أول السرايا
اختلف أهل المغازي في أول السرايا والبعوث.
فمنهم من جعلها سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه١ وروى ابن إسحاق بلا سند أن راية عبيدة بي الحارث هي"أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الإسلام لأحد من المسلمين"٢ أما غالبية أهل المغازي فقد أجمعوا على أن أول سرية بعثها رسول الله ﷺ حمزة بن عبد المطلب"٣ ﵁.
стр. 72
وبتحليل الأقوال السابقة نجد أن القول الأول في روايتان مرسلتان في سند إحداهما جهالة عين، أما الرواية الموصولة فإضافة إلى ضعف سندها الموضح سابقًا، ففيها اضطراب في المتن، كما أن الراوى لم ينص صراحة على أنها أول سرية، بل غاية ما ذكره أنه أول أمير أُمِّر وهو أمر محتمل، فربما كان قصده أول أمير يُنصَّبُ رسميًّا بأمر كتابي من رسول الله ﷺ وهو ماحدث في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، ويؤيد ذلك ما وقع في رواية البزار: "أول أمير عُقد له في الإسلام"١ وذلك أمر لم يتعوده الصحابة من قبل حيث كان النبي ﷺ يعين قواد السرايا بأمر شفهي منه، وربما كان لقوله ﷺ في آخر الرواية معاتبًا إياهم: "لأعين عليكم رجلاً ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش" ٢ بالغ الأثر عليهم فامتزج العقاب مع التطلع إلى هذا المنصب أو من يفوز به فعلق في أذهانهم وحفظوه.
أيضًا كيف تكون سرية عبد الله بن جحش ﵁ هي الأولى مع أن هذه السرية التي خرج فيها سعد بن أبي وقاص ﵁ قد سبقتها، فالمفروض أن تكون هي الثانية في الترتيب لا الأولى. وهناك شيء آخر، فمن خلال سياق الرواية يتضح لنا أن إرسال سرية عبد الله بن جحش ﵁ في السنة الأولى بعد السرية التي خرج فيها سعد بن أبي وقاص ﵁ مباشرة. والمعروف عند أهل المغازي أن سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة
стр. 73
كانت في السنة الثانية قبل بدر بشهرين تقريبًا وأنها هي السبب في غزوة بدر كما يقول بعض كُتَّاب السير والمغازي١.
إذًا نخلص إلى القول بأن اضطراب المتن علة أخرى تضاف إلى علة السند. وأعتقد والله أعلم أنه لشهرة سرية عبد الله بن جحش وحيازتها على أوليات مهمة في تاريخ الصراع الإسلامي الوثني جعلها تطغى على أخبار السرايا التي قبلها والتي لم يحدث فيها صدام مسلح، ولم ينزل فيها قرآن، كما حدث في سرية ابن جحش ﵁ لأجل ذلك كله اعتقد البعض أنها أول سرية بعثها رسول الله ﷺ أو ربما أنه جعلها الأولى باعتبار أهميتها وما جرى فيها من أحداث. والله تعالى أعلم.
أما القول الثاني فنرى أن مدار رواياته على ابن إسحاق والذي لم يوضح مصدر معلوماته، فإذا علمنا أنه لا يحتج بكلامه عند المحدثين إذا لم يصرح بالتحديث عمن أخذ عنه، فكيف إذا أبهم، ولكن الخبر هنا تاريخي وكان يمكن قبول قوله لولا معارضته لإجماع أهل المغازي.
أما رواية ابن عباس فهي ضعيفة الإسناد بوجود عثمان بن عطاء الخراساني وأبيه فيه٢. كما أن رواية الزبير بن بكَّار ضعيفة أيضًا؛ لأنها من رواية إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز٣.
وكان القول الثالث عبارة عن شبه إجماع من أهل المغازي كما رأينا، وإن كانت بعض الروايات وردت من طرق لا تخلو من مقال في نظر النقاد من أهل الحديث، ولكنها صالحة للاحتجاج بها تاريخيًّا، فإن ابن لهيعة وإن ضعف بعد ضياع كتبه واحتراقها فإن روايته عن أبي الأسود في الغالب نسخة معروفة لمغازي عروة، مما يخفف من تخوفنا من عدم ضبطه، كما أن موسى بن عقبة
стр. 74
والزهري إمامان في المغازي، ومرسل الزهري ضعيف عند المحثين، لكن الخبر هنا تاريخي ونستأنس لقبوله بإجماع أهل المغازي عليه حيث لم يخالف إلا ابن إسحاق في تقديمه سرية عبيدة، وابن إسحاق على جلالة قدره وتمرسه في فن المغازي إلا أنه هنا قد خالف شيوخه – مصدر معظم معلوماته في المغازي – وكان يمكن أن نعتبر مخالفته لو أنه وضح لنا مصدر معلوماته وثبت لنا أنها تقوى على معارضة الإجماع، والله تعالى أعلم.
هذا وقد حاول بعض أهل المغازي الجمع بين القولين منهم ابن إسحاق نفسه الذي قال: "وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معًا فشبه ذلك على الناس"١.
وقد رد القسطلاني عليه فقال: "وهذا يشكل بقولهم: إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر، لكن يحتمل أن يكون ﷺ عقد رايتهما معًا، ثم تأخر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية لأمر اقتضاه، والله أعلم"٢.
قال الزرقاني معقبًا في شرحه عليه: "فيلتئم القولان"٣.
وقال ابن حزم: "وكان بعث حمزة، وبعث عبيدة متقاربين، واختُلف في أيهما أسبق"٤.
