← Общие книги

Общие книги · id 7648

الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مطبوع ضمن بحوث ندوة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)

عبد الكريم الخطيب

Полный текст (152 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولو أن ابن دحلان كان يؤمن بما يقول، لما التفت إلى غيره من هؤلاء الذين يستدعيهم للدخول معه في هذه الحرب التي يعلنها على دعوة التوحيد؛ لأن صاحب الحق في قوة من الحق لا تغلب أبدا. يقول ابن دحلان في ص ٥٢ من رسالته: " فممن ألف في الرد عليه أي على الشيخ محمد بن عبد الوهاب - وسأله عن بعض المسائل، فعجز " العلامة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق " فإنه ألف كتابا جليلا سماه: " تهكم المقلدين بمن ادعى تجديد الدين " ورد عليه - أي على ابن عبد الوهاب في كل مسألة من المسائل التي ابتدعها بأبلغ رد، ثم سأله عن أشياء تتعلق بالعلوم الشرعية والأدبية فعجز عن الجواب عن أقلها، فضلا عن أجلها. ثم يسوق ابن دحلان صورة من تلك الصور التي كانت من مواقف ابن عفالق مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فيقول: " فمن جملة ما سأله عنه، قوله: " أسألك عن قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحا ً﴾ ١ إلى آخر السورة، التي هي من قصار المفصل: كم فيها من حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، وحقيقة عرفية؟ "وكم فيها من مجاز مرسل، ومجاز مركب، واستعارة حقيقية، واستعارة وفاقية، واستعارة تبعية، واستعارة مطلقة، واستعارة مجردة، واستعارة مرشحة؟ "وأين الوضع، والترشيح، والتجريد، والاستعارة بالكناية، والاستعارة التخيلية؟ "وكم فيها من التشبيه الملفوف، والمفروق. والمفرد، والمركب"؟ "وما فيها من المجمل والمفصل"؟ "وما فيها من الإيجاز والإطناب، والمساواة؟ " وما فيها من الإسناد الحقيقي، والإسناد المجازي المسمى بالمجاز الحكمي والعقلي.. إلخ.. إلخ - فلم يقدر محمد بن عبد الوهاب على الجواب عن شيء مما سأله عنه "!!

стр. 107

هذه هي الأسئلة وما على شاكلتها التي وجهها ابن عفالق إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليحاجه بها دين الله، وفي دعوة التوحيد التي يدعو إليها وذلك مما يرويه ابن دحلان في رسالته: ونسأل: أفي هذه الأسئلة سؤال واحد يفرق بين الشرك الذي يحاربه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويحذر الناس منه وبين التوحيد الذي يدعوهم إليه ويلبسهم لباس الإيمان به؟. ولماذا يعدل ابن عفالق عن الطريق الواضح في تلك المعركة القائمة بين الشرك والتوحيد، ليرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته من كتاب الله وسنة رسوله ويدخل في سوق السفسطة البعيدة عن ميدان المعركة؟ أليس ذلك دليلا على أنه لا يجد بين يديه السلاح الذي يواجه به دعوة التوحيد فدخل في هذه المعركة التي أسلحتها هذه الألغاز وتلك المعميات من واردات الجدل العقيم الذي لا يفيد في دنيا أو دين؟ ونسأل: هل كانت هذه الدراسات الرياضية والفلسفة الكلامية مما يمكن العقل السليم من فهم كتاب الله، وسنة رسول الله، أم هي مصائد للعقول وشباك للمدارك وشغل بالقشور عن اللباب؟ وهل عرف أحد من صحابة رسول الله ﷺ أو التابعين ومن بعدهم من أئمة الفقه لدين الله - هل عرف أحد منهم شيئا من هذه السفسطات التي دخلت على العقل العربي، فأفسدت الذوق العربي للغة العربية؟ وهل كان إذا سئل أبو بكر أو عمر ﵄ عن شيء من هذا العبث أكان يعرف له جوابا؟ ثم أيتهم أبو بكر وعمر إذا عجزا عن الإجابة على تلك الأسئلة أيتهمان بأنهما لا يعرفان دين الله ولا يفهمان ما في كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ ؟

стр. 108

وابن عفالق هذا الذي يعجب بنفسه، ويعجب به ابن دحلان، ويتخذه مصدرا من مصادر علمه الذي يواجه به دعوة التوحيد - ابن عفالق هذا لم يسأل الشيخ محمد بن عبد الوهاب أي سؤال عما في السورة الكريمة من مجاني الحق ومطالع الهدى، التي تحملها في آياتها وكلماتها مما يزكي المؤمن، ويوثق صلته بربه، ويكشف له الطريق إلى الأعمال الصالحة التي يؤدي بها حق الله وحق نفسه وحق المؤمنين. فلو أن ابن عفالق سأل الشيخ ابن عبد الوهاب عن معنى آية أو آيات من هذه السورة الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ١ لجاءه الجواب محملا بعلم غزير وفهم دقيق لما تحمل كلمات الله من حق وخير لمن استمع إليها، وتدبر معانيها، واستقام على هديها، إن مثل هذه الأسئلة التي أوردها ابن عفالق وأمثالها هي مما أبعد المسلمين عن دينهم حيث شغلوا بهذه السفسطة وذلك الجدل عما ينفعهم في دينهم أو دنياهم تماماً، كما شغلوا بالأحجبة والأوردة بالكلمات الأعجمية عن تلاوة كتاب الله وتدبر آياته والعمل بأحكامه، فأصابهم ما أصابهم من مرض في القلوب وجدب في العقول حتى أصبحوا مرعى لآفات الشرك التي أجلب عليهم بها علماء السوء، والتي جاء الشيخ بن عبد الوهاب بدعوته التي تحمل الدواء لهم من تلك الأدواء المهلكة، ومن قبل قام المعتزلة بهذا الجدل العقيم حول ذات الله وصفاته وحول الإرادة والقهر والتخيير والتسيير وما إلى ذلك مما ولده الجدل والسفسطة، وكان من هذا البلاء أن تفرقت الأمة شيعا ومذاهب يقاتل بعضها بعضا ويكفر بعضها بعضا حتى لقد صدق فيهم قول الشاعر: كنا أناسا على دين ففرقنا ... مضغ الكلام وخلط الجد باللعب

стр. 109

فلا عجب أن يعود الدين غريبا كما بدأ، مصداقا لقول الرسول ﷺ " بدأ الدين غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس " ١.لا عجب أن يعود الإسلام غريبا، ونحن نرى أمثال هؤلاء العلماء الجهلاء الأدعياء يقومون على رؤس الناس بهذا اللغو من الكلام، وتلك السفسطة من القول، ثم يلبسون ذلك ثوب الدين، ويطعمون العامة منه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ إن هؤلاء العلماء يدخلون على العامة باسم الدين من باب الدجل والشعوذة، قائلين لهم عن هذه الشعوذات إن هذا من علم الباطن، الذي لا يعرفه إلا أولياء الله من شيوخ المتصوفة، ومن يجري مجراهم في خداع الناس بتلك الشعوذات التي يخيل للعامة منها أنها تحمل أسراراً ربانية، وعلوما علوية من رددها على لسانه كذا ألف مرة في اليوم، فتح الله عليه، وأشرقت عليه أنوار الحق، وكشف عنه الحجاب.. وإنهم ليقولون إفكاً من القول وزوراً، فما يجد هؤلاء المخدوعون بهذا البهتان إلا الحسرة والندامة، وسوء المنقلب، وخسران الدنيا والآخرة جميعا: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ٣ ولكن الله تعالى بالغ أمره، ومحقق وعده، وناصر جنده، ومهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدا، حيث لا يغيب من أفقها أبدا دعاة يدعون إلى الله ويكشفون ما يدخل على المسلمين من آفات وعلل حتى تعود إليها الصحة والعافية، وإذا هي على هذا الوصف الكريم الذي أضفاه الله الرحمن الرحيم رب العالمين عليها في قوله تعالى:

стр. 110

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١.وها هي دعوة التوحيد التي يطلع بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد تداعت آفات الشرك على المسلمين، حتى كادت تذهب بدينهم، وإذا هذه الدعوة المباركة تعيد المسلمين إلى الإسلام الحنيف، وإذا أنواره العلوية الساطعة تأتي على الشرك وأهله، وإذا الإيمان الحق يعمر القلوب، ويشرح الصدور، وإذا المسلمون على طريق مستقيم لقيادة ركب الإنسانية إلى الإيمان والخير والفلاح: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور ِ﴾ ٢ صدق الله العظيم.

