← Общие книги

Общие книги · id 7648

الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مطبوع ضمن بحوث ندوة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)

عبد الكريم الخطيب

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

في تأييده ونصره حتى لحق ربه، تاركا وراءه رصيدا عظيما من قوى الحق وأسلحة النصر، وبهذا الرصيد كتب الله لدعوة التوحيد أن تنتصر، وأن تخفق أعلامها على الجزيرة العربية كلها ثم تمتد آثارها إلى العالم الإسلامي كله. -٢- ولا نتحدث هنا عن الثمن الذي أداه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والأمير محمد بن سعود، وخلفاؤهما من آل الشيخ وآل سعود، حتى كان هذا النصر العظيم والفتح المجيد للدعوة التي أعادت الإسلام من غربته إلى الوطن الذي أشرقت منه شمس الإسلام على العالمين. لا نتحدث هنا عن هذا الثمن العظيم الذي بذل لتحقيق هذه الرسالة العظيمة من احتمال الشدائد ومكابدة البلاء والتضحية بالأنفس والأموال، فهذا على كثرته العظيمة في كل وجه من وجوه التضحية والفداء، هو قليل إلى ما تحقق من مكاسب جليلة للإسلام، وخير وفير للمسلمين. ويكفي أن نشير هنا إشارة عابرة إلى ما وقع لآل سعود، وآل الشيخ على يد محمد علي والي مصر بتحريض من السلطان العثماني، فقد وجه محمد علي جيشا كثيفا بقيادة ابنه إبراهيم إلى الجزيرة العربية حيث وصل إلى نجد، ودخل الدرعية، وسلط المدافع عليها، فحصد أهلها، وخرب دورها، وهدم حصونها، وقتل كثيراً من آل سعود وآل الشيخ، ثم أخذ بقية الأمراء من آل سعود وآل الشيخ أسرى إلى مصر، ثم أرسل الأمير عبد الله بن سعود من مصر إلى الأستانة، بعد أخذ الأمان له من السلطان، ولكنه قتل هناك غدرا، ولحق بشهداء الحق. -٣- أما ما لقي الإمام محمد بن عبد الوهاب في حياته، وبعد مماته، من تشويه لدعوة التوحيد، ومن مفتريات عليه وعلى دعوته المشرقة بنور الحق، الناطقة بلسان التوحيد، فإن

стр. 37

الأمر هنا يقتضينا أن نبسط القول فيه، ليكون درسا نافعا لدعاة الخير، وعظة بالغة لمن يحملون أمانة الدعوة إلى الله، وطريقا مستقيما واضحا لأنصار الحق المجاهدين في سبيل الله، وما يلقون من سفاهة السفهاء وجهالة الجاهلين وحسد الحاسدين، حتى يوطن الداعي إلى الله نفسه من أول الأمر على مواجهة العواصف العاتية المزمجرة، وأنه في مواجهة امتحان قاس مرير امتحن به أنبياء الله ورسله ودعاة الحق من بعدهم. فإن وجد الداعي من نفسه القدرة على الوفاء بحق الدعوة واحتمال الآلام في سبيلها، أخذ طريقه إلى الله غير عابئ بما يلقاه من شدائد وأهوال، ولو كان الاستشهاد في موقف الجهاد.. وإلا صرف نفسه عن هذا الموقف ليقفه رجل أو رجال ممن هم أهل لهذا الموقف العظيم الكريم، ولن يخلو مجتمع المسلمين أبدا ممن يدعوا إلى دين الله، ويجدد للأمة الإسلامية دينها، إذا عرضت له العوارض، وتداعت عليه البدع والضلالات. أما من يدخل هذا الميدان -ميدان الدعوة إلى الله، ومواجهة أعداء الله وأعداء دينه، دون أن يستوثق من نفسه، ويمتحن بلاءه وقوة صبره واحتماله، فإنه يضر ولا ينفع، حين يكون ممسكا براية الحق ثم يدعها تسقط من يده لأول صدمة يصدم بها أو يفر من الميدان عند أول مواجهة، فإن ذلك مما يقيم به شهادة باطلة على فرار الحق أمام الباطل، والذي فر في الحقيقة ليس هو الحق، وإنما ذلك الذي حمل راية الحق، وهو ليس أهلا لحملها.. وهذا ما يشير إليه. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١.إن هذا الذي ولى دبره فارا من المعركة، جبنا وخوفا، هو راية هزيمة تستدعي إليها غيره ممن كانوا في ميدان المعركة، حيث يرون في هذا الفار ما يخيل إليهم منه أنه رأى الدائرة تدور على المسلمين، فكان منه هذا الموقف الذي قد يؤدي إلى هزيمة المسلمين فعلا، ولهذا توعده الله تعالى بغضبه في الدنيا وبالنار مأواه في الآخرة!

стр. 38

- ٤ - فماذا لقي الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سبيل دعوته من شدائد ومحن في حياته؟ وماذا لقيت دعوته إلى توحيد الله، وإخلاص العبودية له وحده سبحانه، من افتراءات عليها، وكيد لها، وتزييف لحقائقها في حياته وبعد مماته؟ ذلك ما نتحدث عنه في الفصل التالي -إن شاء الله- ومن الله العون وبالله التوفيق.

стр. 39

الفصل الرابع صراع بين الحق والباطل هذا الصراع بين الحق والباطل، هو المحور الذي تدور عليه قصة الإنسانية على هذه الأرض، منذ خلق آدم إلى يوم الناس هذا، وإلى ما بعد هذا اليوم حتى ينتهي دور الناس في هذه الحياة الدنيا.. حيث لا تخلو أحداث هذه القصة في أي فصل من فصولها من صورة من صور هذا الصراع، بين شد وجذب، وانتصار وهزيمة.. ثم يكون النصر والغلب للحق في آخر كل فصل، ثم في نهاية القصة. والحق هو الخير والنور والهدى والفلاح لكل من تمسك به وأخذ الطريق معه.. لأنه طريق الله، وهو سبيل المؤمنين الذين ﵃، وكتب لهم الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٢.والباطل هر الشر والظلام والضلال في جميع صوره وأشكاله، وفي مختلف مواقعه وأحواله، لا يلبس من أمسك به إلا البلاء والشقاء وسوء المصير في الدنيا والآخرة جميعا.

стр. 40

كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١.وقوله : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢.والباطل هو المنكر. الذي يجب على المؤمن إنكاره، والعمل على القضاء عليه كما يقول الرسول ﷺ " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " ٣.والتعبير بالقلب، الذي أشار إليه الرسول الكريم لإنكار المنكر، وعدم الوقوف عنده ضعفا في إيمان المؤمن هو أول درجات الإنكار للمنكر، حيث لا يكون إنكارا باللسان أو باليد إلا بعد الإنكار بالقلب فإذا رأى المؤمن الصادق الإيمان منكرا أنكره أولا بقلبه حين يراه خارجا عن طريق الحق والخير، ثم ينكره باللسان، فإن غاب وجه المنكر بهذا الإنكار باللسان، وإلا كان الإنكار باليد الضاربة للمنكر وأهله الصارعة لهم في ميدان الجهاد. وفي هذا الميدان لإنكار المنكر يمتحن إيمان المؤمنين، وفي هذا الامتحان ينكشف معدن المؤمن ويرى جوهر إيمانه، وصدق يقينه، كما يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٤.ويقول ﷺ " يبتلى الرجل حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة هون عليه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة " ٥ رواه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص.

