← Сира

Сира · id 7645

السيرة النبوية عند الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد

سليمان السويكت

Полный текст (55 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

السيرة النبوية عند الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد تأليف: أ. د. سليمان بن عبد الله السويكت ال مقدمة: إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، أما بعد: فإن سيرة رسولنا الحبيب ﷺ تعد منبعاً ثراً، ومورداً لا ينضب، من الحكمة والهدى والنور والعبرة، لمن رام الاستقامة من أمته ﷺ على الحياة الفاضلة الكريمة في حياته الخاصة أو العامة. ومن مزايا هذه السيرة العطرة تنوُّع مادتها، وتنوع مصادرها؛ ويأتي على رأس قائمة هذه المصادر كتاب الله الكريم، ثم ما أثر عن رسول الله ﷺ أو عن صحابته الكرام مما دُوِّن في كتب الحديث. ولا ريب أن معظم المصنفات في علم الحديث؛ متقدمها ومتأخرها، تؤلف رافداً مهماً من روافد بناء سيرته الكريمة ﷺ ؛ وذلك أن علماءنا رحمهم الله تعالى عندما بدؤوا يجمعون حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويؤلفون فيه، رأوا ضرورة جمع كل ما يتصل بحياته صلى الله تعالى عليه وسلم الخاصة والعامة وسائر أحواله، لأنها تؤلف جزءاً من هذا الدين. ثم رأوا أنه لابد أيضاً من جمع سير الصحابة الذين كانوا معه في غزواته وحروبه والذين شاركوا معه في تبليغ دعوته وبيان مناقبهم، وأفردت لهذه الموضوعات وغيرها مساحات مناسبة في تلك المصنفات، وقد كان لبعض أبناء الصحابة روايات في المغازي والسير، وتابع العلماء عبر القرون السالفة التأليف في هذا العلم ورسخوا قواعده.

стр. 2

وتبرز قيمة هذا الموضوع الذي نحن بصدده من قيمة الكتاب مناط البحث، ومن مكانة مؤلفه العلمية؛ فقد استخرج الهيثمي -رحمه الله تعالى- كتابه هذا من عدد من كتب الحديث المتقدمة، في محاولة لحصر - أو تمييز - الأحاديث الزائدة عن ما في الكتب الستة في مؤلف مستقل؛ ولهذا فإذا ضممنا ما لدينا في هذا الكتاب من أحاديث السيرة النبوية إلى ما في الكتب الستة من أحاديث تتعلق بها، يصبح بين أيدينا مادة كبيرة جداً من الأحاديث، هي التي يتألف منها بناء الهيكل العام للسيرة النبوية. والهيثمي رحمه الله تعالى هو: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر، أحد أعلام الحديث في القرن الثامن الهجري (ت ٨٠٧) ، وكان كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) ثمرة جهود متواصلة من التأليف في فن الزوائد لعدد من الكتب، سَبَكَها كلها في إطار واحد تحت مسمى هذا الكتاب بعد تهذيب وترتيب علمي سديد؛ ولذلك فقد جاء من أنفس الكتب في بابه، وأجمعها، وأوعبها، وكل كتب الزوائد من بعده استفادت منه، لكنها لم تبلغ شأوه ولا شهرته. وهذا الكتاب مرتب على كتبٍ وأبوابٍ تحتها، يخصُّ جانبَ السيرة منها كتابان؛ هما: كتاب المغازي والسير، وكتاب علامات النبوة. وقد استعرضتُ ما فيهما من أبواب، ثم أوضحت منهج المؤلف من خلالهما في تدوين السيرة النبوية، وأوردت نماذج من نصوص الأحاديث والمرويات فيهما، تشير إلى أبرز ملامح ذلك المنهج. وكنت قد كتبت في أول البحث ترجمة عامة عن المؤلف؛ عرجت فيها على نشأته، ورحلاته، وأبرز شيوخه، ومكانته العلمية، وأبرز تلامذته، ومصنفاته، ثم وقفت عند الكتاب موضوع الدراسة للتعريف به، وبيان قيمته العلمية، ومنهجه فيه، وأوردت ملخصاً لما توصلت إليه من أقوال أهل العلم فيما يوضح معالم منهج الهيثمي في نقد

стр. 3

الرجال والأسانيد، وذكرت نماذج من العلماء الذين استفادوا من كتاب الهيثمي. وأسأل الله الكريم أن يهديني وسائر المسلمين إلى الصواب في القول والعمل، وصلى الله تعالى وسلم على عبده وحبيبه وآله وصحبه.

стр. 4

ترجمة الهيثمي نشأته وحياته: هو علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح، الشيخ المحدث الحافظ أبو الحسن نور الدين الهيثمي المصري الشافعي (١) . ولد في شهر رجب من سنة خمس وثلاثين وسبعمائة (٢) ، بدأ بقراءة القرآن الكريم (٣) وحفظه، وذلك قبل أن يتوجه لطلب الحديث؛ لأن من عادة العلماء أنهم لا يبدؤون بالاشتغال بالحديث إلا بعد أن يتموا القرآن الكريم حفظاً. قضى حياته رحمه الله تعالى منشغلاً بالعلم والعبادة، وكان عجباً في الدين والتقوى، مع التعفف والورع، والزهد والتقشف والاقتصاد، متواضعاً، هيناً، ليناً، خيراً، صيناً، سليم الفطرة، شديد الإنكار للمنكر، كثير الاحتمال، محباً للطلبة والغرباء وأهل الدين والعلم والحديث، كثير التودد إلى الناس، وعدم مخالطتهم في شيء من الأمور، كثير التلاوة بالليل والتهجد والقيام (٤) . قال السخاوي: "والثناء على دينه وزهده وورعه ونحو ذلك كثير جداً، بل هو في

стр. 5

ذلك كلمة اتفاق" (١) . كان آية في الأدب مع مشايخه، ولا سيما مع شيخه الحافظ العراقي احتراماً وتقديراً وخدمة؛ فقد كان لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ، كثير الاحتمال له ولأولاده ولمن حوله (٢) ، ويقرر ابن حجر رحمه الله تعالى ذلك قائلاً: "رأيت من خدمة الشيخ نور الدين هذا [يعني الهيثمي] لشيخنا [يعني العراقي] وتأدُّبِه معه من غير تكلف لذلك مالم أره لغيره، ولا أظن أحداً يقوى عليه" (٣) ، ولذلك فقد أحبه الشيخ كثيراً (٤) ، وكان لا يثق بأحد في أمر طهارته ووضوئه وثيابه - بعد نفسه - إلا على الشيخ نور الدين (٥) . شيوخه: تتلمذ الهيثمي على معظم علماء مصر والشام وبلاد الحرمين الذين أدركهم وقت وروده على بلادهم، وعلى رأس هؤلاء الشيوخ: ١- عبد الرحيم بن الحسين، أبو الفضل زين الدين العراقي، (ت ٨٠٦هـ) ، أبرز شيوخه على الإطلاق، لازمه وسمع جميع مسموعاته تقريباً، وكتب الكثير من تصانيفه، وقرأ عليه أكثرها (٦) ، وكتب عنه جميع مجالس إملائه (٧) ، ونفعه الله به نفعاً عظيماً.