стр. 111

ثالثا: رسالة السيامي وهذه الرسالة واحدة من تلك الرسائل التي اتخذها أصحابها سلاحا يحاربون به دعوة الحق ويقفون بها في وجه دين الله أن يدخل العقول المظلمة، فيشرق فيها بأنواره، ويخالط القلوب المريضة، فيذهب بأسقامها - وهؤلاء هم من الذين قال الله تعالى فيهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.وقال فيهم سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.ومؤلف هذه الرسالة من أهل سيام، ومن مدعي العلم في هذا الوطن الإسلامي. وقد جعل عنوان رسالته هكذا: " رسالة السنيين في الرد على المبتدعين الوهابيين أو المتوهبين.. والمسماة بنور اليقين في مبحث التلقين ".

стр. 112

هذا هو عنوان الرسالة، الذي يشبه إعلانا من إعلانات الصحف لسلعة رديئة يريد لها صاحبها الرواج فينشر عنها إعلانا مطولا، يتحدث فيه عن مزاياها، ويكشف عن منافعها، والبضاعة الجيدة لا تحتاج أبدا إلى إعلان، ولو أعلن عنها لكان ذلك بمجرد كلمة أو كلمتين. أما مؤلف هذه الرسالة، فقد نشر تحت العنوان الطويل عنوانا آخر هو إعلان عن نفسه مثل الإعلان عن البضاعة الرديئة البائرة.. وهو " لحضرة العلامة الورع التقي، والمحقق الذكي الألمعي، صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى الكريمي، ابن الشيخ مصطفى السيامي ". ثم بعد هذا الإعلان عن عنوان الرسالة وعن مؤلفها يجيء إعلان ثالث عن محتوى الرسالة ومضمونها، وهذا الإعلان هو: " وفيها جواز التوسل بجاه النبي ﷺ ، والقيام عند ذكر مولده الشريف للإجلال والتعظيم، وأن ذلك من الدين".. ثم بعد هذا تنويه آخر بعلوم صاحب الرسالة، وهو: " نفع الله بعلومه المسلمين، آمين ". كل هذا اللغو كان عنوانا لهذه الرسالة.. وهو يشغل صفحة كاملة في حين أن المعتاد في عناوين الكتب والرسائل لا يجاوز بضع كلمات عن اسم الكتاب، أو الرسالة، ثم اسم المؤلف. أما الشيخ السيامي فقد جعل عنوان رسالته قصيدة من الشعر العقيم في الكشف عن رسالته، والتقريظ لمؤلفها. وأول ما يطالعنا من عنوان الرسالة، هو اسم هذه الرسالة، وهو أنها " رسالة السنيين في الرد على المبتدعين الوهابيين أو المتوهبين " فهذا المقطع من اسم الرسالة، يحمل ادعاء

стр. 113

عريضا باطلا من صاحب الرسالة حيث جعل نفسه لسانا ناطقا عن أهل السنة جميعا، وهو بهذا الادعاء كاذب مفتر؛ إذ مَنْ مِنَ السنيين أعطاه توكيلا ليتكلم باسمه، ويعبر عن رأيه؟ وهل إذا أخذ هذا الدعي بما نطق به من زور، وبهتان، وحمق، وجهل - أيكون هذا الجرم الذي وقع فيه محمولا على أهل السنة جميعا؟ وهل يحمل هو أو يحتمل وحده تبعة هذا الجرم؟ ثم إن هذا السيامي، يضفي على رسالته هذا الوصف فيقول: " والمسماة بنور اليقين " ونقول لا بأس أن يلبس رسالته ما شاء من مسميات، فإن الأسماء والأوصاف لا تشترى. أما ما أضفاه المؤلف على نفسه من ألقاب وأوصاف، فهو مما يدخله مدخل الحساب الشديد من الله؛ إذ أتى أمرا منهيا عنه، وهو تزكية نفسه بالعلامة، الورع، التقي، والمحقق الذكي الألمعي، صاحب الفضيلة". والله تعالى يقول: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ١ ويقول سبحانه منكرا على هؤلاء الذين يتألون على الله، ويقولون عن أنفسهم: إنهم أهل القرب من الله وأصحاب الدرجات العليا عنده، وإنهم أهل العلم والكشف والولاية - يقول سبحانه فيهم: ﴿لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ ٢.-

стр. 114

ولا يكتفي الشيخ السيامي بهذا الإعلان عن نفسه بخط يده، واصفا نفسه بتلك الأوصاف وبأنه صاحب الحضرة، والعلامة الورع التقي، الخ هذه المدعيات. لا يكتفي الشيخ بهذا، بل إنه ليطوف على أهله في وطنه سيام، فيستجدي منهم التقريظ له والتنويه برسالته، وما أودعه فيها من ذخائر العلم.. ثم يجمع حصيلة هذا كله، بما أراق من دمه في الاستجداء، والإلحاف في الاستجداء - يجمع هذا في أوراق، ثم يلحقها بالرسالة، كشهادة له من العلماء الذين يؤخذ عنهم، ويستمع إليهم وما هم في حقيقة أمرهم إلا على شاكلة هذا الشيخ في الغباء والتلهف على الشهرة، بوضع شهاداتهم وأسمائهم في رسالة مطبوعة منشورة إذا وقعت ليد أحدهم، طار بها في فرح وجنون، ينادي في الناس: هاؤم اقرءوا كتابيه. لقد أصبحت علما يشار إليه في الكتب والرسائل. وهذا الذي أضافه الشيخ السيامي من تزكيات وتقاريظ، هو أكبر حجما من الرسالة ذاتها، وبعضها مترجم إلى العربية، وبعضها باللغة السيامية. ولعل هذه التزكيات، وتلك التقاريظ هي الدافع الأول للشيخ السيامي على نشر رسالته تلك، حاملة هذه الشهادات التي استشهد الناس عليها وألح عليهم بها؛ وذلك ليدلل بها على فضله، وعلمه وكثرة المتعلقين به، أما الرسالة ذاتها، في بضاعة خسيسة بائرة ليس فيها ما يستحق النظر إليه، إلا إذا كان ذلك على طريق اللهو والاستخفاف، أو التحذير من تلك البضاعة أن يخدع أحد بها. محتوى الرسالة: ومحتوى رسالة الشيخ السيامي - إن صح أن لها محتوى - يتضمن اعتراضين يعترض بهما على دعوة الموحدين وهما: تلقين الميت، ثم التوسل. تلقين الميت: أما تلقين الميت، الذي هو بدعة عند الموحدين فلم يكن في عهد رسول الله ﷺ ، ولا في زمن الصحابة والتابعين، وإنما هو وافد شرك وضلال من الوثنيين

стр. 115

وعبادتهم الموتى، وحمل الطعام معهم إلى القبور التي تبنى عليهم، كما كان يفعل قدماء المصريين بموتاهم، وحمل أدواتهم وأمتعتهم معهم حيث يقبرون.. ولا زالت بعض آثار هذا عالقة بأذهان كثير من العوام في مصر، أما هذا التلقين للميت الذي هو بدعة في دين الله، فقد جعله المبتدعون سنة وشريعة في دين الله!! والذين ينكرون على الموحدين تبديع التلقين للميت، يستندون إلى أحاديث موضوعة أو ضعيفة، ثم يترخصون في الأخذ بها؛ لأنها من فضائل الأعمال، التي تجيز العمل بالأحاديث الضعيفة، بل وتجيز وضع مثل هذه الأحاديث؛ لأنها في فهمهم المريض تغري الناس بالأعمال الصالحة، ولهذا اتسع هذا الباب الذي دخل فيه الكذب على رسول الله ﷺ بدعوى أن الكذب على رسول الله ﷺ ليس كذبا، إذا كان ذلك مما يحمل المسلم على فعل الخير، ولهؤلاء الذين يبيحون هذا الكذب على رسوله حجة شيطانية يحتجون بها؛ إذ يقولون: "نحن لا نكذب على رسول الله وإنما نكذب له". فيا سبحان الله!! أيكون الكذب على رسول الله ﷺ على أي صورة - مباحا ومشروعا؟ فأي ضلال هذا؟ وأي جهل بدين الله، وأي تنقص لرسول الله؟ أيحتاج دين الله إلى من يكمله بالكذب والافتراء؟ وهل يدخل الكذب في عمل ثم يخرج هذا العمل سليما صالحا؟ إن الكذب هو الكذب في شؤمه وما يجره على صاحبه من بلاء.. وقد لعن الله الكاذبين في كتابه، فقال سبحانه:

стр. 116

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ١.ويقول رسول الله ﷺ " وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا " ٢. وفي البخاري أن رسول الله ﷺ قال: " لا تكذبوا علي، فمن كذب علي يلج النار " ٣.والكذب لرسول الله أشنع من الكذب عليه؛ لأن من يكذب على رسول الله يعلم أنه يأتي منكرا، أما الذي يكذب لرسول الله فهو عند نفسه أنه يتقرب إلى الله وإلى رسوله بالكذب، فيقدم على هذا الكذب متعبدا لله به، فما أشنعها عبادة، وما أشقى العابد بها أن تكون من واردات الكذب، وهل يجد الشيطان باب ضلال يفتحه لأوليائه أضل وأشنع من هذا الباب؟ ونعود إلى ما يحتج به الشيخ السيامي لتلقين الميت.. يقول الشيخ السيامي: "اعلموا أيها الأحباب، وفقكم الله لطاعته، أن تلقين الميت البالغ بعد تمام الدفن مستحب، باتفاق علماء هذه الأمة على سنيته.. وبقوله تعالى: ﴿ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.وأحوج ما يكون العبد في التذكير في هذه الحالة، ولحديث رواه الطبراني في الكبير

стр. 117

مرفوعا، في كتاب الدعاء وابن منده في كتاب الروح عن أبي أمامة، بلفظ: "إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه - أي الميت - يستوي قاعدا ثم يقول - أي الملقن -: يا فلان ابن فلانة فإنه يقول - أي الميت: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون فليقل -أي الملقن-: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما" - فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته". هذا ما يسوقه الشيخ السيامي على جواز تلقين الميت، وأنه مستحب باتفاق علماء هذه الأمة على سنيته.. وإذا تجاوزنا عن الأخطاء اللغوية، وآداب الدعاء في هذه الكلمات القليلة التي سطرها الشيخ السيامي، مثل قوله: "أحوج ما يكون العبد في التذكير؛ في هذه الحالة" والصحيح أن يقال: "وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير، لأنه لا يقال في لغة العرب، يحتاج في كذا، وإنما يقال: يحتاج المرء إلى كذا. وكذلك دعاؤه بقوله: اعلموا أيها الأحباب وفقكم الله لطاعته".. ولا يدعو لنفسه بالتوفيق - وكأنه يرى من نفسه أنه موفق، ولا يحتاج إلى توفيق الله تعالى له. وكيف يحتاج هو إلى هذا؟ أيسوي بينه وبين عامة الناس وهو الورع التقي، والمحقق الذكي الألمعي، صاحب الفضيلة؟ إنه عند نفسه في غنى عن توفيق الله. وندع هذا إلى موضوع التلقين للميت، وما يستدل به على جوازه. فأولا: أنه يستشهد بالآية الكريمة: ﴿ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ على أنها واردة في تلقين الميت وتذكيره بالحجة التي يقدمها بين يدي منكر ونكير عند سؤالهما إياه في القبر عن ربه، وعن دينه، وعن رسوله.

стр. 118

والآية الكريمة لا شأن لها من بعيد أو قريب بتلقين الميت وتذكيره، وإنما هي تذكير من رسول الله ﷺ للناس بما يتلو عليهم من آيات الله، وما تحمل هذه الآيات من هدى ونور لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد سمى الله تعالى القرآن الكريم ذكرا، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١.وقال جل شأنه: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ٢.وقال تعالى على لسان المشركين: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ٣.وقد أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يذكر بهذا القرآن الأحياء لا الأموات فقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ٤.وقال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر ٍ﴾ ٥.

стр. 119

وذلك إلى كثير من آيات الله لتذكير المؤمنين بالذكر الحكيم. فهذا التذكير بالقرآن الكريم، وما يتلى على الناس من آياته، ينقل الكافر من الكفر إلى الإيمان، والضال من الضلال إلى الهدى، ثم يكون من وراء هذا الانتقال العمل بما يقضي به الإيمان وما يدعو إليه من هدى. أما الميت فقد ختم على عمله بعد موته، من إيمان أو كفر، ومن إحسان أو إساءة، فلا تنفعه الذكرى إن لم يكن قد انتفع بها في حياته. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن ما يدعيه الشيخ السيامي من إجماع علماء هذه الأمة على جواز تلقين الميت وأن هذا من السنة، فإن ذلك ينقضه ما ينقله الشيخ السيامي نفسه في ص١٥ من رسالته، من كتاب "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" للسيوطي؛ إذ يقول السيوطي: "ولم يثبت في التلقين حديث صحيح، أو حسن، بل ضعيف، وهو الذي رواه الطبراني، وهو باتفاق المحدثين - أي على ضعف هذا الحديث ١.ثم يقول السيوطي معقباً على هذا: "ولهذا ذهب جمهور الأمة إلى أن التلقين بدعة، وآخر من أفتى بأنه بدعة العز بن عبد السلام.. وإنما استحسنه ابن الصلاح وتبعه النووي نظرا إلى أن الحديث غير الصحيح يعمل به في فضائل الأعمال".

стр. 120

وقد بينا من قبل أن هذا مما يفتح باب الكذب على رسول الله ﷺ ، ويوقع المسلمين في أمر مريج من دينهم فيكثر الكذب على رسول الله، حيث يباح لكل من يرى أي عمل يظنه صالحا أن يتقول على رسول الله به، ويدخله في دين الله، وقد يكون من أشنع البدع. وهذا مما عمل على انتشار البدع وذيوعها بين المسلمين، حيث تدخل عليهم البدعة باسم رسول الله ﷺ ، ورسول الله منها ومن قائلها بريء. وفي الأحاديث الضعيفة التي أخذت مكانها من سنة رسول الله، باعتبار أنها من فضائل الأعمال، ولهذا يجوز أن تضاف إلى رسول الله ﷺ في هذه الأحاديث الضعيفة التي تفيض بها بعض كتب التفسير فتنة للمسلمين وتغريراً بهم، مثل: من قرأ آية كذا أو سورة كذا مرة أو مرات استغفر له سبعون ألف ملك، وغفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر. إن مثل هذه الأحاديث تغري كثيرا من المسلمين على اقتحام الحرمات، وإتيان المنكرات، والتفريط في العبادات، وبحسب المسلم بعد هذا أن يقرأ آيه أو آيات مخصوصة من كتاب الله، وإذا هو من أقرب المقربين إلى الله فهل هناك فتنة أعظم من هذه الفتنة؟ وهل هناك بلاء أشد من هذا البلاء؟ لقد عزل هذا الكيد لدين الله كثيرا من المسلمين، وبخاصة في عالم المتصوفة عن العمل للدنيا أو الآخرة، وبحسب الواحد منهم أن يقرأ آية أو وردا فيأتيه رزقه رغدا من كل مكان، ولا عليه بعد هذا أن يأكل أموال الناس بالباطل، وأن يأتي كل منكر، ويرتكب كل فاحشة، وهو متحصن بما يتمتم به من كلمات!! وهل أصيب المسلمون بما أصيبوا به من جهل وفقر وضعف إلا من مثل هذه البدع الضالة التي عششت في رءوسهم، فقادهم الشيطان إلى هذا البلاء العظيم؟

стр. 121

إن هذا الحديث الضعيف الذي ساقه الشيخ السيامي نقلا عن الطبراني، في جواز تلقين الميت بعد دفنه، لا يقبل دينا أو عقلا وذلك: أولا: ما جاء في هذا الحديث الضعيف من أن منكرا ونكيرا إذا سمعا ما لقن به الميت تركاه من غير سؤال وأخذ كل منهما بيد صاحبه وقالا: "ما يقعدنا عند من لقن حجته" - فهذا يعارض معارضة صريحة ما جاء في الحديث الصحيح: " إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به " ١ وهذه الأمور الثلاثة هي من عمل الميت قبل أن يموت، وقد بقيت آثارها بعده، كما يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ ٢.فهذه الأمور الثلاثة من الآثار الصالحة التي خلفها الميت وراءه، وهي مما يشير إليه الرسول ﷺ بقوله: " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم شيء " ٣.فكيف يكون تلقين الميت من الأعمال التي ينتفع بها بعد موته؟ وكيف تقيم له حجة في ترك مساءلته؟ إن ذلك إن يكن لتساوي المؤمن والفاسق، والصالح والطالح، وهذا ما لا يكون في عدل الله تعالى، أبدا. ثم إن هذا التلقين للميت لو كان من سنة رسول الله ﷺ لعمله ولتعلمه الصحابة منه، ولكان عملا متواترا، يلتزمه المسلمون في تلقين موتاهم، ولما وقع فيه خلاف، بل ولما احتاج إلى بيان من رسول الله ﷺ ، ثم هذه التمثيلية التي يجريها الميت في قبره، فيقوم، ثم يطلب الإرشاد من ملقنيه، ثم انصراف الملكين عنه من غير سؤال، كل هذا غيب لا يطلع عليه أحد، ولا يمكن أن يكشف عنه رسول الله ﷺ ، بل كان يلقن الميت، ثم يدعو المسلمين أن يفعلوا مثل ما فعل. وإذن فتلقين الميت بدعة من البدع الحادثة في الإسلام.

