← Акыда

Акыда · id 7651

الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في تو ضيح العقيدة

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (317 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء. وأنه العلي الأعلى بكل معنى واعتبار، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، وأنه على العرش استوى، استواء يليق بعظمته وجلاله، ومع علوه المطلق وفوقيته، فعلمه محيط بالظواهر والبواطن والعالم العلوي والسفلي، وهو مع العباد بعلمه، يعلم جميع أحوالهم، وهو القريب المجيب. وأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، والكل إليه مفتقرون في إيجادهم وإيجاد ما يحتاجون إليه في جميع الأوقات. ولا غنى لأحد عنه طرفة عين، وهو الرؤوف الرحيم، الذي ما بالعباد من نعمة دينية ولا دنيوية ولا دفع نقمة إلا من الله، فهو الجالب للنعم، الدافع للنقم. ومن رحمته أنه يننزل كل ليلة إلى السماء الدينا، يستعرض حاجات العباد حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر، فهو ينزل كما يشاء، ويفعل كما يريد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ويعتقدون أنه الحكيم الذي له الحكمة التامة في شرعه وقدره، فما خلق شيئاً عبثا، ولا شرع الشرائع إلا للمصالح والحكم. وأنه التواب العفو الغفور، يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، ويغفر الذنوب العظيمة للتائبين والمستغفرين والمنيبين، وهو الشكور الذي يشكر القليل من العمل ويزيد الشاكرين من فضله. ويصفونه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، من الصفات الذاتية، كالحياة الكاملة والسمع والبصر، وكمال القدرة العظيمة والكبرياء، والمجد والجلال والجمال، والحمد المطلق، ومن صفات الأفعال المتعلقة مبشيئته وقدرته كالرحمة والرضا والسخط والكلام، وإنه يتكلم بما يشاء كيف يشاء. وكلماته لا تنفد ولا تبيد، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وأنه لم يزل ولا يزال موصوفا بأنه يفعل ما يريد ويتكلم بما شاء، ويحكم على عباده بأحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية، فهو الحاكم المالك، ومن سواه مملوك محكوم عليه، فلا خروج للعباد عن ملكه ولا عن حكمه. يؤمنون بما جاء به الكتاب وتواترت به السنة أن المؤمنين يرون ربهم تعالى عيانا جهرة، وأن نعيم رؤيته والفوز برضوانه أكبر النعيم وألذه.

стр. 37

وأن من مات على غير الإيمان والتوحيد فهو مخلد في نار جهنم أبداً، وأن أرباب الكبائر إذا ماتوا على غير توبة ولا حصل لهم مكفر لذنوبهم ولا شفاعة فإنهم وإن دخلوا النار لا يخلدون فيها، ولا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان إلا خرج منها. وأن الإيمان يشمل عقائد القلوب وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، فمن قام بها على الوجه الأكمل فهو المؤمن حقاً الذي استحق الثواب وسلم من العقاب ومن انتقص منها نقص من إيمانه بقدر ذلك؛ ولذلك كان الإيمان يزيد بالطاعة وفعل الخير، وينقص بالمعصية والشر. ومن أصولهم السعي والجد فيما ينفع من أمور الدين والدنيا، مع استعانة بالله، فهم حريصون على ما ينفعهم وستعينون بالله، وكذلك يحققون الإخلاص لله في جميع حركاتهم، ويتبعون رسول الله في الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول والنصيحة للمؤمنين أتباع طريقهم. ويشهدون أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو خاتم النبيين، أرسل إلى الإنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيراً، أرسله الله بصلاح الدين وصلاح الدنيا، وليقوم الخلق بعبادة الله ويستعينوا برزقه على ذلك. ويعلمون أنه أعلم الخلق وأصدقهم وأنصحهم وأعظمهم بيانا، فيعظمونه ويحبونه، ويقدمون محبته على محبة الخلق كلهم ويتبعونه في أصول دينهم وفروعه، يقدمون قوله وهديه على قول كل أحد وهديه. ويعتقدون أن الله جمع له من الفضائل والخصائص والكمالات ما لم يجمعه لأحد، فهو أعلى الخلق مقاماً وأعظمهم جاهاً وأكملهم في كل فضيلة، لم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرهم عنه. وكذلك يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، وكل رسول أرسله الله، ولا يفرقون بين أحد من رسله. ويؤمنون بالقدر كله، وأن جميع أعمال العباد خيرها وشرها، قد أحاط بها علم الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيها مشيئته، وتعلقت بها حكمته، حيث خلق للعباد قدرة وإرادة تقع بها أقوالهم وأفعالهم بحسب مشيئتهم، لم يجبرهم على شيء منها بل جعلهم مختارين له، وخص المؤمنين بأن حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان بعدله وحكمته. ومن أصول أهل السنة أنهم يدينون بالنصيحة لله ولكتابه ورسوله، ولأئمة