стр. 41

- ٢ - من الظلمات إلى النور: وإنه لكي يخرج النور من أحشاء الظلام، ولكي يتخلص الحق من شوائب الباطل، كان لا بد من آلام ومعاناة أشبه بآلام المخاض ومعاناته، لتستقبل الحياة مولودا من مواليدها، الذي يزداد به نبت الحياة ويكثر عطاؤها. ولهذا فإنه ما كاد الإمام محمد بن عبد الوهاب يؤذن في قومه بكلمة التوحيد ويدعوهم إلى الخروج مما هم فيه من ضلال وتيه عن الله وبعد عن دينه -ما كاد الشيخ يهتف بقومه: أن عودوا إلى الله واهجروا ما أنتم فيه من شرك به، حتى تداعى عليه الناس من العوام، وأشباه العوام من جهلة العلماء، يرمونه بالمروق من الدين، ويرجمونه بالمنكر من القول، ويتنادون بالتآمر عليه، ونصب الشباك له، والوقوف في وجه دعوته ولو بالسيف!! وكان الشيخ -ومعه آل سعود- كلما تخطى عقبة في سبيل دعوته، واجهته عقبات، وكلما حرر منطقة من أسر الشرك، تألبت عليه المناطق التي حولها، واشتد حنقها وسعارها، وتعاقدت على الهجوم عليه قبل أن يهجم هو ومن معه عليها.. وهكذا أخذت دائرة الصراع تتسع وتتسع، حتى كادت تشمل العالم الإسلامي كله من السلاطين والأمراء، والحكام، والعلماء، والعامة.. من لم يدخل المعركة ضده بالسيف، دخل بالرأي المخادع، وبالكلمة الباطلة، إثارة للغبار والدخان في وجه الدعوة وداعيتها، ومن يناصره. -٣- والذي يعنينا من هذا الصراع المحتدم بين دعوة التوحيد وأنصارها من جهة وبين أعدائها والشانئين لها من جهة أخرى -الذي يعنينا من هذا في هذا المقام ليس هو الصراع الذي كان مجاله ميادين القتال، وما ضحى الأنصار في سبيلها من أنفس

стр. 42

وأموال، فذلك له مكانه من صحف التاريخ التي سجلت لهؤلاء المجاهدين أمجد صفحات البطولة، وأعظم مشاهد التضحية والفداء من أجل نصرة الحق، وإعزاز دين الله. وإنما الذي يعنينا هنا أن نعرض للشبهات الباطلة والمفتريات المضللة، التي رميت بها دعوة التوحيد وداعيتها من علماء السوء لنكشف بذلك عن تلك الوجوه المنكرة، التي لم ترع أمانة العلم، ولم تخش الله فيما تقول من زور وبهتان، ابتغاء الاحتفاظ بسلطان لها على العامة، أو تزلفا لأمير أو سلطان، لقاء منصب يعود على صاحبه بجاه أو مال. وإذا كان هؤلاء العلماء الذين خانوا أمانة العلم، وخانوا الله ورسوله، فقالوا غير الحق في دعوة التوحيد وكتموا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، أو تأولوه على غير وجهه بما يستجيب لأهوائهم، ويحقق مآربهم، إذا كان هؤلاء العلماء قد رحلوا عن هذه الدنيا بما اكتسبوا من عدوان على الحق، ومناصرة للباطل، فإنه قد كان بحسبنا أن ندعهم، وندع حسابهم لله سبحانه -ولكنا قد آثرنا أن نستعرض مقولاتهم ونفضح مفترياتهم، ليكون في ذلك عبرة لمن يأتي بعدهم، حتى يكون له من ذلك رادع يردعه عن أن يخون أمانة العلم، وما أوجبه الله تعالى على العلماء من أن يبلغوا عن الله وأن يبينوا للناس مواقع الخير، ويدعوهم إليه، وأن يريهم وجوه الباطل، ويحذروهم منه.. كما يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ١.نعم لقد نبذ هؤلاء العلماء الذين وقفوا من دعوة التوحيد هذا الموقف المنكر الضال- نبذوا عهد الله وبدلا من أن يكونوا من دعاتها وأنصارها والمجاهدين في سبيل الله لنصرتها والتمكين لها، راحوا يرجمونها بالزور، ويقذفونها بالبهتان. نعم لقد نبذ هؤلاء العلماء الميثاق الذي أخذه الله عليهم، من أن يقوموا في الناس مقام الأنبياء في الدعوة إلى الحق والجهاد في سبيل الله، وطرحوه وراء ظهورهم واشتروا بهذا ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون.

стр. 43

- ٤ - وقبل أن نحاكم هؤلاء العلماء الذين خانوا الأمانة، ونقضوا ميثاق الله الذي أخذه عليهم -نود أن نشير إشارة سريعة إلى دعوة التوحيد، التي دعا إليها الإمام محمد بن عبد الوهاب، ونضعها على ميزان الحق من دين الله، وما نطق به الكتاب الكريم، وما جاءت به سنة رسول الله ﷺ ، حتى إذا عرفنا الحق الذي جاءت به تلك الدعوة، ثم نظرنا إلى ما قال هؤلاء العلماء فيهما تبين الحق من الباطل وانكشف وجه المبطلين على ضوء الحق: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١. - ٥ - ماذا في دعوة الشيخ؟ في المؤلفات والرسائل التي تركها الشيخ وأتباعه وتلاميذه من بعده -لسان ناطق بدعوته، وشاهد حق عليها، وعلى ما تحمل من حق وخير، وهدى للناس. كما أن المؤلفات، والمحاورات، والمناظرات، التي خلفها خصوم الدعوة -لسان ناطق عليهم بما قالوا غير الحق، وبما افتروا وكذبوا على الله ورسوله، بما تأولوا من كتاب الله، وما افتروه على رسول الله. ونأخذ دعوة الشيخ من بعض كتبه ورسائله. ثم نعرضها على كتاب الله وسنة رسوله، ثم يكون بعد ذلك الحكم لها أو عليها. فماذا يقول الشيخ ﵁ في كتبه ورسائله؟ فهذا كتاب "كشف الشبهات" من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو كتيب صغير الحجم، كتبه الشيخ ﵀ رداً على تلك الشبه التي أثارها المضللون في وجه

стр. 44

دعوته، وجروا فيها على تملق العامة، واسترضاء أهوائهم بما ألفوه وربوا عليه من ضلالات الشرك، وإشعارهم بأنهم على الحق، وأن ما كانوا عليه هو دين الله، وهو شرعه القويم.. وهذا من شأنه أن يغري العامة بالتمسك بما هم فيه، وفي خروجهم عنه ضياع لماضيهم، ولكل ما عملوا فيه.. والإنسان حريص على تزكية أعماله التي صدرت عنه، وهذا ما جعل المشركين يمسكون بشركهم وبإنكارهم للبعث الذي لم يعملوا له حسابا بل كان حسابهم مضافا إلى الحياة الدنيا، كما قال الله تعالى على لسانهم: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ١ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ ٢.ومن هنا كان لدعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لهدم قواعد الشرك التي تحصن فيها المشركون -كان لهذه الدعوة وقع الصاعقة على هؤلاء المشركين، وكان على الشيخ أن يصمد لتلك الحرب الضاربة التي تواجه بها دعوته. وذلك هو موقف كل داعية إلى الله، من أنبياء الله ورسله، والهداة المصلحين من أتباع الأنبياء والرسل.. حيث يواجه الداعية إلى الله، والتحول بالناس من الضلال إلى الهدى، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الظلام إلى النور -حربين في وقت واحد- الحرب الأولى: وميدانها هذا الداء الخبيث من الشرك، الذي سكن في كيان المشركين، ينفث سمومه في عقولهم وقلوبهم، حتى سكنوا إليه وألفوه بحيث إذا سكن عنهم هذا الداء أصابهم الأرق، فلا يغمض لهم جفن حتى يعاودهم الداء وتسري سمومه المخدرة في كيانهم.. شأنهم في هذا شأن مدمن الخمر ومتعاطي المخدرات.. إنها سموم تسري في بدنه، وتغتال كل صالحة فيه، ولكنه مع ذلك إذا انقطع عنه هذا المخدر، أصابه سعار كسعار الكلب، فلا يسكن سعاره إلا بهذا الداء الذي فيه دواؤه. ولسان حاله قول