стр. 122

وإذن فإنكار الموحدين، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى القضاء عليها وطمس وجهها المنكر هو حماية للتوحيد، ودفاع عن دين الله، وقطع لألسنة المبتدعين الذين يعترضون على تلك الدعوة، وأخذ الطريق على أولئك المشعوذين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، من طريق تلقين الميت الذي يتخذونه حرفة لهم، كما نرى ذلك من أولئك الذين يلقنون الموتى، وهم لا يعرفون شيئاً من دين الله، وكل محصولهم من العلم هو تلك الكلمات التي حفظوها من غير فهم، فإذا ورد عليهم ميت جاءوا إليه وأخذوا من أهل الميت ما يملئون به جيوبهم. ثانيا: التوسل: والموضوع الثاني، الذي حملته رسالة الشيخ السيامي، هو معارضة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيما يدعو إليه من أن التوسل بغير الله بدعة. وقد تحدثنا عن هذا فيما جاء في رسالة ابن دحلان عن جواز التوسل وأبطلنا كل مدعياته الباطلة، ونقوله الفاسدة.. وقد كان في هذا ما يغنينا عن الرد على ما جاء في رسالة الشيخ السيامي عن جواز التوسل بالأحياء والأموات، ولكن لا بأس من أن نقف وقفة قصيرة هنا، نفضح بها مقولة السيامي في جواز التوسل بالأحياء والأموات والقيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ ففي هذا بلاغ لقوم يؤمنون. يقول الشيخ السيامي في ص٢٠ من رسالته: "اعلموا أيها الأحباب، وفقكم الله تعالى ١، أن أغلب هذه الطائفة - يقصد طائفة الموحدين - المنكرين للتلقين ينكرون على المقلدين للأئمة الأربعة التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين، وزيارة القبور والقيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ بمجرد الشبه الباطلة، والدعاوى العاطلة، وقالوا: إن القيام - أي عند ذكر ميلاد النبي

стр. 123

صلى الله عليه وسلم لا ينبغي للفضلاء والجهلاء؛ لأنه بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.." ثم يمضي الشيخ السيامي، فيقول عن التوسل: "اعلموا أيها الأحباب أن التوسل الذي هو الاستشفاع بالأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين وبأفعال الخيرات - عند الحاجة، دنيا وأخرى، كتحصيل المطالب، وعند الشدائد، كدفع البلاء - جائز بل ومستحب ومطلوب. فينبغي لكل أحد عند ذلك أن يستشفع بما فعله من خير، بأن يذكره في نفسه، فيجعله شافعاً؛ لأن ذلك جائز في الشدائد، كما في حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار.. وأن يستشفع بأهل الصلاح، أحياء كانوا أو أمواتاً. " ثم يسوق الشيخ السيامي شاهداً على جواز الاستشفاع باستسقاء عمر بن الخطاب، ﵁ بالعباس عم النبي ﷺ ، وقد أبطلنا هذه الدعوى من قبل. أما قول الشيخ السيامي من أنه يجوز أن يستشفع المؤمن إلى الله بالأعمال الصالحة التي عملها ابتغاء مرضاة الله تعالى، فهو جائز حيث يشفع للإنسان عمله الصالح عند الله في الآخرة فيجوز أن يستشفع بأعماله الصالحة في الدنيا؛ لأنها من عمله وفيها تحريض للمؤمنين على الإكثار من الأعمال الصالحة التي تنفعهم في الدنيا والآخرة. أما الاستشفاع والتوسل بالأنبياء، والأولياء، والشهداء، وزيارة القبور، والقيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ وذلك مما ينكره على الموحدين، ويؤثمهم على إنكاره وتبديعه.. فهو مما يحتاج إلى بيان وتفصيل. فزيارة القبور مشروعة؛ لأنها تذكر بالموت، وقد أباحها النبي ﷺ بعد أن منع منها في أول الإسلام حيث كانت القبور مما يشبه الأصنام التي كان يعبدها المشركون، ومما تذكر المسلمين في أول

стр. 124

الإسلام بهذا الضلال، فكان من الحكمة إبعاد المسلمين عنها حماية للتوحيد من أن يدخل عليه شيء من ضلالات الشرك. فلما استقر التوحيد في قلوب المسلمين، وانزاحت معالم الشرك من نفوسهم، أباح النبي ﷺ زيارة القبور كما يقول ﷺ " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكر بالموت " ١.فإذا جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ينهى عن زيارة القبور، وقد عاد المسلمون إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من التعبد للمقبورين، والتمسح بالأضرحة والاستشفاع بالراقدين تحت ترابها - كان لابد أن يرجع بالمسلمين إلى عهدهم الأول بالإسلام حتى لا تدخل عليهم ضلالات الشرك من تلك القبور التي كانوا يتعبدون لها. فإذا تمكن الإيمان ورسخ التوحيد في قلوبهم، كانت زيارة القبور مشروعة؛ لأنها تذكر بالموت ولا تطل منها في تلك الحال أشباح الأوثان التي كانوا يتعبدون لها، وتكون زيارة القبور هنا لكل موتى المسلمين لا للأولياء والصالحين وأصحاب القباب والأضرحة ٢.أما التوسل والاستشفاع بغير الله فهو من الشرك الصريح بالله. يقول الإمام الشوكاني - رضي الله تعالى عنه - في التوسل بأصحاب القبور الشائع بين الناس، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.يقول الإمام الشوكاني في تفسيره لهذه الآية الكريمة: "قد أكثر الناس من دعاء غير الله تعالى من الأولياء والأحياء والأموات مثل يا سيدي

стр. 125

فلان أغثني.. وليس ذلك من التوسل المباح في شيء. واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك. وألا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركا وإلا يكنه فهو قريب منه". ثم يقول الإمام الشوكاني: "ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك - أي التوسل بالمقبورين وغيرهم - إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب، أو الميت المتغيب، يعلم الغيب، ويقدر بالذات، أو بالغير على جلب الخير، أو دفع الضر، وإلا لما دعاه، ولما فتح فاه، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. ثم يقول الإمام الشوكاني: "ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه الكبير، من أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال الصديق أبو بكر ﵁ هيا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فجاءوا إليه ﷺ ، فقال: " إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله " من عرف سر ذلك لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه، والإصاخة إلى أهل ناديه - أمر يجب اجتنابه، ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه. ثم يقول الإمام الشوكاني: "ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق، قد تقض حاجته، وتنجح طلبته، فإن ذلك ابتلاء وفتنة من الله جل جلالة، وقد يتمثل الشيطان في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة ممن استغاث به.. هيهات.. هيهات.. وإنما هو شيطان من أضله الله وأغواه وزين له هواه" هذا ما يقرره الإمام الشوكاني في أمر الاستشفاع بغير الله، وفي أنه شرك وإن لم يكن شرك فهو قريب منه ونقول: إنه شرك غليظ وضلال بعيد.