وبيَّن الحلبي سبب هذا الاختلاف بقوله: "قال بعضهم: ومنشأ الاختلاف أن بعث حمزة، وبعث عبيدة رضي الله تعالى عنهما كانا معًا أي في يوم واحد في محل واحد، أي وشيعهما رسول الله ﷺ جميعًا كما في
стр. 75
ذخائر العقبي فاشتبه الأمر"١.
إضافة لما سبق فإن من الأمور التي تدعونا إلى الاعتقاد بأن سرية حمزة ﵁ هي الأولى، هو أنه ﵊ قد اجتهد أن تكون سراياه الأولى من المهاجرين دون الأنصار؛ لأن الأنصار لم يتعهدوا بنصرته خارج المدينة، لذلك نراه يرسل في تلك السرايا المهاجرين، وعلى رأسهم أهل بيته وأقاربه ليكونوا أول من يخوض معمعة القتال والمعارك، ليعطي بذلك القدوة الحسنة.
وبما أن السرية الأولى سيكون لها مردودات إيجابية أو سلبية في حالتي الظفر أو الهزيمة حرص ﷺ أن يكون قائدها على قدر عظيم من الشجاعة والإقدام وقوة الشكيمة، خاصة إذا علمنا أن قائد القافلة القرشية رجل معروف في قريش بقوة شكيمته وغطرسته حتى إن أبا جهل كان يلقب بأعز البطحاء فكان لا بد له من ند مثله، وقد اتضحت قدرات هذا الند في مكة عندما استطاع وبجرأة أن يضربه وعلى ملأ من قومه وعشيرته ويعلن إسلامه بين أيديهم دون خوف، بل تحداه أن يرد عليه إن استطاع٢، وقد دلت هذه الحادثة بما لا يدع مجالاً للشك بأنه فعلاً أعز فتًى في قريش بلا منازع، فكان حمزة بن عبد المطلب ﵁ والذي أصبح بعد إسلامه أسد الله وأسد رسوله، هو أول قائد لأول سرية والله تعالى أعلم. ليتحقق لرسول الله ﷺ ما يصبو إليه من نتائج إيجابية بعيدًا عن السلبيات المثبطة، وكان له ما أراد عندما رمى أعز البطحاء بأعز قريش.
والله تعالى أعلم بالصواب وهو من وراء القصد.
стр. 76
سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر
...
سرية حمزة بن عبد المطلب ﵁ إلى سيف البحر
تنفيذًا لأمر الله ودعوته لجهاد المشركين انطلقت طلائع الإيمان تبث الرعب في صفوف المشركين، فقد علم رسول الله ﷺ أن هناك قافلة قرشية محملة بالأموال والبضائع وهي في طريق عودتها إلى مكة من الشام، يقودها أبو جهل بن هشام، ويحرسها حوالي ثلثمائة راكب من فرسان قريش١، فجهز لها رسول الله ﷺ "دورية قتال اعتراضية قوتها" ثلاثون مجاهدًا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد٢ وعلى رأسهم أسد الله
стр. 77
وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب ﵁.
وفي شهر رمضان من السنة الهجرية المباركة١ ارتفع أول لواء في سبيل الله تبارك وتعالى٢، وكان لونه أبيض، وحامله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي ﵁ حليف حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه٣.
تحركت الدورية في (مسير اقترابي) سريع نحو الهدف المحدد لها وهو ساحل البحر الأحمر، حيث التقت بالقافلة القرشية ناحية العيص في منطقة نفوذ قبيلة جهينة "فالتفوا حتى اصطفوا للقتال"٤، وقبل أن يشتبك الطرفان في مواجهة دامية، تدخل رجل من كبار رجالات جهينة في وساطة سلام بينهم، فقام بجولات من المفاوضات المباشرة مع كل طرف على حدة حتى
стр. 78
تمكن أخيرًا من النجاح في مساعيه السليمة "فحجز بينهم مخشى١ بن عمرو الجهني وكان مخشي ورهطه حلفاء للفريقين جميعًا، فلم يعصوه فرجع الفريقان كلاهما إلى بلادهم، فلم يكن بينهم قتال"٢ ٣.
وقد كانت نتائج هذه السرية على المعسكر الوثني سيئة للغاية حيث هزت كيان قريش وبثت الرعب في نفوس رجالها، وفتحت أعينهم على الخطر المحدق بهم والذي أصبح يهدد طريق تجارتهم، وبالتالي اقتصادهم.
أما المسلمون فقد كانت نتائجها عليهم إيجابية حيث تصاعدت الروح الحماسية بينهم، وأعطتهم بعدًا عميقًا من الثقة بالنفس والجرأة على عدوهم، ذلك الذي استطاعوا ولأول مرة الوقوف في وجهه بقوة أبهرت قريش وأدهشتهم "قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدًا قد نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئًا، فاحذروا أن تمروا طريقه، وأن تقاربوه فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق٤ عليكم نفيتموه نفي
стр. 79
القردان١ على المناسم٢، والله إن له سحرة، ما رأيته قط ولا أحدًا من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين وإنكم عرفتم عداوة ابني قيلة٣ فهو عدو استعان بعدو"٤.
ولما بلغ النبي ﷺ ما دار بينهم من حوار نتيجة ردة فعلهم نحو شرارة الإنذار الأولى التي أطلقها تجاههم قال: "والذي نفسي بيده لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم، وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله – – ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على يدي، وأنا العاقب" ٥.
стр. 80
سرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ
...
سرية عبيدة بن الحرث ﵁ إلى رابغ
"وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله"..
سعد بن أبي وقاص ﵁.
صحيح سنن الترمذي (٢/٢٧٧) .
