← Общие книги

Общие книги · id 7648

الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مطبوع ضمن بحوث ندوة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)

عبد الكريم الخطيب

Полный текст (152 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... الشبهات التي أثيرت حول دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب والرد عليها للأستاذ / عبد الكريم الخطيب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، والتابعين، ومن تأسى بسيرته، واهتدى بهديه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الجهاد في سبيل الله والذياد عن شريعته، والغيرة على حرماته، أمانة في عنق كل من آمن بالله، ودخل في جماعة المؤمنين، فأبصر مكانه بينهم، وعرف وظيفته فيهم، وعد نفسه عضواً في الجسد العام الجامع لهم، يسعد لسعادتهم ويشقى لشقائهم، كما يقول الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ١ رواه مسلم عن النعمان بن بشير. وفي رواية: " المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " ٢.هكذا يفعل الإيمان الحق في نفوس المؤمنين بالله، حيث تفيض مشاعر المؤمن بالولاء للمؤمنين من كل جنس ولون، مهما تباعدت الديار، واختلفت الأجناس والألوان، وذلك بهذا النسب الجامع بينه وبين المؤمنين جميعا، أحياء وأمواتا. والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

стр. 2

١.ويقول جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢.ومن هذا الإيمان الوثيق بالله تنبعث في قلب المؤمن مشاعر الولاء والحب للمؤمنين فلا يبيت المؤمن على جناح أمن وطمأنينة وفي المؤمنين من يتهددهم عدو من خارج أوطانهم، أو من داخلها. فإذا كان هناك عدو من خارج أوطان الإسلام، كان الجهاد فريضة على المسلم فيجاهد بنفسه وماله، وبكل قوة تصل إليها يده.. ثم لا تسقط عنه هذه الفريضة، حتى يذهب خطر العدو، أو يقتل هو شهيداً في ميدان الجهاد. أما إذا كان العدو من داخل أوطان المسلمين، مثل دعوة إلى فتنة، أو إثارة لفرقة، أو نشر لبدعة - فإن هذا يحتاج إلى جهاد أكبر، وعزم أشد، وإرادة أقوى مع بصيرة نافذة، تكشف عن هذا الخطر الذي يتدسس إلى عقول الناس وقلوبهم ويخالط مشاعرهم ووجداناتهم، بحيث لا ينتبه له ولا يقدر آثاره المدمرة إلا ذوو البصائر المشرقة بنور الله الساهرة على حرمات الله، والحافظة لحدوده الناصحة لله ولرسوله وللمؤمنين. وأكثر ما يتمثل هذا الخطر الذي يغزو المسلمين من داخل أوطانهم، هو فيما يشيع فيهم من بدع تدخل عليهم باسم الدين، وما يتولد من هذه البدع من منكرات وضلالات تشيع في المسلمين، فتشوه معالم الدين في عقولهم وقلوبهم، وتغير حقائقه في أقوالهم وأفعالهم، وإذا هم مسلمون ولا إسلام، وذلك هو الخطر أعظم الخطر حيث يخيل إليهم أنهم على دين، وأنهم على الصحة والسلامة من هذا الدين، في حين أن المرض يفتك بهم، والعلة تغتال كل صالحة فيهم!! ولو كان هؤلاء المسلمون، ولا إسلام معهم - لو كانوا على غير دين أصلا، لكانت بليتهم أخف ومصيبتهم أهون؛ لأن من كان على غير دين، يرجى منه أن يصبح يوما وهو

стр. 3

على دين صحيح سليم، أما من كان على دين قد اختلط فيه الحق بالباطل، والهدى بالضلال، فعسير جداً أن يلتقي بالدين الصحيح. إنه أشبه بالمنافق الذي يلبس من الدين أكثر من ثوب، فهو مؤمن، وكافر وملحد، ومشرك في كل وقت وفي كل حال.. ولهذا جعل الله تعالى المنافقين في الدرك الأسفل من النار تطأ رءوسهم أقدام الكافرين، وأهل النار جميعا، كما يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ ١.وكما أن لآفات الأبدان، وعلل الأجسام أساة دفعت بهم سنن الله الكونية لمعالجة هذه الآفات والاستشفاء من هذه العلل، فكذلك كان من السنن الكونية أن يقوم في الناس الهداة والمصلحون الذين يعالجون ما فسد من النفوس، ويعمرون ما خرب من القلوب، وهم الذين أشار إليهم الحق سبحانه. في قوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢ وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ٣.ويقول الرسول - صلوات الله وسلامه عليه: " الدين النصيحة. الدين النصيحة. الدين النصيحة " ٤ قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم " ٥ رواه البخاري ومسلم

стр. 4

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معلم من معالم الأمة الإسلامية، وسمة من سماتها، فلا يخلو زمان، أو مكان في مجتمع المسلمين من آمرين بالمعروف، وناهين عن المنكر، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١.ويلاحظ في الآية الكريمة، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تقدما على الإيمان بالله، وفي ذلك إشارة إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فطرة مستقرة في الإنسان، إذا نزعت إليها النفس استقام طريقها إلى الإيمان بالله والتقت به من قريب.. فكانت أشبه بالأرض الطيبة المتعطشة إلى الماء فإذا أصابها الماء.. اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج كريم، وإذا هي تلك الأرض الخاشعة أي الضارعة إلى الله، الطالبة لحياتها من الماء كما يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.فإذا كان هذا الجماد يخشع ضارعا لله، يلتمس رحمته، إذا حل به ما يعطل وظيفته أفلا يتجه الإنسان إلى ربه خاشعا ضارعا، إذا تعطلت معطيات إنسانيته، وانحرفت عن سواء السبيل؟ ولكن ما أكثر الناس الذين تذهب معالم إنسانيتهم، وتتعطل معطيات الخير فيهم ثم لا يشعرون مع هذا إلى ما أصابهم، فأصبحوا دون عالم الجماد إحساسا وشعورا. وفي هؤلاء يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا

стр. 5

لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١.وأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم الماء الذي يمسك الحياة على الأحياء من الناس، ويبعث الحياة فيمن أوشكوا أن تزايلهم الحياة! ومن هنا كانت رسالة أهل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مجددة لرسالات الأنبياء، وذلك بالتذكير بها، والحفاظ عليها، والوقوف في وجه المنحرفين عنها والمعتدين على حرماتها، ثم كان لهؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر نصيبهم من تحمل ما حمل الأنبياء ﵈ على طريق دعوتهم إلى الله من سفه السفهاء وحمق الحمقى، والصبر على ما يصيبهم في أنفسهم وأموالهم.. فذلك هو قدر المجاهدين في سبيل الله، والداعين إلى الحق والخير. والله تعالى يقول: ﴿لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٢ ويقول سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣.ويقول جل شأنه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾

стр. 6

١.ويقول تبارك اسمه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٢.إنه ابتلاء، وامتحان.. وبهذا الابتلاء وبذلك الامتحان تنكشف معادن الناس ويعرف مكان الإيمان منهم، وإلا لكانوا على حال سواء. لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر، والإقدام قتال وفي هذا المقام من الابتلاء، تختلف بأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المواقف، وتتمايز المنازل والدرجات حسب ما في قلوبهم من إيمان بما يدعون إليه، وبما عندهم من رصيد العزم والصبر على المكاره. فهم -وإن كانوا جميعا على طريق الجهاد، وفي مواقع الابتلاء- ليسوا على سواء في الصبر على الشدائد، وتحمل البلاء.. بل ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.فأكثر دعاة الخير بلاء وأوفرهم نصيبا من الضر والأذى في سبيل دعوته، هو من كان أوثقهم بالله إيمانا، وأقربهم إلى الله منزلة. فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: " قلت يا رسول الله. أي الناس أشد بلاء؟ فقال ﷺ : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة هون عليه.. فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة " ٤ أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن.