стр. 6

٢- عبد العزيز بن بدر محمد بن إبراهيم بن جماعة، (ت ٧٦٧هـ) ، قرأ عليه موارد الظمآن، ومسند أبي يعلى عالياً، ومسند البزار (١) . ٣-م حمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الأنصاري الخزرجي العبادي، أبوعبد الله الدمشقي، المعروف بابن الخباز (ت٧٥٦هـ) سمع منه بدمشق، مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم (٢) . ٤- محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي، الخطيب أبو الفتح (ت٧٥٤هـ) سمع منه سنن أبي داود، ومسند البزار عالياً، والمعجم الكبير (٣) . ٥- محمد بن محمد بن يحيى بن عبد الكريم القرشي، أبو المظفر مظفر الدين العطار (ت ٨٠٧هـ) سمع منه صحيح البخاري (٤) . مكانته العلمية وحفظه: تبوأ الهيثمي مكانة سامقة في العلم والحفظ، بعد أن قضى حياته كلها في التحصيل والطلب، وحفظ المتون والآثار (٥) ، وملازمة أئمة العلماء ورواد الصنعة الحديثية في عصره، وبخاصة الحافظ زين الدين العراقي الذي تخرج على

стр. 7

يديه في الحديث (١) . سَمِعَ وسَمَّع وكتبَ وحدَّثَ بالكثير، ووُصِفَ بقوة الحفظ وسرعة البديهة في الإجابة عند السؤال والاستحضار للمتون، حتى قال الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي: "حفاظ مصر أربعة أشخاص، وهم من مشايخي: البلقيني، وهو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي، وهو أعلمهم بالصنعة، والهيثمي، وهو أحفظهم للأحاديث من حيث هي، وابن الملقن، وهو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث" (٢) . والهيثمي رحمه الله تعالى يعد من رواد المؤلفين في علم زوائد الحديث (٣) ، والمُقَعِّدين له عملياً، وكُتب لأكثر مصنفاته فيه البقاء والذكر الحسن، خاصة كتابه الكبير (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) ؛ الذي هو بمنزلة العمدة لكتب الزوائد بعده. أشهر تلاميذه: ١- إبراهيم بن محمد بن سبط العجمي الطرابلسي، برهان الدين أبو الوفا الحلبي (ت٨٤١هـ) (٤) . ٢- أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم، الشهاب أبو العباس الكتاني البوصيري (ت٨٤٠هـ) (٥) .

стр. 8

٣- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل (ت ٨٥٢هـ) الحافظ المعروف (١) . مصنفاته: جاءت مصنفات الهيثمي رحمه الله تعالى على ضربين: قسم اهتم فيه بتخريج الزوائد (٢) من كتب المسانيد والمعاجم على الكتب الستة، وهذا النوع من أكثر كتبه فائدة ونفعاً؛ فمعظم من جاء بعده من أهل الحديث استفاد منها، أما القسم الثاني من مصنفاته فقد انصب جهده فيها على إعادة التبويب، والترتيب للمادة العلمية فيها؛ حتى يسهل الكشف عنها والرجوع إليها لمن رام ذلك من الباحثين. وأهم هذه المؤلفات:

стр. 9

١- غاية المقصد في زوائد المسند (١) ، وهو زوائد مسند الإمام أحمد (ت ٢٤١هـ) على الكتب الستة، في مجلدين، قال عنه الحافظ ابن حجر: "كثير الجدوى" (٢) . ٢- كشف الأستار عن زوائد البزار (٣) ، وهو زوائد مسند البزار (ت ٢٩٢هـ) ، في مجلد ضخم (٤) . ٣- المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي (٥) ، وهو زوائد أبي يعلى (ت٣٠٧هـ) ، في مجلد واحد (٦) . ٤- البدر المنير في زوائد المعجم الكبير، وهو زوائد معجم الطبراني - (ت٣٦٠هـ) - الكبير، في ثلاثة مجلدات (٧) . ٥- مجمع البحرين في زوائد المعجمين، وهو زوائد المعجمين الأوسط

стр. 10

والصغير للطبراني، في مجلدين (١) . ٦- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد في زوائد الكتب الستة، وهي الكتب الخمسة المتقدمة، جَمَعَها في هذا الكتاب. وهو موضوع الدراسة. ٧- بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (٢٨٢هـ) ، مرتب على كتب الفقه، في مجلدين (٢) . ٨- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٣٥٤هـ) ، مرتب على كتب الفقه، وهو المعروف بـ زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين، في مجلد واحد (٣) . إلى غير ذلك من كتبه ومصنفاته الكثيرة النافعة. وفاته: ظل الهيثمي على هذه الطريق حتى وافاه حِمامُه في ليلة الثلاثاء، التاسعة والعشرين من شهر رمضان، سنة سبع وثمانمائة (٤) ، ودفن في القاهرة خارج باب البرقوقية (٥) ، عن عمرٍ يناهز الثانية والسبعين. رحمنا الله تعالى وإياه وجميع المسلمين.