стр. 81
عندما خرج رسول الله ﷺ إلى الأبواء غازيًا "يريد قريشًا١ وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة"٢ وفاتته القافلة القرشية أحيط علمًا ما يبدو بواسطة أحد عيونها بتوقفها في منطقة رابغ الساحلية فجهز لها (دورية قتال اعتراضية) بإمرة "عبيدة بن الحارث"٣ في ستين رجلاً"٤ "من المهاجرين الأولين، ولم يكن في تلك الغزوة من الأنصار أحد"٥ "وعقد له لواءً أبيض كان الذي حمله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف"٦.
انطلقت الدورية في (مسيرها الاقترابي) ٧ حتى وصلوا إلى رابغ "فلقوا
стр. 82
بعثًا عظيمًا من المشركين١ على ماء يدعى الأحياء من رابغ"٢.
وهناك حدثت أول مواجهة عسكرية بين المسلمين والمشركين "وهو أول يوم التقى فيه المسلمون والمشركون في قتال"٣ ولكن القتال اتخذ طابع المناوشة بالسهام فقط، فكان سعد بن أبي وقاص ﵁ "أول العرب رمى بسهم في سبيل الله"٤ في تلك المعركة التي لم تستمر طويلاً إذ قرر الفريقان الانسحاب من أرضها.
وقد كان انسحاب المسلمين قويًّا ومنظمًا حيث انسحبوا في قتال (تراجعي تعطيلي) ٥ بواسطة حامية منهم تغطي انسحابهم حتى هبطوا ثنية المرة، وكان بطل هذا الانسحاب الناجح سعد بن أبي وقاص ﵁ الذي كان له الدور الأكبر في تشتيت وإحباط استعدادات العدو لشن أي هجوم مضاد وذلك بوابل من السهام المزعجة التي قذفها نحوه، والتي كونت (ساترًا دفاعيًا) مهد لانسحاب سليم منظم بالنسبة للمسلمين، وانسحاب متوتر مرعوب بالنسبة للمشركين، هذا وقد فر عتبة بن غزوان، والمقداد بن الأسود يومئذ إلى المسلمين وكانا في حبس قريش قد أسلما قبل ذلك، فتوصلا بالمشركين حتى خرجا إلى
стр. 83
عبيدة وأصحابه"١ ٢ وقد تحققت في هذه السرية بعض الأوليات المهمة في تاريخ الصراع الإسلامي الوثني على المستويين العام والخاص. فعلى المستوى العام اعتبرت أول مواجهة عسكرية بين الطرفين، بعد انقضاء سنة كاملة على أول مواجهة انتهت سلميًّا دون قتال. أما على المستوى الخاص فقد حقق سعد بن أبي وقاص ﵁ من خلال هذه السرية سبقًا عسكريًا إسلاميًا يسجل في سجله الحافل بالإنجازات على امتداد حياته التي أفناها في سبيل إعلاء كلمة الله منذ أن نطق بالشهادتين فكان ثلث الإسلام٣، ثم أهريق على يديه أول دم في سبيل الله٤ ومرورًا بمشاركته الجهادية الفعالة مع رسول الله ﷺ وانتهاءً بالقادسية والمدائن وفتح فارس، وبناء الكوفة أول مدينة إسلامية خارج الجزيرة العربية.
كما أكدت هذه السرية استمرار سياسة رسول الله ﷺ التعبوية الخاصة بحشد المهاجرين فقط في الغزوات والسرايا الأولى حتى بدر تنفيذًا لاتفاقية العقبة الثانية.
стр. 84
سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة
...
سرية عبد الله بن جحش ﵁ إلى نخلة
قال الله تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ .
[البقرة: ٢١٧]
стр. 85
بعد عدد من الغزوات والسرايا الاعتراضية أراد رسول الله ﷺ أن يستطلع أخبار قريش ومن ثمَّ وقع تلك الهجمات عليها والتي صارت تهدد تجارة مكة الصيفية.
ففي شهر جمادى الآخرة أو رجب – على خلاف بين أهل المغازي١ - من السنة الثانية الهجرية جهَّز رسول الله ﷺ (دورية استطلاع منطقة) ٢ قوتها ثمانية مهاجرين٣ وأسند قيادتها في أول الأمر إلى أبي عبيدة عامر بن
стр. 86
بن الجراح ﵁ الذي لم يستطع الاعتذار عن المهمة بالكلام تأدبًا وخوفًا من معصية خليله رسول الله ﷺ الذي لم يكن يحب مفارقته والبعد عنه، لكنه لم يتمالك نفسه "فلما ذهب لينطلق بكى صبابة١ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ حبًّا فيه وجزعًا من مفارقته فاستبقاه رسول الله ﷺ واستدعى ابن عمته عبد الله ابن جحش رضي الله عنه٣ وكلفه بالمهمة بعد أن أعطاه (كتابًا مكتومًا) وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا٤ وقال: "لا تكرهَنَّ أحدا من أصحابك على المسير معك" ٥. امتثل القائد المتضبط للأوامر النبوية العليا فسار مع أصحابه بعد أن استوضح عن الجهة التي تقود للهدف غير المعلن٦. "فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا حتى تنزل نخلة٧
стр. 87
بين مكة والطائف١ فترصَّد بها قريشا تعلَّم لنا من أخبارهم"٢.
"فلما قرأ الكتاب استرجع٣ وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله"٤ "ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله ﷺ "٥.