стр. 7

وإذا كان الصدر الأول للإسلام، قد سجل صحفا خالدة رائعة للبطولة العزيزة النادرة، في مختلف ميادين الجهاد، من داخل النفس وخارجها، وما احتمل هؤلاء الأبطال المجاهدون من شدائد، وما ركبوا من أهوال في سبيل الحق الذي آمنوا به وارتضوه رفيق حياتهم، فبذلوا النفوس بذل السماح في غبطة ورضى، وفي هؤلاء الأبطال المجاهدين الصادقين يقول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ ١.وهم الذين أشار إليهم وإلى من أخذ الطريق معهم في قوله الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٢.وفي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

стр. 8

١.نقول: إذا كان الصدر الأول للإسلام قد قدم تلك النماذج الإنسانية العظيمة الخالدة في الثبات على الحق، والاستمساك به، والذياد عن حرماته، والتفدية له بالنفس والأهل والمال - فإن مسيرة الأمة الإسلامية من مطلع الدعوة إلى اليوم لم يخل ميدانها أبدا من الأبطال المؤمنين المجاهدين في سبيل الله، العاملين على التمكين لدين الله في الأرض، الذائدين عن حرماته، مستعذبين في ذلك العذاب الدنيوي من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، والقضاء على الآفات التي تتدسس إلى كيان الأمة الإسلامية، من الأهواء والبدع التي يسوقها إليها المضللون والمبتدعون، لتطمس معالم الطريق إلى الله ولتطفئ جذوة الإيمان المتقدة في صدور المؤمنين، بما يهب عليها من أعاصير البدع، وعواصف الفتن، وإذا المؤمنون في ليل بهيم، لا يعرفون إلى أي متجه يتجهون! ولكن الله تعالى ذو فضل على المؤمنين، حيث يهيئ لهم من بينهم من يقوم لكشف هذه الغواشي عنهم، ويستنقذ سفينتهم من أن تغرق ويغرقوا معها في متلاطم هذه الأمواج العاتية، وإذ هم على مرفأ الأمن والسلامة. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ٢.وها هي ذي صحف التاريخ الإسلامي، حتى تلك الصحف التي غلب عليها سواد الفتن التي تلاطمت أمواجها في محيط العالم الإسلامي - هذه الصحف لم تخل أية صفحة منها من سطر أو سطور، مشرقة لداعية أو دعاة من أبطال الإسلام قاموا في الناس مقام الأنبياء في أقوامهم الذين تغشتهم غواشي الضلال، وانعقدت فوقهم ظلمات الليل الطويل، حتى كادوا يغرقون في أوحال الرجس والرذيلة - فدعوا فيهم بدعوة الله ورفعوا لهم منارات الطريق إلى الله. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ٣.

стр. 9

وقد أقام الله الحجة على عباده بهؤلاء الدعاة إلى الله مؤكدا بها الحجة بما بعث من رسول، وبما أنزل معه من كتاب: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١.ونذكر هنا في هذا المقام -بعد عصر الصحابة والتابعين- الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وموقفه الرائع المجيد، وجهاده الصادق المبرور، من فتنة القول بخلق القرآن. وقد ظهرت هذه الفتنة في خلافة المأمون، الخليفة العباسي في أوائل القرن الثالث الهجري، حيث دعا المأمون بتلك البدعة، بأن القرآن مخلوق، ودعا العلماء إلى القول بها وحمل المسلمين عليها.. فكانت فتنة عمياء، دخل فيها كثير من علماء الدولة، الذين ناصروا الخليفة في القول بها، على حين أنكرها وتصدى لدفعها كثير من العلماء أول الأمر، ثم رجعوا عن موقفهم هذا واحدا واحدا، تحت سطوة الخليفة.. وبقى أحمد بن حنبل ﵁ وحده في مواجهة الخليفة المأمون، ومن جاء بعده من الخلفاء حتى خلافة المتوكل سنة ٢٣٢ هـ حيث ماتت تلك الفتنة. ولقد لقي أحمد بن حنبل في سبيل موقفه هذا ألوانا من البلاء في السجن، والضرب بالسياط على الملأ، وهو صامد صمود الجبل، حتى مات متأثرا بلهيب السياط التي مزقت جسده، مضافا إلى سجل الشهداء المجاهدين في سبيل الله، فرضى الله تعالى عنه وأرضاه. وأنه لولا موقف هذا المجاهد العظيم وصبره على البلاء لظلت هذه الفتنة تدور في تلك الأمة الإسلامية إلى اليوم، وإلى ما بعد اليوم، وليعلم الله ما كان يتولد منها من فتن، وما يتهدد الأمة الإسلامية منها من بلاء! كما نذكر هنا أيضا الإمام الليث بن سعد، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وما كان لهم وللمجاهدين من مواقف رائعة في وجه الفتن المتدفقة على المسلمين من السلاطين والأمراء، ومن انضوى تحت لوائهم من علماء السوء الذين

стр. 10

اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة حيث زينوا للحكام المنكرات، وأحلوا لهم الحرام، فباءوا بأخسر صفقة، وكانوا من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ١.ولا ننسى في هذا المقام، مقام الجهاد في سبيل الله، والنصح لله، ولرسوله ولكتابه وللمؤمنين - ما كان للأئمة الأربعة؛ أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ومالك بن أنس، وتلاميذهم، من جهاد مبرور في حفظ الشريعة وحمايتها من كل دخيل يدخل عليها من البدع، والأهواء والتأويلات المفسدة لكتاب الله وسنة رسوله.. فعلى طريق هؤلاء الأئمة سار عامة المسلمين على هدى وبصيرة من دين الله، وأحكام شريعته، كما لا ننسى في هذا المقام أيضا مقام هذا الجهاد لحماية دين الله ما قام به أئمة الحديث من تدوين السنة النبوية الشريفة، وتحقيق الصحيح منها، وعزل الموضوعات عنها، فرضوان الله عليهم أجمعين. فإذا نحن انتقلنا إلى عصرنا الحاضر، وما لأئمة الجهاد فيه من بلاء عظيم وجهاد صادق في الذود عن دين الله والنصح لله ولرسوله ولكتابه وللمؤمنين- وجدنا لهذا العصر مقدمات مباركة، من جهاد المجاهدين الصادقين الذين لا تزال أنفاسهم الطاهرة المباركة تعطر أجواء الحياة من حولنا، وتمد الأجيال المعاصرة بأمداد طيبة من الزاد الذي يقوي عزائم المؤمنين المجاهدين، ذوى الغيرة على دين الله من أن يتصدع بنيانه، أو تتداعى أركانه. وهكذا تتصل حلقات المجاهدين بسلسلة طويلة متينة من أئمة الجهاد الذين يضمهم هذا الركب المبارك من مطلع الدعوة إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولاشك أن على رأس عصرنا هذا من أئمة المجاهدين الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي طلع على الأمة الإسلامية بعد نوم طويل ثقيل، وفي وطأة كابوس كئيب، تعوي فيه ذئاب البدع والضلالات، فصرخ من أعماقه تلك الصرخة المدوية