стр. 38

المسلمين وعامتهم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران والمماليك والمعاملين ومن له حق، وبالإحسان إلى الخلق أجمعين. يدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها، وينهون عن مساوئ الأخلاق وأرذلها. ويعتقدون أن أكمل المؤمنين إيمانا ويقينا، أحسنهم أعمالا وأخلاقاً، وأصدقهم أقوالاً، وأهداهم إلى كل خير وفضيلة، وأبعدهم من كل رذيلة. ويأمرون بالقيام بشرائع الدين على ما جاء عن نبيهم فيها وفي صفاتها ومكملاتها، والتحذير عن مفسداتها ومنقصاتها. ويرون الجهاد في سبيل الله ماضيا مع البر والفاجر، وأنه ذروة سنام الدين، جهاد العلم والحجة، وجهاد السلاح، وأنه فرض على كل مسلم أن يدافع عن الدين بكل ممكن ومستطاع. ومن أصولهم الحث على جمع كلمة المسلمين، والسعي في تقريب قلوبهم وتأليفها، والتحذير من التفرق والتعادي والتباغض، والعمل بكل وسيلة توصل إلى هذا. ومن أصولهم النهي عن أذية الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم والأمر بالعدل والإنصاف في جميع المعاملات والندب إلى الإحسان والفضل فيها. ويؤمنون بأن أفضل الأمم أمة محمد ﷺ ، وأفضلهم أصحاب رسول الله ﷺ خصوصا الخلفاء الراشدون، والعشرة المشهود لهم بالجنة وأهل بدر، وبيعة الرضوان والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فيحبون الصحابة ويدينون لله بذلك، وينشرون محاسنهم ويسكتون عما قيل عن مساوئهم. ويدينون لله باحترام العلماء الهداة وأئمة العدل، ومن لهم المقامات العالية في الدين والفضل المتنوع على المسلمين، ويسألون الله أن يعيذهم من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وأن يثبتهم على دين نبيهم إلى الممات. هذه الأصول الكلية بها يؤمنون ولها يعتقدون وإليها يدعون١ أ. هـ. فهذه الأصول الكلية التي ذكرها الشيخ ابن سعدي، اشتملت على خلاصة العقيدة وصفوتها، وهي أصول المستفادة من الكتاب والسنة، فليس فيها أصل إلا وعليه عشرات الأدلة إما من القرآن أو من السنة، وهذه هي عقيدة السلف الصالح التي دعا إليها رسول الله ﷺ ، وأمر بها وسار على نهجه فيه صحبه الكرام وتابعوهم بإحسان.