فما كان لهؤلاء الجنود المؤمنين الذين استرخصوا حياتهم في سبيل الله أن
стр. 88
يتخلفوا عن أمر رسول الله ص "فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد، وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران١ أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه"٢ ولأنه لم تكن هنالك وسيلة تنقلهما غير البعير الذي أضلاه، ولأن المهمة سرية لا تحتمل التأخير وأهم عنصر فيها الوقت الذي يعتبر أساسيًّا لعنصر المباغتة استأذنا القائد في التخلف عنه في طلبه حتى لا يكونا سببًا في تعطيل مسير السرية الاقترابي نحو الهدف، لعلهما يجدانه فيلحقا بهم فيما بعد، فأذن لهما "فتخلفا في طلبه. ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا٣، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم"٤ ولكنهم ما لبثوا أن اطمأنوا إليهم بعد الخطة التمويهية الذكية التي قام بها بعض أفراد السرية عندما"أشرف لهم عكاشة بن محصن٥
стр. 89
وقد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عُمار، لا بأس عليكم منهم"١.
وفي الحال عقد عبد الله بن جحش ﵁ مع أصحابه مؤتمرًا حربيًّا مصغرًا تداولوا فيه الرأي حول القافلة هل يهجمون عليها؟، ويستغلون هذه الفرصة المواتية من غرة عدو طالما أفلت منهم نتيجة حذره الشديد، ولكن الشهر الحرام، ورسول الله ﷺ لم يأمرهم بقتال فيه، أيتركونهم لأجل ذلك؟ ولكن هل راعت قريش الحرمات عندما طردتهم من ديارهم واستولت على أموالهم، وصدتهم عن سبيل الله؟ إذًا فليعاملوهم بالمثل والبادي أظلم، وأخيرًا خرجوا بقرار جماعي حاسم بالهجوم عليهم و"قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم"٢ فاشتبكوا معهم في قتال سريع خاطف حيث "رمى واقد بن عبد الله التميمي٣ عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله، فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة"٤ فوقف العير والأسيرين"٥ قائلاً لهم: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"٦ ويصل الخبر إلى قريش فثارت ثائرتها وشنت هجومًا إعلاميًّا مركزًا تخللته دعايات مغرضة ضد المسلمين استغلت فيها التعاليم الإبراهمية التي لا زالت بعض آثارها باقية في المجتمع الجاهلي حتى ذلك الوقت من تحريم
стр. 90
القتال في الأشهر الحرم وغير ذلك.
"انتهزت قريش هذه الفرصة للتشهير بمحمد ﷺ وبالمسلمين وإظهارهم بمظهر المعتدي الذي لا يراعي الحرمات"١ "قالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال"٢.
ونجحت قريش في خطتها تلك بادىء الأمر حيث "كان لدعايتها صدَّى كبير، وأثر ملموس حتى في المدينة نفسها، فقد كثر الجدل والنقاش بين المسلمين أنفسهم، وأنكروا على رجال السرية محاربتهم في الشهر الحرام، واشتد الموقف، ودخلت اليهود تريد إشعال الفتنة"٣ حتى ظن أهل السرية أنهم قد هلكوا وسُقط في أيديهم، ولكن الله لم يكن ليدع أولياءه تتقاذفهم أهواء ورغبات أعدائه، فهو قد تكفل بنصرهم. ماديًّا ومعنويًّا، فنزلت الآيات البينات ترد وبقوة على دعايات قريش المغرضة موضحة أنه وإن كان الشهر الحرام لا يحل فيه القتال، ولكن لا حرمة عند الله لمن هتك الحرمات، وصد عن سبيله.
وهنا اطمأن المسلمون لسلامة موقفهم ورد الله كيد أعدائهم إلى نحورهم "وقبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين وبعثت إليه قريش"٤ "ليفادوا الأسيرين، فأبى رسول الله ﷺ وقال: أخاف أن تكونوا قد أصبتم سعد بن مالك وعتبة بن غزوان، فلم يفادهما حتى قدم سعد وعتبة، ففوديا، فأسلم الحكم بن كيسان٥ وأقام عند رسول الله ﷺ ، ورجع عثمان بن عبد الله بن
стр. 91
المغيرة كافرًا"١٢.
وهكذا "يمكن اعتبار سرية عبد الله بن جحش الجسر الذي اجتازه صراع المناوشات بين الإسلام والوثنية صوب القتال المنظم المكشوف الذي بدأته معركة بدر، ذلك أن هذه السرية كشفت بسبب توغل مقاتليها بعيدًا إلى طريق التجارة المكية اليمنية مدى خطورة الدولة الناشئة على تجارة مكة خاصة، ووجودها الوثني عامة"٣.
إن الجرأة الشديدة التي تمت بها هذه العملية أذهلت قريش التي لم يدر بخلدها أن النبي ﷺ وأصحابه يستطيعون التوغل إلى هذه الدرجة في منطقة نفوذها، وكان التوغل من منطقة بعيدة عن أعين قريش، وغير متوقعة على الإطلاق، ومما زاد في دهشتها تلك السَّرية التامة، والدقة المتناهية التي تمت بها
стр. 92
العملية، حتى إن عيون قريش لم ترصدها (ومخابراتها) لم تستطع معرفة الوجهة التي قصدتها، وكان ذلك ما أراده رسول الله ﷺ وخطط له بابتكاره أسلوب الرسائل المكتومة للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن حركات المسلمين "ولكتمان أهم عامل من عوامل مبدأ (المباغتة) وهي أهم مبدأ من مبادىء الحرب"١.
وبالإضافة إلى ذلك فقد أثبتت هذه السرية بما لا يدع مجالاً للشك بأن جيش النبي ﷺ قوي يندفع للقيام بأصعب الأعباء والمهمات، ويتحلى بمزايا القتال، وبمقدرته على إنجاز الواجبات بكل كفاءة واقتدار مما يدل على روحه المعنوية العالية.