стр. 11

التي أيقظت كل نائم ونبهت كل غافل، وأزعجت المتسلطين على الناس بسلطان الدنيا أو من جهة الدين، فكان مما حملت صرخته تلك: أيها المسلمون، استيقظوا فإن الهلاك لكم بمرصد، إن لم تعودوا إلى دينكم الذي هجرتموه فهجركم، وإنكم إن لم تسرعوا، وتمسكوا به، وتشدوا أيديكم عليه، أفلت منكم، وذهب إلى غيركم: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ ١.وقد كان لهذه الصرخة الصادقة المدوية بليل آثارها العظيمة المباركة، فهب لها النيام، واستيقظ الغافلون وسرعان ما امتلأ ميدان الجهاد بالمجاهدين في كل قطر من أقطار الإسلام. فها هو ذا جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وتلاميذهما، وأشياعهما في مصر.. والسنوسي في أقطار المغرب، والشوكاني باليمن، والسيد أحمد خان بالهند، والمهدي بالسودان، وعبد الرحمن الكواكبي بالشام. فهؤلاء وتلاميذهم وأشياعهم، كانوا ثورات إصلاحية لدنيا المسلمين ودينهم جميعا، وذلك بإصلاح ماديات المسلمين ومعنوياتهم، حتى يأخذوا مكانهم عاليا شامخا مضيئا بين الأمم. فإذا أصلح المسلمون موقفهم من دينهم، واستظلوا بظل مبادئه وأحكامه، صلحت دنياهم، وعز مكانهم بين الناس.. ولن يكون إصلاح دين المسلمين إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومجانبة كل ما دخل على دين الله من بدع غطت وجه الدين وحجبت خيره عن أولئك الذين لم يعزلوا تلك البدع عنه. وإذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵁ هو باعث تلك الحركة الإصلاحية المعاصرة، والداعية إلى الاستمساك بدين الله، واتخاذ كتابه وسنة رسوله دستورا قائما عليهم، وسلطانا حكما بينهم في أفرادهم وجماعاتهم وشعوبهم -إذا كان ذلك كذلك- وهو الحق المشهود- فإن من حق هذا المصلح العظيم أن يحتفى به، وأن تعرض صفحات من جهاده تكشف عن بلائه وصدق عزيمته، وصبره على المكاره، احتسابا لله،

стр. 12

وابتغاء لمثوبته ورضوانه، بالنصح للمسلمين، وردهم من متاهات الطرق التي شردوا فيها عن دين الله، حتى ضعف شأنهم ووقعوا فريسة ليد أعداء الله وأعداء دين الله وأعداء المؤمنين بالله. فحق الشيخ محمد بن عبد الوهاب معقود في عنق كل مسلم حريص على الخير لنفسه وللمسلمين، أن يدرس سيرة هذا البطل المجاهد، وأن يتعرف إلى أسلوب دعوته، ومضامينها، وأن يشهد صورا من جهاده وبلائه وصبره، وأن يرى كيد الشيطان وأولياء الشيطان لدعوة الحق، وللداعين بها، ثم ليعرف آخر الأمر أن النصر للحق وأن العاقبة للمتقين، ثم ليكون هذا أسوة للمتأسين وطريقا للمجاهدين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ١. وإذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العصر الذي سبق عصرنا هذا - فإننا إذ نخصه بهذا الاحتفاء، فما ذلك إلا لأنه لم يجئ من بعده من يرتفع إلى منزلته أو يقف إلى جواره وإن كان هناك كثير من المصلحين قد جاءوا من بعد إلا إنهم كانوا تلاميذ له، أو متأثرين بدعوته، سائرين على مواقع أقدامه، دون أن يلحقوا به! وبحثنا هذا الذي نديره حول سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب إنما يتناول جانبا واحدا من جوانب سيرته الرحبة العظيمة، وجهاده المتسع الميادين، وذلك الجانب هو: "الشبهات التي أثيرت حول دعوته". تلك الشبهات التي قامت بواعثها على مدعيات باطلة ومنازع فاسدة؛ لأسباب سياسية أو لدوافع شخصية، من علماء الدنيا، المتجرين بالدين، أو عن جهل غلب عليه الحمق والحسد الأعمى دون نظر أو تثبت.. إلى كثير من بواعث الهوى، التي فضحها الإمام في حياته برسائله وكتبه ثم فضحتها الأيام بعد

стр. 13

مماته؛ لأن الحق وإن شوش عليه الباطل يوما، فإن سلطان الحق المستمد من سلطان الله تعالى لا يلبث حتى يزهق الباطل، ويخمد أنفاسه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ١.نسأل الله العون والتوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 14

تمهيد ... مدخل إلى البحث عرفت الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، معرفة صحبة ملازمة، منذ نحو عشرين عاما، وكان ذلك في شهر فبراير سنة ١٩٥٩ م حيث كنت قد انتزعت من بين أهلي في منتصف ليل التاسع من هذا الشهر، ثم ألقي بي في السجن الحربي نحو ثمانية أشهر بين زبانية هذا السجن الجهنمي، وما معهم من كلاب، وحيات يطلقونها على ضيوف هذا السجن الرهيب. وكانت محنة قاسية ضاقت بها نفسي، وخانني فيها صبري، وتغشتني فيها غواشي الوحشة المرة، والألم الأليم الممض.. وليس من عزاء إلا الرجاء في رحمة الله والطمع في فواضل رحمته وإحسانه. ذلك أني وقعت ليد باغية متسلطة، أعادت في مصر سيرة فرعون وجبروته الذي سجل عليه القرآن الكريم قولته الضالة الآثمة يهتف بها في قومه، من كرسي عرشه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ١ ثم يتبعها قولته الفاجرة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٢.نعم لقد وقعت ليد فرعونية، إن لم يجهر صاحبها بادعاء الألوهية، فإن هذا الادعاء كان يعيش في ضميره ويتسلط على عقله، ويتحكم في أقواله وأفعاله.. فكلمته حكم، وأمره قضاء، ومشيئته قدر.. فكان نصيبي من هذه المحنة، هو نصيب كل مصري عاش

стр. 15

تحت حكم هذا الفرعون، وإن اختلفت حظوظهم من تلك المحن الواقعة بهم.. فهم جميعا عند قول الشاعر: من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والموت واحد وأنه لا يأس من روح الله! ففي زحمة هذه الخواطر السوداء التي كانت تتعاوى في مشاعري كقطيع من ذئاب مسعورة تطلب صيدا، وتتربص بفريسة، رأيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يدخل علي في مزدحم هذه الخواطر، من غير معرفة سابقة به، ولا استدعاء له، إذ لم يكن له عندي إلا صورة باهتة من سيرته، عفى عليها النسيان وعلاها كثير من الغبار الذي أثاره في وجه دعوته كثير من أعداء الحق، وطلاب المناصب والجاه من علماء السوء.. نعم، دخل على خواطري في تلك الحال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵁ جليسا مؤنسا، وإذا كل هذه الخواطر السوداء تتبدد، وتفر هاربة، وإذا الشيخ -رضوان الله عليه- يملأ فراغ نفسي، ويأخذ مكانا متمكنا من قلبي، وإذا برد السكينة والأمن يثلج صدري المهموم المحموم!! وأسأل نفسي: ما لهذا الشيخ بي؟ ولم يكن هو الطارق لباب وحدتي وهمومي، إن في الأمر سرا، لا بد أن تكشف عنه الأيام. ثم لقد غلبني النوم، فنمت بعد ليال لم أذق فيها للنوم طعما، وهل ينام من تعضه الكلاب وتنهشه الحيات، وتصك أذنيه صرخات المعذبين، وأنين الجرحى؟ وكان مساء، وكان صباح!! وما كدت استيقظ صباح ليلتي تلك، حتى وجدتني أعود إلى ترديد هذا السؤال ما لهذا الشيخ بي؟ وما شأنه معي؟ ومن لي في هذا السجن المطبق علي بأن أجد كتابا أو كتبا لأعرف شيئا أكثر وأصدق عن هذا الشيخ الذي لم أكن أعرف عنه إلا أخلاطا من الآراء المتضاربة المتناقضة، التي لم أقف عندها، ولم أعمل على تحقيقها وتمحيصها؟