стр. 45

أبي نواس الشاعر الماجن الذي كان لا يفيق من خماره، والذي يقول: دع عنك لومي، فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء وأما الحرب الثانية: التي يدخلها الداعي إلى التوحيد مع مدمن البدع والضلالات فهي ما يقوم به دعاة السوء الذين يتجرون بهذه السموم من الدعاية لها والإغراء بها، وإلا فإن تجارتهم تلك بهذه السموم تبور، وتنقطع مواردهم الحرام منها. عود على بدء: ونعود إلى دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما واجه به هاتين الحربين من أسلحة كانت قوة في يد الحق الذي يدعو إليه. وهذا كتابه: "كشف الشبهات" وهو كتيب صغير الحجم، عظيم القدر، أشبه برسالة من تلك الرسائل الكثيرة التي كان يبعث بها إلى الأفراد والجماعات، كشفا لشبهة وردت عليهم من دعاة الضلال المتربصين بدعوة التوحيد، أو بلاغا لمن لم تبلغهم الدعوة. وأكثر ما شغل أعداء الدعوة، هو ما دعا إليه الشيخ ﵁ من ترك تلك البدع الشركية التي كان عليها الناس في أيامه، من المعتقدات الفاسدة التي تفسد على المسلم دينه، وتغتال عقيدته، وذلك من بناء الأضرحة والقباب على المقبورين من الصالحين، أو ممن يدعى لهم الصلاح والولاية، ثم التوسل بأصحاب هذه الأضرحة وتلك القباب، وسؤالهم قضاء الحاجات، وكشف الضر، مع تقديم النذور لهم. وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه: "كشف الشبهات": "إذا جاز هذا -أي الاستعانة بالغير- في حق الأحياء، فإنه لا يجوز في حق الأموات.. لأن الموتى قد انقطع ما بينهم وبين الحياة والأحياء. "وليس ثمة فرق -في هذا الضلال- بين من يرجو البركة عند قبر ولي، وبين من

стр. 46

يعبد وثنا.. كلاهما قد جعل بينه وبين الله شفيعا يرجى.. وما كان كفار قريش الذين حاربوا دعوة التوحيد إلا على تلك الصورة.. كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق العظيم، ولكن هناك آلهة دون الله يتصرفون، وينفعون ويضرون "إن هؤلاء الآلهة هي الطريق إلى الله بزعمهم، ويقولون ما ذكره الله تعالى على لسانهم : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.ثم يمضي الشيخ ﵁ فيكشف عن موقف أهل الضلال من هذه الدعوة إلى التوحيد الخالص لله، وما تواجه به من مدعيات باطلة، وتأويلات فاسدة لكتاب الله، وسنة رسوله. يقول ﵁ وأرضاه: "إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين على هذا الطريق، أهل فصاحة، وعلم وحجج" ٢! "فالواجب عليك -أيها المؤمن الموحد- أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم -إبليس لعنة الله عليه -: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾

стр. 47

١.ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبيناته، فلا تخف: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ ٢."إن العامي من الموحدين، يغلب ألفا من علماء المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٣.فجند الله هم الغالبون بالحجة والبرهان، كما هم الغالبون بالسيف والسنان. "وإنما يكون الخوف على الموحد حين يسلك الطريق وليس معه سلاح..!! "وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٤."فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ٥ ٦.ثم يعرض الشيخ -رضي الله تعالى عنه- لهذه الشبهة من تلك الشبه التي يثيرها المبتدعون في وجه دعوة التوحيد، وهي ما دعا إليه الشيخ من إبطال الالتجاء إلى الموتى، والتوسل بهم.. فيقول الشيخ: "فإن قال لك -أي ذلك الذي يتوسل بالمقبورين: "أنا لا أشرك بالله شيئا، حاش وكلا.. ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك!!

стр. 48

فقل له أيها المؤمن الموحد:- "إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما الأمر الذي عظمه الله، وذكر أنه لا يغفره "فإن قال -أي هذا المتوسل: لا أدرى!! "فقل له -أيها الموحد-: "كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا، ويذكر أنه لا يغفره، ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟ "فإن قال -أي المتوسل- الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام!! فقل له: "وما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أن عابديها كانوا يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن.." "ثم يقال له: أي لهذا المتوسل: قولك: "الشرك عبادة الأصنام" هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا؟ وأن الاعتماد على الصالحين ودعائهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرد ما ذكره الله تعالى في كتابه، من كفر من تعلق بالملائكة، وعشق الصالحين. "فلا بد أن يقر المتوسل أن من أشرك بعبادة الله أحدا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب". ثم يأتي الشيخ ﵁ بعد هذا بما يفحم بهتان هذا المشرك الذي يدعي التوحيد- فيقول: "وسر المسألة أنه إذا قال -أي المشرك-: "أنا لا أشرك بالله" "فقل له: ما الشرك بالله؟ فسره لي.." فإن قال: هو عبادة الأصنام. فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ "فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده! "فقل له: وما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينه القرآن، فهو المطلوب، وإن لم يعرفه، فكيف يدعي شيئا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له -أيها الموحد- الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله، وعبادة الأوثان، وأنه هو الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه. وأن عبادة الله وحده لا شريك له، هي التي ينكرونها علينا، ويصيحون علينا، كما كان إخوانهم من قبل: حيث قالوا:

стр. 49

﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١."فإذا عرفت -أيها الموحد- أن هذا الذي يسميه المشركون في وقتنا هذا "الاعتقاد" -أنه هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه- فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين: "أحدهما: أن الأولين -أي مشركي الجاهلية- لا يشركون، ولا يدعون الملائكة والأولياء أوثانا مع الله إلا في الرخاء.. أما في الشدة فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ : ٢.وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٣.وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٤.وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٥.

стр. 50

فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله تعالى في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء.. وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون آلهتهم - من فهم هذا تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين.. ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهما راسخا؟ والله المستعان. والأمر الثاني: أن الأولين -أي مشركي الجاهلية- يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله، إما نبيا أو وليا، وإما ملائكة، ويدعون أحجارا وأشجارا مطيعة لله ليست عاصية ١."وأهل زماننا يدعون مع الله -أناسا أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور، من الزنا والسرقة وترك الصلاة، وغير ذلك ٢."والذي يعتقد في الصالح، والذي لا يعصي مثل الملائكة والخشب والحجر وهو ما كان عليه مشركو الجاهلية، أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد بنفسه فسقه وفساده ويشهد به! ثم يمضي الشيخ ﵁ قائلا: "إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولا، وأخف شركا من هؤلاء فاعلم أن لهؤلاء -أي مشركي زماننا- شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها:

стр. 51

"إنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن -أي مشركي الجاهلية- لا يشهدون: أن لا إله إلا الله" ويكذبون الرسل وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ونصدق بالقرآن، ونصلي ونصوم. فكيف يجعلوننا مثل أولئك؟ ". ويضرب الشيخ ﵁ بهذه الشبهة في وجوه أصحابها، ويقول: "فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم، أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ في شيء وكذبه في شيء هو كافر، لم يدخل في الإسلام!! وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد ببعضه كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد الزكاة أو أقر بهذا كله، وجحد الحج، هو كافر!! "وأنه لما لم ينقد أناس في زمان النبي ﷺ للحج، أنزل الله تعالى في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١."ومن أقر بهذا كله، وجحد البعث كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ٢."