فكم كان موقف قائد السرية رائعًا، يدل على ضبطه العسكري الجيد بإطاعته الأوامر النبوية العليا دون تردد أو تخاذل، وهو بعيد عن مقر القيادة العليا، فما أن قرأ الكتاب حتى امتثل فورا للأمر ونفذه بحذافيره، معطيًا من نفسه القدوة الحسنة، باثًّا في نفوس جنوده الحماس وهو يقول لهم: "من كان منكم يريد الشهادة، ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضً لأمر رسول الله ﷺ "٢.
ولا غرو في ذلك، فهو خريج مدرسة رسول الله ﷺ العسكرية.
وكم كان موقف جنوده البواسل عظيمًا، عندما امتثلوا جميعًا لأمر رسول الله ﷺ ومضوا له لم يتخلف عنه منهم أحد، على الرغم من تأكيدات الرسول ﷺ للقائد بترك الحرية الكاملة لهم في الاختيار.
ومن هذا المنطلق تتجلى عدالة الإسلام بإعطاء الأفراد الحرية الكاملة في أمر لم تكن فيه ضرورة إلزامية.
стр. 93
إن النتائج التي تحققت في هذه السرية، اعتُبرت أوليات في تاريخ الصراع الإسلامي الوثني، فاقتال الذي دار فيها اعتبر أول مواجهة عسكرية دموية بين الطرفين نتج عنها أول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين، وأول غنيمة ينفلّها الله للمسلمين، كأول تعويض يقبضه المهاجرون عن أموالهم التي استولت عليها قريش في مكة، والشاهد أن ما تمخض عن هذه السرية من أحداث مهمة أصبح سابقة في التاريخ الإسلامي، مما جعلها تستأثر باهتمام كبير ومركز من أهل المغازي حتى اعتبرها بعضهم أول سرية في الإسلام١.
وقد كان موقف قريش التالي لأحداث هذه السرية مزيجًا من الغضب والخوف في آن واحد، لذلك فكرت وبدهاء شديد استغلال الثغرة الناتجة عن الخطأ التقديري الذي وقع فيه أصحاب السرية علَّها تستطيع بذلك أن تشفي غيظها من المسلمين بإثارة العرب ضدهم، فأخذت أبواق دعايتها ترعد، وتبرق تصم الآذان بشتم المسلمين، ووصفهم بأنهم أناس لا يراعون الحرمات، ولا يحترمون التقاليد والأعراف المتعارف عليها بين العرب، وأن ما قاموا به يناقض تعاليمهم التي ينادون بها، وغير ذلك فلما أكثرت قريش وتمادت في غيها نزلت الآيات من فوق سبع سماوات تقريعًا وتوبيخًا لقريش المتشدقة بحماية الحرمات ورعاية الأعراف.
قال الله تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ٢.
"فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن
стр. 94
الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله، حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ وكفرهم بالله، وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين وفتنهم إياهم عن الدين١.
فمن يدافع عن الحرمات لا بد أن يكون مؤهلا لذلك بأن يكون على الأقل قدوة فيما يدَّعيه، فهلا قومت قريش سلوكها تجاه من فرض وأمر بهذه الحرمات التي يدَّعون أنهم قَيَّمون عليها، وهم يشركون معه في العبادة أحجارًا وأوثانًا لا تنفع ولا تضر. لقد كان في هذا التقريع والتوبيخ الإلهي ما يكفي لردع قريش وكبح جماحها وكتم أبواق دعايتها وبالتالي تعريتها أمام الرأي العام العربي.
وكان فيه الطمأنينة والأمان للمسلمين وعلى رأسهم رسول الله ﷺ وراحةُ بال لأهل السرية الذين أسعدهم دفاع الله عنهم فطمعوا في الأجر فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء"٣.
أما موقف اليهود بالمدينة فكان ينم عن حقد دفين وكره للمسلمين الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر، فما حصلت تلك المواجهة بينهم وبين قريش حتى تفاءلوا عليهم بها شامتين، وهم يعتقدون أنها بداية الشرارة لحرب شعواء؛ يكون فيها القضاء تمامًا على المسلمين القلة في ذلك الوقت بالنسبة لقوة قريش وحلفائها الضاربة في الجزيرة العربية. ولكن الله كبتهم، فصار فألُهم شؤمًا
стр. 95
عليهم عندما أعز الله جنده ونصرهم على أعدائهم من المشركين، فتفرغوا بذلك اليهود، وقذف الله الرعب في قلوبهم، وركبهم الذل والهوان حتى خرجوا من المدينة صاغرين.
ومما يستفاد في هذه السرية من الأحكام صحة الرواية بالمناولة أو الإجازة بالمناولة. قال السهيلي: "وترجم البخاري على هذا الحديث في كتاب العلم احتجاجا به على صحة الرواية بالمناولة، لأن رسول الله ﷺ ناول عبد الله بن جحش كتابه، ففتحه بعد يومين، فعمل على ما فيه، وكذلك العالم إذا ناول التلميذ كتابا جاز له أن يروي عنه ما فيه وهو فقه صحيح"١.
قلت: قال البخاري في باب العلم: "واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي ﷺ ، حيث كتب لأمير السرية كتابا"٢.
قال ابن حجر: "هذا المحتج هو الحميدي، ذكر ذلك في كتاب النوادر له.
ووجه الدلالة في هذا الحديث ظاهرة، فإنه ناوله الكتاب، وأمره أن يقرأه على أصحابه ليعملوا بما فيه، ففيه المناولة ومعنى المكاتبة، وقد سوَّغ الجمهور الرواية بها، وردها من رد عرض القراءة من باب الأولى، وتعقبه بعضهم بأن الحجة إنما وجبت به لعدم توهم التبديل والتغيير فيه لعدالة الصحابة. بخلاف من بعده. حكاه البيهقي.