стр. 126

فإذا كان رسول الله ﷺ لا يستغاث به في حال حياته، كما يقول ذلك ﷺ في حديثه الشريف، فكيف يستغاث به بعد موته؟ وإذا كان لا يستغاث به ﷺ حيا وميتا- فكيف يستغاث بغيره من المقبورين، الذين لا يعلم إلا الله ما هم فيه من نعيم أو شقاء، وربما قد يكون أحدهم مات على شرك أو كفر أو نفاق؟ إنها لكبيرة الكبائر، أن يصرف المسلم وجهه عن الله، ثم يعطي هذا الوجه في ذلة وخضوع لميت من أولئك المقبورين تحت الأضرحة أو القباب؟ أليس هذا شركا بالله، دونه شرك المشركين الجاهليين الذين جاء رسول الله ﷺ برسالة ربه ليطهرهم من هذا الرجس، ويلبسهم ثوب التوحيد نقيا طاهرا؟ أما ما يذكره الشيخ السيامي من القيام عند ذكر مولد رسول الله ﷺ فهو بدعة ابتدعها المتصوفة، كما ابتدعوا الموالد التي يقيمونها كل عام لأصحاب الأضرحة، وأنهم لكي يدخلوا هذه البدعة على المسلمين، قدموا لها بتلك البدعة التي تقام لمولد النبي ﷺ حيث إن هذا يلقي هوى في نفوس العوام، وأشباه العوام؛ إذ يعدون كل شيء يعمل من أجل الاحتفاء برسول الله ﷺ ولو كان من أشنع البدع، مما يرضي الله ورسوله عنهم. فما عرف عن الصحابة والتابعين أنهم أقاموا الاحتفالات والزينات ليوم مولد رسول الله ﷺ وهم أشد الناس حبا للرسول الكريم، وأعرفهم لقدر رسول الله ومنزلته عند ربه. بل إن صحابة رسول الله ﷺ لم يروا أن يبدءوا التاريخ الإسلامي بمولده ﷺ بل جعلوا الهجرة بدء لهذا التاريخ اتقاء للفتنة أو الفتن التي تتولد من رصد ميلاد الرسول الكريم مع مرور الزمن كما هو مشهود اليوم في حفلات المولد، وما يجري فيها من البدع وما يقع من مخزيات، أما القيام عند ذكر مولد

стр. 127

رسول الله ﷺ فهو من بدع المبتدعين، الذين لا يخشون الله ولا يعرفون مقام رسوله ﷺ . فهذا القيام الذي يدعو إليه هؤلاء المبتدعون ليس فيه شيء من توقير الرسول الكريم، وإنما توقيره ﷺ بحبه الذي يملأ القلوب، وبا تباع سنته والتزام ما جاء به من شرع الله تعالى، والصلاة عليه كلما ذكر اسمه الشريف. ولهذا نهى الرسول ﷺ صحابته أن يقوموا له إذا جاء إليهم في مجلسهم، وقد هم بعض أصحابه أن يقوموا له فأشار إليهم - صلوات الله عليه وسلامه - ألا يفعلوا، وقال: " إنما هذا تفعله الأعاجم بملوكها ". وما ذلك من رسول الله ﷺ إلا ليحفظ على المسلم وجوده الإنساني وكرامته، وألا يتخذ القيام له ذريعة إلى أن يقوم الناس لأهل الجاه والسلطان فيهم، فجزاك الله يا رسول الله عن الإسلام والمسلمين خيرا وصلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك والتابعين. ولو نظرنا إلى ما يفعله تلاميذ شيوخ المتصوفة ومريدوهم من تخاشع وذلة بين أيديهم، لرأينا الحكمة العالية من نهي رسول الله ﷺ أصحابه أن يقوموا له.. فالتلميذ أو المريد يجب أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل! إنه جماد لا يتحرك ولا يخشى، إنه دون الحيوان الذي يتحرك ويحس ويدافع عن نفسه، فأي ضياع للإنسان كهذا الضياع؟ أو أي مسخ للآدمي مثل هذا المسخ؟! وأي جناية يجنيها شيوخ المتصوفة على تلاميذهم ومريديهم، وقد سلبوهم أقوى مقومات الإنسان في الحياة وهي العقل والإرادة؟! إنهم قتلة سفاحون يقتلون عمدا نفوسا حرم الله قتلها إلا بالحق! وهذا ابن عطاء السكندري من أكبر شيوخ المتصوفة، يقول في كتابه "لطائف المنن"

стр. 128

"من لم يكن له أستاذ - أي شيخ طريقة - يصله بسلسلة الأتباع، ويكشف له عن قلبه القناع، فهو في هذا لقيط لا أب له، دعي لا نسب له" ١.وإذن فالمسلمون جميعا أدعياء النسب إلى الإسلام، ولن يصح لهم نسبة إليه إلا إذا دخلوا في سلك التلاميذ والمريدين، وسمح شيوخ المتصوفة لهم بالدخول في التصوف. وهذا صوفي جديد، ظهر في هذه الأيام في السودان، وهو محمد عثمان شيخ الطريقة البرهانية، وهي نسبة خاطئة إلى الشيخ إبراهيم الدسوقي، المدفون ببلدة دسوق بمصر. وقد استولى هذا الشيخ على عقول كثير من أبناء مصر والسودان وغيرهما من بلاد المسلمين، وله جمعيات من أتباعه في كثير من بلاد أوربا يبشرون تحت راية الإسلام بدعوته الفاسدة، المحملة بأحمال ثقيلة من الجهل والشعوذة مما يصد الأوربيين عن دين الإسلام، ويشوه حقائقه في أعينهم.. يقول هذا الرجل فيما يلزم التلميذ من آداب بين يدي شيخه: "ومنها - أي من هذه الآداب - أن تجلس مجلس جلوسك للصلاة عنده. "وأن تفنى فيه.! "وألا تجلس على سجادته..! "وألا تتوضأ بإبريقه..!! "وألا تتكئ على عكازه..!! "واسمع بعض ما قال بعض الأصفياء ٢."من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح. "وليكن محضره في قلبك وخيالك. "فإن غفلت عنه وقتا فهذا من مقتك. "واجتهد في أن تنال مقام الفناء فيه، ومن ثم ترقى إلى مقام الفناء فيه٣.

стр. 129

فأي قتل لنفس الإنسان أشنع من هذا القتل؟! وأي كفر بالله أعظم من هذا الكفر؟! فالتلميذ أو المريد بخس، لا يجلس فوق سجادة شيخه، ولا يتوضأ بإبريقه، ولا يتوكأ على عصاه، ولا يقول لشيخه لم؟ ولو ألقاه في النار.. ثم إذا جلس إلى شيخه جلس مجلس الصلاة، وجعله قبلة له. وعلى التلميذ أو المريد أن يخلي الله تعالى وذكر الله من قلبه حتى يشغله بذكر شيخه أو شيطانه.. فإن غفل عن هذا حق عليه المقت. وهذا الشعراني يقول في كتابه "القواعد الصوفية" ص:١٣١٣ "من أشرك بشيخه شيخا آخر، وقع في الشرك بالله" فالشيخ إله معبود، من عبده ثم عبد شيخا غيره فهو مشرك بالله؛ لأن من أشرك بالشيخ أشرك بالله، فلا فرق بين الله وبين الشيخ.. كلاهما معبود وله عابدون. ويقول ابن عطاء الله السكندري في كتابه لطائف المنن.. جزء٢ ص١٠٣: "من أخذ الطريق على غير شيخه، كان على غير دين". وإذن فالمسلمون الذين يأخذون دينهم عن كتاب الله وعن سنة رسول الله هم على غير دين، فأي فساد يستشري بين المسلمين مثل هذا الفساد؟ وأي أدواء قاتلة تنتشر بينهم أشد فتكا بهم وبعقيدتهم من هذه الأدواء؟ وهل شرع الجهاد في سبيل الله إلا لحرب هذا البلاء الذي يسوقه أهل الكفر والشرك والضلال إلى مواقع الإسلام لإفساد العقيدة وطمس معالم الدين، وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى

стр. 130

يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ ١. وإذن فقد كانت دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵁ هي راية الجهاد في سبيل الله للذود عن دين الله وقد أجلب عليهم أهل الضلال - من داخل دار الإسلام وخارجها - بهذه الأباطيل، ليغيروا بها دين الله، ويطمسوا معالم شريعته. ولقد أراد الله بالإسلام والمسلمين خيرا، إذ هيأ لهذا الموقف رجلا فاقها لدين الله مجاهدا في سبيل الله باذلا نفسه مضحيا بولده وأهله من أجل إعلاء كلمة الله ونشر راية التوحيد. وقد أمد الله تعالى هذا الرجل المجاهد في سبيل الله بأمداد نصره من جنود الحق في الأرض؛ إذ جعل آل سعود يقومون بالجهاد تحت راية التوحيد ويضحون بكل شيء في سبيلها. ولقد كتب الله النصر للمجاهدين وأمدهم بروح من عنده، فانهزمت أمام قوى الحق كل قوى البغي والضلال، وانقشعت السحب التي كانت تقف في وجه أنوار الحق، وإذا الشمس تسطع في سماء صافية، وإذا وجه الإسلام يشرق من جديد في كل أفق من آفاق الأمة الإسلامية، وإذا دولة الشرك تنحسر شيئا فشيئا حتى انكسرت شوكتها، واندحر جندها. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٢ صدق الله العظيم.