стр. 11

تعريف بكتاب مجمع الزوائد، وبيان قيمته، ومنهج المؤلف فيه بعد أن فرغ الهيثمي من تصنيف كتب الزوائد الخمسة المذكورة في أول مصنفاته، اقترح عليه شيخه العراقي أن يضمها كلها في مؤلف واحد، بعد أن يحذف أسانيدها، ويرتبها لتجتمع أحاديثُ كل باب منها في باب واحد، فاستجاب الهيثمي لذلك، وشرع في هذا العمل العظيم حتى أتمه، ثم سماه كذلك بالاسم الذي اقترحه عليه الشيخ؛ وهو "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (١) فانتقاؤه للزوائد في هذا الكتاب محصور في الزوائد على الكتب الستة، " واعتمد كتاب المزي (تحفة الأشراف في معرفة الأطراف) أصلاً في دلالته على وجود الحديث في تلك الكتب، ثم يعود على تلك الكتب ليتأكد من ذلك، فإن لم يجد الحديث في المصدر الذي عزاه إليه صاحب الأطراف وضع الحديث، ثم أشار إلى ذلك، تنبيهاً على متابعته وتدقيقه " (٢) . وقد رتب الهيثمي مُصَنَّفَه مجمعَ الزوائد على كتبٍ هي على النحو الآتي: كتاب الإيمان، كتاب العلم، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الجنائز -وفيه ما يتعلق بالمرض وثوابه، وعيادة المريض ونحو ذلك، كتاب الزكاة- وفيه صدقة التطوع، كتاب الصيام، كتاب الحج، كتاب الأضاحي والصيد والذبائح والوليمة والعقيقة وما يتعلق بالمولود، كتاب البيوع، كتاب الأيمان والنذور، كتاب الأحكام، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب العتق، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الأطعمة، كتاب الأشربة، كتاب

стр. 12

الطب، كتاب اللباس والزينة، كتاب الخلافة، كتاب الجهاد، كتاب المغازي والسير، كتاب قتال أهل البغي وأهل الردة، كتاب الحدود والديات، كتاب التفسير – وفيه ما يتعلق بقراءة القرآن وثوابه، وعلى كم أنزل القرآن من حرف، كتاب التعبير، كتاب القدر، كتاب الفتن، كتاب الأدب، كتاب البر والصلة، كتاب فيه ذكر الأنبياء ﵈، كتاب علامات النبوة، كتاب المناقب، كتاب التوبة والاستغفار، كتاب الأذكار، كتاب الأدعية، كتاب الزهد – وفيه المواعظ، كتاب البعث، كتاب صفة النار، كتاب صفة الجنة (١) . ويقع الكتاب في عشرة مجلدات (٢) ، سلكَ الهيثميُّ فيه منهجاً مميزاً؛ في طريقةِ استخراجه للأحاديث، وفي ترتيبه للكتاب وتبويبه، وبذل فيه قصارى جهده، وغاية وسعه، وخلاصة فكره، وأكثر وقته، ولذلك فقد جاء من أنفس الكتب التي تقدمته في بابه، وأجمعها، وأوعبها، وأطنبها، وكل كتب الزوائد من بعده لم تبلغ شأوه ولا مقداره، ولذلك فهو كتاب غزير الفوائد، لا يستغني عنه طالب علم (٣) . ومما يؤكد ذلك ما ذكرَ السخاويُّ (٤) من أن الحافظ الزين العراقي استروَحَ واغتبطَ بهذا العمل المميز والجهد الكبير من أخص تلاميذه وأقربهم إليه. أثنى على هذا الكتاب ومؤلفه كثيرون من أهل العلم قديماً وحديثاً؛ فالهيثمي

стр. 13

من أوائل من قدَّم للأمة الإسلامية ما عرف بالزوائد (١) ؛ والكتاب من أهم كتب السنن بعد الأصول الستة، ومَنْ يطَّلع عليه يعترف بمكانة مؤلفه في الحديث (٢) ، بل قيل عنه: إنه يأتي في المرتبة الأولى بعد الكتب الستة من حيث الجمع والترتيب والتنسيق (٣) وقال عنه الكتاني: "وهو من أنفع كتب الحديث، بل لم يوجد مثله كتاب ولا صنف نظيره في هذا الباب" (٤) ، وهو فعلاً ثمرة جهود متواصلة من البحث والتدقيق والتأليف. ومع هذا فإنه يظل عملاً بشرياً يعتوره النقص، ولذلك نجد عدداً من أهل الاختصاص في القديم والحديث يتتبعون أوهامه ويستدركون عليه؛ كالحافظ ابن حجر (٥) ، والسيوطي (٦) ، ومن المُحْدَثِيْنَ: الشيخ الدرويش (٧) والشيخ علوش (٨) ، والشيخ الدعيس (٩) ،

стр. 14

والشيخ القريوتي (١) ، ذكرَ كلُّ هؤلاء نماذجَ لبعضِ أوهامٍ وتساهلاتٍ ظهرت في الكتاب، وقد تمثلت تلكم الاستدراكات في أمرين (٢) : الأول: في كلامه على الرجال، والحكم على الأسانيد، والرواة. الثاني: في إيراد أحاديث ظنها ليست في الكتب الستة أو أحدها، وهي فيها. قال الهيثمي في بيان منهجه في الكتاب عامة: "وما تكلمتُ عليه من الحديث من تصحيح أو تضعيف، وكان من حديث صحابي واحد، ثم ذكرت له متناً بنحوه، فإني أكتفي بالكلام عقب الحديث الأول، إلا أن يكون المتن الثاني أصح من الأول. وإذا روى الحديث الإمام أحمد وغيره، فالكلام على رجاله - يعني رجال أحمد - إلا أن يكون إسناد غيره أصح. وإذا كان للحديث سند واحد صحيح، اكتفيت به من غير نظر إلى بقية الأسانيد وإن كانت ضعيفة. ومن كان من مشايخ الطبراني في الميزان نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في الميزان ألحقته بالثقات الذين بعده. والصحابة لا يشترط فيهم أن يخرج لهم أهل الصحيح فإنهم عدول، وكذلك شيوخ الطبراني الذين ليسوا في الميزان" (٣) . وقد وفَّى الهيثمي رحمه الله تعالى بما اشترطه على نفسه هنا، والتزم به في غالب الأحيان، وكان متشدداً في إخراج الحديث في الزوائد -أي مهما كان الاختلاف بسيطاً-، وهذا التشدد مما يرفع من قدر الكتاب، ويُنبئ عن دقة حفظ مُخَرِّجه واستحضاره، وتتبعه للفوائد دقيقها وجليلها، وكان الهيثمي متقناً لهذا إتقاناً بيناً، يفرح له الفقهاء، ويستفيدون منه في تقرير الأحكام الشرعية (٤) .