وأقول: شرط قيام الحجة بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختوما، وحامله مؤتمنا، والمكتوب إليه يعرف خط الشيخ، إلى غير ذلك من الشروط الدافعة لتوهم التغيير، والله أعلم"٣.
ومما يستفاد أيضا: "أن شرع من قبلنا شرع لنا حتى يرد ناسخ، وذلك أن
стр. 96
تحريم القتال في الأشهر الحرم كان حكما معمولا به من عهد إبراهيم، وإسماعيل، وكان من حرمات الله، ومما جعله الله مصلحة لأهله، قال الله تعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ ١.
فكان رجب أمانا للسالكين إليها مصلحة لأهلها، ونظرا من الله لهم دبَّره، وأبقاه من ملة إبراهيم لم يُغيِّر حتى جاء الإسلام، ثم أباحته آية السيف في سورة براءة؛ فإن براءة كان فيها نبذ العهد العام وهو أن لا يصد أحد عن البيت جاءه، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم، وأن لا يحج مشرك، وإباحة القتال في الأشهر الحرم، أي مع بقاء حرمتها فإنها لم تنسخ، قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢ فتعظيم حرمتها باق، وإن أبيح القتال٣.
وفيها أيضا دليل على تسويغ الاجتهاد في زمنه ﷺ ، فإن أصحاب السرية قد أدَّاهم اجتهادهم إلى مهاجمة القافلة دونما أمر منه ﷺ ، ونزل قول الحق فيه تصويب لاجتهادهم ذلك بعد أن أكثر الناس في تقريعهم ولومهم بناء على دعاية قريش المغرضة ضدهم ... والله أعلم..
стр. 97
خبر اعتراض أبي بصير وأصحابة لقافلة أبي العاص
...
خبر اعتراض أبي بصير١ وأبي جندل لقافلة أبي العاص
(ويلُ أمه مُسعر حرب، لو كان معه أحد)
رسول الله ﷺ واصفا أبًا بصير
البيهقي، دلائل: (٤/١٧٣)
الله ربي العليُّ الأكبر ... مَن ينصرِ الله فسوف يُنْصَر
ويقع الأمرُ على ما يُقَدَّر ...
"أبو بصير"
البيهقي، دلائل: (٤/١٧٣)
стр. 98
اعتبر بعض أهل المغازي كابن إسحاق١، والواقدي، ومتابعيه٢ أن هذا الخبر خاص بسرية اعتراضية بعثها رسول الله ﷺ لاعتراض قافلة قرشية مقبلة من الشام، ووافقهم في ذلك بعض المحدِّثين كالشعبي٣، والحاكم من المتأخرين الذي ساق الخبر برواية موصولة من طربق ابن إسحاق إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها٤.
وقد رجح ابن حجر روايته بناء على اتصال سندها على رواية الشعبي التي وصفها بالشذوذ٥.
وبناء عليه أيضا رجح بعض الباحثين المعاصرين٦ رواية الحاكم على رواية الزهري الذي جزم بأن الذي اعترض القافلة القرشية هو أبو جندل، وأبو بصير وأصحابهما الذين كانوا بسيف البحر لما وقع صلح الحديبية٧.
وكان يمكن اعتبار رواية الحاكم هذه على أساس أنها أقوى الروايات سندا. ولكنهم ذهلوا جميعا عن علتها، وبالتالي تعجلوا بالحكم عليها، حيث
стр. 99
أعتقد أن في الرواية إدراجا في المتن وعلة في السند، أما إدراج المتن فقوله: "وقيل إن رسول الله ﷺ كان هو الذي وجه السرية للعير التي فيها أبو العاص قافلة من الشام، وكانوا سبعين ومائة راكب أميرهم زيد بن حارثة، وذلك في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة ... إلخ"١، فهذا الكلام لم يرد في بقية الروايات عن ابن إسحاق ومنها ما رواه ابن بكير واسطة الحاكم إليه٢، فربما كان هذا الكلام مدرجا من أحد الرواة الحاكم فظنه من كلام عائشة ﵂ والله أعلم.
أما علة السند فهي أن السند الذي جعله الحاكم لكامل القصة ليس كذلك، فالقصة وردت عن ابن إسحاق عند غير الحاكم مجزأة وبأسانيد مختلفة، والسند الموصول الذي ذكره الحاكم يختص بالجزء الذي يحكي قصة فداء أبي العاص من أسره يوم بدر فقط، وليس لكامل القصة، أما بقية الرواية فليست موصولة، فبعضها عن يزيد بن رومان، وبعضها عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم موقوفة عليهما٣ خاصة فيما يتعلق بالعير التي خرج فيها أبو العاص تاجرا واعتراض السرية له والتي لم يرد فيها ذكر عن قائد السرية، بل إن في سياقها ما يؤيد ما ذهب إليه الزهري حيث ذكر أن خروجها كان قبيل الفتح أي في زمن الهدنة، وذكر فيها قول النبي ﷺ لزينب: "ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له" ٤، فمن المعلوم أن قريشا لم تستأنف رحلاتها التجارية إلى الشام إلا زمن الهدنة، فهل يعقل أن يقدم رسول الله ﷺ على بعث سرايا لاعتراض القوافل القرشية وهو مرتبط بمعاهدة صلح وتهادن مع قريش، كما أن تحريم المؤمنات على المشركين إنما نزل بعد الحديبية بقوله تعالى ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٥، فلو كان اعتراض أبي العاص قبل الحديبية لما قال
стр. 100
لها رسول الله ﷺ ذلك. وهذا هو الذي جعل ابن القيم، والصالحي يصوِّبون رواية الزهري١، والغريب أن الواقدي ذكر ذلك في روايته على الرغم من أنه أرخ للسرية في جمادى الأولى سنة ست٢، والحديبية كانت في ذي القعدة بالإجماع٣ حتى الواقدي أرخ لها في ذي القعدة. كما أن في روايته اضطرابا، فهو يذكر أن أصحاب السرية أسروا أبا العاص٤. ثم يعود فيذكر أن أبا العاص جاء إلى زينب فاستجار بها٥.