стр. 39

أما عن ثقافته وتنوعها فكما تقدم أن الشيخ ابن سعدي قد أفنى عمره، وأمضى وقته في طلب العلوم وتحصيلها، ولم يقتصر على فن واحد منها بل رام تحصيل جميع العلوم الشرعية من فقه وتفسير وحديث وغيرها، فأناله الله علما واسعا، وألم بعلوم كثيرة من العلوم الشرعية وبرع فيها، ولكي تتبين لنا ثقافته وتنوعها وسعتها، أعرض لكل فن اشتغل به مع بيان تحصيله منه وإفادته فيه على وجه الاختصار. العقيدة: لقد أولى الشيخ ابن سعدي العقيدة الإسلامية عناية بالغة واهتماماً كبيراً، فدرس العقيدة وتلقاها على عدد كبير من العلماء كما سبق الإشارة إلى ذلك عند ذكر شيوخه، واعتنى بكتب المتقدمين من سلف هذه الأمة، كما عنى بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه شمس الدين ابن قيم الجوزية، فكان لذلك دور كبير في نبوغه وبروزه في عقيدة السلف الصالح. ثم إنه ﵀ اعتنى بعد ذلك بالعقيدة تدريساً وتأليفاً، فكان في دروسه التي يلقيها على الطلاب يعتني بتدريسهم العقيدة الإسلامية الصافية، المأخوذة من الكتاب والسنة، الخالية من شوائب الشرك والبدع والخرافات. وكان كذلك في مؤلفاته يعتني بأمر العقيدة، فأكثر فيها التأليف شرحاً وتوضيحاً وتقريراً وتأصيلاً ورداً على المخالفين، وغير ذلك من الجهود الكبيرة التي قام بها نصرة لهذه العقيدة، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في الباب الثاني من هذه الرسالة إن شاء الله. الحديث: تقدم في ذكر شيوخه أنه تلقى الحديث وعلومه على عدد من المشايخ، وأنه أخذ من بعضهم إجازة برواية الكتب الستة. وهذا يبين لنا مدى اهتمامه بالحديث منذ طلبه للعلم. أما عن مؤلفاته في الحديث فلم أقف له إلا على مؤلف واحد جمع فيه تسعة وتسعين حديثاً من جوامع كلم النبي ﷺ ، وأشار في مقدمته إلى أهمية الحديث فقال: "أما بعد: فليس بعد كلام الله أصدق ولا أنفع ولا أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلام رسوله وخليله محمد ﷺ ، إذ هو أعلم الخلق، وأعظمهم نصحاً وإرشاداً وهداية، وأبغلهم بياناً وتأصيلاً، وأحسنهم تعليماً، وقد أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً، بحيث كان يتكلم بالكلام القليل لفظه الكثيرة معانيه، مع كمال الوضوح والبيان الذي هو أعلى رتب البيان"١.

стр. 40

وقد كان في هذا المؤلف وغيره من مؤلفاته عند استشهاده بالحديث يهتم بالإشارة إلى بعض من خرجه في كتب الستة. وكان يهتم في دروسه بتدريس الحديث فقد درس بلوغ المرام لابن حجر مراراً كثيرة. وكان يعود طلابه دائما في المسائل الخلافية على الأخذ بما وافق الدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة. الفقه: كان ﵀ ذا معرفة تامة بالفقه، وقد كان في بداية طلبه للعلم متمسكا بمذهب الإمام أحمد تبعاً لمشائخه، وحفظ بعض المتون في ذلك وكان له مؤلفات في الفقه على طريقة النظم للمسائل وهو يتكون من أربعمائة بيت على مذهب الإمام أحمد. ثم مال إلى الترجيح وترك التقليد، ولا سيما بعد قراءته لكتب الشيخين، فقد كان يميل لاختياراتهما، ويرجح ما وافق الدليل. ولهذا فقد أفرد مؤلفاً بين فيه اختياراته الفقهية، وأفرد آخر جعله مستدركاً على أحد كتب الفقه الحنبلي ليكون كالمستدرك على جميع كتب الحنابلة رجح فيه ما وافق الدليل. وقد برع ﵀ في الفقه، واعتنى به اعتناء كبيراً وأكثر فيه من التأليف، ومؤلفاته في الفقه تربو على عشرة مؤلفات وسيأتي ذكرها قريبا في مؤلفاته. التفسير: وأما التفسير فقد كان له اليد الطولى وبرع فيه وقد قرأ في طلبه للعلم تفسيرات متعددة. وله كتب متعددة حول القرآن وتفسيره، فله تفسير كامل للقرآن ويقال إنه أملاه من الذاكرة من غير أن يكون عنده وقت التصنيف كتاب تفسير ولا غيره١. وله خلاصة لهذا التفسير، وله مؤلف في فوائد استنبطها من قصة يوسف، وله مؤلف في الفوائد القرآنية التي عرضت له أثناء قراءته للقرآن، وله مؤلف في قواعد تفسير القرآن، وسيأتي ذكرها في مؤلفاته. وكان يقرأ على طلابه القرآن. وفي أثناء القراءة يفسره لهم. ويبين لهم معانيه