стр. 52

فإذا كان الله تعالى قد صرح في كتابه، أن من آمن ببعض، وكفر ببعض فهو الكافر حقا، واستحق ما ذكر من العذاب المهين، وإذا عرف ذلك فقد زالت الشبهة ١.هذا ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، من توحيد لله تعالى، ودحض شبه الضالين وما يدعونه من التوحيد المغطى عليه بالشرك الغليظ، من عبادة المقبورين، والاستغاثة بهم، وتقديم القرابين لهم، والذبح على أعتاب أضرحتهم. فهل بعد هذا البيان المبين، يكون لمسلم شبهة في دينه، إن كان يريد السلامة لنفسه، والنجاة من الشرك والكفر والإلحاد والله تعالى يقول لنبيه الكريم: مواسيا له فيما يلقى من عناد المعاندين، وضلال المكابرين: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢.ثم يقول له سبحانه بعد هذا: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣. رسالة إلى شيخ الركب المغربي: وهذه رسالة من الشيخ ﵁ بعث بها إلى شيخ الركب المغربي في موسم الحج. يقول فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ

стр. 53

ثم يقول الشيخ في رسالته تلك: "وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح، من الأصحاب والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم ونهج منهجهم. "أما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم، وتعظيم قبورهم، ببناء القباب عليها وإسراجها، والصلاة عندها، واتخاذها أعياداً ١ وجعل السدنة والنذور لها -فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي ﷺ أمته، وحذر منها كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: " لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأصنام " ٢."وهو ﷺ حمى جناب الدين أعظم حماية، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك، فنهى عن أن يجصص القبر، وأن يبنى، كما ثبت في الصحيح عن جابر، وثبت في الصحيح أيضا أنه ﷺ بعث علي بن أبي طالب ﵁ وأمره ألا يدع قبرا مشرفا -أي يعلو وجه الأرض إلا سواه، ولا تمثالا إلا طمسه". ثم يشرح الشيخ بعد ذلك في رسالته، ما أثار الناس عليه من دعوته إلى توحيد الله، وما ينكره من البدع والمحدثات من الأمور، التي جرت المسلمين إلى الشرك وأدخلتهم فيه من أوسع أبوابه، والشيطان يقودهم، وعلماء السوء وسدنة الأضرحة يزينون لهم هذا الضلال، ويلوحون لهم بالسراب الخادع منها -يقول الشيخ ﵁ "فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم، وأظفرنا بهم.. وهذا هو الذي

стр. 54

ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعد أن نقيم الحجة عليهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع السلف الصالح من الأمة ممتثلين قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ١.فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ٢."وندعو الناس إلى إقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت الحرام.. ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ٣."فهذا الذي نعتقده، وندين به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا.." ونعتقد أيضاً أن أمة محمد ﷺ المتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا يزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله ٤.

стр. 55

بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله. ثم يقول في تلك الرسالة: "والرسول ﷺ ، أخبرنا بأن أمته ستأخذ مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع. وثبت في الصحيحين وغيرهما، عنه ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة" ١، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.. الحديث ". "إذا عرف هذا، فمعلوم ما قد عمت به البلوى من محدثات الأمور، التي أعظمها الشرك بالله، والتوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا الله، رب السماوات والأرض وكذلك التقرب إليهم بالنذور، وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله. ثم يقول الشيخ ﵁ في رسالته تلك، إلى شيخ الركب المغربي "وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها؛ لأنه سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك ٢ ولا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب ٣.

стр. 56

والذين استجابوا لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقاموا معه لمحاربة البدع وكشف الشبهات عن وجه الدين الحنيف، الذين استجابوا لدعوة الشيخ من آل سعود وجاهدوا معه في سبيلها بأموالهم وأنفسهم، إنما قاموا بذلك عن إيمان وثيق بصدق تلك الدعوة القائمة على حراسة دين الله، والواصلة ما انقطع بين الخلف والسلف من جامعة الإسلام بينهم. فبهذا الإيمان الحق، وبهذا اليقين الثابت، صبروا على ما كذبوا وأوذوا، وقام الخلف منهم بعد السلف يجاهدون في سبيل الله، فيغلبون ويغلبون ويقتلون ويقتلون، وما دخل عليهم يأس، ولا خار منهم عزم، بل مضوا في طريق الجهاد لنصرة الحق، غير مبالين بما يصيبهم في أنفسهم وأموالهم مستمسكين بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ ١.ولهذا استمرت الدعوة في نماء وقوة، واستمر الخلف بعد السلف قائماً على الذود عنها ونشر رايتها بالحجة المفحمة من كتاب الله وسنة رسوله.. فكان أبناء الشيخ وأحفاده، وأبناء سعود وأحفاده، أهل علم بدين الله، يكتبون الرسائل ويؤلفون الكتب نشرا للدعوة، وكشفا لما أثاره علماء السوء حولها من شبهات. وها هو ذا عبد العزيز بن سعود، يبعث برسالة إلى الشريف حمود يقول له فيها: "أما بعد فالموجب لهذه الرسالة، أن الشريف أحمد بن حسين الفلقي، قدم إلينا فرأى ما نحن فيه، وتحقق من صحة ذلك لديه، فبعد ذلك التمس منا أن نكتب لكم ما يزول به الاشتباه، فتعرفون دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه. "فاعلموا -رحمكم الله تعالى- أن الله سبحانه أرسل محمد ﷺ على فترة من الرسل فهدى به إلى الدين الكامل والشرع التام.

стр. 57

"وأعظم ذلك وأكبره وزبدته، إخلاص العبادة لله، لا شريك له، والنهي عن الشرك، وذلك هو الذي خلق الله تعالى الخلق لأجله، ودل الكتاب على فضله كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢."وإخلاص الدين هو صرف جميع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، وذلك ألا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا بالله، ولا يذبح إلا لله، ولا يخشى ولا يرجى سواه، ولا يرهب ولا يرغب إلا فيما لديه، ولا يتوكل في جميع الأمور إلا عليه، وأن كل ما هناك لله تعالى، لا يصلح شيء منه لملك مقرب، ولا نبي مرسل. وهذا هو بعينه توحيد الألوهية الذي أسس الإسلام عليه، وانفرد به المسلم عن الكافر، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ثم يقول له عبد العزيز رحمه الله تعالى: "فلما من الله علينا بمعرفة ذلك، وعلمنا أنه دين الرسل -اتبعناه، ودعونا الناس إليه، وإلا فنحن قبل ذلك كنا على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله تعالى من عبادة أهل القبور، والاستغاثة بهم، والاستعانة منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات وارتكاب الأمور والمحرمات وترك الصلاة وترك شعائر الإسلام، حتى أظهر الله الحق بعد خفائه على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أحسن الله تعالى إليه في آخرته والمآب" ٣. ذلك هو الإسلام في صميمه، كما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وهو الإقرار بوحدانية الله تعالى، فمن خرج عن هذا المعتقد من دين الله، فوجه وجهه إلى غير الله، وجعل بينه وبين الله وسطاء أو شركاء فليس على دين الله.