стр. 16

وهكذا عشت فترة اعتقالي في السجن الحربي، وأنا مشغول بهذا الشيخ الذي لم تكد تفارقني أنفاسه ليلة واحدة خلال تلك الفترة. ثم خرجت من هذا السجن أو القبر إلى عالم متجهم لي، أنكرني فيه القريب وتجافاني الصديق؛ خوفا من أن تلحظه عين من تلك العيون المسلطة علي، تتبع خطواتي، وتتسمع همسي، وتختطف كل من تحدثه نفسه ببسمة للقائي، أو بهمسة عزاء في أذني. ومن أول يوم من خروجي إلى عالم ما وراء السجن الحربي، وأنا في لهفة إلى لقاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيما كتب الكاتبون عن دعوته من أولياء وأعداء. وكان من هذا أن أخرجت للناس أول كتاب من سلسلة مؤلفاتي التي جاوزت الستين مؤلفا إلى يومي هذا.. وكان هذا الكتاب، أو الكتيب تحت عنوان: الدعوة الوهابية ١ محمد بن عبد الوهاب، العقل الحر، والقلب السليم. وكان هذا الكتاب فاتحة خير لي، وبركة علي، إذ فتح الله علي بعده بهذه المؤلفات العديدة، التي كانت ذكرى الشيخ تلازمني دائما أثناء إعدادها. وقد نشر هذا الكتيب عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رجب سنة ١٣٧٩ هـ، الموافق يناير سنة ١٩٦٠ م أي بعد أربعة أشهر من خروجي من السجن! فرحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة واسعة، وأجزى له المثوبة، بما هدى من ضلال، وما أزال من شبهات، وكشف من ظلمات، وبما مهد من طرق لدعاة الخير ومريدي الإصلاح.

стр. 17

هذا وقد أعيد طبع هذا الكتيب في ربيع الآخر ١٣٩٤ هـ الموافق إبريل ١٩٧٤ م، بعد أن التقيت في الرياض بالأستاذ الجليل سماحة الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، حفيد الإمام صاحب الدعوة، الذي صحح لي بعض المفاهيم عن دعوة الشيخ الإمام، وكان قد اختلط علي بعضها، في مزدحم المقولات التي قيلت في الدعوة مما ينقض بعضها بعضا. فتقبلت هذه التصحيحات راضيا شاكرا، وأثبتها في صلب الكتاب -في طبعته الثانية تلك- وعلقت على بعضها بما رأيت من فهم لي. وها أنذا، أشرع في الكتابة عن الشيخ الإمام ودعوته، متناولا جانبا واحدا من جوانب دعوته، وهو جانب المتصدين لدعوته، المحاربين لها بالمفتريات والأباطيل، دفاعا عن سلطانهم القائم على العامة بهذه المفتريات وتلك الأباطيل.. وإذا كان الحق قد انتصر، وكشف الزمن عن صدق الدعوة وإخلاص الداعية وسقوط ادعاءات المدعين، وضلالات المضللين، الأمر الذي يغني عن النظر إلى هذه الترهات وتلك المفتريات -فإن من الخير- مع ذلك- أن نعيد عرض هذه المواقف التي وقفها علماء السوء من دعوة الحق؛ ليكون فيها الدرس النافع والعبرة الزاجرة لمن يقفون من دعوات الإصلاح هذا الموقف الذي تباع فيه الضمائر وتسترخص فيه القيم لقاء شيء من حطام هذه الدنيا من مال، أو جاه، أو سلطان!! وإذن فعلى بركة الله نمضي، وبعونه نستعين. لاهم هب لي بيانا أستعين به ... على قضاء حقوق نام قاضيها وصلى الله على سيدنا محمد، إمام المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه والتابعين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 18

الفصل الأول: الحياة.. وهذا الصراع بين الأحياء الحركة هي مبعث القوة العاملة في هذا الوجود، وهي المولد الديناميكي لكل الطاقات العاملة في مسرح الحياة، وهي سر هذا التفاعل المتصل بين الكائنات جميعها، من الذرة إلى الجبل، ومن قطرة الماء إلى المحيط، ومن الجنة إلى الشجرة. فهذه التي تخلع على الحياة في كل لحظة حللا مختلفة الأشكال والأصباغ، إنما هي من نسيج الحركة، ومن صنع يديها، وأنه لولا هذه الحركة الدائبة الشاملة في هذا الكون الرحيب، لجمدت الموجودات، ولأكلها الصدأ كما يأكل الحديد، ولتحللت كما يتحلل الجسد ويتهرأ، حين تزايله الحياة، ويستولي عليه الخمود والسكون. والحركة في مظهرها صراع عنيف متصل بين الموجودات، كل موجود يريد أن يحقق ذاته، ويبرز شخصيته على نحو ما.. فبعض الموجودات يكون تحقيق ذاتها بإفناء غيرها فيها، حين يأكل الحي غيره، ويغتذي به. وبعضها يكون تحقيق ذاتها بإفناء وجودها لإحياء غيرها، كما يرى ذلك في مواقف التضحية والفداء والاستشهاد من أجل الجماعة، أو الانتصار لمبدأ كريم.. وبعض ثالث من الموجودات يكون تحقيق ذاتها بالاجتماع مع أشباهها، والانتظام معها في حركة واحدة تنتج خيرا يتقاسمه الجميع بينهم. وهكذا تتعدد صور الصراع بين الموجودات إلى أعداد لا حصر لها، حتى يكون الصراع بين الإنسان ونفسه حين تهجم عليه بأهوائها وشهواتها، تريد مسخ إنسانيته، واغتيال فطرته، فيلقاها مغالبا لها، فيغلب حسب ما عنده من رصيد الإيمان، وقوة العزيمة أو ضعفها.

стр. 19

والصراع الذي يدخل فيه المؤمن، هو صراع الخير الذي ينشده، ويسخر له قواه، لخيره وخير الجماعة معه، وبين الشر الذي يزحمه في طريق حياته، وفي ميادين عمله، يريد أن يصرفه عن وجهته، وأن يسخره للشر، وموالات الأشرار. والإسلام في نظرته للخير والشر لا ينكر واقع الحياة، ولا يجاوز الحدود التي تجري عليها سننها.. فالإسلام يعترف بما في الحياة من خير وشر، كما يعترف بأن الإنسان في معرض الخير والشر، وأنهما يتنازعانه دائما كل منهما يريده إلى جانبه.. كما يعترف الإسلام بأن في كيان الإنسان من القوى المدركة العاقلة ما يفرق به بين الخير والشر ويميز به الطيب من الخبيث، كما يفرق بحواسه بين النور والظلام، والحلو والمر، والجميل والقبيح.. كذلك يعترف الإسلام بأن في كيان الإنسان نفسا أمارة بالسوء، وشيطانا يوسوس له بالمنكر، ويزينه له، ويعرض له الشر في صورة الخير. والخير في نظر الإسلام حق ثابت، والشر زيف عارض، أو بمعنى آخر، أن الخير يقوم على دعائم قوية ثابتة من الحق، ويستند على أسس وطيدة منه، وأن الشر ينبت من حبات الباطل، ويغتذي من سراب الزور والبهتان. وبما أنه لا يمكن أن يأتلف الخير والشر، ويتآخى الحق والباطل، فقد كان لكل موقعه، ولكل أهله ومريدوه من الناس.. ومن هذا كان ذلك الصراع المحتدم بين الناس - أفرادا وجماعات- كل يناصر الموقع الذي أخذه من هذين الموقعين المتضادين، المتنازعين. ودعوات الرسل والأنبياء والمصلحين الراشدين من الناس، إنما هي وقوف إلى جانب الحق والخير وانتصار لهما، واستنفار لمن يستجيبون لدعوتهم، أن يكونوا تحت راية الحق والخير، وأن يعملوا بكل قواهم لهزيمة الشر والباطل، ولو وقعوا شهداء في ميدان المعركة،