стр. 131

خاتمة: من ثمرات الدعوة المباركة - ١ - من فضل الله تعالى على عباده المؤمنين المحسنين المجاهدين في سبيله أنه سبحانه يبارك عليهم في أعمالهم وأقوالهم. فتكون أعمالهم منارات هدى يهتدي بها الناس إلى مواقع الخير، وغايات الأمن والسلام، حيث يرون فيها تلك الثمرات الطيبة التي يتوارد عليها الناس وينالون ما تصل إليه أيديهم من قطوفها، فيأخذون طريقهم مع المتأسين بأصحاب هذه الأعمال، وينهجون نهجهم فيما عملوا.. كذلك تكون أقوال هؤلاء المؤمنين المحسنين المجاهدين في سبيل الله دعوة راشدة إلى عمل الخير، ووحيا ملهما إلى مراقي السلامة والنجاح، كما يقول تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ١.وهكذا كانت كلمات الأنبياء والمرسلين، والهداة والمصلحين من عباد الله الذين يسيرون على أقدام الرسل والأنبياء، وكذلك كانت أعمالهم ميراثاً خالداً في الناس.. يستمدون من شجرتها الزيتونة المباركة الزيت الذي تستضيء منه مصابيح بصائرهم إلى طريق الحق، والخير والسلام.. وإلا كان العمى وكان التيه والضلال.

стр. 132

﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور ٍ﴾ ١ وهذا النور الذي تستضيء به البصائر، وتتعرف به مواقع الحق والخير، إنما ينبعث من خلال النار والدخان، فلا يخلص منهما إلا بعد صراع ومجاهدة، وإنه بقدر هذا الصراع وتلك المجاهدة يكون صفاء هذا النور وتكون قوته. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ ٢ فذلك مثل ضربه الله تعالى للصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، والنور والظلام.. ومن خلال هذا الصراع تتبين مواقع أهل الحق، ومواطن أهل الباطل، ومن يمسكون بالخير، ومن يتمسكون بالشر، ومن هم في عالم النور، ومن هم في مسبح الظلام والضلال. - ٢ - ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من تلك الدعوات الطيبة المباركة، الداعية إلى الله تعالى، والهادية إلى صراطه المستقيم، والضاربة في وجه البدع، والضلالات التي تداعت على الدين الحنيف من داخل أوطان الإسلام وخارجها. فكان بهذا واحدا من أولئك الركب المجاهد الكريم المنافح عن دين الله، كلما تغشته غواشي الضلال وحاولت حجب أنواره العلوية القدسية عن المؤمنين بالله حتى تنقطع بينهم وبينه الأسباب، وأنه منذ قيام هذا الداعية إلى التوحيد، وإلى حماية حمى الإسلام الطهور من زحوف الشرك

стр. 133

التي أجلب بها عليه علماء السوء من المشعوذين والمتجرين بالدين - منذ قام هذا الداعية بدعوته المباركة تلك وهي تدور في فلك الأمة الإسلامية ناراً تحرق جراثيم الشرك، وتطارد فلول المشعوذين وعباد القبور، ونوراً هادياً إلى دين الله وإلى وحدانية الله، لا شريك له.. حتى لقد كادت الأمة الإسلامية أن تتخلص من داء الشرك الذي خامرها زمنا طويلا، نسيت - أو كادت تنسى - فيه دينها الحق الذي جاءها به رسول الله بكتاب الله الكريم، وسنته المطهرة. ولكن الله تعالى رحيم بهذه الأمة فلا يدعها أبدا في مواجهة الضلال، حتى يهيئ لها من أمرها رشدا، حيث يقوم فيها دعاة الهدى، ويرفعون راية الجهاد على هذا الضلال وأهله، وإذا المؤمنون مجتمعون إلى تلك الراية، مجاهدون في سبيل الله، وإذا نصر الله بين أيديهم، وإذا أضواء الإسلام تغمر الآفاق: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٢. - ٣ - لقد وقف صاحب الدعوة وأنصاره وأتباعه أكثر من قرن من الزمان وقفة لا يمكن أن توصف بأقل من مواقف الشهداء من أتباع الرسل الذين جاهدوا معه، واسترخصوا النفوس في سبيل دين الله، وإعزاز كلمة الله. ويكفي لبيان هذا أن نعرض موقفا واحدا من هذه المواقف الاستشهادية في مواقف الحق لصاحب الدعوة وأنصاره، ليرى الناس كيف يكون الإيمان، وكيف يكون بلاء المؤمنين، وصبرهم، وكيف يكون احتمالهم وتضحياتهم. لقد جمع إبراهيم باشا بن محمد علي والي مصر يومئذ، وقائد الحملة ضد الوهابيين في الحجاز - جمع كل ما استطاع جمعه من سلاح، وعتاد، ورجال، ورمى بكل هذا أهل الدرعية - عاصمة الدعوة إذ ذاك - وذلك بعد أن استولى على البلاد التي كانت تحت

стр. 134

أيديهم بلدا بلدا، بعد أن نازعوه الأرض شبرا شبرا تاركين على كل شبر أثرا من دم شهدائهم الأبرار. وكانت الدرعية قد ضمت من مقاتليها أمراء آل سعود، وأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن انضوى إليهم من الموحدين.. وليس معهم هذه القوة المسلطة عليهم إلا قلوبهم المؤمنة، وإلا عدد قليل من الرجال وعدد أقل من السلاح والعتاد. ولكن هؤلاء الموحدين أبوا أن ينزلوا على حكم هذا العدو المدل بكثرة رجاله وقوة سلاحه.. فدخلوا الحرب معه، وواجهوا تلك الجيوش الكثيفة في جرأة نادرة واستبسال عجيب، يذكر بأيام المسلمين الأولين في بدر وأحد، وفي المدائن واليرموك وغيرها من معارك الإسلام - حتى لقد تهاوت عليهم الدور، وتساقطت الحصون، واستشهد من حولهم أبناؤهم وآباؤهم وإخوانهم. وقد ظلت هذه المحنة أياما، مات فيها من الأطفال والنساء جوعا وعطشا، ونفد السلاح القليل الذي كأن بأيدي المجاهدين، وكادت تفتضح الحرائر في خدورها ثم كانت المصالحة.. التي تم فيها تسليم البلد للمعتدين، بعد أن أصبحت أنقاضا غارقة في دماء الشهداء من آل سعود، وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد قتل من أهل الدرعية في هذه الحرب نحو ألف وثلاثمائة شهيد.. منهم واحد وعشرون شهيدا من أمراء آل سعود. منهم فيصل بن سعود وأخواه.. إبراهيم وتركي١.. وهذا مما يقدمه المؤمنون الصادقون، دفاعاً عن دين الله، وذياداً عن حرماته: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ ٢.

стр. 135

- ٤ - إن الظلام الذي قد خيم على ربوع الأوطان الإسلامية، منذ أن استولى على أمورها الأعاجم من الديلم، والسلاجقة، والمغول، والأتراك، أن هذا الظلام قد ألقى ستراً كثيفة بين المسلمين وبين موارد دينهم الحنيف، حيث دخلت على هذا الدين كثير من العقائد الفاسدة والمذاهب الضالة، والعادات الموروثة من عبادات غير الله تعالى، من شمس، وقمر، ونار، وأنهار، وحيوان.. إلى غير ذلك مما كانت تدين به تلك الشعوب قبل دخولها في الإسلام، ولم تزل أشباح تلك المعبودات تتحرك في أدمغة كثير ممن تركوا عباداتها، فجمعوا بين ذلك وبين دين الله، وكان من ذلك هذا البلاء العظيم الذي أبعد المسلمين عن الإسلام، وحرمهم مجاني ثمراته المباركة الطيبة. ولكن مع هذا الظلام المطبق لم يحرم العالم الإسلامي من شعاعات من النور، كانت تتسلل بخيوطها هنا وهناك وسط هذا الظلام الكثيف، تذكر الناس بدين الله وتدفئ صدورهم بالأمل في مطلع صبح جديد، يرد فيه إلى الإسلام مكانه في قلوب المسلمين وعقولهم، على نحو ما بلغه رسول الله ﷺ عن ربه. ويكفي في وسط هذا الظلام الكثيف بارقة من ضوء، كي توقظ النائمين، وتنبه الغافلين، فإن مثل هذه البارقة في أحشاء الظلام تعد ظاهرة أشبه بالمعجزة، مع أنها لا تكون شيئا له حساب إذا هي برقت في مشرق الشمس ووضح النهار. روى الجبرتي "المؤرخ المصري في تاريخه المعروف" عجائب الآثار تلك الحادثة التي وقعت في شهر رمضان سنة ١١٢٣هـ وذلك قبل أن يقوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة التوحيد حيث ولد ﵁ سنة ١١١٥هـ. يقول الجبرتي عن هذه الحادثة: "إن واعظا تركيا وفد من الروم إلى مصر، في تلك السنة ١١٢٣هـ وجلس يعظ الناس

