ثم يقول الأستاذ طه المدور: "ولكن اتضح بعد ذلك أن هذه التقولات المتضاربة في حق الوهابية كانت غير صحيحة؛ لأنها - أي الدعوة - تبعد عن القرمطية، وعما يسمونه بالمروق عن الدين بعد السماء عن الأرض.. "وعلى العكس، مما يتقوله أعداء الدعوة، فإن تعاليمها العتيدة وجدت متطابقة مع نصوص القرآن والأحاديث النبوية. حتى أنه في سنة ١٨١٥م سافر مندوبان عن الوهابية وقابلا والي مصر آنذاك محمد علي باشا الكبير فأمر رهطا كريما من العلماء ومن رجال الأزهر بفتح باب المناظرة بينهم وبين ذينك الشيخين الوهابيين. "فعقد الطرفان عدة اجتماعات، طلب فيها علماء مصر من المندوبين النجديين إعطاء التفاصيل الوافية عن المذهب الوهابي. فراحت المناظرات تجري بين الجانبين واتسع نطاق الجدل والمدارسة، حتى عقدت راية الفوز في النهاية للوهابيين، وذلك باقتناع علماء مصر بأن تعاليم المذهب الوهابي!! تنطبق بمجموعها على منطوق الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول ﷺ " ثم يقول الأستاذ المدور: "وأغرب من هذا، فقد أثبت الضيفان الوهابيان، خلال تلك المناظرات الدينية أنهما يحفظان القرآن الكريم، والمعاني العديدة من الأحاديث النبوية". "وقد نشر علماء الأزهر على أثر ذلك بيانا أعلنوا فيه أنهم لم يروا شذوذا دينيا في المبادئ الوهابية.. وفوق ذلك كان في جملة ما نقله المندوبان الوهابيان إلى مصر كتابا خطيا في العقائد وضعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن المذهب الوهابي، فطالعه العلماء في الأزهر، وصرحوا بعد ذلك بلسان واحد قائلين: "إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا فنحن وهابيون" ١.
стр. 142
- ٦ -
ولا شك أن هذا الموقف من علماء الأزهر في الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والذي يخالف ما كان عليه سلفهم القريب، وموقفهم من الواعظ التركي - لا شك أن هذا الموقف الجديد إنما كان أثرا من آثار دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، حيث أيقظت النيام، وفتحت العيون والعقول وشرحت الصدور، فاستبان لهؤلاء العلماء ما كانوا فيه من جهل بدين الله ومن شرك به في الطواف بالقبور، والاستشفاع بالمقبورين.
- ٧ -
ولم يقف أثر دعوة التوحيد عند حدود الجزيرة العربية، بل نفذت إلى أعماق العالم العربي كله.. فقام في كل مكان داع أو دعاة يدعون إلى إصلاح شأن الأمة الإسلامية، وأنه لا إصلاح لشأنها إلا إذا رجعت إلى دين الله، وأخلصت وجوهها وقلوبها إلى الله وحده لا شريك له فيما يقضي في عباده. يقول العلامة المستشرق "لوثروب" في كتابه حاضر العالم الإسلامي الذي ترجمه إلى العربية الأمير شكيب أرسلان، يقول هذا العالم عن الدعوة وآثارها في يقظة العالم الإسلامي: "وفيما كان العالم الإسلامي مستغرقا في هجعته، ومدلجا في ظلمته، إذا صوت يدوي من
стр. 143
قلب صحراء شبه الجزيرة، مهد الإسلام، فيوقظ المسلمين، ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، فكان الصارخ وهو المصلح المشهور محمد ابن عبد الوهاب الذي أشعل نار الوهابية فاشتعلت واتقدت، واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي، وأخذ يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم والعز التليد. "فبدت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدت اليقظة الكبرى في العالم الإسلامي".وإذا كان هذا العالم المستشرق قد شبه الدعوة الوهابية بالنار المشتعلة فإنها كانت حقا نارا مشتعلة أحرقت أدعياء العلم، والمتجرين بالدين في سوق الجهل وبين الجهال، فإنها كانت كذلك نورا استضاءت به البصائر، واستنارت منه العقول، واهتدى بها المؤمنون إلى دين الله، المبرأ من ضلالات الشرك والإلحاد، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١.فكما أنزل الله الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، فمن لم يهتد بالكتاب، كان الحديد في أيدي المؤمنين له بالمرصاد.