إذًا.. فأنا أعتقد أن الذي اعترض قافلة أبي العاص هو أبو بصير، وأبو جندل وأصحابهما الذين تحشدوا في منطقة العيص الساحلية٦ بعد هروبهم من قريش التي فتنتهم عن دينهم ومنعتهم من تحقيق أمنيتهم في اللحاق بإخوانهم في المدينة، وذلك حسب اتفاقيات صلح الحديبية٧ فكانوا "بين العيص وذي مروة من أرض جهينة، على طريق عيرات قريش، مما يلي سيف البحر، لا يمر بهم عير لقرش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها٨ ولا زالوا كذلك
стр. 101
حتى مر بهم أبو العاص بن الربيع صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم١ قادمًا من الشام في نفر من قريش معهم تجارة لهم فسيطروا على القافلة، وأسروا رجالها دون أن يقتلوا منهم أحدًا إكرامًا لصهر أبي العاص من رسول الله ﷺ وأطلقوا سراح أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته زينب ﵂ التي كانت عند أبيها منذ أن أذن لها أبو العاص باللحوق به "فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسر أبو جندل، وأبو بصير، وما أخذوا لهم"٢.
وتروي أم المؤمنين أم سلمة قصة إجارة زينب ﵂ لزوجها أبي العاص فتقول: "فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها، والنبي ﷺ في صلاة الصبح يصلي بالناس، فقالت: أيها الناس، أنا زينب بنت رسول الله ﷺ وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي ﷺ من الصلاة قال: "أيها الناس إني لم أعلم بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم" ٣.
ثم قام رسول الله ﷺ فخطب الناس، حيث وضح لهم مكانة أبي العاص منه، وذكر لهم ما أصابه وأصحابه، وأن زوجه زينب قد أجارته "فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه"، فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول الله ﷺ في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى رد إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال٤ امتثالا لرغبة رسول الله
стр. 102
صلى الله عليه وسلم. فهم وإن كانوا لا يخضعون لسيطرة رسول الله ﷺ العسكرية في عملياتهم الاجتهادية ضد قريش إلا أنهم كانوا يخضعون لأوامره ونواهيه ويحققون رغباته، ثم كتب لهم رسول الله ﷺ يأمرهم أن يقدموا عليه بعد شكوى قريش منهم وتنازلهم عن شرطهم السابق الذي اعتقدوا أنهم حققوا به كسبا ضد المسلمين، لكن الله جعله وبالا عليهم، فأسرعوا يتضرعون إلى رسول الله ﷺ أن يبعث إلى أبي بصير، وأبي جندل ومن معه ولهم الحرية المطلقة في اللحاق بالمسلمين في المدينة إذا أرادوا، وبذلك فرج الله على المستضعفين من المسلمين.
ويذكر الشعبي أن أبا العاص رجع إلى مكة فأدى على الناس ما كان معه من بضائعهم حتى إذا فرغ وأدى "إلى كل ذي حق حقه قام فقال: يا أهل مكة أوفيت ذمتي، قالوا: اللهم نعم، فقال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قدم المدينة مهاجرًا، فدفع إليه رسول الله ﷺ زوجته بالنكاح الأول"١.
ويستفاد من هذه القصة من الأحكام جواز إجارة المرأة، قال ابن المنذر:
стр. 103
أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئا ذكره عبد الملك – يعني ابن الماجشون – صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة.
قال ابن المنذر: وفي قول النبي ﷺ : "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل ... انتهى.
وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام، إن أجازه جاز وإن رده رُدَّ١.
والإجارة حكم شرعي كان يُعمل به في الجاهلية، وقد أقره الإسلام، وتتضح مدى أهميته بوروده بندا أساسيًّا في دستور المدينة الذي وضعه رسول الله ﷺ عند تأسيسه لدولة الإسلام في المدينة٢.
وهو حكم عظيم يوضح استعلاء المسلمين على غيرهم من الأمم، وهم فيه سواء لا فرق بين شريفهم ووضيعهم، وذلك على خلاف ما كان عليه الناس في الجاهلية حيث لا يستطيع أن يقوم بالإجارة إلا الشريف منهم، أما في الإسلام "فالمؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم على من سواهم"٣ قالها رسول الله ﷺ قائد هذه الأمة صراحة: "يُجير على أمتي أدناهم"٤.
كما ورد في ثنايا الخبر ما يفيد أن رسول لله ﷺ رد ابنته زينب ﵂ إلى زوجها بالنكاح السابق دون إحداث نكاح جديد ومهر جديد. وهذه المسألة خلافية بين الفقهاء، حيث يخالف هذا الحديث آخر أخرجه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ رد زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد، ونكاح جديد".
стр. 104
وقال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها، ثم أسلم زوجها وهي في العدة، أن زوجها أحق بها ما كانت في العدة، وهو قول مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق١.
وقال في مكان آخر: قال يزيد بن هارون: حديث ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب٢.
وقال ابن عبد البر: حديث أنه ﷺ أقرهما على النكاح الأول متروك، لا يعمل به عند الجميع، وحديث ردها بنكاح جديد عندنا صحيح يعضده الأصول، وإن صح الأول أريد به على الصداق الأول وهو حمل حسن٣.
وقال بعضهم: تصحيح ابن عبد البر الحديث أنه ردها بنكاح جديد مخالف لكلام أئمة الحديث كالبخاري وأحمد بن حنبل، ويحي بن سعيد القطان، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم٤.
