحة على أنها أول سرية، بل غاية ما ذكره أنه أول أمير أُمِّر وهو أمر محتمل، فربما كان قصده أول أمير يُنصَّبُ رسميًّا بأمر كتابي من رسول الله ﷺ وهو ماحدث في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، ويؤيد ذلك ما وقع في رواية البزار: "أول أمير عُقد له في الإسلام"١ وذلك أمر لم يتعوده الصحابة من قبل حيث كان النبي ﷺ يعين قواد السرايا بأمر شفهي منه، وربما كان لقوله ﷺ في آخر الرواية معاتبًا إياهم: "لأعين عليكم رجلاً ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش" ٢ بالغ الأثر عليهم فامتزج العقاب مع التطلع إلى هذا المنصب أو من يفوز به فعلق في أذهانهم وحفظوه. أيضًا كيف تكون سرية عبد الله بن جحش ﵁ هي الأولى مع أن هذه السرية التي خرج فيها سعد بن أبي وقاص ﵁ قد سبقتها، فالمفروض أن تكون هي الثانية في الترتيب لا الأولى. وهناك شيء آخر، فمن خلال سياق الرواية يتضح لنا أن إرسال سرية عبد الله بن جحش ﵁ في السنة الأولى بعد السرية التي خرج فيها سعد بن أبي وقاص ﵁ مباشرة. والمعروف عند أهل المغازي أن سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة

стр. 73

كانت في السنة الثانية قبل بدر بشهرين تقريبًا وأنها هي السبب في غزوة بدر كما يقول بعض كُتَّاب السير والمغازي١. إذًا نخلص إلى القول بأن اضطراب المتن علة أخرى تضاف إلى علة السند. وأعتقد والله أعلم أنه لشهرة سرية عبد الله بن جحش وحيازتها على أوليات مهمة في تاريخ الصراع الإسلامي الوثني جعلها تطغى على أخبار السرايا التي قبلها والتي لم يحدث فيها صدام مسلح، ولم ينزل فيها قرآن، كما حدث في سرية ابن جحش ﵁ لأجل ذلك كله اعتقد البعض أنها أول سرية بعثها رسول الله ﷺ أو ربما أنه جعلها الأولى باعتبار أهميتها وما جرى فيها من أحداث. والله تعالى أعلم. أما القول الثاني فنرى أن مدار رواياته على ابن إسحاق والذي لم يوضح مصدر معلوماته، فإذا علمنا أنه لا يحتج بكلامه عند المحدثين إذا لم يصرح بالتحديث عمن أخذ عنه، فكيف إذا أبهم، ولكن الخبر هنا تاريخي وكان يمكن قبول قوله لولا معارضته لإجماع أهل المغازي. أما رواية ابن عباس فهي ضعيفة الإسناد بوجود عثمان بن عطاء الخراساني وأبيه فيه٢. كما أن رواية الزبير بن بكَّار ضعيفة أيضًا؛ لأنها من رواية إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز٣. وكان القول الثالث عبارة عن شبه إجماع من أهل المغازي كما رأينا، وإن كانت بعض الروايات وردت من طرق لا تخلو من مقال في نظر النقاد من أهل الحديث، ولكنها صالحة للاحتجاج بها تاريخيًّا، فإن ابن لهيعة وإن ضعف بعد ضياع كتبه واحتراقها فإن روايته عن أبي الأسود في الغالب نسخة معروفة لمغازي عروة، مما يخفف من تخوفنا من عدم ضبطه، كما أن موسى بن عقبة

стр. 74

والزهري إمامان في المغازي، ومرسل الزهري ضعيف عند المحثين، لكن الخبر هنا تاريخي ونستأنس لقبوله بإجماع أهل المغازي عليه حيث لم يخالف إلا ابن إسحاق في تقديمه سرية عبيدة، وابن إسحاق على جلالة قدره وتمرسه في فن المغازي إلا أنه هنا قد خالف شيوخه – مصدر معظم معلوماته في المغازي – وكان يمكن أن نعتبر مخالفته لو أنه وضح لنا مصدر معلوماته وثبت لنا أنها تقوى على معارضة الإجماع، والله تعالى أعلم. هذا وقد حاول بعض أهل المغازي الجمع بين القولين منهم ابن إسحاق نفسه الذي قال: "وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معًا فشبه ذلك على الناس"١. وقد رد القسطلاني عليه فقال: "وهذا يشكل بقولهم: إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر، لكن يحتمل أن يكون ﷺ عقد رايتهما معًا، ثم تأخر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية لأمر اقتضاه، والله أعلم"٢. قال الزرقاني معقبًا في شرحه عليه: "فيلتئم القولان"٣. وقال ابن حزم: "وكان بعث حمزة، وبعث عبيدة متقاربين، واختُلف في أيهما أسبق"٤. وبيَّن الحلبي سبب هذا الاختلاف بقوله: "قال بعضهم: ومنشأ الاختلاف أن بعث حمزة، وبعث عبيدة رضي الله تعالى عنهما كانا معًا أي في يوم واحد في محل واحد، أي وشيعهما رسول الله ﷺ جميعًا كما في

стр. 75

ذخائر العقبي فاشتبه الأمر"١. إضافة لما سبق فإن من الأمور التي تدعونا إلى الاعتقاد بأن سرية حمزة ﵁ هي الأولى، هو أنه ﵊ قد اجتهد أن تكون سراياه الأولى من المهاجرين دون الأنصار؛ لأن الأنصار لم يتعهدوا بنصرته خارج المدينة، لذلك نراه يرسل في تلك السرايا المهاجرين، وعلى رأسهم أهل بيته وأقاربه ليكونوا أول من يخوض معمعة القتال والمعارك، ليعطي بذلك القدوة الحسنة. وبما أن السرية الأولى سيكون لها مردودات إيجابية أو سلبية في حالتي الظفر أو الهزيمة حرص ﷺ أن يكون قائدها على قدر عظيم من الشجاعة والإقدام وقوة الشكيمة، خاصة إذا علمنا أن قائد القافلة القرشية رجل معروف في قريش بقوة شكيمته وغطرسته حتى إن أبا جهل كان يلقب بأعز البطحاء فكان لا بد له من ند مثله، وقد اتضحت قدرات هذا الند في مكة عندما استطاع وبجرأة أن يضربه وعلى ملأ من قومه وعشيرته ويعلن إسلامه بين أيديهم دون خوف، بل تحداه أن يرد عليه إن استطاع٢، وقد دلت هذه الحادثة بما لا يدع مجالاً للشك بأنه فعلاً أعز فتًى في قريش بلا منازع، فكان حمزة بن عبد المطلب ﵁ والذي أصبح بعد إسلامه أسد الله وأسد رسوله، هو أول قائد لأول سرية والله تعالى أعلم. ليتحقق لرسول الله ﷺ ما يصبو إليه من نتائج إيجابية بعيدًا عن السلبيات المثبطة، وكان له ما أراد عندما رمى أعز البطحاء بأعز قريش. والله تعالى أعلم بالصواب وهو من وراء القصد.
следующие страницы →