стр. 136

في جامع "المؤيد" بالقاهرة.. وقد كثر عليه الناس وازدحم بهم المسجد، ثم انتقل من الوعظ، فذكر ما كان يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء، وإيقاد الشموع على قبور الأولياء، وتقبيل أعتابهم، وأن ذلك كفر يجب على الناس تركه وعلى ولاة الأمور السعي إلى إبطال ذلك.. "وقد ذكر - أي الواعظ - عن قول الشعراني، في كتابه: "الطبقات الكبرى" أن بعض الأولياء، اطلع على اللوح المحفوظ ١ فقال الواعظ: إنه لا يجوز ذلك، ولا يطلع عليه الأنبياء فضلاً عن الأولياء.. وكان فيما قال الواعظ إنه لا يجوز بناء القباب على ضرائح الأولياء، كما لا يجوز بناء التكايا ٢، ويجب هدم ذلك جميعا". ثم يقول الجبرتي معلقا على ما كان لدعوة هذا الواعظ من أثر، وما جرى بعدها من أحداث: "فقامت لهذا قيامة العلماء، فدسوا عليه من يشوش، ويخفت صوته". هذا ما كان من العلماء، وأدعياء العلم من تلك الدعوة إلى إزالة معالم الشرك وطمس وجوهها، وقد كان المرجو منهم أن يقوموا هم بتلك الدعوة، أو أن يناصروها وذلك أضعف الإيمان، ولكنهم وقفوا في وجه هذه الدعوة وأنكروها على صاحبها.. فكيف لا يعم البلاء، ولا يستشري الشر، وترتفع رايات الشرك، والعلماء هم الذين يحملون تلك الرايات المشئومة؟

стр. 137

بالملح نصلح ما نخشى تغيره ... فكيف بالملح، إذ حلت به الغير؟ ثم يقول الجبرتي: "ولكن الواعظ مضى في طريقه، وانتقل هو وأتباعه من القول إلى العمل، وبدأ الصدام، بأن خرج الشيخ الواعظ وأتباعه بعد صلاة التراويح ووقفوا بالعصي والأسلحة على باب زويلة - بالقرب من الأزهر - فهرب الذين كانوا يقفون به ثم قطعوا ما علق من جوخ وأكر ١ وهم يقولون أين الأولياء؟ ثم يقول الجبرتي: "وهنا أسرع بعض الناس إلى علماء الأزهر؛ ليفتوهم في قول هذا الواعظ" فماذا قال شيوخ الأزهر يومئذ في هذا الذي يدعو إليه الواعظ من القضاء على تلك البدع التي تنخر في عقيدة المسلمين كما تنخر السوس في حبات البر؟ يقول الجبرتي: "فكتب شيخان من شيوخ الأزهر؛ وهما الشيخ أحمد النفراوي، والشيخ أحمد الخليفي، وهما من كبار شيوخ الأزهر ينتقضان قول الواعظ، ويطلبان من الحاكم زجره. "وأخذ بعض الناس هذه الفتوى، فدفعوها إلى الواعظ في مجلس وعظه، فلما قرأها غضب، وقال: إن العلماء أفتوا بغير ما قلت، وأنا أريد أن أجادلهم في مجلس القاضي.. فهل منكم من يساعدني على ذلك وينصر الحق؟ فقال له أنصاره: نحن معك لا نفارقك.. فنزل عن كرسي وعظه واجتمع عليه الناس قريب من ألف، فسار بهم وسط القاهرة إلى أن دخل بيت القاضي.. فلما رآهم القاضي بهذه الكثرة انزعج منهم ثم سألهم عما يريدون؟ فقالوا: نريد أن يحضر هؤلاء الذين أصدروا هذه الفتوى لنباحثهم

стр. 138

أمامك.. فقال القاضي: اصرفوا هذه الجموع، ثم نحضرهما ونستمع إلى مجادلتكم معهما.. ولكن أحدا لم ينصرف، بل تكاثروا على القاضي، وقالوا له: ماذا تقول أنت في هذه الفتوى؟ فقال: هي باطلة ١.. فطلبوا منه أن يكتب حجة بذلك. فلما رأى القاضي أن الأمر جد، وأنهم لا يريدون أن يتركوه، أراد أن يعمل فيهم الحيلة للواعظ ومن معه.. "فقال: إن الوقت قد ضاق، والشهود قد خرجوا ٢. فلنترك ذلك إلى الغد. "فلما سمعوا ذلك من ترجمان القاضي - لأن القاضي تركي ولا يعرف العربية - لما سمعوا من الترجمان هذا الكلام، ضربوه واختفى القاضي ومعه حريمه!! وهل انتهى الأمر عند ذلك؟ كلا، فإن الرواية لم تتم فصولا. ويمضي الجبرتي في إتمام هذه الرواية، أو المهزلة التي يمثلها علماء الدين وقاضي الشريعة التركي، والوالي العثماني. حيث يستدعي الواعظ إلى مجلس الوالي وقد قيل له: إن الوالي يريد أن تجتمع عنده مع هؤلاء العلماء الذين تتهمهم فيما أفتوا به. وهناك في دار الوالي، كان الكيد العظيم لهذا الواعظ حيث تخطفه الجند وألقوا به إلى حيث لا يعلم إلا الله، وبهذا اختفى الواعظ إلى يوم الناس هذا. - ٥ - هذه الحادثة لها دلالتها الواضحة على ما كان عليه المجتمع الإسلامي يومئذ من عامة وعلماء، من إغراق في الشرك والجهل، لم يستطع هذا البصيص من النور أن يصل إلا إلى بعض العامة الذين استقبلوه بفطرتهم السليمة، فأبصروا الحق، وأخذوا طريقهم معه، ومع الداعية إليه.

стр. 139

ولو أن هذا الصوت المؤذن بالحق الذي انطلق من فم هذا الواعظ استمع إليه العلماء واستيقظوا من سباتهم، لكان لهذا الصوت آثاره البعيدة في إجلاء هذا الظلام الشركي عن أهل مصر وعن غيرها من أوطان الإسلام.. ولكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقد كان.. فما هي إلا سنوات معدودة بعد هذا الحادث، أو تلك المأساة حتى يلتقي صوت هذا الواعظ - على غير موعد - بصوت الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، وفي الجزيرة العربية مطلع الرسالة الإسلامية، فيهز العالم الإسلامي كله ويزلزل قواعد الشرك، حيث يأخذ بيد دعاة الحق المتخافتين بدعوة الحق، وبحيث كانوا لا يسمعون إلا أنفسهم، أو القليل من إخوانهم، وإذا هم يجتمعون إلى هذا الداعية من قريب ومن بعيد، وإذا هم يجهرون بكلمة الحق مجاهدين في سبيل الله، مسترخصين نفوسهم في مواقع الجهاد. وإذا العلماء الذين كانوا يكتمون الحق، ويخشون بأس الحكام يؤدون أمانة العلم التي حملوها، كما يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ١. ذلك أنه ما كاد صوت الإمام محمد بن عبد الوهاب يتردد في آفاق الإسلام، محملا بدعوة التوحيد فاضحا وجوه الشرك وضلالات المشركين، حتى اهتزت له أقطار الأرض أشبه بالصيب ينزل من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق. فكان من الناس من أمسك بهذا الصيب، فشرب منه هو وأنعامه، واستنبت الزرع والعشب، طعاما له ولأنعامه.. وكان من الناس من أحرق بصواعق البرق، ومن طاش لبه بصوت الرعد. وهكذا كل دعوة يتقرر فيها مصير الإنسان في دنياه وآخرته. فإن مثل هذه الدعوة تحمل الصيب، ومعه الظلمات والرعد والبرق.

стр. 140

﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ١ ويقول سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢.والذي حدث بالنسبة لدعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ظلمة هذا الليل البهيم الذي احتوى العالم الإسلامي كله، واشتمل عليه - هو أن كثيراً من الناس استجابوا له، واتبعوا سبيله، ودعوا بدعوته في أوطانهم - كما أن كثيرا من الناس خالفوه، ونصبوا العداوة له، وقالوا بغير الحق فيه، وفيما دعا الله من توحيد الله. يقول الأستاذ طه المدور - في كتابه "الديانات والحضارات" ص: ١٣٩ وهو يتحدث عن الصورة التي كان عليها الرأي العام في دعوة الشيخ أيام مطلعها، وما أثارت في العالم الإسلامي وغير العالم الإسلامي يقول: "وماجت الأقوال عقيب ذلك - أي عقيب الدعوة - تتضارب حول هذا المجاهد المجدد خارج القطر النجدي، فقام من اتهمه بالمروق والإلحاد، وأخذ آخرون يدعون بأنه يحاول نشر مذهب القرامطة وانتشرت في أوربا شتى الشائعات عن مذهب هذا الرجل اللبيب، وعلق عليها الكثير من المستشرقين تعليقات مختلفة متباينة، فشبهه بعضهم ب لوثر ٣ البروستنتي، وآخرون رفعوه إلى مرتبة الفلاسفة ٤ حتى وجد من جعله صاحب مذهب خامس في الإسلام، بعد المذاهب الأربعة".

