← Акыда

Акыда · id 7651

الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في تو ضيح العقيدة

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (317 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار٤. وبعد: فإن عقيدة التوحيد، وإفراد الله وحده بالعبادة هي أجل المسائل وأعظمها على الإطلاق، فمن أجلها خلق الله الخلق وأنزل الكتب وبعث الرسل، فجميع الأنبياء الذين بعثهم الله، إنما بعثهم للدعوة إلى عقيدة التوحيد وإفراده وحده بالعبادة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٦.

стр. 2

وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ١. وقد ختمهم الله سبحانه بمحمد ﷺ ، البشير النذير، والداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، فعمل على ما كان عليه إخوانه المرسلون من العناية بعقيدة التوحيد فأخذ ينادي بهذه العقيدة في أرجاء قومه، الذين عكفوا على أصنام لهم متخذينها آلهة، يدعونها ويذبحون لها ويتوسلون بها ويقدمون لها أنواعاً لها كثيرة من العبادة، مع أنها حجارة لا تضر ولا تنفع، ولا تملك لنفسها ضراً ولا رشداً، فضلا عن أن تملك لغيرها شيئاً. فأخذ ينادي بينهم بهذه العقيدة، ويصدع بينهم بقوله: "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"٢. فما كان منهم إلا أن أنكروا دعوته، وردوا مقالته، فقالوا له متعجبين ولدعوته مستنكرين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٣. فما استكان ولا توانى بل استمر ﷺ يدعو إلى هذه العقيدة، فدعا إليها ثلاثة عشر عاما في مكة، وواصل ذلك في المدينة بعد أن هاجر إليها. فنفع الله بدعوته، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن عبادة الأوثان إلى عبادة الواحد الديان. وفتح الله به أعيناً عمياً وقلوباً غلفاً وآذاناً صماً. قال تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ

стр. 3

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. ولم يمت ﷺ حتى أتم الله به الدين وأكمله، حيث أدى رسالة ربه وافية كاملة ممتثلاً بذلك أمر ربه حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٢. قال الإمام ابن كثير ﵀: "يقول تعالى مخاطباً عبده محمداً ﷺ باسم الرسالة، وآمراً له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به. وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام"٣. ثم ساق ما أخرجه البخاري في ((صحيحه)) عن عائشة ﵂ أنها قالت: "من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد كذب، وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٤" ٥. وقد أنزل الله في كتابه ـ تبييناً وتنصيصاً على أن الرسول ﷺ ما مات حتى أتم الله الدين وأكمله ـ قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ ٦. وهذا الإنعام أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن فلا حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه. وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ ٧ أي صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأوامر والنواهي. فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٨ أي

стр. 4

فارضوه أنتم لأنفسكم فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف الكتب١. ثم بعد موته ﷺ خلفه في الدعوة إلى هذا الدين، وفي نشر هذه العقيدة الصافية، ورثتُه من بعده وهم العلماء المصلحون الصحابة ومن اقتفى أثرهم وسار على نهجهم وترسَّم خطاهم، فالأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم. كما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "....إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" ٢. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا....﴾ ٣ الآية فأهل العلم لهم جهد كبير، وأثر عظيم في نقل هذا الدين، وإيصاله إلى الناس صافياً نقياً. ولهم جهد في الذود عن حمى هذا الدين من دسائس المبطلين وتحريف الغالين من الملاحدة والزنادقة والمبتدعة وغيرهم. قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ـ رحمه الله تعالى ـ في رسالة بعثها إلى مُسَدَّد بن مُسَرْهَد عندما سأله عن أمر الفتنة وما وقع فيه الناس من الاختلاف في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء. قال: ".... الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، وينهون عن الردى، يحيون بكتاب الله الموتى، وبسنة النبي أهل الجهالة والردى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه. وكم من ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا أعنَّة الفتنة، مختلفين في الكتاب يقولون على الله وفي الله. تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وفي كتابه بغير علم، فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة...." ٤. فعلى مر العصور واختلاف الأيام، يقيض الله لهذا الدين العلماء الأعلام، فيقومون بإرشاد الناس إلى الدين، ويهدونهم إلى الطريق المستقيم عن طريق الخطب، والمواعظ والدروس والمؤلفات النافعة.

стр. 5

فيحيون ما اندرس من السنن، ويردون ما جد من الحوادث والبدع، ويكونون أئمة خير يهدون الناس بأمر الله إلى كل خير، وبهم يكون صلاح الدين والدنيا وبفقدهم فلا خير في الدنيا، بل هي سواهم وسوى ذكر الله ملعونة ملعون ما فيها. كما ورد في الحديث "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً"١. وإن من هؤلاء الهداة الأعلام المبرزين في القرن الرابع عشر المنصرم، الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي المتوفى في عام ١٣٧٦هـ رحمه الله تعالى. فقد بذل ﵀ حياته، ونذر أوقاته لخدمة العلم، وقد عرف منذ حداثة سنه برغبته القوية، وحرصه الشديد على تحصيل العلم، فكان لا يصرفه عنه صارف، ولا يشغله عنه أي أمر من الأمور باذلاً له حياته صارفا فيه أوقاته، زاهداً في كل ما يشغله عن العلم والتعلم. فحفظ القرآن عن ظهر قلب في الحادية عشرة من عمره، ثم أقبل على العلماء يواظب على دروسهم، وأكب على كتب أهل العلم يقرأها وينهل من معينها فانقطع ﵀ للعلم وتحصيله حفظاً وفهماً ودراسة ومراجعة واستذكاراً وتطبيقاً، حتى نال في وقت مبكر من عمره علوماً كثيرة وفنوناً مختلفة. وقد بارك الله فيه وفي أوقاته ونفع به، فاستفاد منه خلق كثير في حياته، ولا يزالون ينتفعون من مؤلفاته بعد وفاته، فله ﵀ مؤلفات كثيرة تربو على أربعين مؤلفاً في سائر فنون الشريعة، فله مؤلفات عديدة في العقيدة الإسلامية وفي التفسير وعلومه وفي الفقه وأصوله وفي محاسن الدين وآدابه وغير ذلك، وهي سهلة الأسلوب قريبة المأخذ، واضحة المعاني، جامعة شاملة. وقد كان له ﵀ عناية بالغة بالعقيدة الإسلامية، كشأن علماء أهل السنة والجماعة. وقد خصها بمؤلفات عديدة أفردها لبيان العقيدة وتوضيحها وللرد على من خالفها، ومؤلفاته التي أفردها في العقيدة تربو على عشرة مؤلفات، ثم إنه يُعنى بالعقيدة في سائر مؤلفاته، وكتابه "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" يعد مرجعاً هاماً في بيان العقيدة وتوضيحها والرد على من خالفها، وكذلك خلاصة هذا التفسير المسمى بـ "تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن". وغيرهما من مؤلفاته.

стр. 6

فكان ﵀ يُعنى بأمر العقيدة ويرى أنه أعظم المسائل وأكبرها وأهمها وأجدرها بالتوضيح والبيان. وقد استفاد كثيراً من كتب من سبقه من علماء الإسلام المتقدمين، ولا سيما من كتب العالمين الجليلين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية اللذين ظهر تأثره بهما في مؤلفاته، فقد نهج ﵀ نهجهما في تأصيل القواعد وتقريرها، وفي الردود على المخالفين لهذه العقيدة، كما اعتنى ﵀ بمؤلفاتهما شرحاً وتوضيحاً وتبييناً. ولما كان على كل طالب في الدراسات العليا أن يقدم بحثاً علمياً في مجال تخصصه فقد رأيت أن أقوم بدراسة علمية لجهود هذا العالم الجليل في توضيح العقيدة، واستخرت الله في ذلك وشاورت بعض أهل العلم من تلاميذه وغيرهم فوجدت التأييد التام ممن سألته، فعزمت أمري وتوكلت على الله، وباشرت الكتابة في هذا الموضوع وجعلته بعنوان: "الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة" وجعلته في مقدمة وبابين وخاتمة: أما المقدمة: فهي هذه وقد جعلتها تمهيداً لهذا البحث وبينت فيها أهميته، والخطة التي سرت عليها فيه. أما الباب الأول: فقد خصصته للحديث عن حياة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وقسمته إلى فصلين: الفصل الأول: عن حياته الشخصية وقسمته إلى ثمانية مباحث. تحدثت فيها عن نسبه، ومولده، ووفاة والديه، ونشأته، وصفاته الخلقية والخُلقية وأعماله ومرضه، ووفاته، ورثائه. الفصل الثاني: عن حياته العلمية وقسمته أيضا إلى ثمانية مباحث. تحدثت فيها عن طلبه للعلم وحرصه عليه، وشيوخه، وعنايته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وتأثره بهما، وجلوسه للتدريس، وطريقته فيه، وتلاميذه، وعقيدته، وتنوع ثقافته، ومؤلفاته، وثناء العلماء عليه. وأما الباب الثاني: فخصصته للحديث عن جهوده في توضيح العقيدة، وقسمته إلى أربعة فصول: الفصل الأول: عن جهوده في توضيح الإيمان بالله وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:

стр. 7

المبحث الأول: عن توحيد الربوبية. المبحث الثاني: عن توحيد الأسماء والصفات. المبحث الثالث: عن توحيد الألوهية. الفصل الرابع: عن جهوده في توضيح الإيمان بالنبوات وضمنته الحديث عن الإيمان بالملائكة والكتب. الفصل الثالث: عن جهوده في توضيح الإيمان باليوم الآخر وفيه تمهيد وخمسة مباحث: المبحث الأول: الإيمان بأشراط الساعة. المبحث الثاني: الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه. المبحث الثالث: الإيمان بالنفخ في الصور. المبحث الرابع: الإيمان بالبعث والنشور. المبحث الخامس: الإيمان باليوم الآخر بعد البعث. الفصل الرابع: عن جهوده في توضيح تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل كالاستثناء في الإيمان وزيادة الإيمان ونقصانه، وحكم مرتكب الكبيرة وغير ذلك. وأما الخاتمة: فقد عرضت فيها ملخصاً موجزاً للنقاط الهامة في هذا البحث. هذا وقد بذلت جهدي في هذا البحث، فاستقصيت جميع مؤلفات الشيخ بعد أسفار متعددة إلى عنيزة والرياض، واتصلت بعدد من تلاميذه، وعكفت على كتبه وقرأت منها ما يتعلق بالعقيدة، ثم سطرت هذه الرسالة. مستفرغاً فيها وُسعي باذلاً فيها طاقتي، وهي في الحقيقة بضاعة متواضعة من شخص مقل، حسبه فيها أنه قدم جهده، وتوخى أن تصل إلى درجة مرضية. وإتماماً للفائدة من هذه الرسالة قمت بعزو الآيات القرآنية إلى أماكنها، وتخريج الأحاديث النبوية باختصار، ووثقت النقول بذكر مصادرها، وأما ما أهملت توثيقه من أقوال بعض المعاصرين فلأني أخذته منهم مشافهة. ثم إني في ختام هذه المقدمة لا يفوتني أن أتقدم بجزيل شكري وتقديري ـ بعد شكر الله تعالى على وافر نعمه وعظيم مننه ـ إلى جميع من أسهم معي في إخراج هذا البحث. وأخص بالذكر والدي الكريم الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله ورعاه، وشيخي الفاضل علي بن ناصر فقيهي المشرف على إعداد هذه الرسالة، والشيخين

стр. 8

الكريمين اللذين قاما بمناقشة وتقويم هذه الرسالة وهما: فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، وفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، فقد استفدت منهم فوائد جمة فأسأل الله الكريم أن يتقبل هذا الجهد بقبول حسن، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، فهو حسبي ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد المدينة النبوية في ٢١ رمضان ١٤٠٧هـ

стр. 9

الباب الأول: حياة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي الفصل الأول: حياته الشخصية ... الباب الأول حياة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وفيه فصلان: الفصل الأول: حياته الشخصية. الفصل الثاني: حياته العلمية.

стр. 10

الفصل الأول حياته الشخصية وفيه ثمانية مباحث:- أولا: نسبه. ثانيا: مولده ووفاة والديه. ثالثا: نشأته. رابعا: صفاته الخَلقية. خامسا: صفاته الخُلقية (أخلاقه) . سادسا: أعماله. سابعا: مرضه ووفاته. ثامنا: رثاؤه.

стр. 11

حياته الشخصية١ أولا: نسبه: هو العلامة الورع الزاهد، الفقيه الأصولي المحقق المدقق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي. من نواصر بني تميم، من بني عمرو أحد

стр. 12

البطون الكبار من قبيلة بني تميم الشهيرة١. المكنى بأبي عبد الله، الشهير بعلامة القصيم. نزح جدهم من قفار قرب حائل٢، وقيل من المستجدة وهي قريبة من حائل أيضا٣ إلى عنيزة حوالي عام ١١٢٠هـ٤.أما نسبه من قبل أمه، فأمه من آل عثيمين ابنة سليمان العثيمين، وآل عثيمين من آل مقبل من آل زاخر من الوهبة من بني تميم، وهم شقراء، نزح جدهم منها إلى عنيزة وطاب له السكنى فيها٥. ثانيا: مولده، ووفاة والديه: ولد في عنيزة في القصيم، وذلك بتاريخ ١٢ المحرم سنة ألف وثلاثمائة وسبع من الهجرة النبوية. وتوفيت أمه سنة ١٣١٠هـ وله أربع سنوات، وتوفي والده سنة ١٣١٣هـ وله سبع سنوات، فعاش يتيم الأبوين٦. ثالثا: نشأته: كان والد الشيخ عبد الرحمن، من طلبة العلم الحريصين على الطلب، الملازمين

стр. 13

على العبادة المحافظين على الديانة بأنواعها، وكان إماماً في مسجد المسوكف بعنيزة١ فعني بابنه عبد الرحمن وسعى في تربيته تربية صالحة. فلمّا توفاه الله عطفت عليه زوجة والده وكفلته وأحبته أكثر من حبها لأولادها وصار عندها موضع العناية والرعاية، فلما شب صار في بيت أخيه الأكبر حمد بن ناصر، فنشأ نشأة صالحة كريمة٢. وكان والده قد أوصى به إلى ابنه الأكبر حمد فقام برعايته وتربيته خير قيام، وكان حمد رجلاً صالحاً ومن حملة القرآن ومن المعمرين٣. هذا وإن الشيخ عبد الرحمن كان منذ نشأته صالحاً مثاراً للإعجاب محافظاً على الصلوات الخمس مع الجماعة، واشتهر منذ حداثته بفطنته وذكائه ورغبته الشديدة في طلب العلم وتحصيله٤. فتوفرت له البيئة الصالحة، والرغبة الشديدة في طلب العلم، فاجتهد في طلب العلم وجد فيه وسهر الليالي وواصل الأيام ومضى في طريقه قُدُماً لا يلوي على شيء غير العلم ولا يريد شيئاً غير تحصيل العلم. فلا يكاد الواصفون يصفون شدة حرصه وإقباله على العلم والتعلم، وهكذا حتى نال حظاً وافراً في العلوم الشرعية٥. رابعاً: صفاته الخَلقية: كان ذا قامة متوسطة، شعره كثيف، ووجهه مستدير ممتلئ طلق، ولحيته كثيفة، ولونه أبيض مشرب بالحُمرة، وكان شعره في شبيبته في غاية السواد. وفي شيخوخته في غاية البياض يتلألأ كأنه فضة، ووجهه حسن عليه نور في غاية الحسن وصفاوة اللون٦

стр. 14

خامسا: صفاته الخُلقية (أخلاقه) : أـ (له أخلاق أرق من النسيم وأعذب من السلسبيل لا يعاتِب على الهفوة ولا يؤاخذ بالجفوة، يتودد ويتحبب إلى البعيد والقريب، يقابل بالبشاشة، ويُحَّيِ بالطلاقة، ويعاشر بالحسنى ويجالس بالمنادمة، ويجاذب أطراف أحاديث الأنس والود، ويعطف على الفقير والصغير ويبذل طاقته ووسعه، ويساعد بماله وجاهه وعلمه ورأيه ومشورته ونصحه بلسان صادق، وقلب خالص، وسر مكتوم، ومهما أردت أن أُعدد فضائله ومحاسنه في مجال الأخلاق الكريمة والشيم الحميدة التي يتحلى بها فإني مقصر وقلمي عاجز، ولا يدرك هذا إلا من عاشره وجالسه؛ لذا فإن الله سبحانه أعطاه محبة في القلوب وثقة في النفوس، فأجمعت البلاد على وده، واتفقت على تقديمه، فصار له زعامة شعبية، فإشارته نافذة وكلمته مسموعة وأمره مطاع) . هكذا وصفه تلميذه عبد الله البسام١. ب ـ وكان ﵀ ذا دعابة يتحبب إلى الخلق بحسن خلقه مرحاً للجليس لا يرى الغضب في وجهه طلق الوجه، كريم المحيا، وكان يكثر الحج ويصوم البيض وغيرها ويتكلم مع كل فرد بما يناسب حاله٢ ويعاشر الخلق معاشرة تامة كل بحسب حاله من يعرف ومن لا يعرف، الصغير والكبير، والخاص والعام، والرجال والنساء، محباً للخير مُقْدماً عليه٣. جـ ـ ولم يُرَ قط إلا مبتسماً بادية أسارير وجهه، ولم يقابله أي شخص إلا بادره بالسلام واللطافة الصغير والكبير، ومن يعرف ومن لا يعرف، وقل من يراه إلا ويعرفه، ويباسط كل أحد بحسب حاله مباسطة تؤلف القلوب وتمكن المودة٤. د ـ وكان على جانب كبير من التواضع ولين الجانب يندر مثله، تحس إذا جالسته كأنك من أقرب الناس إليه. متواضعاً للصغير والكبير والغني والفقير٥، وكان لا ينقطع عن زيارتهم ومشاركتهم في مجتمعاتهم٦ يجيب دعوتهم ويزور مريضهم ويشيع جنائزهم٧.