стр. 20

حتى يطيب للناس المقام في هذه الحياة وتظلهم الطمأنينة والأمن والسلام.. وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١.ذلك أن من فضل الله على الناس، ورحمته بهم، وإحسانه عليهم، أن ندب فيهم للحق رجالا يحمون حماه، ويدفعون أهل الباطل أن يستعملوا على أهل الحق، حتى لا تفسد حياة الناس، وتتغشاها غواشي الظلم، والبغي، والعدوان.. ولأن أهل الخير ينتصرون للحق، ولأن الحق اسم من أسماء الله الحسنى، فإن الله تعالى ينتصر لمن يلوذ بحمى الحق، ويكون وليا لله مستعينا به فيجد من الله العون والنصر.. وفي هذا يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ٢. ونصر الحق من أنصار الحق، إنما يكون بالقول والعمل. فبالقول يكشف وجه الحق، وتشرق أنواره، وتتضح معالم الطريق إليه لمن غاب

стр. 21

عنهم، أو ضلوا عنه.. وبالعمل يدفع أهل الباطل الزاحفون على مواطن الحق، المحاربون لأهله. وفي هذا المجال يمتحن إيمان المؤمنين، ويتبين صدق الصادقين، حيث يكون البلاء هو النار التي تكشف عن معادن الرجال، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ١ ويقول سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢ ويقول جل شأنه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٣.والله قادر على أن يجعل الحق وحده سلطانا قائما في الحياة لا يتحكك به الباطل، ولا ينازعه سلطانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٤.فهو سبحانه أراد أن يكون للناس ابتلاء وامتحان وأن يكون للمؤمنين بلاؤهم وجهادهم لإعزاز سلطان الحق والتمكين له، لينالوا بهذا رضوان الله، ولينزلوا منازل المكرمين عنده في جنات النعيم:

стр. 22

﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١.فلا بد إذن للحق من أنصار يجاهدون في سبيله، ويحتملون ما يلقاهم على طريق الجهاد من بلاء وعناء، فذلك هو الثمن الذي يقدمه المجاهدون لينالوا به رضوان الله، والذي ضن به أولياء الشيطان، فكانت عاقبتهم الخسران، والحسرة والندامة. - ٥ - هذا، وقد تعلو للباطل رايات ورايات، وتقوم تحت راياته تلك دولة ودولة حتى يظن أن وجه الحق قد اختفى، وأن دولته قد دالت.. ولكن الواقع هنا هو أن الحق في تلك الحال مضمر في محيط الحياة الإنسانية، يستدعي أنصاره أن يقوموا له، وأن يزيلوا سحب الضلال المنعقدة في سمائه، لتشرق شمسه من جديد وإن طال ليل الباطل وامتد، والله تعالى يقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ٢.ومن هذا المثل الكريم، الذي ضربه الحق سبحانه، للحق والباطل، نرى أن الحق، قد يزاحمه الباطل، ويشوبه بغباره ودخانه، كما يشوب المعادن الكريمة ذرات من التراب أو

стр. 23

الصدأ، فإذا عرضت تلك المعادن على النار تخلصت من تلك الشوائب الغريبة التي دخلت عليها، وإذا هي نقية خالصة من كل شائبة!! كذلك الحق، إذا شابه الباطل، فإنه لا يتخلص من هذا الغريب الذي دخل عليه إلا بجهاد المجاهدين الذين يحرقونه بنار جهادهم، ويخلصون الحق من شوائب الباطل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ١ ففي قوله تعالى: ﴿نقذف بالحق﴾ . إشارة إلى تلك القوة التي تقوم من وراء الحق من المجاهدين في سبيله، والتي تقذف بالحق قذفا، وتدفع به دفعا لتصدم به الباطل صدمة قاتلة. فإن الحق وحده بغير أنصار ينتصرون له، ويدافعون عنه، هو جوهر كريم في باطن الأرض، لا بد من البحث عنه والمعاناة في سبيل الوصول إليه والانتفاع به. إن من المبادئ المقررة في علم الاجتماع " أن البقاء للأصلح" والأصلح لحياة الناس، وأمنهم واستقرارهم هو الحق، الذي يولد منه كل خير، كما أن الأصلح للإنسان هو سلامة جسده وعقله، فإذا دخل عليه مرض في جسده، أو آفة في عقله، فإنه لا يجد للحياة طعما، إلا إذا تخلص من هذا المرض، وعوفي من تلك الآفة. يقول الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل ١٨٠٦ - ١٨٧٣ م "من السخافة أن يتوهم المرء أن الحق -لا شيء سوى أنه حق- يشتمل على قوة غريزية ليست موجودة في الباطل، من شأنها أن تمكن الحق، من التغلب على ضروب العقاب، والتنكيل، والشرور التي تمتد بها يد الباطل. "إذ الحقيقة الواقعة، أن مقدارا كافيا من العقوبات الغاشمة، أو الظلم الاجتماعي يحول دون انتشار الحق.

стр. 24

ولكن الفضيلة الصادقة التي يتميز بها الحق هي: أنه يمكن إخماده مرة ومرة ومرات، غير أنه لا بد على الزمن من أن يظهر أناس يعاودون اكتشاف الحق، المرة بعد الأخرى، حتى يوافق ظهوره في إحدى المرات ظروفا ملائمة، فينفلت من الاضطهاد، ويجمع من الأنصار ما يمكنه من التغلب على الباطل، وإجلائه من المواقع التي احتلها". والظروف الملائمة للحق، التي يشير إليها هذا الفيلسوف، والتي تمكن لانتصار الحق، ودحر الباطل، إنما تكون بظهور رجال أشرقت في قلوبهم أنوار الحق، فأبوا أن يروا الباطل يحوم حوله بظلامه، لأن الباطل كريه الريح، يخنق بريحه الخبيثة صدور أهل الصحة والسلامة، فلا يجمعهم وإياه مكان، بل يعملون جاهدين على طرده والقضاء عليه ولو ذهبت في سبيل ذلك أرواحهم. - ٦ - والرسل والأنبياء، ﵈ -كما أشرنا من قبل- هم القائمون بدعوتهم السماوية المنزلة بالحق، في وجه الباطل، والآخذون عليه السبيل أن يتسلط على الناس، ويفسد حياتهم. ومن وراء الرسل والأنبياء، ﵈، أتباع الرسل والأنبياء الذين يقومون بما دعوا إليه من حق، وما حذروا منه من باطل، فيجاهدون بألسنتهم وبأيديهم وبأموالهم، دفاعا عن الحق، ودفعا للباطل أن يحوم حول حماه. وفي ميدان هذا الجهاد المبرور، يتوارد المصلحون ودعاة الحق على مواقع الجهاد، مسترخصين النفوس والأموال والأهل والأوطان، محققين بذلك ما عقدوه مع الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ

стр. 25

وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ_ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.ويقول سبحانه في وصف هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢.وأنه لكي يتحقق للأمة الإسلامية هذا الوصف الكريم، الذي أضفاه الله تعالى عليها -وهو متحقق دائما إن شاء الله- كان لا بد أن يقوم فيها دعاة الخير الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فلا تتعطل فيها هذه الدعوة أبدا، ولا يخفت صوتها في أي زمان أو مكان، وإن كانت هي في زمن أقوى فيها من زمن، وفي حال أكثر فيها ثمرا من حال! يقول رسول الله ﷺ " لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم " ٣ -أي اليهود- ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٤.