стр. 15

مادة السيرة النبوية في الكتاب، ومنهج المؤلف في تدوينها جاءت معظم أحاديث السيرة النبوية التي استخرجها الهيثمي في مجمع الزوائد ومروياتها ضمن كتابين جامعين؛ الأول بعنوان (كتاب المغازي والسير) (١) ، والثاني بعنوان (كتاب علامات النبوة) (٢) ، فأما الكتاب الأول فقد بلغ مجموع أبوابه ثمانية وسبعين باباً، وبلغ مجموع أحاديثه ورواياته أربعة وتسعين وخمسمائة حديث أو رواية. ويلاحظ عليه ما يأتي: - أنه أدرج في آخره أبواباً ليست من السيرة النبوية بمعناها الدقيق، غير أنها تندرج تحت المعنى العام للمغازي والسِّيَر، وعددها تسعة أبواب، وهي على النحو الآتي: باب في يوم ذي قار، باب في قتال فارس والروم وعداوتهم، باب فيمن قتل بالشام، باب في وقعة القادسية ونهاوند وغير ذلك، باب فيمن قتل يوم الجسر، باب وقعة الإسكندرية، باب فتح القسطنطينية ورومية، باب قتال أهل الردة، باب فيمن استشهد يوم اليمامة، وبلغ مجموع أحاديثها ثمانية وثلاثين حديثاً أو رواية. - عناوين الأبواب الخاصة بالسيرة النبوية المدرجة تحت هذا الكتاب تمثل عناوين بارزة في أحداث السيرة، أو موضوعات ذات علاقة بها، بلغ عددها تسعة وستين باباً، وأحاديثها ستة وخمسون وخمسمائة حديث أو رواية.

стр. 16

- يخصُّ المرحلةَ المكيةَ منها ثلاثة عشر باباً، وثمانية وعشرون ومائة حديث أو رواية. ومن أبرز الموضوعات التي تناولها في هذه المرحلة، ما يأتي: * تبليغ الرسول ﷺ الرسالة وصبره على ذلك، وأورد فيه سبعة وعشرين حديثاً أو رواية * الهجرة إلى الحبشة، وذكر فيها أحد عشر حديثاً أو رواية، لكن معظمها طوال. * خروج النبي ﷺ إلى الطائف وعرضه نفسه على القبائل، وذكر فيه خمسة أحاديث أو روايات. * بيعتا العقبة الأولى والثانية، وأورد فيهما حوالي أربعة وأربعين حديثاً أو رواية. * الهجرة إلى المدينة، وجاء فيها سبعة وعشرون حديثاً أو رواية، بعضها طوال. * افتتح أبواب هذه المرحلة بباب عنونه بقوله: (باب علو الإسلام على كل دين خالفه وظهوره عليه) ، واختتمها بباب يشبهه، وهو: (باب علو أمره على من عاداه) ، وذكر في الأول أحاديث تدل على ظهور الإسلام على كل الأديان والأمم، وفي الثاني تدل على ظهور أمر الرسول ﷺ وتمكنه. وكرر في كل منهما حديث زياد بن جَهْوَر، الذي يذكر فيه كتاب رسول الله ﷺ إليه، وفيه: "أما بعد: فليوضعن كل دين دان به الناس إلا الإسلام، فاعلم ذلك" (١) ، وكأنه يشير بذلك إلى أن ما وعد الله تعالى به في أول الإسلام من النصر والتمكين قد تحقق ببيعتي العقبة، وهجرة الرسول ﷺ ، وقيام دولة الإسلام

стр. 17

واقعاً على الأرض. - ويخصُّ المرحلةَ المدنيةَ ستةٌ وخمسون باباً، وتسعةٌ وعشرون وأربعمائة حديث أو رواية، وقد جاءت الأحاديث والروايات فيها مستوفية بصورة شبه كاملة لمعظم أحداث المرحلة، يتضح ذلك من خلال مسرد أبواب الكتاب الذي سأثبته بعد قليل - بإذن الله تعالى -. * مما يلفت النظرَ أنه قد ورد في غزوة بدر وما يتعلق بها من أبواب قرابةُ ثمانية عشر ومائة حديث أو رواية. * بينما جاء في غزوة أحد ثمانيةٌ وستون حديثاً أو رواية. * أما غزوة الخندق وبني قريظة فلم يرد فيها إلا خمسةٌ وثلاثون حديثاً أو رواية. * وذُكر في غزوة خيبر خمسةٌ وعشرون حديثاً أو رواية. * وفي كلٍّ من غزوتي: الفتح، وحنين والطائف ستةٌ وثلاثون حديثاً أو رواية. * أما غزوة تبوك فلم يرد فيها سوى تسعة عشر حديثاً أو رواية. * وبعد أن فرغ من الحديث عن (الغزوات) على نحو عام، انتقل إلى (السرايا والبعوث) فعقد لها أبواباً، بلغ عددُها أربعة عشر باباً، كان آخرها عن مجموعة من السرايا غير المشتهرة بأسماء معينة، ووصلت الأحاديث والمرويات فيها إلى واحد وثلاثين. - وهذا مسرد للأبواب التي أدخلها الهيثمي تحت (كتاب المغازي والسير) :

стр. 18

أبواب المرحلة المكية: - باب علو الإسلام على كل دين خالفه، وظهوره عليه. - باب تبليغ النبي ﷺ ما أرسل به، وصبره على ذلك. - باب تكسير الأصنام. - باب الهجرة إلى الحبشة. - باب خروج النبي ﷺ إلى الطائف، وعرضه نفسه على القبائل. - باب البيعة على الإسلام التي تسمى بيعة النساء. - باب بيعة من لم يحتلم. - باب ابتداء أمر الأنصار، والبيعة على الحرب. - باب قوله: بعثت بين يدي الساعة بالسيف. - باب فيمن شهد العقبة. - باب الهجرة إلى المدينة. - باب فيمن اختار الهجرة. - باب علو أمره على من عاداه. أبواب المرحلة المدنية: - باب نصره بالريح والرعب. - باب الغزو في الشهر الحرام. - باب في أول أمير كان في الإسلام. - باب سرية حمزة ﵁. - باب ما جاء في غزوة الأبواء. - باب غزوة بدر.. - باب ما جاء في الأسرى

стр. 19

- باب فيمن قتل من المسلمين يوم بدر - باب فيمن قتل من المشركين يوم بدر. - بابٌ (١) . - باب فيمن حمل لواء يوم بدر. - باب في أي شهر كانت وقعة بدر، وعدة من شهدها. - وقد حضر بدراً جماعة. - باب فضل أهل بدر. - باب غزوة أحد.. - باب فيما رآه النبي ﷺ في المنام مما يتعلق بأحد. - باب فيمن استصغر يوم أحد. - باب منه في وقعة أحد. - باب مقتل حمزة ﵁. - باب منه في وقعة أحد. - باب في دعائه ﷺ بأحد. - باب فيمن خسف به من الكفار يوم أحد. - باب فيمن أحسن القتال يوم أحد. - باب فيمن استشهد يوم أحد. - باب تاريخ وقعة أحد. - باب غزوة بني النضير. - باب غزوة بئر معونة.