стр. 15

هـ ـ وكان على جانب كبير من الأدب والعفة والنزاهة والحزم في كل أعماله، زاهداً متعففاً عزيز النفس على قلة ذات يده١ـ ذا شفقة على الفقراء والمساكين والغرباء، ماداً يد المساعدة لهم بحسب قدرته. ويستعطف لهم المحسنين ممن يعرف عنهم حب الخير في المناسبات٢، ويدفع للفقراء من الطلبة الأموال ليتجردوا عن الانشغال بوسائل المعيشة٣. وـ وكان محباً لإصلاح ذات البين. فما من مشكلة تعرض عليه إلا ويحلها برضا الطرفين، لما ألقى الله في قلوب الخلق من مودته والانقياد لمشورته والإصغاء لقوله مهما كانت الحال، ولا يكاد يوجد من يرى مخالفته في أي حال من الأحوال٤. ز ـ وكان ملبسه متوسط الحسن مجانباً للشهرة، لا يرغب ملابس الشهرة، فملابسه حسنة طيبة بعيدة عن الشهرة٥. سادسا: أعماله: وأعني بأعماله، ما قام به الشيخ من مشاريع خيرية، أو ما تولاه من أعمال دينية. وقد كان ﵀ محباً للمشاريع الخيرية العامة والخاصة آمراً بها، مساعداً عليها، وله أفعال كثيرة حسنة جهرية وسرية، لم يظهر بعضها إلا بعد وفاته وهي كثيرة جداً٦. وفيما يلي أعرض بعض المشاريع التي قام بها، والأعمال التي تولاها: أـ كان مرجع بلاده وعمدتهم في جميع أحوالهم وشئونهم، فهو مدرس الطلاب وواعظ العامة وإمام الجامع وخطيبه، ومفتي البلاد وكاتب الوثائق ومحرر الأوقاف والوصايا وعاقد الأنكحة ومستشارهم في كل ما يهمهم٧. كل ذلك خدمة لوجه الله.

стр. 16

قام في سنة ١٣٦٠هـ بتأسيس المكتبة الشهيرة بالوطنية في عنيزة على نفقة الوزير ابن حمدان، وجلب لها آلاف الكتب في شتى الفنون، وصارت هذه المكتبة مجمعاً لطلاب العلم يقرؤون عليه فيها، وكانت المراجع متوفرة فيها١. جـ ـ رشح لقضاء عنيزة عام ١٣٦٠هـ وامتنع منه تورعاً٢، ولم يدخل في أي وظيفة لا قضاء ولا غيره. وعرض عليه القضاء أكثر من مرة ولكن سهل الله له الفكاك منه٣. د ـ عين إماماً وخطيباً للجامع الكبير بعنيزة في رمضان عام ١٣٦١هـ بأمر من الشيخ عبد الرحمن بن عودان، وهي حسنة من حسناته أحبه الناس عليها وحفظوها له٤. هـ ـ قام في سنة ١٣٦٣هـ، بجمعية خيرية لعمارة مقدم الجامع الكبير، بعنيزة وانتهت على ما يرام بمساعيه المشكورة٥. زـ عين مشرفاً على المعهد العلمي بعنيزة سنة ١٣٧٣هـ، يقول الشيخ عبد الرحمن العدوي ـ أحد المدرسين في المعهد إذ ذاك بعد أن ذكر خبر تعيينه مدرساً هناك ـ (وفي نفس الوقت بلغنا أن الشيخ عبد الرحمن السعدي قد عين مشرفاً على المعهد من الناحية العلمية، وكان تعيينه براتب شهري قدره ألف ريال. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى أرسل إلى رئاسة المعاهد العلمية أنه على استعداد للإشراف على المعهد حسبة لوجه الله تعالى، وأنه لا يريد أن يكون له على ذلك أجر مادي وقبلت الرئاسة شاكرة له هذا الصنيع الذي لا يصدر إلا من عالم زاهد يبتغي وجه الله) ٦. ثم قال: (كان ﵀ يأتي إلى المعهد بانتظام يوم الثلاثاء من كل أسبوع، ثم

стр. 17

يدخل إلى آخر صف ويجلس فيه كأنه أحد طلاب هذا الفصل. ويكرر هذا العمل في أكثر من فصل ويستمع إلى أكثر من مدرس ولم يكن في المعهد من المدرسين المصريين إلا أنا وزميل آخر، أما بقية المدرسين فكانوا من أبناء الشيخ علمهم في المسجد الجامع إلى درجة تسمح لهم بالقيام بتدريس المواد التي تعلموها على يديه) ١. وهو أول من أدخل مكبر الصوت في عنيزة، وله خطبة في منافعه قالها حين وضعه في المسجد واستنكره بعض الناس قال فيها: (وكذلك إيصال الأصوات والمقالات النافعة إلى الأمكنة البعيدة من برقيات وتلفونان وغيرهما، داخل في أمر الله رسوله بتبليغ الحق إلى الخلق، فإن إيصال الحق والكلام النافع بالوسائل المتنوعة من نعم الله، وترقية الصنائع والمخترعات لتحصيل المصالح الدينية والدنيوية من الجهاد في سبيل الله) ٢. ط ـ وله أعمال خيرية سرية كثيرة عرف بعضها بعد وفاته: منها: أن امرأة أرملة لها بيت، أصبحت مدينة بمال كثير، فرهنت بيتها، وليس لها عمل تقتات به، فأحس بذلك الشيخ فصار يتعهدها ويعطيها أرسالاً مما يأتيه من أهل الخير، فكانت تدفع أكثر ما يصلها إلى صاحب الدين وتبقي قليلاً من المال تقتات به. فبقيت على تلك الحال مدة من الزمن فخلص الدين بأجمعه وذلك قبل وفاة الشيخ بأشهر، فلما توفي ﵀ ظهر الخبر من المرأة، وكانت دائماً تذكره وتدعو له، وأمثالها في ذلك كثير فرحمه الله رحمة واسعة٣. سابعا: مرضه ووفاته: أصيب عام ١٣٧١هـ أي قبل وفاته بخمس سنوات بمرض ضغط الدم، وتصلب الشرايين فكان يعتريه مرة بعد مرة وهو صابر عليه، وكانت أعراض المرض تبدو عليه بعض الساعات في الكلام فيقف ولو كان يقرأ القرآن ثم يتكلم٤.

стр. 18

فاهتمت به الحكومة، حيث أرسل له الملك سعود ﵀ طائرة خاصة، وفيها طبيبان، قررا بعد الكشف عليه سفره للعلاج في لبنان وصحباه في السفر١. فسافر إلى بيروت في عام ١٣٧٣هـ وبقي هناك شهراً، يعالج حتى شفاه الله، ونصحه الأطباء بالراحة وقلة التفكير والاجهاد٢. واجتمع في سفره هذا بعدد من العلماء، وتعرف بجملة من الفضلاء٣، منهم الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني كما حدثني بذلك. ثم رجع إلى عنيزة فباشر فيها أعماله، ولم يصبر على ترك العلم فقام فيها تعليماً وإمامةً وخطابةً وتأليفاً وبحثاً؛ لأن هوايته العلم وكان يقول إن راحتي في مزاولة عملي٤. فصار المرض يعاوده ثم يشفى، ولا يصده عن الخروج، ويحدث معه رعدة وسكتة لا يقدر معها على الكلام وتبقى دقيقة واحدة ثم تزول بدون تألم سوى برد يتلوه عرق٥. وفي شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٧٦هـ اشتد عليه المرض أكثر مما كان وصار معه مثل البرد والقشعرية. وفي ليلة الأربعاء ٢٢ من الشهر المذكور، وبعد فراغه من الدرس اليومي المعتاد، وبعد فراغه من صلاة العشاء، أحس بثقل وضعف في الحركة فأشار إلى أحد تلاميذه بأن يمسكه ويذهب معه إلى البيت ففعل وهرع معه أناس من الحاضرين، فلم يصل إلى البيت إلا وقد أغمي عليه، ثم أفاق بعد ذلك فحمد الله وأثنى عليه، وتكلم مع أهله الحاضرين بكلام حسن طيب، ثم عاوده الإغماء مرة أخرى فلم يتكلم بعد ذلك. فلما أصبحوا صباح الأربعاء دعوا الطبيب فقرر أن معه نزيفاً في المخ، وإن لم يتدارك فوراً فإنه يموت. فأبرقوا لابنه وللملك فيصل ـ لما كان وليا للعهد ـ فأصدر أمره الكريم عاجلاً