стр. 26

-٧- وفي سبيل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كان البذل والتضحية. والاستشهاد في سبيل الله، من أولئك المؤمنين الذين كان لهم من وثاقة إيمانهم بالله، وغيرتهم على دين الله، ما دفع بهم إلى أخذ هذا الموقف واحتمال ما يصادفهم على طريقه، من شدائد وأهوال. وفي سجل المجاهدين في سبيل الله، والداعين إلى الله، وإلى شريعة الله، نرى صفحات خالدة مشرقة لأبطال الإسلام في كل جيل، وفي كل موطن من مواطن الإسلام، وفي كل موقع من مواقع الحق، صفحات تنطق بأبلغ بيان، وتدلي بأصدق شهادة، بأنهم قد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فما ضعفوا وما استكانوا في أي موقف يدعوهم الحق إلى نصرته، وإلى الجهاد والتضحية في سبيله، وبهذا ظلت وستظل -إن شاء الله- هذه الأمة على هذا الوصف الذي وصفها الحق به في قوله جل شأنه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ١. -٨- وأما ونحن مع سيرة بطل من أولئك الأبطال المجاهدين، الذين ضمهم التاريخ في سجل الخالدين في الناس بما خلفوا وراءهم من صدق الجهاد وعظيم التضحيات، ونعني بهذا البطل العظيم، والمجاهد المصلح الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب -وأنه بحسبنا من سيرته، أن نذكر صفحات من جهاده وصبره على المكاره في هذا الجهاد، وما لقي من مفتريات المفترين، ومضلات الضالين وبخاصة علماء السوء، الذين يتجرون بالدين، تلك التجارة الخاسرة في الدنيا والآخرة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ

стр. 27

وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ١.وسنرى في هذا الجانب من سيرة هذا الإمام، كيف يواجه الحق جحافل الظلام، وكيف يبدد شمله بأسلحة الإيمان والصبر والتضحية والفداء.. فإن الله بالغ أمره، وناصر أوليائه: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢. ٣.

стр. 28

الفصل الثاني: الشيح.. وراية الجهاد ... الفصل الثاني: الشيخ.. وراية الجهاد -١- تعريف موجز بالشيخ: هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على.. ولد في بلدة العيينة بنجد سنة ١١١٥ هـ وتوفي إلى رحمة الله ورضوانه سنة ١٢٠٦ هـ، أي أن حياته المباركة قد امتدت في هذه الدنيا أكثر من تسعين عاما، كانت أعوامها كلها خيرا وبركة على الإسلام والمسلمين، حيث عمرت بالجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الحق الذي كادت تذهب معالمه في المجتمع الإسلامي كله. وجده الشيخ سليمان بن علي كان من كبار علماء نجد مشهورا بالعلم والفضل، والورع والتقوى، وقد تولى هذا الجد الكريم، وظيفة الإفتاء في نجد، وتتلمذ عليه أكثر علماء نجد، وكان يؤوي طلاب العلم، وفقراء التلاميذ الذين يتلقون العلم عنه وينفق عليهم من خالص ماله. ثم خلفه ابنه الشيخ عبد الوهاب. وكان عالما. وقد ولي القضاء في العيينة في إمرة عبد الله بن محمد بن معمر.

стр. 29

- ٢ - وفي هذا البيت المتصل بالعلم، الناشر لألويته في ربوع نجد، ولد محمد بن عبد الوهاب، ونشأ يتلقى العلم عن أبيه حيث ظهر نبوغه، وأشرقت بصيرته، فنفذ بهذه البصيرة إلى مواقع الحق من دين الله، وأخذ يرى تلك المفارقات البعيدة بين ما في كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة، من دين خالص لله ووحدانية مطلقة لله، وبين ما كان يرى من قومه من شرك بالله يتمثل في تعظيم المقبورين، والتمسح بجدران القباب، والأضرحة المقامة على أولئك الأموات والتعبد للأحجار والأشجار، وتقديم القربان لها، وطلب العون منها، والتماس قضاء الحاجات عندها. ولقد كانت أكثر هذه المعتقدات الشركية، وافدة على نجد وعلى غير نجد في الجزيرة العربية، وفي كثير من أقطار الإسلام -وافدة من بلاد العجم الداخلة في الإسلام بموروثاتها الفاسدة التي لم تستطع أن تتخلص منها، فاختلطت تلك الموروثات بالتوحيد حتى حجبته بضبابها عن كثير من العيون، وأخلته من كثير من القلوب.. وأصبحت تلك المشاهد المنصوبة على أسماء لآل البيت -رضوان الله عليهم- في مشهد، وفي قم، وفي مصر، وفي غيرها- مزاراً وحجاً لكثير ممن ينتسبون إلى الإسلام وكأنها صورة من تلك الأصنام التي نصبها مشركو الجاهلية في داخل الكعبة وخارجها حتى كان يوم فتح مكة، حيث طهر الرسول ﷺ بيت الله من هذا الرجس؛ إذ جعل ينخس هذه الأصنام بمخصرته، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ١ فتنقلب على وجوهها غارقة في التراب. -٣- ولقد ثارت نفس الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وامتلأ صدره حسرة وألماً؛ لما رأى ما عليه أكثر المسلمين من حوله، وهم غارقون في هذا الضلال، وليس في قلوبهم، ولا على

стр. 30

ألسنتهم، ولا في أعمالهم شيء من الإسلام، وإن يكن فهو شعار زيف، أشبه بسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. من أجل هذا لم يطق الشيخ صبرا على ما يرى، فأخذ يطوف في البلاد، لعله يصادف في تطوافه وجها صحيحا للإسلام في أي بلد من بلاد الله، فتنتعش نفسه وتبرق بوارق الأمل في صدره، أو لعله يلتقي بمن يشاركه هذه الهموم التي تعتلج في صدره غيرة على الإسلام، وحرصا على المسلمين، فيخفف ذلك من بعض همومه ويجد بعض العزاء عند من يشاركه حملها. ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك، أو ينسيك، أو يتوجع - ٤ - وكان أن رحل الشيخ من بلده العيينة إلى البلد الحرام، ولما لم يجد هناك ما يشد أزره، ويقوي عزيمته على الدعوة إلى إصلاح حال المسلمين، وتخليصهم من الشرك الذي اغتال مواقع الإيمان منهم - شد رحاله إلى المدينة المنورة. وفي المدينة المنورة، التقى بكثير من العلماء، الذين حماهم الله من الارتكاس في دنس الشرك، وبرأهم من الضلال الذي وقع فيه كثير من أدعياء العلماء وتجار الدين. ومن هؤلاء العلماء، الذين اتصل بهم الشيخ في المدينة الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، وكان عالما مستنيرا، فاقها لدين الله. وقد وجد عنده الشيخ محمد بن عبد الوهاب صدى لما كان يتردد في صدره، ويعتلج في خواطره، فأفاد كثيرا من علمه. كذلك التقى الشيخ في المدينة أيضا بالشيخ محمد بن حياة السندي، وكان محدثا عالما، مستنير البصيرة، فاقها لدين الله، سليم العقيدة، بعيدا عن التقليد الأعمى، فلا يقبل أمراً من أمور دينه، إلا رده إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه

стр. 31

وسلم، ثم نظر فيه بعد ذلك نظر متدبر، فإن غم عليه شيء سأل أهل الذكر من علماء السلف بالرجوع إلى المعتمد من مؤلفاتهم وآثارهم. وقد شهد الشيخ وفود الحجيج، وزيارة قبر الرسول ﷺ وما كان يفعل المسلمون من منكرات، وما تنطق به ألسنتهم من شرك غليظ حول قبر الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- فشد ذلك من عزمه، وقوى من يقينه على التصدي لهذا الضلال، وإعلان الحرب على هذه المنكرات بكل ما يقدر عليه من إنكار باللسان، وتغيير باليد لهذه المنكرات إن استطاع! -٥- فلما أخذ الشيخ ما أمكنه أخذه من علماء المدينة، ووجد دفء الأمل في صدره، أخذ طريقه إلى نجد، معاودا تشديد النكير على تلك المنكرات المتفشية في القوم هناك.. ثم ما كاد الشيخ يستقر في نجد، ويتهيأ لخوض المعركة ضد الشرك هناك، حتى وقع في خاطره أنه إذا قدر له أن ينتصر في هذه المعركة في وطنه، ويزيح غوائل الشرك عنه، فإن الداء لا يلبث حتى يدخل مرة أخرى على أولئك الذين استشفى لهم من دائهم، وذلك بما يزحف عليهم من الأوطان المجاورة، وبخاصة في موسم الحج، وما يحمل وفود الحجيج من آفات الشرك التي تسري سمومها من حامليها إلى الذين تخلصوا منها، كما تسري عدوى الوباء من المريض إلى السليم. لهذا رأى الشيخ ﵁ أن يأخذ بالحكمة القائلة: "الوقاية خير من العلاج"! فرأى أن تكون له رحلات إلى العالم الإسلامي. وذلك ليحقق أمرين: أولهما: أن يتعرف على أحوال المسلمين في غير نجد، وأن يتصل بعلماء المسلمين في أي قطر يحل به، ليجد ما عليه الناس هناك، فإن كانوا على الصحة والسلامة في

стр. 32

دينهم، تبين الأسباب التي حفظت عليهم دينهم من أن تدنس حماه آفات الشرك. وإن كانوا على الحال التي عليها أهل نجد وما حولهم من هذا الشرك المتمكن منهم، حاول أن يتعرف على مداخل هذه الآفة، وموقف العلماء منها. وثانيهما: أنه لا يعدم في هذه السياحة في أوطان المسلمين أن يلتقي ببعض العلماء الراشدين، فيفيد منهم ويفيدوا منه، ثم لا يعدم أن يجد منهم الداعية في وطنه إلى ما يدعو إليه هو في نجد، وفي الجزيرة العربية، وهذا مما يشد أزر الدعاة إذا تجاوبت دعواتهم، وترددت أصداء هذه الدعوات من كل ناحية. فقلت ادعو وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان هكذا قدر الشيخ، فكان أن وجه وجهه نحو العراق!! - ٦ - الرحلة إلى العراق: رحل الشيخ إلى العراق، وفي تقديره أن فيها صورا من الشرك تزيد عما رآه في نجد، حيث المشاهد والقباب المموهة بالذهب، والمكسوة بالديباج والحرير، وكانت البصرة محط رحال الشيخ. وهناك رأي أكثر مما كان يتصور من البدع والمنكرات.. ومع هذا فقد صادف في العراق عالما جليلا هو الشيخ محمد المجموعي الذي كان أشبه بومضة من النور في وسط ليل حالك كئيب. وفي مجلس الشيخ المجموعي، كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يواجه ما يرى أو يسمع من الأقوال والأفعال الشركية، بكلمة الحق، الواضحة الصريحة، التي كانت تنزل على رؤس علماء السوء والعامة المتعلقين بأذيالهم، نزول الصواعق، فتتجهم وجوههم، وتتحرك ألسنتهم بالإنكار على الشيخ ورميه بالمروق من الدين.

стр. 33

ومن هذا الضلال الذي كان عليه أهل البصرة، قامت حملة شيطانية عاتية على الشيخ حيث تداعى عليه السفهاء والمشعوذون المتجرون بالدين، يشوشون عليه ويرجمونه بأقبح الكلمات.. ثم ما زالوا به حتى أخرجوه من البصرة مشيعا بالسب والقذف بالألسنة والأيدي. أخذ الشيخ طريقه عائدا إلى نجد.. وفي الطريق إلى بلدة الزبير ١ كاد يموت عطشا ورهقا، لولا أن سخر الله تعالى له رجلا ٢ رآه على تلك الحال مع ما عليه من جلال ووقار، فأخذته الشفقة به، فأسعفه بالماء، وحمله على حماره، حتى أوصله إلى بلدة الزبير. ومن بلدة الزبير سار الشيخ إلى الأحساء، فلم يمكث بها إلا قليلا، ثم سار منها إلى "حريملاء" التي كان والده قد استقر بها. - ٧ - هذه الهجرات وحصادها: ولا شك أن هذه الهجرات التي هاجر بها الشيخ إلى ربه، نحو مكة والمدينة ثم العراق، وما صادف في هذه الرحلات من ضروب الشدائد وما طلع عليه من وجوه الخير والشر في البلاد والعباد -لا شك أن ذلك كان إعدادا طيبا له- للدخول في هذه الغزوات التي غزاها في سبيل الله، داعيا إلى الله، هاديا إلى دينه القويم، صابراً ومصابراً على كل ما يلقى المجاهدون في سبيل الله من بلاء، هو الطريق إلى رضوان الله، وإلى الفوز بجنات النعيم، كما يقول الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"

стр. 34

ثم كان إلى جانب هذه الغزوات بكلمة الحق، تلك السيوف الماضية التي قامت بين يديها ومن خلفها من آل سعود، الذين باعوا أنفسهم لله، ذيادا عن دينه ودفاعا عن حرماته. وبهذا اجتمع للدعوة العنصران اللذان يكفلان لها النجاح، ويبلغان بها الغاية المرجوة منها، وهما: الداعية الذي ينطق بالحق، ويفصح عن دين الله، خالصا من كل شائبة، مبرأ من كل زيف. ثم مع هذا الداعية السيف الذي يضرب في وجوه الباطل، ويردع المبطلين.. والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١ وهكذا عرف الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كيف يتأسى برسول الله ﷺ في دعوته، وفي هجرته، وفي بيعة الأنصار لنصرته، وفي مواجهة السيف بالسيف، حتى كان النصر والفتح، ودخول الناس في دين الله أفواجا. ولهذا كان نجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب محسوبا على الناس بمنهج دعوة رسول الله ﷺ واقتفاء آثارها.. فكانت الكلمة أولا.. ثم كان السيف ثانيا لمن وقف في وجه كلمة الحق، وصد الناس عنها.. والشر إن تلقه بالخير ضقت به ... ذرعا، وإن تلقه بالسيف ينحسم

стр. 35

الفصل الثالث في ميدان الجهاد - ١ - لقد كان هناك أكثر من ميدان للجهاد، دخل فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنصاره من آل سعود.. وإنه إذا كان آل سعود قد حملوا عبء معارك القتال في نجد، وفي الجزيرة العربية، ثم في مواجهة الدولة العثمانية، والأوطان التي تحت يدها -فإن الشيخ ﵁ واجه بدعوته أكثر من عدو. فهناك الشرك الذي غطى الجزيرة العربية كلها، حتى أصبح دينا يدين به الناس بدلا من دين الله.. فكان على الشيخ في هذا الميدان أن يكشف وجوه الشرك، ويفضحها على ضوء الإسلام، وحقائقه. ثم هناك أهل الضلال من العلماء الجهلاء ومن وراءهم من العامة المنقادين لهم حيث وقفوا جميعا في وجه الدعوة وشغبوا عليها -وكان على الشيخ أن يتصدى للرد على أهل الباطل، وأن يهزمهم بكلمة الحق بما ألف من كتب وبما وجه من رسائل، وما أدار من محاورات. ثم كان هناك المجاهدون، وما يقع لهم من نصر أو هزيمة في ميادين القتال.. وكان على الشيخ أن يضبط بحكمته تلك الأحداث، وأن يقيمها على ميزان الحق والعدل والإحسان، فلا زهو بالنصر يكون منه البغي والعدوان، ولا تخاذل مع الهزيمة يكون منه الاستسلام واليأس. وهكذا قضى الشيخ حياته مجاهدا في كل موقع محاربا في كل ميدان، مؤمنا بربه واثقاً