стр. 20

- باب فيمن استشهد يوم بئر معونة. - باب غزوة الخندق وقريظة. - باب فيمن استشهد يوم الخندق. - باب تاريخ الخندق. - باب غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق. - باب غزوة ذي قرد. - باب الحديبية وعمرة القضاء. - باب غزوة خيبر. - باب غزوة مؤتة. - باب غزوة الفتح. - باب غزوة حنين. - باب ما جاء في غنائم هوازن وسبيهم. - باب فيمن استشهد يوم حنين. - باب غزوة الطائف. - باب غزوة تبوك. - باب السرايا والبعوث. - باب قتل كعب بن الأشرف. - باب قتل ابن أبي الحقيق. - باب سرية عبد الله بن جحش. - باب في يوم الرجيع. - باب في سرية إلى أبي سفيان بن الحارث - باب في سرية إلى ابن الملوح.

стр. 21

- باب قتل خالد بن سفيان الهذلي. - باب في سرية إلى رعية السحيمي. - باب سرية بكر بن وائل. - باب في سرية إلى نجد. - باب في سرية إلى بلاد طيء. - باب في سرية إلى جفينة. - باب في سرية إلى ضاحية مضر. - باب في سراياه. أبواب ليست من السيرة وردت ضمن كتاب المغازي: - باب في يوم ذي قار. - باب في قتال فارس والروم، وعداوتهم. - باب فيمن قتل بالشام. - باب في وقعة القادسية، ونهاوند، وغير ذلك. - باب فيمن قتل يوم الجسر. - باب وقعة الإسكندرية. - باب فتح القسطنطينية، ورومية. - باب قتال أهل الردة. - باب فيمن استشهد يوم اليمامة. أما الكتاب الثاني (كتاب علامات النبوة) فهو يتحدث في مجمله عن شمائل الرسول ﷺ ، وصفاته، وخصائصه، ودلائل نبوته ﷺ ، وقد بلغ مجملُ أبوابه ستة وسبعين باباً، أما أحاديثُه فوصلت إلى تسعة وستين وأربعمائة حديث أو رواية، لكنْ ورد في أوله أبواب تتصل في معظمها بحياته وأحواله

стр. 22

ومرحلة دعوته في الفترة المكية، تبلغ أحاديثها ثمانية وأربعين ومائة حديث أو رواية تقريباً. ويظهر من خلال هذه الأبواب الأخيرة المدرجة في هذا الباب مدى دقة الهيثمي، وحسِّه التاريخي المرهف؛ إذ هي تقترب في بعض تفصيلاتها أو جزئياتها إلى معنى الكتاب العام (علامات النبوة) ؛ كما في باب المولد، والرضاع، وشق صدره، وعصمته، وعلم أهل الكتاب بأمر نبوته، وإيمان الجن به، وسلام الشجر والحجر عليه ... أما أبواب المرحلة المكية المذكورة في الكتاب الأول (كتاب المغازي والسير) فهي أقرب إلى فحواه وألصق به؛ كما في الأبواب التي تتحدث عن تبليغ الرسالة، وتحمل أعبائها، والصبر على الأذى فيها، والهجرة في سبيلها، وتكبد المشاق في ذلك، والبحث عن مناصرين لها، وعقد العهود معهم، ومبايعتهم على حمايتها والذب عنها، وقتال من يقف في سبيلها ... وهذا مسرد للأبواب التي وردت في (كتاب علامات النبوة) : - باب في كرامة أصله ﷺ . - باب ما جاء في مولده ورضاعه وشرح صدره ﷺ . - باب في أول أمره وشرح صدره أيضاً ﷺ . - باب قدم نبوته ﷺ . - باب ختانه ﷺ . - بابٌ (١) . - باب عصمته ﷺ من القرين.

стр. 23

- باب عصمته ﷺ من الباطل. - باب عصمته ﷺ ممن أراد قتله. - باب تأييده ﷺ على أعدائه من الإنس والجن. - باب ما كان يدعى به ﷺ قبل البعثة. - بابٌ (١) . - باب ما كان عند أهل الكتاب من أمر نبوته ﷺ . - باب منه (٢) . - باب فيمن أخبر بنبوته ﷺ . - باب عظم قدره ﷺ . - باب ما جاء في بعثتهصلى الله عليه وسلم وعمومها ونزول الوحي. - باب عموم بعثته ﷺ . - باب تسليم الحجر والشجر عليه ﷺ . - باب في مثله ومثل من أطاعه ﷺ . - باب فيمن سمع به ولم يؤمن به ﷺ . - باب وجوب اتباعه ﷺ على من أدركه. - باب تبلغ بعثته ﷺ كل أحد. - باب قوله ﷺ أنا مبلغ والله يهدي. - باب لا نبي بعدي. - باب فيما أوتي من العلم.

стр. 24

- باب ما جاء في الخصائص. - باب ما جاء في دعائه واشتراطه فيه ﷺ . - باب بركة دعائه ﷺ . - باب فيمن دعا له ﷺ . - باب فيما خص به عمن تقدمه. - باب منه في الخصائص. - باب منه. - بابٌ (١) . - باب صفته ﷺ . - باب منه في صفته وطيب رائحته ﷺ . - باب في سره وعلانيته ﷺ . - باب في أسمائه. - باب إخباره ﷺ بالمغيبات. - باب إخبار الذئب بنبوته ﷺ - باب سؤال الذئب القوت. - باب شهادة الشجر بنبوته ﷺ . - باب شهادة الضب بنبوته ﷺ . - باب حديث الظبية. - باب ما جاء في الشاة المسمومة. - باب حبس الشمس له ﷺ .