стр. 19

بكل ما يلزم فقامت طائرة خاصة وفيها طبيب مخ ومهرة من الأطباء والعلاجات إلى مدينة عنيزة وكان فيها ابنه عبد الله. ولكن الجو كان ملبداً بالغيوم والرعد والبرق والعواصف الشديدة وفيه أمطار قد تتابعت أكثر من شهر، تهدمت منها البيوت ونزلت أخشاب سطوح المساجد، فلم يساعد الجو على هبوط الطائرة. فتلقت المكالمة وهي في الجو بوفاته فرجعت من حيث أتت. حيث إنه توفي ﵀ قبل طلوع فجر يوم الخميس الموافق ٢٣ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٦هـ، عن تسع وستين سنة١. وصُلي عليه بعد صلاة الظهر في الجامع الكبير، دفن في مقابر الشهوانية شمال عنيزة٢ وأخروا الصلاة عليه إلى الظهر لعل أحد أبنائه يدركه، فلم يدركه أحد منهم، وصلى عليه الشيخ عبد العزيز بن محمد البسام. في حشد كبير لم يشهد له مثيل جمع أهل البلد قاطبة والقرى والمدن المجاورة٣. والحقيقة أن عنيزة منذ تأسست لم تصب عامة مثل مصيبتها به، وظهر ذلك في البكاء والحزن الشديد من كل المواطنين، كما ظهر في الازدحام الشديد على الجنازة التي لم يبق كبير ولا صغير لم يشهدها. وبموته فقدت البلدة أعز وأغلى شخص يعيش فيها وأحس المواطنون بفراغ واسع بفقده، وحتى الآن وذكره في الألسن، ومحبته في القلوب وأحاديثه وإرشاداته وفتاويه هي حديث المجالس وأنس المحافل ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته٤. وخلَّف ﵀ ثلاثة أبناء وهم عبد الله ومحمد وأحمد, وهم يشتغلون بالتجارة بالرياض والدمام وعبد الله هو أكبرهم سناً وله يد في طلب العلم, وقد اعتنى بطبع بعض مؤلفات والده وتوزيعها مجاناً ٥, وقد توفي عبد الله في ٢٤/٤/١٤٠٥هـ في حادث سيارة غفر الله له ولوالديه ووالدينا وجميع المسلمين. ثامنا: رثاؤه: وقد رثاه ﵀ كثير من العلماء والأدباء بمراث عديدة نظماً ونثراً.

стр. 20

ـ فمن القصائد التي قيلت في رثائه قصيدة طويلة للدكتور عبد الله بن صالح العثيمين منها: مهج تذوب وأنفس تتحسر ولظى على شغف القلوب تسعر الحزن أضرم في الجوانح والأسى يصلي المشاعر بالجحيم ويصهر ملأ الضمائر حسرة وكآبة لا شيء يبرئها ولا هي تجبر اليوم ودعنا أباً ومهذبا والحزن يغلي في الدماء ويزخر كل امرئ في الكون غايته الردى الموت حتم للنفوس مقدر لكن من اتخذ الصلاح شعاره تفنى الخليقة وهو حي يذكر ما مات من نشر الفضيلة والتقى وأقام صرحا أسه لا يكسر ما مات من غمر الأنام بعلمه الكتب تشهد والصحائف تخبر يا زاهدا عرف الحياة فما هوى في المغريات ولا سباه المظهر نم في جنان الخلد يا علم التقى وانعم بظل وارف لا يحسر١ ب ـ ومن هذه القصائد، قصيدة للشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين منها: رزء عظيم الحزن والأسفا فالدمع فيه على الخدين قد وكفا اليوم حقا فقدنا للهدى علما اليوم حقا فقدنا الزهد والشرفا بقت عنيزة دهراً وهي رافعة لواء فخر له كل الورى عرفا ظلت به العرب دهراً وهي فاخرة واليوم أضحت تعزى فيه واأسفا فذي تصانيفه قد قام قائمها يدعو العباد عليها الكل قد عكفا لهفي بذا العالم قد حق العزاء لنا في فادح لو أصاب الطود لارتجفا فالله يلهمنا صبراً فقد عظمت مصيبة أثقلت في حملها الكتفا والله يجزيه عن إحسانه حسنا والله يسكنه من جنة غرفا٢ جـ ـ وقد رثى ﵀ بقصائد أخرى منها مرثية للشيخ محمد بن عثمان القاضي، ومرثية للشيخ صالح بن عبد الشبل، وقصيدة في الثناء عليه لمزيد الخطيب وغيرهم٣

стр. 21

د ـ قال الشيخ القاضي في روضة الناظرين: (ولقد حدثني من أثق به بأن الشيخ سليمان المشعلي وكان عالماً جليلاً وقاضياً مسدداً لما علم بوفاة الشيخ، قال مات اليوم عالم نجد، وقد طاب الموت بعد هذه الشخصية الفذة، فانصدع ومات في ١٢ من رجب بعد وفاة السعدي بتسعة عشر يوما وكان من خواصه)

стр. 22

الفصل الثاني حياته العلمية أولا: طلبه للعلم وحرصه عليه. ثانيا: شيوخه. ثالثا: عنايته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وتأثره بهما. رابعا: جلوسه للتدريس، وطريقته فيه. خامسا: تلاميذه. سادسا: عقيدته وتنوع ثقافته. سابعا: مؤلفاته. ثامنا: ثناء العلماء عليه.

стр. 23

أولا: طلبه للعلم وحرصه عليه: كان ابن سعدي ﵀ قد استرعى أنظار الناس منذ حداثة سنه بذكائه القوي، ورغبته الشديدة في طلب العلم وتحصيله، فأوقف لذلك حياته في طلب العلم، فكان لا يشغله عنه شاغل ولا يصرفه عنه صارف، فكان همه في حياته الاستفادة العلمية وحفظ الأوقات في ذلك١. لقد أجمع أمره على أن يقف حياته على طلب العلم، وأن يعطي نفسه أمناً وطمأنينة وسكينة خاصة، تصل برباطها الوثيق بينه وبين الأمر الذي أوقف حياته عليه. فتراه إذ ذاك في وادٍ، وأغلب ناشئة عصره من زملائه وأترابه في واد آخر. إنه ارتضى العلم والمعرفة خدينا وأليفا، ولم يرق في نظره من رجال زمنه سوى طبقة العلماء. فلازمهم ملازمة الظل. وأكب على الاغتراف من معين علمهم وفضلهم وأخلاقهم، فتغذى أطيب غذاء، وروى أكرم ري٢. وأول ما قام به من طلب العلم، مبادرته لحفظ كتاب الله، فبدأ بحفظ القرآن من سن مبكرة، حتى أتقنه وأتمه وحفظه عن ظهر قلب في الحادية عشرة من عمره، في مدرسة الشيخ سليمان بن دامغ لتحفيظ القرآن بأم خمار، ثم شرع بعد ذلك في تحصيل سائر العلوم الشرعية٣ فأخذ في طلب العلم وتحصيله وتلقيه عن علماء بلده وغيرهم ممن قدم إليه، وشغل أوقاته في ذلك، ورحل إلى العلماء المجاورين لبلده، وانقطع للعلم وتحصيله حفظاً وفهماً ودراسة ومراجعة واستذكاراً وتطبيقاً. وكان يواظب على دروس العلماء، وعلى من يشعر أنه له منه أدنى فائدة طارحاً التحيز والترفع، وواصل وثابر، وبذل جهده في سبيل ذلك حتى نال في صباه ما لا يناله غيره في زمن طويل، من علوم كثيرة وفنون مختلفة٤.

стр. 24

ولم يقتصر في طلبه للعلم على فن واحد، بل قرأ في فنون كثيرة فقرأ في الحديث والتفسير والعقائد والفقه والأصول والمصطلح وعلوم اللغة وغيرها وهذا سيظهر لنا عند ذكر شيوخه، وما تلقاه عنهم. ثانيا: شيوخه: لقد تلقى الشيخ أنواع العلوم على كثير من العلماء، بعضهم من عنيزة وبعضهم من الوافدين إليها، وبعضهم ذهب إليهم في بلادهم. وذكرهم جميعهم يصعب، ولكن فيما يلي أذكر جملة منهم مع إعطاء نبذة بسيطة عنهم١، وعن نوع استفادته من كل واحد منهم، وتجدر الإشارة إلى أنه كان ﵀ محل إعجاب مشائخه كلهم بفرط ذكائه ونبله واستقامته٢. فمن شيوخه: ١ـ الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، ولد في بريدة سنة ١٢٤١هـ، وتوفي في الكويت سنة ١٣٤٢هـ٣. وهو أول من قرأ عليه الشيخ وأخذ عنه التفسير والحديث وأصولهما٤. وكان ابن سعدي يصف شيخه بحفظ الحديث والورع والزهد ومحبة الفقراء ومواساتهم٥. ٢ـ والشيخ محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم بن صالح الشبل. ولد في عنيزة سنة: ١٢٥٧هـ، وتوفي سنة ١٣٤٣هـ٦، وأخذ عنه الفقه وأصوله وعلوم اللغة العربية٧.