- ٨ -
"فبدأت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدأت اليقظة الكبرى في العالم الإسلامي" هذا ما يقرره العالم المستشرق "لوثروب" في كتابه الحاضر الإسلامي، عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآثارها المباركة في العالم الإسلامي.
стр. 144
وقد صدق هذا العالم الغريب عن الإسلام؛ فإنه كان يرصد مجريات الأحداث في العالم ويقف عند كل حدث له شأنه، فيسجله بقلم العالم المحقق المدقق، الذي إن أنكر حقيقة سقط من سجل العلماء، والرجل حريص على أن يحتفظ بمكان كريم له بينهم. فماذا كان من مظاهر هذه اليقظة الكبرى في العالم الإسلامي بعد مطلع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ١.فالكلمات أمهات الأعمال، ولا تلد الكلمات من الأعمال إلا ما كان من معدنها وجوهرها، فالكلمة الطيبة تلد أعمالا طيبة، ولا يصيبها العقم أبدا، ما دامت قد خرجت من أفواه مؤمنة، متصلة بقلوب سليمة، وعقول مدركة. وكذلك كانت كلمات الله المنزلة في كتبه، زادا لا ينفد عطاؤه أبدا من أزواد الخير للناس، إذا هم آمنوا بها، وجروا في أعمالهم على هديها، كما يقول تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ٢.
стр. 145
وكذلك كلمات الأنبياء والمرسلين والهداة والمصلحين من عباد الله، فإن كلماتهم قبس من أقباس نور كلمات الله، وقطف من قطوفها الطيبة المباركة؛ إذ يجد فيها الناس زاد أرواحهم، وري نفوسهم، حيث تذكرهم بالله تعالى، وتدنيهم من رحمته ورضوانه. ومن هذا المورد الرباني الكريم كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ميراثا مباركا من بعده، لمن شرح الله صدورهم للإيمان، وهيأهم ليكونوا دعاة خير للمسلمين، تلك الحركة الإصلاحية التي تلاقى عليها قادة الإصلاح في أوطان الإسلام جميعا في وقت واحد كأنما كانوا فيه على موعد. وقبل أن نتحدث عن هذه الدعوات الإصلاحية التي قامت في المجتمع الإسلامي متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، نود أن نرد على شبهة ربما أثارها في الماضي، أو قد يثيرها في المستقبل أولئك الذين من شأنهم أن يبخسوا الناس أشياءهم وأن يحسدوهم على ما أتاهم الله من فضله، حيث يقول قائلهم عن دعوات الإصلاح هذه التي قامت متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إن ظهور هذه الدعوات الإصلاحية حيث ظهرت كان من مقتضيات الظروف والأحوال التي أحاطت بالأمة الإسلامية والتي اقتضت ظهور المصلح الشيخ ابن عبد الوهاب، حيث كان الداء مستشريا في العالم الإسلامي كله، وأنه حين يستشري الداء ويعم البلاء لا تعدم الحياة من يقومون لمواجهة هذا الداء وكشف هذا البلاء تماما كما يقوم الجسد بإعلان الحرب على جراثيم المرض التي تهجم عليه، فيلقاها ببعض الدم المتدفق في عروقه، محاولا أن يهلكها قبل أن تسري في البدن وتسكن فيه. وعلى هذا يقولون - أي المعترضون - إنه من التحكم أن تنسب حركات الإصلاح التي ظهرت في أعقاب الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى هذه الدعوة وأن يرمى العالم الإسلامي كله بالعقم، على كثرة رجاله واتساع رقعته التي تمثل شطرا كبيرا في هذا العالم.