стр. 41

ووجوه إعجازه ويستنبط لهم منه الفوائد، حتى إن السامع إليه وهو يفسر كلام الله يود أن لا يصمت، وأن يستمر دائماً في تفسيره. اللغة والشعر: لقد درس الشيخ ابن سعدي علوم اللغة العربية على عدد من المشايخ، وألف في النحو رسالة صغيرة علق فيها على نظم قواعد الإعراب وسيأتي ذكرها في مؤلفاته. وأما الشعر فقد كان ﵀ منذ صغره يقول الشعر، وله أشعار كثيرةٌ يخدم فيها علوم الشريعة. فله منظومات متعددة في الفقه وفي قواعد الفقهية وفي الترغيب والترهيب وفي شرح بعض الأحاديث وفي الثناء على بعض علماء الإسلام وغير ذلك مما سيأتي بعضه في مؤلفاته١. ومن لطائف شعره قوله في وصف السيارة أول ما ركبها مسافراً للحج: يا راحلين إلى الحمى برواحلٍ تطوي الفلا والبيد طيّ المسرعِ ليست تبول ولا تروث وما لها روحٌ تحن إلى الربيع الممرعِ ما استولدت من نوقها بل صُنعها من بعض تعليم اللطيف المبدعِ كم أوصلت دارَ الحبيبِ وكم سرتْ بحمولها نَحو الديارِ الشسعِ سابعا: مؤلفاته: كان الشيخ ابن سعدي ﵀ ذا عناية بالغة بالتأليف، وله مؤلفات كثيرة في أنواع العلوم الشرعية، فألف في التوحيد والفقه والحديث والتفسير والأصول ومحاسن الدين وغيرها، وجميع مؤلفاته مطبوعة إلا اليسير منها؛ لأنه كان ﵀ ذا عناية بطبع الكتاب فور انتهائه من تأليفه، إما على نفقته أو على نفقة بعض أهل الخير والإحسان. وسأعرض فيما يلي جميع مؤلفاته المطبوع منها وغير المطبوع، مع دراسة موجزة أو نبذة مختصرة عن كل كتاب منها، وقد رتبتها على حروف المعجم، وجعلت لكل مؤلف رقما تسلسلياً، ليعلم بذلك عدد مجموع مؤلفاته، وإذا تكرر الكتاب بأن يكون طبع باسم آخر، أو استل من أحد مؤلفاته وهو قليل جداً فإني أهمل ترقيمه وأكتفي بوضع شرطة قبله هكذا (ـ) ، وما لم أنص على أنه مخطوط فهو مطبوع متداول، وفيما يلي أسماء مؤلفاته ونبذة عن كل منها:

стр. 42

١ـ الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين. وهي رسالة صغيرة تتكون من ثمانين صفحة اعتنى فيها الشيخ ابن سعدي بالرد على الملاحدة المنكرين لوجود الله . وكان أكثر عنايته في هذه الرسالة بنقض أصل فاسد أصّلَهُ معلمهم الأول "أرسطو". وهو قوله: "إن من أراد الشروع في المعارف الإلهية فليمح من قلبه جميع العلوم والاعتقادات، وليسع في إزالتها من قلبه بحسب مقدوره، وليشك في الأشياء ثم ليكتف بعقله وخياله ورأيه وعليه أن لا يؤمن إلا بالأشياء المحسوسة". وقد نقض الشيخ ابن سعدي هذا الأصل، وبين بطلانه من ثلاثة وثمانين وجها انتقى أكثرها من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب تلميذه ابن القيم. وهذه الرسالة مع أنها صغيرة الحجم فإنها عظيمة النفع لما اشتملت عليه من ردود رصينة وقوية تكشف بطلان دعوى هؤلاء الملاحدة الكفرة. وقد فرغ الشيخ ابن سعدي من تأليف هذه الرسالة في ١٤ رجب سنة ١٣٧٢هـ. ٢ـ الإرشاد إلى معرفة الأحكام. وهو مجلد لطيف ألفه الشيخ ابن سعدي على طريقة السؤال والجواب، وتناول فيه معظم المسائل الفقهية. يقول في مقدمته: "أما بعد فهذا تأليف بديع المنزع سهل الألفاظ والمعاني حسن الترتيب يحتوي على مهمات مسائل الأحكام رتبته بصورة السؤال المحرر الجامع والجواب المفصل النافع يحتوي على أصول وضوابط وتقسيمات تقرب أشتات المسائل، وتضم النظائر والفوارق ... ". وقد اشتمل هذا الكتاب على مائة سؤال جامع مع أجوبة موسعة مفصلة لهذه الأسئلة، وحوى أهم المهمات من مسائل الفقه في العبادات والمعاملات والمشاركات والتبرعات والمواريث والأنكحة والجنايات والأقضية وغيرها، وفرغ ابن سعدي من تأليف هذا الكتاب في ١٧ رمضان سنة ١٣٥٨هـ. ـ إرشاد أولى البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب بطريق مرتب على السؤال والجواب. وهو الكتاب المتقدم نفسه طبع مرة أخرى بهذا الاسم، في مطبعة واحدة، وفي عام واحد!!