стр. 141

ثم يقول الأستاذ طه المدور: "ولكن اتضح بعد ذلك أن هذه التقولات المتضاربة في حق الوهابية كانت غير صحيحة؛ لأنها - أي الدعوة - تبعد عن القرمطية، وعما يسمونه بالمروق عن الدين بعد السماء عن الأرض.. "وعلى العكس، مما يتقوله أعداء الدعوة، فإن تعاليمها العتيدة وجدت متطابقة مع نصوص القرآن والأحاديث النبوية. حتى أنه في سنة ١٨١٥م سافر مندوبان عن الوهابية وقابلا والي مصر آنذاك محمد علي باشا الكبير فأمر رهطا كريما من العلماء ومن رجال الأزهر بفتح باب المناظرة بينهم وبين ذينك الشيخين الوهابيين. "فعقد الطرفان عدة اجتماعات، طلب فيها علماء مصر من المندوبين النجديين إعطاء التفاصيل الوافية عن المذهب الوهابي. فراحت المناظرات تجري بين الجانبين واتسع نطاق الجدل والمدارسة، حتى عقدت راية الفوز في النهاية للوهابيين، وذلك باقتناع علماء مصر بأن تعاليم المذهب الوهابي!! تنطبق بمجموعها على منطوق الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول ﷺ " ثم يقول الأستاذ المدور: "وأغرب من هذا، فقد أثبت الضيفان الوهابيان، خلال تلك المناظرات الدينية أنهما يحفظان القرآن الكريم، والمعاني العديدة من الأحاديث النبوية". "وقد نشر علماء الأزهر على أثر ذلك بيانا أعلنوا فيه أنهم لم يروا شذوذا دينيا في المبادئ الوهابية.. وفوق ذلك كان في جملة ما نقله المندوبان الوهابيان إلى مصر كتابا خطيا في العقائد وضعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن المذهب الوهابي، فطالعه العلماء في الأزهر، وصرحوا بعد ذلك بلسان واحد قائلين: "إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا فنحن وهابيون" ١.

стр. 142

- ٦ - ولا شك أن هذا الموقف من علماء الأزهر في الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والذي يخالف ما كان عليه سلفهم القريب، وموقفهم من الواعظ التركي - لا شك أن هذا الموقف الجديد إنما كان أثرا من آثار دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، حيث أيقظت النيام، وفتحت العيون والعقول وشرحت الصدور، فاستبان لهؤلاء العلماء ما كانوا فيه من جهل بدين الله ومن شرك به في الطواف بالقبور، والاستشفاع بالمقبورين. - ٧ - ولم يقف أثر دعوة التوحيد عند حدود الجزيرة العربية، بل نفذت إلى أعماق العالم العربي كله.. فقام في كل مكان داع أو دعاة يدعون إلى إصلاح شأن الأمة الإسلامية، وأنه لا إصلاح لشأنها إلا إذا رجعت إلى دين الله، وأخلصت وجوهها وقلوبها إلى الله وحده لا شريك له فيما يقضي في عباده. يقول العلامة المستشرق "لوثروب" في كتابه حاضر العالم الإسلامي الذي ترجمه إلى العربية الأمير شكيب أرسلان، يقول هذا العالم عن الدعوة وآثارها في يقظة العالم الإسلامي: "وفيما كان العالم الإسلامي مستغرقا في هجعته، ومدلجا في ظلمته، إذا صوت يدوي من

стр. 143

قلب صحراء شبه الجزيرة، مهد الإسلام، فيوقظ المسلمين، ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، فكان الصارخ وهو المصلح المشهور محمد ابن عبد الوهاب الذي أشعل نار الوهابية فاشتعلت واتقدت، واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي، وأخذ يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم والعز التليد. "فبدت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدت اليقظة الكبرى في العالم الإسلامي".وإذا كان هذا العالم المستشرق قد شبه الدعوة الوهابية بالنار المشتعلة فإنها كانت حقا نارا مشتعلة أحرقت أدعياء العلم، والمتجرين بالدين في سوق الجهل وبين الجهال، فإنها كانت كذلك نورا استضاءت به البصائر، واستنارت منه العقول، واهتدى بها المؤمنون إلى دين الله، المبرأ من ضلالات الشرك والإلحاد، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١.فكما أنزل الله الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، فمن لم يهتد بالكتاب، كان الحديد في أيدي المؤمنين له بالمرصاد. - ٨ - "فبدأت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدأت اليقظة الكبرى في العالم الإسلامي" هذا ما يقرره العالم المستشرق "لوثروب" في كتابه الحاضر الإسلامي، عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآثارها المباركة في العالم الإسلامي.

стр. 144

وقد صدق هذا العالم الغريب عن الإسلام؛ فإنه كان يرصد مجريات الأحداث في العالم ويقف عند كل حدث له شأنه، فيسجله بقلم العالم المحقق المدقق، الذي إن أنكر حقيقة سقط من سجل العلماء، والرجل حريص على أن يحتفظ بمكان كريم له بينهم. فماذا كان من مظاهر هذه اليقظة الكبرى في العالم الإسلامي بعد مطلع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ١.فالكلمات أمهات الأعمال، ولا تلد الكلمات من الأعمال إلا ما كان من معدنها وجوهرها، فالكلمة الطيبة تلد أعمالا طيبة، ولا يصيبها العقم أبدا، ما دامت قد خرجت من أفواه مؤمنة، متصلة بقلوب سليمة، وعقول مدركة. وكذلك كانت كلمات الله المنزلة في كتبه، زادا لا ينفد عطاؤه أبدا من أزواد الخير للناس، إذا هم آمنوا بها، وجروا في أعمالهم على هديها، كما يقول تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ٢.

стр. 145

وكذلك كلمات الأنبياء والمرسلين والهداة والمصلحين من عباد الله، فإن كلماتهم قبس من أقباس نور كلمات الله، وقطف من قطوفها الطيبة المباركة؛ إذ يجد فيها الناس زاد أرواحهم، وري نفوسهم، حيث تذكرهم بالله تعالى، وتدنيهم من رحمته ورضوانه. ومن هذا المورد الرباني الكريم كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ميراثا مباركا من بعده، لمن شرح الله صدورهم للإيمان، وهيأهم ليكونوا دعاة خير للمسلمين، تلك الحركة الإصلاحية التي تلاقى عليها قادة الإصلاح في أوطان الإسلام جميعا في وقت واحد كأنما كانوا فيه على موعد. وقبل أن نتحدث عن هذه الدعوات الإصلاحية التي قامت في المجتمع الإسلامي متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، نود أن نرد على شبهة ربما أثارها في الماضي، أو قد يثيرها في المستقبل أولئك الذين من شأنهم أن يبخسوا الناس أشياءهم وأن يحسدوهم على ما أتاهم الله من فضله، حيث يقول قائلهم عن دعوات الإصلاح هذه التي قامت متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إن ظهور هذه الدعوات الإصلاحية حيث ظهرت كان من مقتضيات الظروف والأحوال التي أحاطت بالأمة الإسلامية والتي اقتضت ظهور المصلح الشيخ ابن عبد الوهاب، حيث كان الداء مستشريا في العالم الإسلامي كله، وأنه حين يستشري الداء ويعم البلاء لا تعدم الحياة من يقومون لمواجهة هذا الداء وكشف هذا البلاء تماما كما يقوم الجسد بإعلان الحرب على جراثيم المرض التي تهجم عليه، فيلقاها ببعض الدم المتدفق في عروقه، محاولا أن يهلكها قبل أن تسري في البدن وتسكن فيه. وعلى هذا يقولون - أي المعترضون - إنه من التحكم أن تنسب حركات الإصلاح التي ظهرت في أعقاب الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى هذه الدعوة وأن يرمى العالم الإسلامي كله بالعقم، على كثرة رجاله واتساع رقعته التي تمثل شطرا كبيرا في هذا العالم.
следующие страницы →