стр. 36

في تأييده ونصره حتى لحق ربه، تاركا وراءه رصيدا عظيما من قوى الحق وأسلحة النصر، وبهذا الرصيد كتب الله لدعوة التوحيد أن تنتصر، وأن تخفق أعلامها على الجزيرة العربية كلها ثم تمتد آثارها إلى العالم الإسلامي كله. -٢- ولا نتحدث هنا عن الثمن الذي أداه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والأمير محمد بن سعود، وخلفاؤهما من آل الشيخ وآل سعود، حتى كان هذا النصر العظيم والفتح المجيد للدعوة التي أعادت الإسلام من غربته إلى الوطن الذي أشرقت منه شمس الإسلام على العالمين. لا نتحدث هنا عن هذا الثمن العظيم الذي بذل لتحقيق هذه الرسالة العظيمة من احتمال الشدائد ومكابدة البلاء والتضحية بالأنفس والأموال، فهذا على كثرته العظيمة في كل وجه من وجوه التضحية والفداء، هو قليل إلى ما تحقق من مكاسب جليلة للإسلام، وخير وفير للمسلمين. ويكفي أن نشير هنا إشارة عابرة إلى ما وقع لآل سعود، وآل الشيخ على يد محمد علي والي مصر بتحريض من السلطان العثماني، فقد وجه محمد علي جيشا كثيفا بقيادة ابنه إبراهيم إلى الجزيرة العربية حيث وصل إلى نجد، ودخل الدرعية، وسلط المدافع عليها، فحصد أهلها، وخرب دورها، وهدم حصونها، وقتل كثيراً من آل سعود وآل الشيخ، ثم أخذ بقية الأمراء من آل سعود وآل الشيخ أسرى إلى مصر، ثم أرسل الأمير عبد الله بن سعود من مصر إلى الأستانة، بعد أخذ الأمان له من السلطان، ولكنه قتل هناك غدرا، ولحق بشهداء الحق. -٣- أما ما لقي الإمام محمد بن عبد الوهاب في حياته، وبعد مماته، من تشويه لدعوة التوحيد، ومن مفتريات عليه وعلى دعوته المشرقة بنور الحق، الناطقة بلسان التوحيد، فإن

стр. 37

الأمر هنا يقتضينا أن نبسط القول فيه، ليكون درسا نافعا لدعاة الخير، وعظة بالغة لمن يحملون أمانة الدعوة إلى الله، وطريقا مستقيما واضحا لأنصار الحق المجاهدين في سبيل الله، وما يلقون من سفاهة السفهاء وجهالة الجاهلين وحسد الحاسدين، حتى يوطن الداعي إلى الله نفسه من أول الأمر على مواجهة العواصف العاتية المزمجرة، وأنه في مواجهة امتحان قاس مرير امتحن به أنبياء الله ورسله ودعاة الحق من بعدهم. فإن وجد الداعي من نفسه القدرة على الوفاء بحق الدعوة واحتمال الآلام في سبيلها، أخذ طريقه إلى الله غير عابئ بما يلقاه من شدائد وأهوال، ولو كان الاستشهاد في موقف الجهاد.. وإلا صرف نفسه عن هذا الموقف ليقفه رجل أو رجال ممن هم أهل لهذا الموقف العظيم الكريم، ولن يخلو مجتمع المسلمين أبدا ممن يدعوا إلى دين الله، ويجدد للأمة الإسلامية دينها، إذا عرضت له العوارض، وتداعت عليه البدع والضلالات. أما من يدخل هذا الميدان -ميدان الدعوة إلى الله، ومواجهة أعداء الله وأعداء دينه، دون أن يستوثق من نفسه، ويمتحن بلاءه وقوة صبره واحتماله، فإنه يضر ولا ينفع، حين يكون ممسكا براية الحق ثم يدعها تسقط من يده لأول صدمة يصدم بها أو يفر من الميدان عند أول مواجهة، فإن ذلك مما يقيم به شهادة باطلة على فرار الحق أمام الباطل، والذي فر في الحقيقة ليس هو الحق، وإنما ذلك الذي حمل راية الحق، وهو ليس أهلا لحملها.. وهذا ما يشير إليه. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١.إن هذا الذي ولى دبره فارا من المعركة، جبنا وخوفا، هو راية هزيمة تستدعي إليها غيره ممن كانوا في ميدان المعركة، حيث يرون في هذا الفار ما يخيل إليهم منه أنه رأى الدائرة تدور على المسلمين، فكان منه هذا الموقف الذي قد يؤدي إلى هزيمة المسلمين فعلا، ولهذا توعده الله تعالى بغضبه في الدنيا وبالنار مأواه في الآخرة!

стр. 38

- ٤ - فماذا لقي الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سبيل دعوته من شدائد ومحن في حياته؟ وماذا لقيت دعوته إلى توحيد الله، وإخلاص العبودية له وحده سبحانه، من افتراءات عليها، وكيد لها، وتزييف لحقائقها في حياته وبعد مماته؟ ذلك ما نتحدث عنه في الفصل التالي -إن شاء الله- ومن الله العون وبالله التوفيق.

стр. 39

الفصل الرابع صراع بين الحق والباطل هذا الصراع بين الحق والباطل، هو المحور الذي تدور عليه قصة الإنسانية على هذه الأرض، منذ خلق آدم إلى يوم الناس هذا، وإلى ما بعد هذا اليوم حتى ينتهي دور الناس في هذه الحياة الدنيا.. حيث لا تخلو أحداث هذه القصة في أي فصل من فصولها من صورة من صور هذا الصراع، بين شد وجذب، وانتصار وهزيمة.. ثم يكون النصر والغلب للحق في آخر كل فصل، ثم في نهاية القصة. والحق هو الخير والنور والهدى والفلاح لكل من تمسك به وأخذ الطريق معه.. لأنه طريق الله، وهو سبيل المؤمنين الذين ﵃، وكتب لهم الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٢.والباطل هر الشر والظلام والضلال في جميع صوره وأشكاله، وفي مختلف مواقعه وأحواله، لا يلبس من أمسك به إلا البلاء والشقاء وسوء المصير في الدنيا والآخرة جميعا.

стр. 40

كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١.وقوله : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢.والباطل هو المنكر. الذي يجب على المؤمن إنكاره، والعمل على القضاء عليه كما يقول الرسول ﷺ " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " ٣.والتعبير بالقلب، الذي أشار إليه الرسول الكريم لإنكار المنكر، وعدم الوقوف عنده ضعفا في إيمان المؤمن هو أول درجات الإنكار للمنكر، حيث لا يكون إنكارا باللسان أو باليد إلا بعد الإنكار بالقلب فإذا رأى المؤمن الصادق الإيمان منكرا أنكره أولا بقلبه حين يراه خارجا عن طريق الحق والخير، ثم ينكره باللسان، فإن غاب وجه المنكر بهذا الإنكار باللسان، وإلا كان الإنكار باليد الضاربة للمنكر وأهله الصارعة لهم في ميدان الجهاد. وفي هذا الميدان لإنكار المنكر يمتحن إيمان المؤمنين، وفي هذا الامتحان ينكشف معدن المؤمن ويرى جوهر إيمانه، وصدق يقينه، كما يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٤.ويقول ﷺ " يبتلى الرجل حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة هون عليه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة " ٥ رواه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص.
следующие страницы →