стр. 43

٣ـ انتصار الحق: وهي رسالة صغيرة عبارة عن محاورة دينية اجتماعية بين رجلين كانا متصاحبين رفيقين مسلمين يدينان بالدين الحق ويشتغلان في طلب العلم جميعاً فغاب أحدهما عن صاحبه مدة طويلة ثم التقيا فإذا هذا الغائب قد تغيرت أحواله وتبدلت أخلاقه، فسأله صاحبه عن ذلك فإذا هو قد تغلبت عليه دعاية الملحدين الذين يدعون لنبذ الدين ورفض ما جاء به المرسلون. فدارت بينهما هذه المحاورة وانتهت بإقناع الناصح زميله بفساد ما ذهب إليه. وهي محاورة هادفة نشرت في مجلة المنهل في عام ١٣٦٧هـ، ثم أفردت في رسالة مستقلة. ٤ـ بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار. وهو مجلد لطيف يشتمل على تسعة وتسعين حديثاً من الأحاديث النبوية الجوامع في أصناف العلوم والمواضيع النافعة والعقائد الصحيحة والأخلاق الكريمة والفقه والآداب والإصلاحات الشاملة والفوائد العامة، مع شرحها وبيانها وإيضاحها. قال في مقدمته: ".... وقد بدا لي أن أذكر جملة صالحة من الأحاديث الجوامع والمواضيع الكلية والجوامع في جنس أو نوع أو باب من أبواب العلم، مع التكلم على مقاصدها وما تدل عليه، وعلى وجه يحصل به الإيضاح والبيان مع الاختصار" فرغ من تأليفه في ١٠شعبان ١٣٧١هـ. ٥ـ التعليق وكشف النقاب على نظم قواعد الإعراب١. وهي رسالة صغيرة لم تطبع، تتكون من ٢٢ صفحة شرح فيها منظومة في قواعد الإعراب قال في مقدمتها: "أما بعد فهذا تعليق على نظم قواعد الإعراب نقلته من شرح الشيخ خالد الأزهري على أصله، ذكرت منه ما يتعلق بهذا النظم وحذفت منه ما يستغنى عنه، ونقلت عباراته، إلا في شيء يسير، وأسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم". وفرغ الشيخ ابن سعدي من هذه الرسالة في سنة ١٣٣٤هـ. ويوجد منها أصل مخطوط عند الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام.