стр. 58

فالله تعالى يقول في هؤلاء الشفعاء الذين يتعبد لهم المشركون ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ١.ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير ٍ﴾ ٢.إلى كثير من آيات الله التي تفضح الضالين الذين يدعون غير الله. فإذا كان هذا هو سبيل دعوة التوحيد التي دعا إليها الإمام محمد بن عبد الوهاب وأنصاره -فلماذا قام كثير من العلماء في وجه هذه الدعوة وتحريض الحكام على التصدي لها ومحاربة القائمين بها، ذلك ما سوف نكشف عنه في المبحث التالي والله المستعان.

стр. 59

الفصل الخامس الدعوة والثائرون عليها لا نتحدث في هذا المقام عن موقف السلطان التركي من دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وناصره عليها آل سعود، ومن استجاب لها. كما لا نتحدث عن الموقف العدائي الذي اتخذه من هذه الدعوة الأمراء والحكام والرؤساء وزعماء القبائل والعشائر وغيرهم. فهؤلاء وأولئك جميعا كانوا يدافعون عن دنياهم وما يحوزون من متاعها، ويخشون أن تمتد آثار الدعوة إلى ما تحت أيديهم من هذه الدنيا، في حين أنهم في شغل بدنياهم عن دينهم، الذي يتولاه عنهم أصحاب المناصب من علماء الدين!! وإذن فالذي يعنينا هنا هو موقف علماء الدين من دعوة التوحيد التي وقف في وجهها هؤلاء العلماء الذين خانوا أمانة العلم، وقالوا غير الحق، وكانوا فيمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ١.فلقد انبرى هؤلاء الذين كان يرجى منهم إصلاح ما فسد من أمر الناس في دينهم، وأن يقيموا الناس على صراط الله المستقيم، ودينه القويم -انبرى هؤلاء المتجرون بالدين لإغراق الناس في الضلال، وإغرائهم بما هم فيه، وأنه هو الحق فكان أن انقاد

стр. 60

الناس لهم، وصرفوا وجوههم عن الذين يمدون أيديهم إليهم لاستنقاذهم من النار التي يندفعون إليها، كما يندفع الفراش إلى وقود النار! نعم، لقد انبرى هؤلاء العلماء المتجرون بالدين، يرمون دعوة التوحيد والداعي إليها، والمجتمعين على الدعوة والداعي بالإفك والبهتان وبالمروق من الدين، وابتداع دين جديد، يحل محل الإسلام، وأنهم يتهجمون على مقام النبي ﷺ وينالون من أولياء الله، أصحاب الأضرحة والقباب، ويكفرون من يزورونهم، وينذرون لهم، ويطلبون العون والمدد منهم.. إلى غير ذلك مما استخرجه هؤلاء العلماء من عقولهم الضالة، وقلوبهم المريضة، من إفك وبهتان يرمون به في وجه الدعوة ويثيرون العامة عليها، ويحرضون الحكام على القضاء عليها وعلى كل من يستجيب لها. وإنه ما أشبه الليلة بالبارحة! فإن الذي ينظر في موقف أدعياء العلم من هذه الدعوة، ليرى وجوها كتلك الوجوه الشيطانية المنكرة التي وقف أصحابها في وجه الدعوة الإسلامية، في الدور المكي.. فيرى وجه أبي لهب، وأبي جهل، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وغيرهم ممن انقادوا للشيطان، وحاربوا دعوة الحق، حتى هلكوا وهم على الكفر، وإلى النار وبئس المصير. الذين ضلوا وأضلوا: وقد بلغ أمر هذا الضلال الذي أعمى قلوب هؤلاء العلماء، أن صوروا هذا الإفك وذلك البهتان في كتب أخرجوها للناس دون حياء، وقد تركوها من بعدهم شهادة ناطقة عليهم بهذا الزور، وأنهم قد باعوا دينهم بدنيا فانية وحطام زائل!! ولو أن هؤلاء الذين ألفوا هذه الكتب في الطعن على دعوة التوحيد، وداعيتها وأنصارها- لو أنهم كان لهم شيء من التوفيق، لما سجلوا هذا الخزي بأيديهم، ولما تركوه ميراث شؤم من بعدهم، يعرضهم للناس، وسوآتهم مكشوفة، مفضوحة على الملأ، ولكان

стр. 61

يكفيهم من هذا الباطل ألا يوثقوه في صحف التاريخ، ولكن الله تعالى أخذهم بهذا الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى لو كانوا يعلمون. وبهذا يصدق على هؤلاء العلماء الذين فضحوا أنفسهم بما كتبت أيديهم -يصدق عليهم قول رسول الله ﷺ " كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا، وكذا.. فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه " ١ رواه مسلم عن أبي هريرة. فما أكثر الذين قالوا في دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ من إفك وبهتان من أمثال هؤلاء العلماء، ثم ذهبت أقوالهم أدراج الرياح، لم يمسك بها الزمن، ولم ير لأصحابها وجه بين الناس.. أما هؤلاء العلماء الذين كتبوا بأيديهم هذا الإفك فهم أشبه بهؤلاء المجاهرين بالمعاصي الذين أشار إليهم رسول الله ﷺ ووسمهم بالبلاء الذي لا شفاء لهم منه.. إنهم في وجه فضيحة أعلنوها عن أنفسهم. وقد شاءت إرادة الحكيم العليم أن يكون هؤلاء العلماء عبرة لمن يعتبر، ودرسا يتلقاه أولو الألباب، فيمسك العاقل الحريص على دينه عن الخوض في الباطل، وقول الزور، ابتغاء حظ عاجل من حظوظ الدنيا، فإن لم يستطع أن يمسك عن ذلك بلسانه فلا أقل من أن يمسك عن تسجيل ذلك بخطه، ونشره في كتاب على الملأ!! فيكون شره أخف، وبلاؤه أقل، ولا يكون من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٢. هذه الكتب الناطقة بالبهتان: وبين أيدينا اليوم من مخلفات علماء السوء هؤلاء، من هذه الكتب المشئومة التي

стр. 62

تسوق الشؤم والبلاء إلى مؤلفيها، وهم اليوم في عالم الحق -مجموعة منها نكتفي بعرض ثلاثة منها، ومحاكمة كاتبيها بما يقضي به كتاب الله وسنة رسوله، ليكون ذلك درسا واعظا، وعبرة ماثلة لغيرهم من الأحياء من بعدهم.. أما هؤلاء العلماء فهم بين يدي الله، يقضي فيهم بما يشاء في عباده. وهذه الكتيب الثلاثة هي: أولا: رسالة للحاج مختار بن الحاج أحمد باشا المؤيد العظمى، وقد سماها "جلاء الأوهام عن مذاهب الأئمة العظام". وثانيا: كتيب للسيد أحمد بن زيني دحلان، وسماه: "الدرر السنية في الرد على الوهابية". وثالثا: كتيب للشيخ مصطفى الكريمي بن الشيخ إبراهيم السيامي، تحت عنوان: "رسالة السنيين في الرد على المبتدعين الوهابيين". وها نحن أولا، نعرض لمقولات هؤلاء الذين شغبوا على الدعوة وجاءوا إليها بالمفتريات والأباطيل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١. أولا: رسالة المؤيد العظمى هذا الرجل يخلع على نفسه ألقاب التعظيم، يكتبها بخط يده، ويجعلها عنوانا لرسالته. مثل المؤيد، كما يرد نسبه إلى أب يحمل لقب الباشوية من السلطان العثماني، وكأن ذلك مما يفسح له مكانا بين العلماء، وإن كان من أهل الجهالة والجهل، فكما كانت الباشوية تشترى بالمال، وبالملق، والرياء، فكذلك يمكن أن يشترى لقب العالم!! هذا ما قدره هذا الداعي، وصوره له جهله وغروره.