стр. 25

٣ـ والشيخ عبد الله بن عائض العريضي الحربي، ولد في عنيزة سنة: ١٢٤٩هـ، وتوفي سنة ١٣٧٥هـ١. وأخذ عنه الفقه وأصوله وعلوم اللغة٢. ٤ـ والشيخ صالح بن عثمان بن حمد بن إبراهيم القاضي، ولد في عنيزة سنة: ١٢٨٢هـ. وتوفي سنة: ١٣٥١هـ٣. أخذ عنه التوحيد والتفسير والفقه أصوله وفروعه وعلوم العربية، وهو أكثر من قرأ عليه الشيخ ولازمه ملازمة تامة حتى توفاه الله٤. وكان هو الذي يقرأ على الشيخ في الدرس والشيخ يقرر على قراءته، بدأ القراءة على الشيخ بعد وفاة عبد العزيز الغرير، الذي كان يقرأ على الشيخ، وكان ابن سعدي له صوت حسن رخيم لا يمله سامعه٥. ٥ـ والشيخ محمد بن عبد الله بن حمد بن محمد بن سليم، ولد في بريدة، سنة: ١٢٤٠هـ وتوفي فيها سنة ١٣٢٣هـ٦. رحل له الشيخ في بريدة وأخذ عنه التوحيد وغيره٧. ٦ـ والشيخ علي بن ناصر بن محمد أبو وادي، ولد في عنيزة سنة: ١٢٧٣هـ، وتوفي سنة: ١٣٦١هـ٨. أخذ عنه الحديث، الأمهات الست وغيرها، وأجازه في ذلك. وأخذ عنه التفسير وأصوله، وأصول الحديث٩.

стр. 26

٧ـ والشيخ إبراهيم بن صالح بن إبراهيم بن محمد بن عيسى القحطاني ولد في عنيزة سنة: ١٢٧٠هـ وتوفي بالرياض سنة: ١٣٤٣هـ١. أخذ عنه أصول الدين٢. ٨ ـ والشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن مانع. ولد في عنيزة سنة: ١٣٠٠هـ، وتوفي في بيروت سنة: ١٣٨٥هـ ونقل جثمانه إلى قطر وصلى عليه ودفن فيها٣. وأخذ عنه علوم اللغة العربية٤. ٩ـ والشيخ صعب بن عبد الله بن صعب التويجري، ولد في بريدة سنة: ١٢٥٣هـ، وتوفي سنة: ١٣٣٩هـ٥. أخذ عنه الفقه وأصوله٦، عندما رحل من بريدة إلى عنيزة وجلس فيها للتدريس٧. ١٠ـ والشيخ علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد السناني، ولد في عنيزة سنة: ١٢٦٦هـ، وتوفي سنة: ١٣٣٩هـ٨. وأخذ عنه أصول الدين٩. ١١ـ والشيخ محمد الأمين محمود الشنقيطي، ولد في مدينة شنقيط في موريتانيا سنة: ١٢٨٩هـ، وتوفي في الزبير في صباح الجمعة ١٤ جمادى الثانية، سنة: ١٣٥١هـ١٠.

стр. 27

قرأ عليه الشيخ ابن سعدي لما قدم إلى عنيزة وجلس فيها للتدريس سنة: ١٣٣٠هـ. وأخذ عنه التفسير والحديث ومصطلح الحديث وعلوم العربية كالنحو والصرف وغيرهما١. وأخذ عنه إجازة بالرواية٢. ثالثا: عنايته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وتأثره بهما: لقد عني الشيخ ابن سعدي بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب تلميذه ابن القيم عناية بالغة، فأكب عليها مطالعة واستذكاراً وحفظاً وفهماً وتلخيصاً وشرحاً.. وكان أعظم اشتغاله بها، ولازمها ملازمة تامة طيلة حياته، فتتلمذ بذلك على كتبهما، وحصل له بسبب ذلك انتفاعٌ كبيرٌ، وخيرٌ عظيمٌ. ولكي يبرز لنا مقصود هذا البحث أقول: إن تأثر الشيخ ابن سعدي بشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم يظهر من نواح متعددة: أـ أجمع كل من ترجم له من تلاميذه وغيرهم على عنايته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وحثه الدائم لتلاميذه بالعناية بها. يقول الشيخ محمد بن عثمان القاضي: "ولقد أكب بالمطالعة على كتب الفقه والحديث طيلة حياته خصوصا على كتب الشيخين، فقد كانت له صبوحا وغبوقاً"٣. ويقول ابن الشيخ المترجم له عبد الله: "وكان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وحصل له خير كثير بسببها في علم الأصول والتوحيد والتفسير والفقه وغيرها من العلوم النافعة"٤. ويقول أحد تلاميذ الشيخ: "وكان يتعلم ويقضي أوقاته في ذلك، وفي الإكباب على مطالعة مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ومؤلفات تلميذه ابن القيم بتمعن وتفهم فانتفع بهذه المؤلفات غاية الانتفاع"٥ والنقول في ذلك كثيرة.

стр. 28

ب ـ ثناؤه الدائم عليهما وعلى مؤلفاتهما في كتبه: قال ﵀ في كتابه طريق الوصول: "إن كتب الإمام الكبير شيخ الإسلام والمسلمين: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، قدس الله روحه، جمعت فأوعت: جميع الفنون النافعة والعلوم الصحيحة، وجمعت علم الأصول والفروع وعلوم النقل والعقل، وعلوم الأخلاق والآداب الظاهرة والباطنة، وجمعت بين المقاصد والوسائل، وبين المسائل والدلائل، وبين الأحكام وبين حكمها وأسرارها، وبين تقرير المذهب الحق، والرد على جميع المطبلين، وامتازت على جميع الكتب المصنفة بغزارة علمها وكثرته وقوته، وجودته وتحقيقه، بحيث يجزم من له اطلاع عليها وعلى غيرها أنها لا يوجد لها نظير يساويها أو يقاربها"١. وقال في الكتاب نفسه: "وقد سلك شمس الدين ابن قيم الجوزية مسلك شيخه، بالتحقيق للعلوم الأصولية والفروعية والظاهرة والباطنة. وكان أعظم من انتفع بشيخ الإسلام، وأقومهم بعلومه وأوسعهم في العلوم النقلية والعقلية"٢. وقال في المواهب الربانية: "....ولا يخفى لطف الباري في وجود شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أثناء قرون هذه الأمة، وتبيين الله به وبتلامذته من الخير الكثير والعلم الغزير، وجهاد أهل البدع، والتعطيل والكفر، ثم انتشار كتبه في هذه الأوقات، فلا شك أن هذا من لطف الله لمن انتفع بها، وأنه يتوقف خير كثير على وجودها فلله الحمد والمنة والفضل"٣. وللشيخ ابن سعدي قصيدة نونية تتكون من ثلاثين بيتاً نظمها في مدح شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومؤلفاتهما منها: يا طالبا لعلوم الشرع مجتهدا يبغي انكشاف الحق والعرفان احرص على كتب الإمامين اللذيـ ـن هما المحك لهذه الأزمان العالمين العاملين الحافظيـ ـن المعرضين عن الحطام الفاني عاشا زمانا داعيين إلى الهدى من زائغ ومقلد حيران أعني به شيخ الورى وإمامهم يعزي إلى تيمية الحران والآخر المدعو بابن القيم

стр. 29

فهما اللذان قد أودعا في كتبهم غرر العلوم كثيرة الألوان فيها الفوائد والمسائل جمعت من كل فاكهة بها زوجان إن رمت معرفة الإله وماله من وصفه وكماله الرباني أو رمت تفسير الكتاب وما حوى من كثرة الأسرار والتبيان أو رمت معرفة الرسول حقيقة وجلالة المبعوث بالفرقان أو رمت فقه الدين مرتبطاً به أصل الدليل أدلة الإتقان أو رمت معرفة القصائد كلها للمبطلين وردها ببيان أو رمت معرفة الفنون جميعها من نحوها والطب للأبدان تلق الجميع مقرراً وموضحا قد بيناها أحسن التبيان١ إلى آخر هذه القصيدة، وهي دقيقة في وصف هذين العالمين وغزارة علمهما وتنوعه. جـ ـ تأثره بهما في أسلوبه في الكتابة وفي تقريره للمسائل، وتأصيله للقواعد، وردوده على المنحرفين، وكثرة نقله واقتباسه من أقوالهما كما سيظهر جلياً عند عرض جهوده في العقيدة، إذ سيتبين للقارئ أن معظم كلامه في الرد على المخالفين أو في تأصيل القواعد مستفاد من كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وذلك لشدة عناية الشيخ بمؤلفتهما القيمة النافعة. د ـ عنايته بالتأليف حول كتب شيخ الإسلام، وكتب تلميذه ابن القيم فله عدة مؤلفات تدور حول كتب هذين العالمين إما شرحاً وتوضيحاً أو نثراً أو تلخيصاً، منها: ١ـ كتاب توضيح الكافية الشافية، نثر فيه نونية ابن القيم. ٢ـ الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية، وهو أيضا حول نونية ابن القيم حيث شرح الأبيات المتعلقة بتوحيد الأنبياء والمرسلين من النونية. ٣ـ الدرة البهية في شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية وكما يظهر من عنوانه فهو شرح لتائية ابن تيمية في الرد على القدرية. ٤ ـ التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنفية علق فيه على العقيدة الواسطية لابن تيمية. ٥ ـ طريق الوصول إلى المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول، وهذا الكتاب