стр. 44

٦ـ توضيح الكافية الشافية. وهذا الكتاب نثر فيه الشيخ ابن سعدي نونية ابن القيم ﵀ المسماة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية. قال ابن سعدي في مقدمته: "....ولما كان النظم معناه بعيد المنال، ودلالته على المعنى المراد يكثر فيها الاشتباه والإشكال، أحببت أن أقربه للقارئين بحله إلى معناه المنثور فقط من غير زيادة على ما دل عليه، إلا إذا اقتضت الحال الزيادة أو كان المعنى يتوقف عليها....واعلم أن هذا التوضيح والتعليق على اختصاره قد حوى على جميع المقاصد والعقائد الدينية، وحصل به التوضيح التام للكافية الشافية ... ومتى أردت معرفة مقداره فتأمل كل فصل من فصول الكافية، واستعن عليه بما يقابله من هذا التعليق يحصل لك المقصود، وتحظى بالمطلوب، واقتديت في عملي هذا بابن هشام في توضيحه للألفية ابن مالك ﵏". وفرغ ابن سعدي من تأليفه في ١٠ جمادى الآخرة سنة ١٣٦٧هـ. ٧ـ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان. وهي رسالة صغيرة تشتمل على مباحث الإيمان تعريفه والأمور التي يستمد منها، وفوائده وثماره وغير ذلك من المباحث المتعلقة به. قال في مقدمتها: "أما بعد: فهذا كتاب يحتوي على مباحث الإيمان التي هي أهم مباحث الدين، وأعظم أصول الحق واليقين، مستمداً ذلك من كتاب الله الكريم الكفيل بتحقيق هذه الأصول تحقيقاً لا مزيد عليه، ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي توافق الكتاب وتفسره، وتعبر عن كثير من مجملاته، وتفصل كثيراً من مطلقاته، مبتدئاً بتفسيره، مثنياً بذكر أصوله ومقوماته ومن أي شيء يستمد مثلثاً بفوائده وثمراته، وما يتبع هذه الأصول". وفرغ الشيخ ابن سعدي من تأليف هذه الرسالة في ٨ ذي الحجة سنة ١٣٧٤هـ. ٨ ـ التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنفية. وهي رسالة صغيرة علق فيها الشيخ ابن سعدي تعليقاً مختصراً على العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قال في مقدمته: "أما بعد فهذا تعليق لطيف على عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية المسماة "بالواسطية" التي جمعت على اختصارها ووضوحها جميع ما يجب اعتقاده من أصول الإيمان وعقائده الصحيحة، وهي وإن كانت واضحة المعاني محكمة المباني، تحتاج إلى تعليق يزيد في توضيح بعض ما فيها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتبيين

стр. 45

وجه دلالتها على المقصود وبيان وجه ارتباط بعض المسائل ببعض وجمع ما يحتاج إلى جمعه في موضع واحد والإشارة إلى بعض آثارها وفوائدها في القلوب والأخلاق، والتنبيه لكل ما يحتاج إلى التنبيه عليه". فرغ من تأليفها في ٨ جمادى الأولى سنة ١٣٦٩هـ. ٩ـ تنزيه الدين وحملته ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله. وهي رسالة صغيرة رد فيها ابن سعدي على عبد الله بن علي القصيمي الذي انتكس وألحد في آخر زمانه، فأصبح يعادي الإسلام وينابذ الدين ويدعو إلى الانحلال عنه من كل وجه، وألف في ذلك كتاباً أسماه "هاذي هي الأغلال" ويعني بالأغلال شرائع الإسلام وأوامره ونواهيه، وأخذ يدعو في كتابه هذا إلى الإلحاد وإنكار وجود الله، وسخر فيه من الرسل ﵈ ومن الرسول ﷺ ومن الصحابة ومن علماء الإسلام وأنكر وجود الملائكة، إلى غير ذلك من الطامات والكفريات. مما دفع الشيخ ابن سعدي إلى تأليف رسالته تنزيه الدين ليبين فيها ضلال هذا القصيمي وزيغه وانحلاله، قال ابن سعدي "....فكان هذا أكبر عداء ومهاجمة للدين فوجب على كل من عنده علم أن يبين ما يحتوي عليه كتابه من العظائم خشية اغترار من ليس له بصيرة بكلامه". وفرغ ابن سعدي من تأليف هذه الرسالة في ٣ ربيع الأول سنة ١٣٦٦هـ. ١٠ـ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان١. وهو تفسير كامل للقرآن يتكون من ثمانية أجزاء كل جزئين في مجلد واحد. وقد بين ابن سعدي سبب تأليفه لهذا التفسير فقال: " ... وقد كثرت تفاسير الأئمة ﵏ لكتاب الله، فمن مطول خارج في أكثر بحوثه عن المقصود، ومن مقتصر يقتصر على حل بعض الألفاظ اللغوية بقطع النظر عن المراد، وكان الذي ينبغي في ذلك أن