стр. 146
ونحن لا نستطيع أن ننكر على الحياة سننها القائمة فيها، ولا أن ننكر أن تقوم في المجتمع الإسلامي حركات إصلاحية رائدة في كل زمن، وفي كل أفق من آفاق الإسلام وقد ذكرنا من قبل كيف كانت ثورة الواعظ التركي على البدع والخرافات التي كانت تزحم وجه الحياة في مصر، وأن هذا الواعظ كان قبيل ظهور دعوة التوحيد التي قام بها ابن عبد الوهاب بأكثر من ربع قرن، فهل يمكن مع هذا أن يقال إن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب قامت متأثرة بدعوة هذا الواعظ التركي؟ ونقول: إنه قد لا يكون من المستبعد أن يتأثر الشيخ ابن عبد الوهاب بحركة الواعظ التركي، لو أن هذه الحركة امتد صداها إلى خارج المحيط الضيق الذي ظهرت فيه، ولكن هذه الحركة لم يقدر لها هذا حيث فتح الشر لها فمه، وابتلعها وهي في مهدها، ولولا أن الجبرتي كان شاهدا من شهودها وسجلها في يومياته التي ختم عليها كتابه، لما عرف أحد عنها شيئا ١.ولكنا مع هذا نقول: إن الحركات الإصلاحية لا تقوم إلا متأثرة بحركات الإصلاح التي سبقتها من دعوات الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ومواقفهم الخالدة على الزمن في مواجهة الشرك، والكفر، والإلحاد.. ثم في مواقف أتباعهم المؤمنين من الدعوة إلى الله، وإصلاح ما غير الناس من شريعة. ولا شك أن الإمام محمد بن عبد الوهاب، بعد أن عرف الحق من دين الله، كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ورأى ما كان عليه الناس من مفارقة بعيدة لدين الله الحنيف، وما أدخلوه على هذا الدين من بدع وخرافات - لم يطق صبرا على تلك الحال، ولم ير بدا من ثورة على هذا الضلال الذي كان يغزو عقول المسلمين وقلوبهم.. وكان في ثورته تلك ناظرا إلى دعوة رسول الله ﷺ وإلى موقف صحابته، وما أبلوا من جهاد في سبيل الله. ثم إذ تأسى بهذا كله، كان له أسوة في جهاد أهل الحق في الأزمنة المتأخرة، مثل الإمام أحمد وما امتحن به في فتنة القول بخلق
стр. 147
القرآن، ومثل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ومثل العز بن عبد السلام، وغيرهم من هؤلاء الأعلام الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وكانوا مصابيح هدى في غواشي الظلام التي كانت تتداعى على الإسلام والمسلمين من داخل أوطانهم وخارجها. فإذا قلنا بعد هذا: إن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، كانت مبعثا لدعوات إصلاحية من بعده، شملت الأمة الإسلامية كلها، كان هذا القول حقا؛ إذ كانت تلك الدعوة يقظة هزت العالم الإسلامي كله من جميع أقطاره، وشارك فيها المسلمون جميعا من مؤيدين ومعارضين، ومن لم يشارك فيها بسيفه شارك فيها بلسانه وقلمه. والجدير بالذكر هنا أن تلك الدعوات الإصلاحية التي قام بها المصلحون في شتى أقطار الإسلام والتي كانت متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد كانت كلها متقاربة الميلاد، وهذا يعني أنها كانت متأثرة بعامل قوي واحد، هو الذي دعا إليها وحرك دعاتها.. وهو دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب ﵁.
- ٩ -
فالحركة السنوسية، التي قام بها الشيخ محمد إدريس السنوسي في شمال أفريقية كانت حركة دينية سبيلها الحكمة والموعظة الحسنة، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولا تتجاوز حد التبليغ، فمن قبل الدعوة فلنفسه، ومن لم يقبل فشأنه وما اختار. وقد رأى الشيخ السنوسي بنفسه كيف كانت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وما حمل هو وأنصاره وأتباعه من أعباء ثقال واشتباك مرير في حروب طويلة دامية لم يكن له أن يخوض غمارها، فسلك مسلكا أشبه بمسلك شيوخ الصوفية، وأطلق على دعوته الطريقة السنوسية، وأنه ما فعل هذا إلا ليبعد الشبه عنه، حتى لا يثير أصحاب السلطان فيقطعوا الطريق عليه.. وإلا فما كان الشيخ السنوسي صاحب طريقة صوفية وإن أطلق على دعوته اسم الطريقة؛ إذ ليس في طريقته ما في الطرق الصوفية من بدع وما فيها من