стр. 63

ثم إن هذا الذي يحشر نفسه في زمرة علماء الدين، لا يحفظ كتاب الله، ولا يقيم على لسانه أو قلمه آية من القرآن الكريم، ولا يفقه شيئا من معاني ما يقرأ من كتاب الله، وهو بسنة رسول الله ﷺ أشد جهلا، وأسوأ فهماً.. والكتاب -كما يقولون- يقرأ من عنوانه! وأنه ليستفتح رسالته تلك -وهو أشبه بعنوان الرسالة- بالتخريف في كتاب الله جهلا، وسوء أدب معا، حيث يستشهد بآية من كتاب الله، دون أن يكون حافظا لها، أو مسترشدا بمصحف قرآني لضبطها. فهو يقول في مفتتح هذه الرسالة: "الحمد لله الذي رضي الإسلام لنا دينا، وأكمله لنا، وأتم نعمته علينا، وأقامنا على سنة رسوله النقية السمحاء، حمداً تستنير به القلوب وتستضيء منه البصائر، وأشهد أن لا إله إلا الله الهادي إلى الصراط المستقيم، القائل: من استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم". وقد وقع هذا الداعي المتعالم في هذه الكلمات القليلة في جملة أخطاء لا تكون من تلميذ مبتدئ من طلاب العلم، فضلا عن عالم، يتصدى في زعمه لهداية الناس، ويقف موقف المناظرة لمن يدعو إلى الله وهو على بينة من ربه! فأولا: هذا الخطأ اللغوي في قوله: "وأقامنا على سنة رسوله النقية السمحاء" والصواب أن يقال "السمحة" إذ ليس في اللغة السمحاء.. ولو كان على شيء من الاطلاع على سنة رسول الله ﷺ لما وقع في هذا الخطأ؛ إذ يقول الرسول ﷺ " تركتكم على الحنيفية السمحة، لا يزيغ عنها إلا هالك " ١.وثانيا: قوله في مفتتح رسالته: "الحمد لله الذي رضي الإسلام لنا دينا" ولو كان على صلة بكتاب الله لجرى على لسانه وقلمه ما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٢. فقال: الذي رضي لنا الإسلام دينا، بدلا من قوله ورضى الإسلام لنا دينا.

стр. 64

وثالثا: هذا الخطأ الشنيع في الاستشهاد بالقرآن الكريم، فقد حرف كلام الله تعالى عن مواضعه، إذ يقول عن الله تعالى: القائل "من استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم، والله تعالى يقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.فأين قوله هذا الذي يدعيه على الله تعالى، من قوله سبحانه؟ وأكثر من هذا، فان هذا الجهول الداعي، لم يأت بجواب الشرط لما حرفه من كتاب الله تعالى، فإن قول هذا الداعي: "من استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" هو شرط، فأين جوابه؟ فإذا كان هذا الذي وقع فيه هذا المدعي من أخطاء لغوية ودينية في مفتتح رسالته وفي أربعة أسطر منها -فهل يمكن أن يأخذ هذا الجهول مكانا بين أهل العلم؟ وهل يكون من أهل المناظرة والمحاجة في الدفاع عن دين الله، كما يدعو؟ إنه -والحال كذلك- لا يكون إلا راية فتنة وإضلال للناس، يصدق فيه قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٣.

стр. 65

هذا، وقد كان يكفينا من الرد على هذا المدعي للعلم، ما انكشف لنا من جهل بدين الله في مطلع رسالته، فلا يطول وقوفنا معه أكثر من هذا؛ لما يطلع علينا من كلام من هذا العفن، الذي يزكم الأنوف، ويخنق الصدور، مما يسيل من مزراب قلمه- كان يكفينا هذا، كما يقول المثل: "حسبك من شر سماعه" ولكننا -احتسابا لله، وإمعانا في خزي أهل الضلال وفضحهم- نمر على بعض المخازي التي عرضها صاحب هذه الرسالة، ليشهد الناس كيف تكون الجرأة على الله، وعلى دين الله من المتهوسين، وأدعياء العلم طلبا للشهرة، على حساب دينهم ومروءتهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ١.فصبراً صبراً، أيها المسلم على هذا البلاء، مهما تقرأ من هذا الهراء ... واقرأ ما يقوله هذا الأحمق الجهول في رسالته الشيطانية تلك، وما يرمى به في وجه الإسلام من زور وبهتان، غير متحرج ولا متأثم، ولا عابئ بمشاعر المسلمين وغيرتهم على دينهم. يقول هذا الملحد في ص: ٤٨ من رسالته: "إن أحكام الدين لا يمكن أخذها من الكتاب والسنة؛ لأن فيها الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد!! "وإن كتب الحديث لا يوجد فيها بيان، ولا إشارة تهدي إلى الصواب!! وإن من رجح حكما على حكم مستندا فيه إلى كتب الحديث، فإن ذلك ظن لا يفيد اليقين، بل يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية!! "

стр. 66

يا سبحان الله! أهذا قول يصدر من مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،؟ إن أعدى أعداء الإسلام، من اليهود والمستشرقين وغيرهم، قديما وحديثا لم يجرؤ أحد منهم أن يقول مثل هذا القول الآثم، الذي لا يجرؤ الشيطان نفسه أن يصرح به، فإذا لم يكن القرآن الكريم وسنة الرسول المطهرة دستورا قائما على المسلمين ونورا هاديا لهم إلى دين الله الحنيف وشريعته السمحة -فمن أين يتلقون دينهم؟ ومن أين يعرفون أحكام هذا الدين، وما أحل الله تعالى لهم وما حرم عليهم؟ أهناك مرجع آخر يرجع إليه المسلمون ليعرفوا شريعة الإسلام؟ قد يقول هذا المدعي الفاجر: ها أنا ذا الذي أبين لكم دينكم أيها المسلمون. لقد جئت بنسخ الدين الذي أنتم عليه، فخذوا عني دينكم، واتركوا هذا القرآن الذي في أيديكم، وفي قلوبكم وعقولكم، ودعوا سنة نبيكم، وتعالوا إلي، فأنا رسول من الله إليكم!! وفي المأثور: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". فإذا كان في القرآن الكريم الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، مما عرفته اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وجرى على أساليبها -أفكان ذلك مما يلغي كتاب الله، ويبطل العمل به؟ فلم إذن كانت بعثة رسول الله ﷺ ؟ ولم كان نزول القرآن الكريم؟ ولم كان ما أمر الله تعالى من التعبد بتلاوته والتدبر لآياته؟ وما معنى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١.