стр. 30

من أبرز كتبه الدالة على شدة عنايته بكتب ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهذا يظهر لنا من ناحيتين. الناحية الأولى: سبب تأليف الكتاب، إذ أنه ألفه ﵀ ليكون بديلاً لأحد كتب ابن تيمية، بحث عنه كثيراً فلم يجده، يقول في مقدمة الكتاب مبيناً سبب تأليفه له: "ولشيخ الإسلام كتاب يقال له "قواعد الاستقامة" طالما بحثنا عنه لتحصيله من مظانه، فلم يتيسر، لكثرة فوائده. وإني لأرجو أن يكون ما جمعته في هذا المجموع من كلامه في الأصول والقواعد مغنيا عن ذلك الكتاب، ومتضمناً زيادات كثيرة لا توجد فيه ولا في غيره......"١. الناحية الثانية: مادة هذا الكتاب، فهو عبارة عن أكثر من ألف قاعدة، وأصل، وضابط، وتعريف استخرجها من أكثر من ستين كتاباً من كتب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، بعد قراءة متأنية في هذه الكتب قال ﵀ في آخر الكتاب: "....وجملة ذلك: أن هذا المجموع قد انتقيته بعد التروي الكثير وكثرة التأمل والتفكير من جميع الكتب الموجودة من كتب الشيخين فتضمن صفوتها، احتوى على جواهرها وغررها، والحمد لله والفضل لله"٢ ولا أدل وأوضح من ذلك على عنايته بكتبهما. هذا وإن المقصود من كل ما تقدم إبراز عناية الشيخ ابن سعدي بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وقد بان المقصود، وحصل بحمد الله المنشود. رابعا: جلوسه للتدريس، وطريقته فيه: لقد بذل ابن سعدي أكثر جهده، ومعظم وقته في طلب العلم وتحصيله، فلازم العلماء وأكب على كتب العلم، فلا يصرفه عن حلق الذكر ومجالس العلم وقراءة الكتب صارف، ولا يرده عنها راد، حتى أناله الله من العلم حظاً وفيراً، وقدراً كبيراً، فعلا

стр. 31

قدره، وعظم شأنه، وظهر تفوقه، وذاع صيته. فأقبل عليه طلاب العلم من عنيزة وما جاورها من المدن، ورغبوا في دروسه وحرصوا على الاستفادة منه١. حتى إن زملاءه في الدارسة لما رأوا تفوقه عليهم ونبوغه، تتلمذوا عليه وصاروا يأخذون عنه العلم وهو في سن مبكر، فصار وهو في شبابه معلماً ومتعلماً٢. وقد كان أول جلوسه للتعليم في الثالثة والعشرين من عمره، ففي هذه السن جلس في حلقة التدريس يعطي الدروس للطلاب، وجد في تعليمهم واجتهد، يعلم زملاءه ومن يريد العلم ويطلبه، وكان يحرص على التعليم كحرصه على التعلم. فجمع بذلك بين طلب العلم والتعليم، ورتب أوقاته في ذلك، فكان يقضي بعض أوقاته في القراءة على العلماء، بعضها يجلس للتلاميذ يعلمهم، وبعضها في مراجعة الكتب والبحث فيها، ولا يفوّت من أوقاته شيئاً إلا وقد رتبه٣. فبلغ الذروة في علوم الحديث والفقه والتفسير، حتى إنه منذ عام ١٣٥٠هـ صار مرجع التدريس ومرجع الإفتاء في بلده وما حولها من القرى وأصبح المعول لدى جميع الطلاب في أخذ العلوم٤. أما عن تنظيمه لأوقاته في التعليم؛ فقد كان يجلس أربع جلسات في اليوم الواحد، فكان إذا صلى الفجر بالناس جالس لأداء الدرس حتى تطلع الشمس، ثم يذهب بعد ذلك إلى بيته حتى الضحوة الكبرى فيعود إلى المسجد يعلم أبناءه الطلاب الفقه والتفسير والحديث والعقيدة والنحو والصرف في دروس منتظمة، ويستمر معهم حتى صلاة الظهر، فيصلي بالناس ويعود إلى بيته يستريح فيه إلى صلاة العصر، ثم يذهب إلى المسجد فيصلي العصر بالناس، ويعطيهم عقب الصلاة وهم جلوس بعض الأحكام الفقهية في دقائق لا تؤخرهم عن الانصراف سعيا وراء أرزاقهم، وعندما تغرب الشمس يصلي بالناس المغرب ويجلس للدرس حتى يصلي العشاء، ويتكرر ذلك يومياً٥.

стр. 32

أما عن طريقته في التعليم وحرصه على نفع طلابه، فقد كان ﵀ من أحسن الناس تعليماً وأبلغهم تفهيماً وأفضلهم تبييناً، وذلك؛ لأن طريقته في التعليم امتازت بصفات كثيرة هامة، جعلت طلابه يتلذذون بدرسه ويواظبون عليها. ومن أبرز هذه الصفات:- ١ـ أنه يستشير تلاميذه في اختيار الكتاب الأنفع من كتب الدراسة، ويرجح ما عليه رغبة أكثرهم، وعند التساوي يكون هو الحكم في الترجيح١. ٢ـ يخصص المكافآت لمن يحفظ المتون من طلابه، وتشجيعاً لهم، وحفزاً لزملائهم٢. ٣ـ يقيم المناظرات بين طلابه المحصلين لشحذ أفكارهم، وصقل أذهانهم، وتعويدهم إقامة الحجة والبرهان٣. ٤ـ يطرح المسائل على الطلاب ليختبر أذهانهم، ويعتمد أحياناً تغليط نفسه أمامهم ليرى من هو حاضر الذهن ممن هو شارده، وليعرف الفطن من غيره٤. ٥ـ عند ذكره للمسائل الخلافية، فإنه يقرر القول الراجح بأدلته، ثم يذكر القول الآخر بأدلته ثم يوسط نفسه حكماً في المسألة، وقد يستطرد بذكر نظائر المسألة، كل ذلك بفصاحة وبلاغة بديهية٥. ٦ـ يجمع الطلاب كلهم على كتابين واحد بعد آخر، وبعد انتهاء الجلسة يطلب من ثلاثة منهم إعادة ما يستحضره من التقرير، ويدور عليهم ليختبر قوة حفظهم وفهمهم٦. ٧ـ يناقشهم بعد يوم فيما مضى شرحه، مما كان يدفع الطلاب على الحرص على الاستذكار وتثبيت المعلومات٧.

стр. 33

٨ ـ يحرص على طلابه حرصاً تاماً، ويتفقدهم عند غيابهم تفقداً دقيقاً مما كان يجعل تلاميذه يراعون المواظبة لملاحظته وعدم غفلته١. ٩ـ ومع ذلك كله كان يلاطفهم ويداعبهم تحبيباً لهم في طلب العلم٢ ولهذا فإنه قد انتفع بعلمه خلق كثير، وتخرج على يديه عدد كبير من طلبة العلم البارزين المحصلين، أجزل الله له المثوبة، ورحمه الرحمة الواسعة. خامسا: تلاميذه:- وقد أخذ عنه العلم خلق كثير يصعب حصرهم، ومنهم:- ١ـ الشيخ محمد بن صالح العثيمين. خلف شيخه في إمامة الجامع بعنيزة، وفي التدريس والوعظ والخطابة. ٢ـ والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام. عضو هيئة التمييز بالمنطقة الغربية. ٣ـ والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل. عضو الهيئة القضائية العليا في وزارة العدل. ٤ـ والشيخ عبد الله بن محمد المطرودي ـ يقال إنه كان يحفظ صحيح البخاري بأسانيده. ٥ـ والشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان، درّس في معهد إمام الدعوة بالرياض، وسلك طريقة شيخه بالتأليف. ٦ـ والشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع تولى القضاء في المجمعة وفي عنيزة وتوفي في ١٨/٧/١٣٨٧هـ. ٧ـ والشيخ سليمان بن إبراهيم البسام، كان فقيهاً، درس في المعهد العلمي بعنيزة، وعين قاضياً فرفض وتوفي في ١٤/٣/١٣٧٧هـ. ٨ ـ والشيخ محمد بن منصور الزامل، درس بمعهد عنيزة العلمي. ٩ـ والشيخ عبد الله بن محمد الزامل، درس في معهد عنيزة العلمي، وهو من أبرز علماء نجد بالنحو. ١٠ـ والشيخ عبد الله بن حسن آل بريكان، درس في معهد عنيزة العلمي.