стр. 148
شطحات ورموز ولا ما في تلك الطرق من طبقات المريدين والأبدال، والنجباء، والأوتاد والأقطاب إلى غير ذلك مما يقوم عليه بناء الطرق الصوفية، وما يضم من تلك الشعوذات ولقد كسبت هذه الدعوة كثيرا من الأتباع من الأقطار الإسلامية بهذا الأسلوب الهادئ، حيث كان الشيخ يتنقل بدعوته من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، وحيث حل أقام مسجدا للصلاة أشبه بالزاوية أو الخلوة في بلاد المغرب؛ مراكش، وتونس، والجزائر وليبيا، وفي مصر، والسودان، والحجاز.. وفي هذه المساجد أو تلك الزوايا يجتمع أتباعه على كتاب الله وسنة رسوله، دارسين ومتناصحين. هذا وقد بدأت دعوة السنوسي في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري إذ كان مولده سنة ١٢٠٢هـ، أي بعد مولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأقل من قرن. أما حركة السيد جمال الدين الأفغاني فقد ظهرت في مصر بعد أن وفد إليها وعاش زمنا فيها، فتتلمذ عليه كثير من علمائها كان على رأسهم الشيخ محمد عبده وتلاميذه. وهي حركة سياسية متأثرة بجذور عميقة من الدين. فالأفغاني وإن لم تقم دعوته باسم الدين، وتحت رايته فإنها كانت في صميمها دعوة إلى تحرير العقل الإسلامي، وهي دعوة لم تقم في ظل العصبية القبلية بل قامت في ظل العصبية الوطنية في جميع أقطار الإسلام. إن الأفغاني جعل دعوته ثورة في كل مكان إسلامي، حملها بنفسه وسعى بها إلى حيث يظن أن لها مكانا يغرسها فيما حتى جاء إلى مصر، واتصل بعلماء الأزهر وطلابه، واجتمع إلى كثير منهم وكان واسطة عقدهم الشيخ محمد عبده. ولما كان الاستعمار الإنجليزي جاثما على صدر مصر وكثير من أوطان المسلمين، فقد كانت دعوة الأفغاني ثورة قائمة في وجه هذا الاستعمار الذي يضع المسلم تحت سلطانه
стр. 149
متحكما في حريته السياسية والاقتصادية متسلطا على عقيدته بالمبشرين وما لهم من مؤسسات ومدارس تفتن المسلم في دينه، وتشوش على عقيدة العوام، وعلى الصغار الذين يدخلون هذه المؤسسات وتلك المدارس وهي في حمى المستعمر. وكان من آثار هذه الدعوة ضد الاحتلال الإنجليزي أن قامت الثورة العرابية بقيادة أحمد عرابي ضد والي مصر، الذي يمالئ المستعمرين ويستظل بظلهم.. وكان من هذا أن استعان الخديوي بالإنجليز الذين دخلوا مصر، وتمكنوا منها وبسطوا نفوذهم عليها.. فنفوا أحمد عرابي، والأفغاني، والشيخ محمد عبده من مصر. وقد لقي الشيخ محمد عبده وتلاميذه ما لقي جمال الدين الأفغاني من ذوي العقول المغلقة والقلوب المريضة من رمي بالتهم الباطلة والأقاويل المفتراة من الكفر والإلحاد، ولكنه مضى في طريقه غير ملتفت إلى تهديد أو وعيد، حتى وجدت دعوته أنصارا وقفوا إلى جانبه، وحملوها من بعده، وكان منها هذا النور الذي دخل الأزهر بعد أن سكنه الظلام دهرا طويلا. وهناك في السودان حركة عبد الله المهدي، التي بدأت سنة ١٨٣٨م أي بعد نحو قرن من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وهي حركة دينية سياسية، أو هي حركة سياسية تحت راية الدين.. إذ كانت ثورة على الاستعمار الإنجليزي الذي جثم على السودان. يدعو فيها المهدي إلى الجهاد في سبيل الله لتحرير البلاد من الكفار وتحرير المسلمين من قيود الاستعمار، وفي ذلك تمكين للدين، وتثبيت للعقيدة، وحماية للشريعة مما يدخله المستعمرون على المسلمين من معتقدات فاسدة، وقوانين وأحكام مستوردة تخالف شريعة الله وقوانين السماء، ومن صور للحياة يلبس فيها المسلم ثوب المستعمر الذي أصبح متحكما في أمور حياته كلها. وقد كانت الحرب التي أعلنها المهدي على الاستعمار حربا دينية يقاتل فيها المسلم أعداء دينه.. ومن هنا كان هذا الاستبسال والاستشهاد من أتباع المهدي الذين قاتلوا
стр. 150