стр. 46

يجعل المعنى هو المقصود، واللفظ وسيلة إليه، فينظر في سياق الكلام وما سيق لأجله، ويقابل بينه وبين نظيره، في موضع آخر، ويعرف أنه سيق لهداية الخلق كلهم عالمهم وجاهلهم وحضريهم وبدويهم، فالنظر لسياق الآيات مع العلم بأحوال الرسول وسيرته مع أصحابه وأعدائه وقت نزوله من أعظم ما يعين على معرفته وفهم المراد منه، خصوصاً إذا انضم إلى ذلك معرفة علوم العربية على اختلاف أنواعها، فمن وفق لذلك لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبره وتفهمه، وكثرة التفكر في ألفاظه ومعانيه ولوازمها وما تتضمنه وما تدل عليه منطوقاً ومفهوماً، فإذا بذل وسعه في ذلك فالرب أكرم من عبده فلا بد أن يفتح عليه من علومه أموراً لا تدخل تحت كسبه. ولما منّ الباري عليّ وعلى إخواني بالاشتغال بكتابه العزيز بحسب الحال اللائقة بنا، أحببت أن أرسم من تفسير كتاب الله ما تيسر وما منّ به الله علينا؛ ليكون تذكرة للمحصلين، وآلة للمستبصرين، ومعونة للسالكين، ولأقيده خوف الضياع. ولم يكن قصدي في ذلك إلا أن يكون المعنى هو المقصود، ولم أشتغل في حل الألفاظ والعقود للمعنى الذي ذكرت؛ ولأن المفسرين قد كفوا من بعدهم فجزاهم الله عن المسلمين خيرا"١. وقد نبه ﵀ في مقدمة هذا التفسير على طريقته فيه فقال: " اعلم أن طريقتي في هذا التفسير أني أذكر عند كل آية ما يحضرني من معانيها، ولا أكتفي بذكري ما تعلق بالمواضع السابقة عن ذكر ما تعلق بالمواضع اللاحقة؛ لأن الله وصف هذا الكتاب ألأأنه "مثاني" تثني فيه الأخبار والقصص والأحكام وجميع المواضيع النافعة لحكم عظيمة، وأمر بتدبره جميعه لما في ذلك من زيادة العلوم والمعارف، وصلاح الظاهر والباطن، وإصلاح الأمور كلها"٢. وقد امتاز تفسير ابن سعدي عن غيره من التفاسير بميزات متعددة أذكر فيما يلي بعضها: ـ سهولة ألفاظه وخلوه من التكلف والحشو، وذلك لأنه يقتصر فيه على توضيح الآيات وبيان معانيها. ـ عنايته فيه بأمر العقيدة وشرحها وتوضيحها والرد على من خالفها من طوائف الضلال، فعند تفسيره للآيات يبين ما فيها من دلالات على مسائل العقيدة المختلفة ويبين ما فيها من ردود على شبه المخالفين، كل ذلك بأسلوب سهل واضح، وبقراءة هذا البحث يتبين مدى عناية الشيخ بذلك، من خلال النقول

стр. 47

الكثيرة التي أوردها عنه من تفسيره في بيان العقيدة وتوضيحها. ـ لا يتعرض للمسائل الخلافية عند تفسيره لآيات الأحكام، وإنما يذكر القول الراجح بدليله. ـ بعد تفسيره للآيات المشتملة على قصة نبي من الأنبياء، فإنه يذكر بعدها ما اشتملت عليه القصة من فوائد. ـ لا يلتفت في تفسيره للإسرائيليات بل يعرض عنها، ويكثر من التحذير منها. ـ عقد في مقدمة تفسيره فصولاً متعددة ذكر فيها جملة من الفوائد المتعلقة بتفسير القرآن اختار جملة منها من كتاب بدائع الفوائد لابن القيم. ـ ذكر في آخر المجلد الخامس جملة من الأصول والكليات المتعلقة بتفسير القرآن، والتي لا يمكن أن يستغني عنها مفسر القرآن الكريم. ـ وعقد أيضاً في آخر المجلد الخامس فصلاً شرح فيه أسماء الله الحسنى. وكان ﵀ أول ما نشر من هذا التفسير الجزء المتعلق بتفسير سورة الكهف إلى آخر سورة النمل، ثم بعد ذلك أتبعه بنشر التفسير كاملاً، وكان فراغه من تأليف هذا التفسير في ٧ شعبان ١٣٥٤هـ. ١١ـ تفسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن١. وهو خلاصة للتفسير المتقدم ألفه بعد فراغه من تأليف التفسير بأكثر من عشر سنوات. يقول ابن سعدي في مقدمة هذه الخلاصة مبينا سبب تأليفها: "أما بعد: فقد كنت كتبت كتاباً في تفسير القرآن مبسوطاً مطولاً يمنع القراء من الاستمرار بقراءته، ويفتر العزم عن نشره، فأشار عليّ بعض العارفين الناصحين أن أكتب كتاباً غير مطول يحتوي على خلاصة ذلك التفسير، ونقتصر فيه على الكلام على بعض الآيات التي نختارها وننتقيها من جميع مواضيع علوم القرآن ومقاصده ... فالوقوف على تفسير بعض القرآن يعين أعظم عون على معرفة باقية" وكان فراغه من هذه الخلاصة في ٣ شوال ١٣٦٨هـ. ١٢ـ الجمع بين الإنصاف ونظم ابن عبد القوي. وهذا الكتاب لم يطبع، ولم يكمله الشيخ ابن سعدي، وإنما وصل فيه إلى كتاب الحج، وهو عبارة عن جمع بين نظم ابن عبد القوي، وهو في الفقه، وبين الإنصاف