стр. 67

وقوله سبحانه: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ١.وقوله تبارك اسمه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٢.ما معنى هذه الآيات وكثير غيرها، الداعية إلى تلاوة كلمات الله، وتدبر آياته إذا لم تكن نوراً يهدي إلى الحق، وإلى صراط مستقيم؟ وإذا كان الأمر على غير ذلك، أفلا يكون نزول القرآن عبثاً يتنزه الله تعالى عنه؟ وأنه لا يرفع هذا العبث إلا بالقول بأن الله تعالى لم يبعث محمداً، ولم ينزل قرآناً، كما يقول ذلك الملحدون قديماً وحديثاً!!. أما السنة النبوية فإن هذا الملحد ينكر أن تكون مصدرا للتشريع الإسلامي؛ إذ يقول: "إن كتب الحديث لا يوجد فيها بيان، ولا إشارة تهدي إلى الصواب، وأن من رجح حكما على حكم مستندا فيه إلى كتب الحديث، فإن ذلك ظن لا يفيد اليقين، بل يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية"!! وكتب الحديث التي أشار إليها هذا الملحد، هي كتب الصحاح الجامعة لسنة رسول الله القولية، والفعلية، والتقريرية، وفي هذه السنة بيان لما أجمله القرآن الكريم ورد متشابهه إلى محكمه.. كما يقول تعالى لرسوله الكريم ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ : ٣.ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ

стр. 68

الْعِقَابِ﴾ ١.ولكن هذا الملحد يدعو بدعوته الشيطانية تلك إلى إهدار السنة بدعوى أن كتب الحديث لا يوجد فيها بيان ولا إشارة تهدي إلى الصواب!! " ولا عجب، فإنه بعد أن أبطل العمل بالقرآن، كان من المنطق أن يلغي العمل بالسنة. ولا ندري إن كان هذا الملحد يقيم الصلاة، أم لا؟، فإن كان يؤدي الصلاة فكيف يؤديها، وعلى أي وجه يقيمها؟ أليس ذلك اقتداء برسول الله ﷺ واتباعا له في صلاته بالمؤمنين، وعملا بقوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي " ٢ وكيف يحج هذا الداعي، إذا كان على الإسلام؟ أليس الحج متابعة لرسول الله ﷺ في حجه الذي حجه بالمسلمين. وقوله ﷺ : " خذوا عني مناسككم " ٣؟ ثم الزكاة وتقاديرها، وأنصبتها. من أين عرفها المسلمون؟ أليس ذلك مما بينه الرسول صلوات الله وسلامه عليه؟ وأليس ذلك مما حفظته كتب الحديث عن الرسول الكريم؟ ثم إذا اختلف المجتهدون من أئمة المسلمين في فهم نص من كتاب الله أو سنة رسوله، وكان ذلك الاختلاف مما يحتمله النص، أفيكون ذلك الاختلاف مما يلغي النص الشرعي؟ لقد اختلف صحابة رسول الله ﷺ في فهم كثير من الأحكام الشرعية، ومع هذا الاختلاف فلم يلغوا أي نص؛ لأن ذلك كفر بالله، وبكتاب الله وبرسول الله، ولكنهم عرضوا عقولهم على هذا النص، ثم أخذوا بما رجح عندهم من رأي هو أقرب ما يكون إلى مقاصد الشريعة، من هداية الإنسانية وخيرها ولهذا كانت المشورة أمرا قائما بين المسلمين فيما يعرض لهم، مما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله نص قاطع فيه. وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٤.

стр. 69

ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ١.وندع هذا الهراء وذلك السخف الذي تفيض به هذه الرسالة الشيطانية عن الإسلام، وشريعة الإسلام وعن القرآن والسنة، وأنهما لا يحملان أحكام الشريعة، ولا يصحان أن يكونا مصدراً لدين، ندع هذا الإلحاد، لننظر فما يقوله هذا الملحد عن دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد كان يكفينا في ما تقوله هذا الملحد على كتاب الله، وعلى السنة المطهرة، وما دعا إليه من إبطال العمل بهما- قد كان يكفينا هذا القول الآثم من هذا الملحد، فلا ننظر بعد هذا فيما يقوله في دعوة التوحيد؛ لأن مستندها هو كتاب الله، وسنة رسوله..، ولا مستند لها غيرهما ... فإذا قال هذا الملحد في الكتاب الكريم والسنة المطهرة هذا القول الآثم، فلا ينتظر منه أن يقول في دعوة التوحيد إلا زورا وبهتانا، وإلا إفكا وضلالا. ومع ذلك فإننا سنعرض لبعض ما يقوله هذا الملحد الدعي عن دعوة التوحيد؛ إذ كان ما قاله عن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ مدخلا إلى ما أراد أن يقول في تلك الدعوة، ليصد الناس عنها، وليمسك بهم على ما هم فيه من شرك، وكفر وضلال، إمعانا في كيده للإسلام، وهو يبدو في مظهر المدافعين عن الإسلام، الغيورين على دين الله وعلى من يدينون بدين الله.. ماذا يقول عن دعوة التوحيد؟ يقول هذا الملحد الذي ينتسب إلى الإسلام زورا وبهتانا، يقول موجها القول إلى أهل التوحيد والداعين إلى التوحيد: "زين لهم الشيطان أعمالهم، فزين لهم أنهم من المهتدين".

стр. 70

نحن وأنتم -مخاطبا أهل التوحيد- متفقون بالشهادتين مقرون بالأركان، لا نختلف بأصول الإيمان، ولا ننكر أركان الإسلام.. غير أننا نقول بالمحكم ونرجع إليه، وأنتم تتبعون المتشابه وتعولون عليه. نحن نحتاط بما لا نرتاب، وأنتم لا تتحرجون مما يريب، نحن نعتمد الإجماع، وأنتم تترخصون بالانفراد والتأويل بالرأي". فهذا الملحد، يدخل نفسه في عداد المسلمين، ويضيف نفسه إلى الإسلام، وأنه متفق مع أهل التوحيد في الإقرار بالشهادتين، وبالأركان وبأصول الإيمان. وكيف يكون من المسلمين وهو ينكر حجية القرآن الكريم، والسنة المطهرة؟ ومن أين عرف الأركان وأصول الإيمان، إذا لم يكن المرجع في هذا إلى الكتاب والسنة؟ إن ذلك هو أسلوب أهل النفاق الذين يكيدون لدين الله ... فهم لا يعتقدون بعقيدة، ولا يتقيدون بشرع. إنهم مؤمنون وكافرون، وإنهم لا مؤمنون ولا كافرون.. وإنما هم يلبسون ثوبا مستعارا لكل من الإيمان والكفر، يلبسون لكل حالة الثوب المناسب لها، كما يلبس الممثل ثوب الشخصية التي يمثلها على المسرح في رواية هزلية. ثم إذا خلا بنفسه نزع هذا الثوب عنه. وهذا كيد عظيم كاد به المنافقون للإسلام، حيث دخل كثير من أعداء الله، وأعداء دينه في الإسلام، كذبا وادعاء، ودرس كثير منهم علوم الشريعة، واكتسب ثقة كثير من المسلمين، حتى إذا بلغ هذا الحد، كان سيفا يضرب في وجه الإسلام، ومعولا يعمل على هدم حقائقه.. وهكذا فعل العظمى هذا في ادعائه الإسلام، والغيرة عليه، والدفاع عنه، وهو يعمل جاهداً على هدم الإسلام، والكيد له ولأهله.. ولكن هيهات هيهات.. كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل

стр. 71

ثم كيف يصح قول هذا الدعي: "غير أنا نقول بالمحكم ونرجع إليه" كيف يقول هذا، وأي محكم يقول به. ويرجع إليه من كتاب الله، وهو الذي يقول: "إن أحكام الدين لا يمكن أخذها من الكتاب والسنة؛ لأن فيها الناسخ والمنسوخ والخاص والعام، والمطلق والمقيد. إلى آخر هذا الإلحاد والكفر؟ ولكن لا عجب.. فالمنافق كالحرباء يتلون بكل لون، ولا يكون على لون واحد أبداً ثم يقول هذا المنافق، مخاطبا أهل التوحيد: "قمتم بعد أن ذهب الله بزعماء تلك المذاهب والنحل، وانتشرتم بعد أن طوى دعاة تلك البدع، تدعون الناس بما لا ينفعهم في الدنيا، ولا ينجيهم في الآخرة، تخلطون لهم الحق بالباطل، والظن باليقين تحرفون الكلم عن مواضعه.. تقولون هذا من عند الله، وما هو من عند الله. تنادونهم أن ارجعوا إلى الدين وأنتم عنه أبعد، تأمرون بالبر وتنسون أنفسكم.. تقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم.. ترسلون دعاة بأجسام إنسانية وأرواح شيطانية، يوسوسون لأناس عاشوا في الجهل، وأقاموا حديثا في مهد.. ما عرفوا من الدين إلا الاسم، وما نظروا من العلم إلا الرسم فيزينون لهم غروراً ويغوونهم مشروراً، والله لا يصلح عمل المفسدين. "وهذا كلام فيه سباب وفحش، وليس فيه موقف يقف به محاجا أهل التوحيد فيما يدعون إليه من دين الله، وما يهدمون به من أوثان الشرك. ثم بأي لغة أعجمية ركيكة يتكلم هذا الدعي الذي ينصب نفسه للذود عن دين الله، والنصح للمسلمين وهو لا يعرف أساليب العربية التي نزل بها القرآن؟ فليس في لغة العرب ما يجيز له أن يقول: "لا نختلف بأصول الدين" وإنما الصواب أن يقول: "لا نختلف في أصول الدين.. فما جاء في لغة العرب ولا في كتاب الله أن