وقد اختلف العلماء في تأويل وترجيح أحد الحديثين على الآخر بما لا طائل لذكره هنا.
قال ابن حجر بعد أن ذكر أقوالهم في ذلك: وأحسن المسالك في هذين الحديثين ترجيح حديث ابن عباس كما رجحه الأئمة وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص، ولا مانع من ذلك من حيث العادة فضلاً عن مطلق الجواز٥.
стр. 105
سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
...
سرية الخبط
أو بعث أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
"فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال: كيف كنتم تصنعون بها؟، قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله".
جابر بن عبد الله ﵁
النووي على مسلم (١٧/٨٤)
стр. 106
تعتبر سرية الخبط، استمرارا لسياسة النبي ﷺ العسكرية لإضعاف قريش، ومحاصرتها اقتصاديًّا على المدى الطويل، ولتعويض المهاجرين، ولو جزءًا بسيطًا مما فقدوه من أموال ومتاع استولت عليها قريش عند مغادرتهم وطنهم مكة.
ولم توضح لنا غالبية الروايات، وخاصة الصحيحة منها تاريخ محدد لهذه السرية. وقد أغرب الشامي حين ذكر أن جمهور أئمة المغازي حددوا تاريخها برجب في السنة الثامنة الهجرية١؛ حيث لم يقل بذلك غير الواقدي ومن تابعه٢.
وقد رد كل من ابن القيم، وابن حجر هذا القول باعتبار تلك الفترة فترة هدنة مع قريش، فالظاهر أن ذلك وهم غير محفوظ، بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست أو قبلها قبل الهدنة٣.
وذكر العراقي أن السرية كانت بعد نكث قريش للعهد، وقبل الفتح٤، وعلق الزرقاني بعد ذلك: بأنه لا يعتبر قول ابن القيم كون السرية في رجب وهم غير محفوظ٥.
وعلى تسليم ظاهره، يحتمل أن يكون البعث في أواخر رجب بحيث لا يصلون إلى جهينة ويلقون العير، إلا في شعبان٦.
стр. 107
وعلى كل حال فقد حشد رسول الله ﷺ مجموعة من رجاله المخلصين في (دورية قتال اعتراضية قوتها) ثلثمائة صحابي١ من المهاجرين والأنصار٢ وأسند قيادتها إلى أمين الأمه أبي عبيدة بن الجراح٣، وحدد لهم الهدف المنشود وهو رصيد عير المشركين٤ ربما قافلة تجارية مساحلة عن طريقها المعتاد، وقد تمر بمنطقة نفوذ قبيلة جهينة على ساحل البحر الأحمر.
ونظرا للضائقة الاقتصادية التي كان يمر بها المسلمون في ذلك الوقت، فقد كان تموين هذا الجيش ضعيفا بحيث لم يجد لهم رسول الله ﷺ غير
стр. 108
جراب من تمر زودهم إياه، إضافة إلى أزوادهم الخاصة التي كانت في مجملها قليلة أيضا. (وأثناء المسير الاقترابي) لموقع العمليات، فَنِي زاد السرية العام "فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجُمع فكان مزودي تمر"١٢ لأجل البركة في اجتماع الأزواد، وحتى يتساوى الكل في القوت فلا يتميز أحد عن أحد.
ورغم هذا الإجراء المنضبط من القائد الذكي إلا أن جرابا من تمر وهو مقدار ما تجمع من الزاد الخاص للجيش لم يكن يكفي جيشا مكونًا من ثلثمائة رجل.
فكان أبو عبيدة يقوتهم من هذا الجراب كل يوم "قبضة قبضة"٣ ثم تمرة تمرة. عندما قارب من الانتهاء، وقد أدرك الجند صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون تذمر أو ضجر، بل إنهم ساهموا في خطة قائدهم التقشفية فصاروا يحاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن.
يقول جابر ﵁ أحد أفراد هذه السرية: "كنَّا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل"٤ وكم هو رائع هذا الموقف المدهش حقّا والذي أدهش قبلنا وهب بن كيسان ﵀ الذي سأل جابرا ﵁ دهشًا: "ما تغني عنكم تمرة؟، فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت"٥.
ومع ذلك لم يؤثر ذلك على معنويات الجيش، ويستسلموا للأمر الواقع بل فكروا في حيلة يُبقون على أنفسهم حيث اضطروا إلى أكل ورق الشجر.
قال جابر ﵁: وكنا نضرب بعصينا الخبط٦، ثم نبله بالماء
стр. 109
فنأكله"١.
"فسمى ذلك الجيش جيش الخبط"٢، وقد أثر هذا الموقف في قيس بن سعد بن عبادة ﵄ أحد جنود هذه السرية الشجاعة وهو رجل من كرماء الصحابة المشهورين٣فنحر للجيش "ثلاث جزائر٤، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه"٥.
ولم يكن الله ليتخلى عن جند له خرجوا في سبيله ابتغاء مرضاته، وطمعا فيما عنده من الأجر، فبينما هم كذلك من الجهد والجوع الشديدين إذ زفر البحر زفرة أخرج الله فيها حوتًا ضخمًا، فألقاه على الشاطىء، ويصف لنا جابر بن عبد الله ﵄ مقدار ضخامة هذا الحوت العجيب فيقول: "وانطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم٦، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر٧، قال: قال
стр. 110
أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا، ونحن ثلثمائة حتى سمِنَّا، قال: لقد رأيتنا نغترف من وقب١ عينيه بالقلال٢ الدهن. وتقتطع منه الفدر٣ كالثور، أو قدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رجل أعظم بعير معنا