стр. 34

١١ـ والشيخ عبد الله بن محمد العوهلي، درس بمعهد مكة العلمي. ١٢ـ والشيخ محمد بن صالح الخزيم. عين قاضياً في الرس ثم في المذنب ثم في عنيزة، وتوفي. ١٣ـ والشيخ عبد الرحمن بن محمد المقوشي، عين قاضياً بالرياض ثم بالقويعية ثم أحيل إلى التقاعد لرغبته. توفي. ١٤ـ والشيخ حمد بن محمد البسام درس بالمعهد العلمي بعنيزة ثم درس في جامعة الإمام محمد بن سعود فرع القصيم، وكان هو القارئ على الشيخ في الدرس. ١٥ـ والشيخ إبراهيم بن عبد العزيز الغرير إمام مسجد الجديدة بعنيزة، توفي. ١٦ـ والشيخ عبد الله بن عبد العزيز الخضيري عين قاضياً بعفيف ثم صار مدرساً بمعهد المدينة المنورة العلمي، توفي. ١٧ـ والشيخ حمد بن إبراهيم القاضي. صار مدير إحدى المدارس بعنيزة، توفي. ١٨ـ والشيخ عبد الله بن محمد الفهيد. إمام مسجد القاع في عنيزة. توفي. ١٩ـ والشيخ سليمان بن صالح البسام. من أعيان عنيزة. توفي. ٢٠ـ والشيخ عبد الله بن محمد الصيخان. كان قوي الحفظ ـ كفيفاً. وتوفي شاباً. ٢١ـ والشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الزامل. كان له عناية بالتاريخ والأنساب ـ توفي. ٢٢ـ والشيخ عبد العزيز بن محمد البسام. كان ينوب عن الشيخ في إمامة الجامع وفي الخطابة إذا سافر. ٢٣ـ والشيخ عبد العزيز بن علي المساعد. إمام مسجد الصويطي بعنيزة. ٢٤ـ والشيخ سليمان بن عبد الرحمن الدامغ. إمام مسجد الخريزة بعنيزة. ٢٥ـ والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعدي. ابن الشيخ وكان ذا عناية بطبع مؤلفات والده، توفي. ٢٦ـ والشيخ محمد بن صالح الفضيلي، كان قاضياً في تيماء، توفي. ٢٧ـ والشيخ يوسف بن عبد العزيز الخرب. حفظ القرآن، وكان مشهوراً بكتابة الوثائق والمبايعات في عنيزة، وكان يقارئ الشيخ القرآن كل يوم طيلة حياته. ٢٨ـ والشيخ علي بن محمد الصالحي. صاحب مطبعة النور، وكان الشيخ قد وكل إليه تدريس صغار الطلبة سنة: ١٣٦٠هـ. ٢٩ـ والشيخ إبراهيم بن محمد العمود. كان قاضياً في جيزان ثم في الرياض، والشيخ خاله. توفي.

стр. 35

٣١ـ والشيخ سليمان بن محمد الشبل، درس في المدرسة العزيزية الابتدائية في عنيزة ـ توفي. ٣٢ـ والشيخ حمد بن محمد المرزوقي. درس في معهد النور. ٣٣ـ والشيخ محمد بن عبد الرحمن الحنطي. كان قاضياً في الدرعية. ٣٤ـ والشيخ محمد بن عثمان القاضي. إمام جامع في عنيزة وقيم مكتبة الصالحية في عنيزة. ٣٥ـ والشيخ عبد الرحمن العقيل. كان قاضياً في جيزان ـ توفي. ٣٦ـ والشيخ محمد بن سليمان البسام. درس في المسجد الحرام فترة وجيزة. وغيرهم خلق كثير١. سادسا: عقيدته وتنوع ثقافته:- لقد نهج ابن سعدي في العقيدة منهج السلف الصالح، واقتفى آثارهم، وترسم خطاهم، وذلك بتلقي العقيدة وأخذها من منبعها الأصيل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفهم السلف الصالح، لا بالأهواء والتشهي، والبدع والظنون الفاسدة. ومن تأمل كتبه وسبرها عرف شدة عنايته بهذه العقيدة، وحرصه على نشرها وتصديه لمخالفيها. وقد ذكر ﵀ في أول كتابه القول السديد في مقاصد التوحيد مقدمة تشتمل على صفوة عقيدة أهل السنة وخلاصتها المستمدة من الكتاب والسنة. ولِوِجَازة هذه المقدمة، وشمولها لمعظم مسائل العقيدة، ودقة عباراتها، ووضوحها وأهميتها أوردها بنصها. قال ﵀ في بيان خلاصة عقيدة السلف الصالح المستمدة من الكتاب والسنة: وهي "أنهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فيشهدون أن الله هو الرب الإله المعبود، والمتفرد بكل كمال فيعبدونه وحده مخلصلين له الدين، فيقولون إن الله هو الخالق البارئ المصور الرزاق المعطي المانع المدبر لجميع الأمور. وأنه المألوه المعبود الموحد المقصود، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي

стр. 36

ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء. وأنه العلي الأعلى بكل معنى واعتبار، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، وأنه على العرش استوى، استواء يليق بعظمته وجلاله، ومع علوه المطلق وفوقيته، فعلمه محيط بالظواهر والبواطن والعالم العلوي والسفلي، وهو مع العباد بعلمه، يعلم جميع أحوالهم، وهو القريب المجيب. وأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، والكل إليه مفتقرون في إيجادهم وإيجاد ما يحتاجون إليه في جميع الأوقات. ولا غنى لأحد عنه طرفة عين، وهو الرؤوف الرحيم، الذي ما بالعباد من نعمة دينية ولا دنيوية ولا دفع نقمة إلا من الله، فهو الجالب للنعم، الدافع للنقم. ومن رحمته أنه يننزل كل ليلة إلى السماء الدينا، يستعرض حاجات العباد حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر، فهو ينزل كما يشاء، ويفعل كما يريد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ويعتقدون أنه الحكيم الذي له الحكمة التامة في شرعه وقدره، فما خلق شيئاً عبثا، ولا شرع الشرائع إلا للمصالح والحكم. وأنه التواب العفو الغفور، يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، ويغفر الذنوب العظيمة للتائبين والمستغفرين والمنيبين، وهو الشكور الذي يشكر القليل من العمل ويزيد الشاكرين من فضله. ويصفونه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، من الصفات الذاتية، كالحياة الكاملة والسمع والبصر، وكمال القدرة العظيمة والكبرياء، والمجد والجلال والجمال، والحمد المطلق، ومن صفات الأفعال المتعلقة مبشيئته وقدرته كالرحمة والرضا والسخط والكلام، وإنه يتكلم بما يشاء كيف يشاء. وكلماته لا تنفد ولا تبيد، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وأنه لم يزل ولا يزال موصوفا بأنه يفعل ما يريد ويتكلم بما شاء، ويحكم على عباده بأحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية، فهو الحاكم المالك، ومن سواه مملوك محكوم عليه، فلا خروج للعباد عن ملكه ولا عن حكمه. يؤمنون بما جاء به الكتاب وتواترت به السنة أن المؤمنين يرون ربهم تعالى عيانا جهرة، وأن نعيم رؤيته والفوز برضوانه أكبر النعيم وألذه.