стр. 72

يتعدى الفعل "اختلف" بالباء، وإنما هو يتعدى بحرف الجر "في" كما يقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ١.وكما يقول تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢ وأكبر الظن عندي، أن هذا الرجل من أولئك الأعاجم الذين دخلوا في جماعة المسلمين وتحككوا بالإسلام وفي قلوبهم مرض، يريدون الكيد له، والإضلال لأهله. هذا الدعي والاجتهاد: ومن متناقضات هذا الدعي الأحمق، أنه إذ يبطل العمل بكتاب الله وسنة رسوله كما نقلنا ذلك من رسالته -فإنه ينكر الاجتهاد.. إذ يقول في أول صفحة من تلك الرسالة الشيطانية. "إن الاجتهاد بدعة في الدين" هكذا على سبيل القطع والجزم. ثم يقول في ص ١٠ من هذه الرسالة: "إنه لا يجوز تقليد الصحابة ولا التابعين" فإذا كان لا قرآن ولا سنة كما يقول هذا الملحد.. فلا بد أن يكون هناك اجتهاد شخصي يتعرف به الإنسان إلى الدين الذي يقوم على اجتهاد شخصي منه. فإذا بطل الاجتهاد، ثم لا يكون هناك مرجع إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة فمن أين يعرف الإنسان الدين الذي يدين به؟ إن معنى ذلك ألا يكون هناك دين أبدا، ويكون معنى ذلك أيضا إبطال الدين على نحو ما تقول به الشيوعية من أن: "الدين أفيون الشعوب".

стр. 73

ثم إذا كان لا يجوز تقليد الصحابة ولا التابعين، كما يقول هذا الدعي. ثم لا كتاب ولا سنة، ثم ولا اجتهاد -فما هي الوسيلة أو الوسائل التي يتعرف بها الإنسان إلى دين، أي دين؟ وأعود فأكرر القول بأني لا أعرف هوية هذا الرجل، ولكن يغلب على ظني أنه من غلاة الشيعة الذين يذهبون إلى تأليه علي ﵁ وإلى عصمة الأئمة من الشيعة حيث تكون أقوالهم أحكاما شرعية ملزمة لأتباعهم، وفي هذا المفهوم لا يكون نظر إلى قرآن أو سنة، ولا التفات لمقولات الصحابة والتابعين، ثم لا محل للاجتهاد مع الإمام المعصوم!! فإذا كان هذا هو واقع هذا الرجل فبأي وجه يدخل في الاعتراض على أي مسلم من المسلمين، سواء أكان عالما أو غير عالم، وهو على طريق غير طريق الإسلام؟ ولكن الرجل وجد فتنة ثائرة في وجه دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدخل مع الداخلين في الحرب المعلنة على تلك الدعوة، من علماء السوء، ومن السلاطين والحكام، دفاعا عن سلطانهم القائم على عامة المسلمين.. وهكذا يتدسس اللصوص في الظلام وسط دخان الحريق المشبوب، ليسرقوا ما تصل أيديهم إلى سرقته من مال أو متاع!! الاجتهاد في الدين: ومما ينكره هذا المدعي على دعوة التوحيد، أنها تفتح باب الاجتهاد الذي أغلقه الجهل، وفساد الأحوال منذ القرن الرابع الهجري، فيقول هذا الجهول، موجها الكلام إلى أتباع الدعوة الداعية إلى فتح باب الاجتهاد-يقول: "إني أراكم تدعون الناس لبدعة الاجتهاد في الدين وغيرها من البدع".

стр. 74

ونقول لهذا الجهول، كيف يكون الاجتهاد في الدين بدعة؟ إن البدعة هي أمر حادث لم يكن في الدين، وهي ما أشار إليها الرسول ﷺ بقوله: " كل بدعة ضلالة " ١ وذلك من معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢.ثم ألم يجتهد رسول الله ﷺ ونزل القرآن الكريم في أكثر من حال بتصحيح اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه، كما في قوله تعالى في أسرى بدر حين قبل النبي ﷺ الفدية منهم، وذلك بعد مشورة أصحابه.. يقول سبحانه في هذا الأمر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ وكقوله تعالى في إذنه ﷺ لمن أرادوا أن يتخلفوا عن الجهاد، معتذرين بأعذار كاذبة: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٤.إلى كثير من مثل هذه الأحوال التي كانت عن اجتهاد من رسول الله ﷺ ، ثم جاء القرآن بتصحيح هذا الاجتهاد!! وهذا رسول الله ﷺ يبعث معاذ بن جبل إلى اليمن؛ ليعلم الناس أمور دينهم، وليقضي فيما يعرض لهم من شئون، فيقول له ﷺ " كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ " فيقول معاذ: أقضي بكتاب الله، فيقول له الرسول

стр. 75

الكريم: "فإن لم تجد في كتاب الله" قال أقضي بسنة رسول الله.." قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.. فسر رسول الله ﷺ وضرب على صدر معاذ، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله.. "! أفليس هذا إذنا بل وتزكية من رسول الله ﷺ للاجتهاد؟ ثم ألم يجتهد أصحاب رسول الله ﷺ من بعده في الأمور التي كانت تعرض لهم؟ ثم ألم يختلف الصحابة -رضوان الله عليهم- في اجتهاداتهم، ولم يكن في هذا حرج عليهم، إذ كانت غايتهم هي النصح للمسلمين في الأمور التي ليس فيها نص صريح من كتاب الله، أو سنة رسوله؟ ثم أصحاب المذاهب الأربعة.. ألم يكونوا مجتهدين في فروع الدين؟ ثم ألم يكن بينهم هذا الخلاف في اجتهادهم، فكانوا أربعة مذاهب، وإلا لكانوا مذهباً واحداً. وما كانت الشورى التي أمر الله تعالى بها المسلمين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ١ ما كانت هذه الشورى إلا دعوة من الله تعالى للمسلمين إلى النظر فيما يعرض لهم من أمور حادثة، لم يكن للشريعة حكم قاطع فيها. ثم ما معنى قوله ﷺ " إذا حكم الحاكم واجتهد وأصاب فله أجران، وإن حكم واجتهد وأخطأ فله أجر؟ " ٢ أليس هذا القول الكريم من رسول الله ﷺ تقريرا لمبدأ الاجتهاد: وأن من اجتهد فأصاب موقع الحق فله أجران، أجر لاجتهاده، وأجر لإصابته موقع الحق، وأن من أخطأ فله أجر هو أجر اجتهاده، وإن أخطأ موقع الحق!!
следующие страницы →