стр. 25

- باب رده البصر ﷺ . - باب شفاء السلعة. - باب شفاء الجرح. - باب تسبيح الحصى. - باب معجزاته ﷺ في الماء ونبعه من بين أصابعه. - باب معجزته ﷺ في الطعام وبركته فيه. - باب قوله ﷺ ناولني الذراع. - باب من أكل من فيه شيئاً. - باب بركته ﷺ في اللبن وآيته فيه. - باب قدوم وفد الجن وطاعتهم لهصلى الله عليه وسلم. - باب منه في طاعتهم. - باب منه. - باب أدب الحيوانات معه ﷺ . - باب في معجزاته ﷺ في الحيوانات والشجر وغير ذلك. - باب في حديث جابر في قصة بعيره. - باب في شجاعته ﷺ . - باب في جوده ﷺ . - باب في حسن خلقه وحياته وحسن معاشرته. - باب منه. - باب في تواضعه ﷺ . - باب فيمن خدمه ﷺ . - باب في مرضه ووفاته ﷺ وما أطلعه الله تعالى عليه من ذلك.

стр. 26

- باب في رؤيا العباس. - باب في تخييره ﷺ بين الدنيا والآخرة. - باب ما يحصل لأمته ﷺ من استغفاره بعد (١) وفاته. - باب في وداعه. - باب (٢) . - باب تمني رؤيته ﷺ . - باب فيما تركه ﷺ . وفيما عدا هذين الكتابين توجد مادة يسيرة متفرقة ذات صلة بالسيرة النبوية؛ ففي (كتاب الإيمان) توجد ثلاثة أبواب عن الإسراء به ﷺ ، ورد فيها ثمانية عشر حديثاً، بعضها طوال جداً (٣) . وفي (كتاب العلم) ، باب التاريخ، جاءت أحاديث قصيرة متفرقة عن قدومه إلى المدينة، وتاريخ مولده، ووفاته، وعمره عند وفاته، في حدود أحد عشر حديثاً (٤) . وفي (كتاب الجهاد) ، باب

стр. 27

خيل النبي ﷺ ، ذكر فيه ثلاثة أحاديث عن أسمائها (١) . وفي (كتاب التعبير) باب فيما رآه النبي ﷺ في المنام، ثلاثة أحاديث فقط، عن أحد بعوثه، ورؤياه يوم أحد (٢) . ويستنتج مما سبق ما يلي: - تبلغ الأبواب المعنونة الخاصة بالسيرة النبوية المدرجة في الكتاب كله حوالي خمسين ومائة باب. - يبلغ مجموع الأحاديث والروايات المضمنة تحت الأبواب السابقة في حدود ستين وألف حديث أو رواية. - تبلغ مرويات المرحلة المكية سبعاً وتسعين ومائتي رواية أو حديث تقريباً. - تبلغ مرويات المرحلة المدنية أربعين وأربعمائة حديث أو رواية تقريباً. - وصل عدد المرويات المتعلقة بعلامات النبوة إلى حوالي ثلاثة وعشرين وثلاثمائة حديث أو رواية. - يؤلف مجموع ما ورد من الأحاديث والمرويات في موضوع السيرة النبوية في كتاب مجمع الزوائد ومنبع الفوائد مادة علمية غزيرة جداً لا يوجد ما يماثلها في المصادر الحديثية الأخرى - فيما أعلم -. - استخراج هذه المادة من الكتاب وتحريرها، يضع بين أيدي الباحثين فرصاً جيدة للتحليل والدراسة والمقارنة مع مرويات السيرة النبوية في المصادر الأخرى. - سار الهيثمي في منهجه في تدوين أحاديث ومرويات السيرة النبوية وفق

стр. 28

طريقته التي سار عليها في عامة الكتاب، من حيث الترتيب والحكم على الأسانيد. - يتميز الهيثمي عمن جاء بعده، باعتنائه بتخريج الزوائد، واهتمامه بإيراد ما يجده زائداً على ما في الكتب الستة، من كتب الزوائد التي خرجها فيلتقط ما فيها من معلومات تاريخية أو فوائد، ومن ذلك اهتمامه بتخريج ما وجده في معجم الطبراني الكبير من تراجم الصحابة ﵃ على الرغم من كثرتها (١) . - توافر من خلال عمل الهيثمي للباحثين في السيرة النبوية مادةٌ محكومٌ عليها حديثياً، إلى حد كبير، سهلةُ التوظيف والمأخذ، مرتبةُ الأبواب.

стр. 29

معالم من منهج الهيثمي في نقد الرجال والأحاديث . طُبع أكثرُ كتب الهيثمي، وتناول محققو هذه الكتب منهج الهيثمي النقدي فيها، وسأثبت هنا موجزاً لبعض ما ذُكر عن منهجه، ولاسيما أن من تحدثوا عنه هم من المتخصصين في علم الحديث النبوي الشريف؛ فمن أبرز المسائل التي أثيرت في هذا الصدد: - أنه تكونت لديه المقدرة على النقد، والتمييز بين الرجال، من كثرة الممارسة، لكن لم تكن دائرة معرفته بعلم الرجال واسعة جداً (١) . - من مزاياه التدقيق فيما ينقله من مصادره (٢) . - محاولته الانعتاق من إسار القيود التي وضعها على نفسه في عدم إصدار أحكام ذاتية (٣) . - له عبارات لطيفة في نقد الرجال، ومقدرة على معرفة العلل الظاهرة والخفية، ولم يبلغ ذلك الشأو الذي بلغه غيره (٤) . - من منهج الهيثمي عدم الحكم الصريح على الحديث النبوي تصحيحاً أو تضعيفاً، كأن يقول: "هذا إسناد صحيح "، أو " هذا إسناد ضعيف " إلا في حالات قليلة جداً، ومدار حكمه على رجال الأسانيد، وأيضاً في الغالب، اعتماداً على كلام من سبقه من رجال الجرح والتعديل والنقاد الذين مارسوا هذا الفن وسبروا أغواره، فيقول مثلاً: " رجاله ثقات"، "رجاله رجال الصحيح"، "فيه فلان ضعيف، وبقية رجاله ثقات"، "رجاله رجال الشيخين"،