بالسيوف والحراب جيوشا كثيفة تحمل المدافع والقذائف المدمرة.. مما يعيد إلى الأذهان حروب المسلمين الأولى للفرس والروم. وإلى جانب هذه الدعوات الثائرة على الاستعمار والمستعمرين في قلب الوطن الإسلامي قامت هناك ثورات في بلاد كان سكانها أقلية من المسلمين. ففي بلاد القوقاز، والقرم، والتركستان، قام الزعيم الجركسي الشيخ شامل عام ١٨٠٣م بثورة عارمة على قياصرة الروس، الذين كانوا يأخذون المسلمين تحت أيديهم بالبأساء والضراء، ويسومونهم الخسف والبلاء. فقام هذا المجاهد بثورته العارمة على القيصر، وقد اجتمع حوله الأنصار، مجاهدين في سبيل الله، وقد ظل الشيخ شامل نحو أربعين عاما متواصلة في ميدان الجهاد، كبد فيها الروس مئات الألوف من القتلى.. ولكن بعد أن أبلى الرجل بلاءه في الجهاد هو والمجاهدون معه غلبته على أمره قوة هذه الدولة وجيوشها الكثيفة. وكان من هذا أن ضاعف الروس استبدادهم بالمسلمين، فصادروا أموالهم وأغلقوا مساجدهم، وحرموهم أن يعبدوا الله فيها، حتى جاءت روسيا الشيوعية، فأتت على كل شيء للمسلمين هناك. ومن هؤلاء الأبطال المجاهدين، الذي يأخذ مكانا كريما بينهم الأمير عبد القادر الجزائري الذي قام في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي بثورته العارمة ضد الاستعمار الفرنسي لبلاده الجزائر. فلم يرده عن هذا الجهاد ما كان يعده المستعمر، وكثرة جنوده وعتاده وعدده مع قلة أنصاره وقلة أسلحته - لم يرده هذا عن أن يواجه المستعمر بالحرب، وأن يلتقي معه في كل ميدان ورجاله يستشهدون أمام عينيه.. إنه يؤدي حق الله، وحق الوطن عليه، فهذه أمانة في عنقه، ولا عليه أن هزم بعد هذا، فقد أعذر لنفسه، وأدى الأمانة التي في عنقه ناظرا في هذا إلى قول الله تعالى:
стр. 151
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ١ وقد ظل هذا المجاهد في ميدان الجهاد.. حتى لقي ربه راضيا مرضيا، تاركا وراءه المثل الكريم في التضحية والجهاد طريقا مفتوحا من بعده للمجاهدين. وقد كان، فقامت ثورة الجزائر التي ألقت بالمستعمرين خارج ديارهم وتحررت إلى الأبد إن شاء الله من أن يدخلها مستعمر. وبعد فهذه بعض ثمرات دعوة التوحيد التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵁ وهذه بعض شعاعاتها التي طلعت على الأمة الإسلامية في ليل بهيم، كان قد لفها بردائه الأسود الكئيب. حيث أيقظت العالم الإسلامي، فقام فيه الزعماء السياسيون، والدينيون، والاجتماعيون، يدعون الناس إلى أن يتخلصوا من كل عبودية لغير الله، أيا كان وجه هذه العبودية، في صورة المستعمرين أو في صورة تلك البدع الشركية التي تسلب المسلم حرية الإنسانية جسداً وعقلاً وروحاً، وتسوقه إلى عبودية دونها بلاء وشراً، عبودية الأرقاء الذين كانوا يباعون في الأسواق بيع الأنعام. لقد انهارت معابد الشرك، وزالت معالمه بسبب هذه الدعوة المباركة التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب وأنصاره من آل سعود، وبدأ وجه الإسلام يطل على أوطان المسلمين مشرقا مضيئا.. فلا معبود إلا الله وحده لا شريك له ولا استشفاع، ولا توسل إلا لله سبحانه بالعمل الصالح، والدعاء الضارع إليه وحده جل شأنه. وأنه إذا كانت هناك بعض آثار باهتة من الصور الشركية هنا أو هناك، فإنها في طريقها إلى الزوال وشيكا - إن شاء الله - فإنه إذا طلعت الشمس انقشع الظلام، وزال الضباب، وأشرقت الأرض بنور ربها. رحم الله الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وجزاه خير الجزاء، وأسبغ عليه من رحمته ورضوانه ما ينزله منازل الأبرار، والصديقين والشهداء.
стр. 152
وجزى الله خيرا أولئك المجاهدين من آل سعود، وآل عبد الوهاب، الذين آزروه، وناصروه، حتى أعز الله جنده، وصدق وعده. وأكرم الله ورحم من دعا إلى الله، وجاهد في سبيل الله، ونصح لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين إلى يوم الدين. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ صدق الله العظيم وصلى الله على محمد، وعلى آله، وصحابته، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.