стр. 37

وأن من مات على غير الإيمان والتوحيد فهو مخلد في نار جهنم أبداً، وأن أرباب الكبائر إذا ماتوا على غير توبة ولا حصل لهم مكفر لذنوبهم ولا شفاعة فإنهم وإن دخلوا النار لا يخلدون فيها، ولا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان إلا خرج منها. وأن الإيمان يشمل عقائد القلوب وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، فمن قام بها على الوجه الأكمل فهو المؤمن حقاً الذي استحق الثواب وسلم من العقاب ومن انتقص منها نقص من إيمانه بقدر ذلك؛ ولذلك كان الإيمان يزيد بالطاعة وفعل الخير، وينقص بالمعصية والشر. ومن أصولهم السعي والجد فيما ينفع من أمور الدين والدنيا، مع استعانة بالله، فهم حريصون على ما ينفعهم وستعينون بالله، وكذلك يحققون الإخلاص لله في جميع حركاتهم، ويتبعون رسول الله في الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول والنصيحة للمؤمنين أتباع طريقهم. ويشهدون أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو خاتم النبيين، أرسل إلى الإنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيراً، أرسله الله بصلاح الدين وصلاح الدنيا، وليقوم الخلق بعبادة الله ويستعينوا برزقه على ذلك. ويعلمون أنه أعلم الخلق وأصدقهم وأنصحهم وأعظمهم بيانا، فيعظمونه ويحبونه، ويقدمون محبته على محبة الخلق كلهم ويتبعونه في أصول دينهم وفروعه، يقدمون قوله وهديه على قول كل أحد وهديه. ويعتقدون أن الله جمع له من الفضائل والخصائص والكمالات ما لم يجمعه لأحد، فهو أعلى الخلق مقاماً وأعظمهم جاهاً وأكملهم في كل فضيلة، لم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرهم عنه. وكذلك يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، وكل رسول أرسله الله، ولا يفرقون بين أحد من رسله. ويؤمنون بالقدر كله، وأن جميع أعمال العباد خيرها وشرها، قد أحاط بها علم الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيها مشيئته، وتعلقت بها حكمته، حيث خلق للعباد قدرة وإرادة تقع بها أقوالهم وأفعالهم بحسب مشيئتهم، لم يجبرهم على شيء منها بل جعلهم مختارين له، وخص المؤمنين بأن حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان بعدله وحكمته. ومن أصول أهل السنة أنهم يدينون بالنصيحة لله ولكتابه ورسوله، ولأئمة

стр. 38

المسلمين وعامتهم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران والمماليك والمعاملين ومن له حق، وبالإحسان إلى الخلق أجمعين. يدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها، وينهون عن مساوئ الأخلاق وأرذلها. ويعتقدون أن أكمل المؤمنين إيمانا ويقينا، أحسنهم أعمالا وأخلاقاً، وأصدقهم أقوالاً، وأهداهم إلى كل خير وفضيلة، وأبعدهم من كل رذيلة. ويأمرون بالقيام بشرائع الدين على ما جاء عن نبيهم فيها وفي صفاتها ومكملاتها، والتحذير عن مفسداتها ومنقصاتها. ويرون الجهاد في سبيل الله ماضيا مع البر والفاجر، وأنه ذروة سنام الدين، جهاد العلم والحجة، وجهاد السلاح، وأنه فرض على كل مسلم أن يدافع عن الدين بكل ممكن ومستطاع. ومن أصولهم الحث على جمع كلمة المسلمين، والسعي في تقريب قلوبهم وتأليفها، والتحذير من التفرق والتعادي والتباغض، والعمل بكل وسيلة توصل إلى هذا. ومن أصولهم النهي عن أذية الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم والأمر بالعدل والإنصاف في جميع المعاملات والندب إلى الإحسان والفضل فيها. ويؤمنون بأن أفضل الأمم أمة محمد ﷺ ، وأفضلهم أصحاب رسول الله ﷺ خصوصا الخلفاء الراشدون، والعشرة المشهود لهم بالجنة وأهل بدر، وبيعة الرضوان والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فيحبون الصحابة ويدينون لله بذلك، وينشرون محاسنهم ويسكتون عما قيل عن مساوئهم. ويدينون لله باحترام العلماء الهداة وأئمة العدل، ومن لهم المقامات العالية في الدين والفضل المتنوع على المسلمين، ويسألون الله أن يعيذهم من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وأن يثبتهم على دين نبيهم إلى الممات. هذه الأصول الكلية بها يؤمنون ولها يعتقدون وإليها يدعون١ أ. هـ. فهذه الأصول الكلية التي ذكرها الشيخ ابن سعدي، اشتملت على خلاصة العقيدة وصفوتها، وهي أصول المستفادة من الكتاب والسنة، فليس فيها أصل إلا وعليه عشرات الأدلة إما من القرآن أو من السنة، وهذه هي عقيدة السلف الصالح التي دعا إليها رسول الله ﷺ ، وأمر بها وسار على نهجه فيه صحبه الكرام وتابعوهم بإحسان.

стр. 39

أما عن ثقافته وتنوعها فكما تقدم أن الشيخ ابن سعدي قد أفنى عمره، وأمضى وقته في طلب العلوم وتحصيلها، ولم يقتصر على فن واحد منها بل رام تحصيل جميع العلوم الشرعية من فقه وتفسير وحديث وغيرها، فأناله الله علما واسعا، وألم بعلوم كثيرة من العلوم الشرعية وبرع فيها، ولكي تتبين لنا ثقافته وتنوعها وسعتها، أعرض لكل فن اشتغل به مع بيان تحصيله منه وإفادته فيه على وجه الاختصار. العقيدة: لقد أولى الشيخ ابن سعدي العقيدة الإسلامية عناية بالغة واهتماماً كبيراً، فدرس العقيدة وتلقاها على عدد كبير من العلماء كما سبق الإشارة إلى ذلك عند ذكر شيوخه، واعتنى بكتب المتقدمين من سلف هذه الأمة، كما عنى بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه شمس الدين ابن قيم الجوزية، فكان لذلك دور كبير في نبوغه وبروزه في عقيدة السلف الصالح. ثم إنه ﵀ اعتنى بعد ذلك بالعقيدة تدريساً وتأليفاً، فكان في دروسه التي يلقيها على الطلاب يعتني بتدريسهم العقيدة الإسلامية الصافية، المأخوذة من الكتاب والسنة، الخالية من شوائب الشرك والبدع والخرافات. وكان كذلك في مؤلفاته يعتني بأمر العقيدة، فأكثر فيها التأليف شرحاً وتوضيحاً وتقريراً وتأصيلاً ورداً على المخالفين، وغير ذلك من الجهود الكبيرة التي قام بها نصرة لهذه العقيدة، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في الباب الثاني من هذه الرسالة إن شاء الله. الحديث: تقدم في ذكر شيوخه أنه تلقى الحديث وعلومه على عدد من المشايخ، وأنه أخذ من بعضهم إجازة برواية الكتب الستة. وهذا يبين لنا مدى اهتمامه بالحديث منذ طلبه للعلم. أما عن مؤلفاته في الحديث فلم أقف له إلا على مؤلف واحد جمع فيه تسعة وتسعين حديثاً من جوامع كلم النبي ﷺ ، وأشار في مقدمته إلى أهمية الحديث فقال: "أما بعد: فليس بعد كلام الله أصدق ولا أنفع ولا أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلام رسوله وخليله محمد ﷺ ، إذ هو أعلم الخلق، وأعظمهم نصحاً وإرشاداً وهداية، وأبغلهم بياناً وتأصيلاً، وأحسنهم تعليماً، وقد أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً، بحيث كان يتكلم بالكلام القليل لفظه الكثيرة معانيه، مع كمال الوضوح والبيان الذي هو أعلى رتب البيان"١.

стр. 40

وقد كان في هذا المؤلف وغيره من مؤلفاته عند استشهاده بالحديث يهتم بالإشارة إلى بعض من خرجه في كتب الستة. وكان يهتم في دروسه بتدريس الحديث فقد درس بلوغ المرام لابن حجر مراراً كثيرة. وكان يعود طلابه دائما في المسائل الخلافية على الأخذ بما وافق الدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة. الفقه: كان ﵀ ذا معرفة تامة بالفقه، وقد كان في بداية طلبه للعلم متمسكا بمذهب الإمام أحمد تبعاً لمشائخه، وحفظ بعض المتون في ذلك وكان له مؤلفات في الفقه على طريقة النظم للمسائل وهو يتكون من أربعمائة بيت على مذهب الإمام أحمد. ثم مال إلى الترجيح وترك التقليد، ولا سيما بعد قراءته لكتب الشيخين، فقد كان يميل لاختياراتهما، ويرجح ما وافق الدليل. ولهذا فقد أفرد مؤلفاً بين فيه اختياراته الفقهية، وأفرد آخر جعله مستدركاً على أحد كتب الفقه الحنبلي ليكون كالمستدرك على جميع كتب الحنابلة رجح فيه ما وافق الدليل. وقد برع ﵀ في الفقه، واعتنى به اعتناء كبيراً وأكثر فيه من التأليف، ومؤلفاته في الفقه تربو على عشرة مؤلفات وسيأتي ذكرها قريبا في مؤلفاته. التفسير: وأما التفسير فقد كان له اليد الطولى وبرع فيه وقد قرأ في طلبه للعلم تفسيرات متعددة. وله كتب متعددة حول القرآن وتفسيره، فله تفسير كامل للقرآن ويقال إنه أملاه من الذاكرة من غير أن يكون عنده وقت التصنيف كتاب تفسير ولا غيره١. وله خلاصة لهذا التفسير، وله مؤلف في فوائد استنبطها من قصة يوسف، وله مؤلف في الفوائد القرآنية التي عرضت له أثناء قراءته للقرآن، وله مؤلف في قواعد تفسير القرآن، وسيأتي ذكرها في مؤلفاته. وكان يقرأ على طلابه القرآن. وفي أثناء القراءة يفسره لهم. ويبين لهم معانيه
следующие страницы →