стр. 30

ونحو هذه العبارات التي لا تفيد حكماً على الحديث؛ لأن قول الحافظ "رجاله رجال الصحيح" لا يعني صحة الإسناد، فقد يكون رجاله رجال الصحيح، لكنه لا يسلم من انقطاع، أو شذوذ، أو علة أخرى، تضعف الإسناد المذكور (١) . - وإذا حَكَمَ على الحديث فلا يعدو قوله: "إسناده حسن"، ويعقب على ذلك بقوله - أحياناً -: "إن شاء الله" (٢) . - عُمدتُه في الكلام على الأسانيد ثقاتُ ابن حبان، وميزانُ الذهبي، فإذا أطلق التوثيق فيريد ابن حبان، إلا في مواضع بيَّن فيها أن رجال الإسناد وثقهم ابن حبان فقط، إشارة منه إلى تضعيف غيره لهم، أو وثقهم جماعة وضعفهم آخرون (٣) . - عدم تسرعه في الأحكام وتوقفه فيما يتشكك فيه؛ فهو يتوقف في الحكم على الأحاديث التي اختلف النقاد في أسانيدها والحكم على رجالها، فلا يجزم بحكم فاصل عليهم، بل يذكر الراوي وينقل كلام النقاد فيه ولا يتعقبه إلا نادراً (٤) . - تمييزه للسماع، مَنْ سمع من الراوي قبل اختلاطه أو بعده، وإن كان هذا غير مطرد دائماً، ومعرفته أن الشخص ثقة في رواية فلان عنه، ضعيف في غيره (٥) . - محاولته أحياناً توثيق من تُكُلِّم فيه، وهذا من علامات وضوح

стр. 31

شخصيته (١) . - ينقل الفوائد التي يذكرها المخرِّجون إذا رأى ضرورة (٢) . - عدم اكتفائه بحكم صاحب الأصل؛ كما في تعقبه للبزار في مواطن (٣) . - تمييزه أحياناً لرجال الصحيح وأن أحدهم فيه كلام، أو يُبَيِّن إرسالَه (٤) . - ذكره متابعات للإسناد من كتب أخرى كالمستدرك للحاكم، ولذلك تراه أحياناً يسقط الكلام على أحد رجال الإسناد إذا كان له متابع في المصادر الأخرى (٥) . - يشير أحياناً إلى الشواهد التي ترفع من درجة الأحاديث المعلول إسنادُها (٦) . - يعدِلُ أحياناً إلى ذكر عدم معرفته بالراوي إلى التصريح بعدم الوقوف على جرح أو تعديل فيه (٧) . - إذا لم يتكلم على الإسناد فهو إشارة منه - والله أعلم - إلى زيادة ضعفه، أو قربه من الوضع، وكأنه يتوقف في ذلك فلا يتكلم، أو ربما إشارة

стр. 32

إلى عدم أهمية الحديث عن الإسناد في ذلك الموضع؛ كالأخبار التاريخية، أو أسانيد بعض الأشعار (١) . - يذكر أحياناً عدم معرفته براو، نجدُ مَنْ سَبقه أو عاصره قد ترجم له، بل وثقه، ولعل ذلك يرجع إلى عدم وقوفه على بعض المصنفات في علم الرجال (٢) . - ينقل أحياناً عن بعض الأئمة كلاماً في الرواة دون أن يتقيد بألفاظهم (٣) . - قد يُنَبِّه على وجود راوٍ ضعيف في الإسناد، ولا يفصح باسمه (٤) . - وإذا قال عن حديث: "مرسل صحيح" فيريد بصحيح: أن رجاله ثقات، لأن المرسل كله ضعيف (٥) . - وإذا قال: "رجاله رجال الصحيح" فيريد صحيح مسلم، لا البخاري (٦) . - وإذا قال: "إسناده ضعيف" بدون تحديد، فيشير إلى وجود أكثر من علة (٧) . - وإذا قال عن رجل: "مجمع على ضعفه" فيريد غالباً أنه متروك، إذا كان متشككاً بعض الشيء (٨) . - وإذا قال عن رجل: "وهو متهم بهذا الحديث" فهي إشارة إلى وضعه

стр. 33

لذلك الحديث (١) . - معرفة الراوي بعد الجهل به، وتغير حكمه فيه (٢) . - يضبط الأسماء بالحروف أحياناً (٣) . ويؤخذ عليه في مجال نقده مآخذ - وهو ما أشرنا سابقاً إلى تتبع العلماء له فيه - مثل: - تصحيح أسانيد ليست صحيحة (٤) . - تحسين أحاديث ليست بحسنة (٥) . - تعليل أخرى وهي غير معلولة (٦) . - تضعيف ما هو صحيح (٧) . - اختلاف حكمه على الحديث من موضع لآخر (٨) .

стр. 34

- إعلاله بما هو أقل من المطلوب (١) . - كلامه على بعض الضعفاء في الإسناد دون بعض (٢) . - وصف بعض الرجال بأوصاف لم تذكر عنهم، كالتدليس مثلاً (٣) . - نفيه أن يكون الرجل فلاناً، فإذا به هو (٤) . - ظنّه بعضَ الكُنى لفلان ثم يتبين أنها لغيره، أو أن في الإسناد فلاناً فإذا هو غيره (٥) . - تبيينه أحياناً تصريح المدلس بالتحديث، وإغفاله ذلك في مواطن أخرى (٦) . - يذكر أحياناً أسماء ضعفاء في إسناد ما، ولا يبين ضعفهم (٧) . - تغير عبارته في الحكم على الرواة (٨) . - إلى آخر ما قيل في هذا الصدد، لكني أقول: إن اهتمام أهل العلم بكتب الهيثمي وتتبع أوهامه فيها، دليل على قيمتها العلمية الكبيرة، والنقص من سمة الطبع البشري الذي لا يكاد ينفك منه أحد إلا المعصومون عليهم الصلاة والسلام.

стр. 35

علماء استفادوا من كتاب مجمع الزوائد للهيثمي في إطلالة سريعة على بعض المصنفات الحديثية اطلعت على نماذج ممن استفاد من تخريجات الهيثمي وأحكامه على الأسانيد من أهل العلم والمحدِّثين قديماً وحديثاً؛ ومما وقفت عليه من ذلك: - الشيخ البوصيري (ت ٨٤٠هـ) استفاد من كتابي شيخه الهيثمي (بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث) و (المقصد العلي) ، ونقل منهما كثيراً من الأحاديث، ونقل منهما كذلك كلام شيخه على الأحاديث، ولم يصرح باسمه، وتعقبه في إيراد بعض الأحاديث في بغية الباحث، في مواطن قليلة (١) . - صرح الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢هـ) في مواضع من مؤلفاته باستفادته من شيخه الهيثمي؛ كما في (القول المسدد) و (تعجيل المنفعة) وغيرها (٢) . - المحدث السيوطي (ت ٩١١هـ) أحصيتُ في كتابه الشهير (الجامع الصغير) ما يقرب من اثنتي عشرة ومائة إحالة على أحكام الهيثمي (٣) . - الشيخ المناوي (ت ١٠٣١هـ) في كتابه (فيض القدير) رأيت في هذا الكتاب إحالات كثيرة جداً على أحكام الهيثمي وتخريجه تنوف على سبعمائة وألف مرة (٤) . - والإمام محمد بن محمد بن سليمان السوسي (ت١٠٩٤هـ) ما قام كتابه (جمع الفوائد) إلا على جامع الأصول ومجمع الزوائد (٥) . - والشيخ الحسيني (ت ١١٢٠هـ) صاحب كتاب (البيان والتعريف) نقل

стр. 36

من الهيثمي ما يقرب من خمسة وسبعين ومائة من كلامه على الرجال والأسانيد (١) . - والشيخ العجلوني (ت ١١٦٢هـ) أسند إلى أحكام الهيثمي مرات متعددة في كتابه المعروف (كشف الخفاء) (٢) . - الإمام الصنعاني (ت ١١٨٢هـ) كثيراً ما كان يعزو الأحاديث في كتابه (سبل السلام) إلى مجمع الزوائد، ثم يورد كلام الهيثمي عقبها (٣) . - والإمام الشوكاني (ت ١٢٥٥هـ) نقل عنه في مواضع عديدة في كتابه (نيل الأوطار) (٤) . - والشيخ أبو الطيب العظيم آبادي (ت ١٣٢٩هـ) في كتابه (عون المعبود) (٥) . - والشيخ أبو العلا المباركفوري (ت ١٣٥٣هـ) في كتابه (تحفة الأحوذي) أحال أكثر من ستين مرة على الهيثمي (٦) . - والمحدث العلامة الألباني (ت ١٤٢٠هـ) أحال في كثير من كتبه على أحكام الهيثمي، وعلى سبيل المثال: رأيت من هذا القبيل في تحقيقه لكتاب (السنة لابن أبي عاصم) ما يقارب الثمانين موضعاً (٧) .

стр. 37

نماذج من مرويات السيرة النبوية من مجمع الزوائد للهيثمي (١) . أولاً: (من كتاب المغازي والسير) : ١- وعن جُبير بن نُفير قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً، ومر بنا رجلٌ واستمعنا إليه، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت، فأقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل أن يتمنى محضراً غيَّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه! والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وس

стр. 38

فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح (١) . ٢- وعن الحارث بن الحارث قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فنزلنا، فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به، وهم يردون عليه ويؤذونه، حتى انتصف النهار، وانصدعَ الناس عنه، أقبلت امرأة قد بدا نحرها تحمل قدحاً ومنديلاً، فتناوله منها فشرب وتوضأ، ثم رفع رأسه، فقال: "يا بنية خَمِّري عليك نحرك، ولا تخافين على أبيك" قلنا: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته. رواه الطبراني ورجاله ثقات (٢) . ٣- وعن عبد الله بن مسعود قال: ما سمعنا مناشداً ينشد حقاً له أشدَ مناشدة من محمد ﷺ يومَ بدر؛ يقول: "اللهم أنشدك ما وعدتني، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد"، ثم التفت كأن وجهه القمر، فقال:"كأنما أنظر إلى مصارع القوم عشية".

стр. 39

رواه الطبراني، ورجاله ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (١) . ٤- وعن أنس والحسن قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأسارى، يوم بدر، فقال: " إن الله قد أمكنكم منهم " قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ، قال ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس" قال: فقام عمر، فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، قال: ثم عاد رسول الله ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق ﵁ فقال: يا رسول الله ترى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه النبي ﷺ ما كان فيه من الغم، قال: فعفا عنهم، وقبِلَ منهم الفداء، قال، وأنزل الله ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ الآية..) سورة الأنفال:٦٨) رواه أحمد عن شيخه علي بن عاصم بن صهيب، وهو كثير الغلط والخطأ، لا يرجع إذا قيل له الصواب، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (٢) .

стр. 40

٥- وعن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، قال كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكنت قد أسلمْتُ، وأسلمَتْ أم الفضل، وأسلم العباس، وكان يكتم إسلامه مخافة قومه، وكان أبو لهب تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام، وكان له عليه دين، فقال له: اكفني من هذا الغزو، وأترك لك ما عليك، ففعل. فلما جاء الخبر، وكبتَ الله أبا لهب، وكنت رجلاً ضعيفاً أنحتُ هذه الأقداح في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس أنحت أقداحي في الحجرة، وعندي أم الفضل، إذا الفاسق أبو لهب يجر رجليه، أراه قال: حتى جلس عند طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فقال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث، فقال أبو لهب: هلمَّ إلي يابن أخي، فجاء أبو سفيان حتى جلس عنده، فجاء الناس فقاموا عليهما، فقال: يابن أخي، كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء، والله ما هو إلا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وايم الله ما لمتُ الناس، قال: ولِمَ؟ فقال: رأيت رجالاً بيضاً على خيل بُلق، لا والله ما تُليق (١) شيئاً، ولا يقوم لها شيء، قال: فرفعت طنب الحجرة، فقلت: تلك والله الملائكة، فرفع أبو لهب يده فلطم وجهي، وثاورته؛ فاحتملني فضرب بي الأرض حتى نزل علي، وقامت أم الفضل، فاحتجزت، وأخذت عموداً من عمد الحجرة، فضربته به، ففلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت: أي عدو الله، استضعفتَه أنْ رأيت سيده غائباً عنه! فقام ذليلاً، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى ضربه الله بالعدسة (٢) فقَتَلَتْه، فتركه ابناه يومين أو ثلاثة ما يدفنانه، حتى أنتن، فقال
следующие страницы →