стр. 48

للمرداوي، ويوجد منه نسخة خطية في مكتبة الجامع في عنيزة. - حاشية على الفقه استدراكاً على جميع الكتب المشهورة في المذهب الحنبلي. مخطوطة لم تطبع. ذكرها ابنه عبد الله في ترجمته لوالده١. والذي يبدو لي أنه ليس للشيخ ابن سعدي استدراك على جميع كتب الحنابلة وإنما له استدراك على كتاب شرح مختصر المقنع للشيخ منصور البهوتي وقد طبع باسم "المختارات الجلية" وسيأتي مزيد إيضاح ذلك عند الحديث عن هذا الكتاب وهو برقم "٣٥". ١٣ـ الجهاد في سبيل الله أو واجب المسلمين وما فرضه الله عليهم في كتابه نحو دينهم وهيئتهم الاجتماعية. وهي رسالة صغيرة غير مؤرخه وجدها أبناؤه بخطه بين أوراقه، بعد وفاته ﵀. ومضمونها الحث على الترابط والتعاون والتآخي في الله. والحث على الجهاد في سبيل الله بسائر أنواعه سواء كان بالمال أو بالنفس أو بالدعوة إلى الله أو غير ذلك. ١٤ـ الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية. وهو شرح مختصر للجزء المتعلق بتوحيد الأنبياء والمرسلين من نونية ابن القيم، وكان الشيخ ابن سعدي قد شرح هذا الجزء شرحاً موسعاً، ثم رأى تلخيصه في هذا الكتاب، كما أشار إلى ذلك في مقدمته فقال: "كنت وضعت شرحاً على توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية للمحقق شمس الدين بن القيم ﵀، أطلت فيه وأكثرت فيه من النقول عن كتب المؤلف فبدا لي أن ألخصه بشرح متوسط يأتي بأغراضه ومقاصده، ويحتوي على المهم من مسائله وفوائده". وفرغ الشيخ ابن سعدي من تأليفه في ٣ ربيع الآخر ١٣٦٧هـ. وعلى هذا يكون للشيخ ابن سعدي ثلاثة مؤلفات حول نونية ابن القيم. هذان الكتابان، وكتاب توضيح الكافية الشافية وقد تقدم ذكره. ١٥ـ حكم شرب الدخان. وهي رسالة صغيرة عبارة عن فتوى في بيان تحريم شرب الدخان، والاتجار به، وذكر فيها أضرار الدخان الدينية والبدنية والمالية. وطبعت بتقديم فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، وفرغ الشيخ ابن سعدي من تأليفها في ربيع الأول سنة ١٣٧٦هـ.

стр. 49

١٦ـ الخطب المنبرية على المناسبات. وهو كتيب يشتمل على ثلاثين خطبة في جملة من المطالب الشرعية من فرائض ونوافل وآداب. ١٧ـ الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية. ناظم القصيدة التائية هو شيخ الإسلام ابن تيمية، نظمها جواباً لسؤالٍ أورده عليه من قال إنه ذمي ليشبه على المسلمين، وليشككهم في القضاء والقدر. وقد شرحها ابن سعدي في هذه الرسالة شرحاً متوسطاً أجلى فيه عن معانيها وكشف عن غوامضها، وأضاف إليها جليلة ذكر فيها أمثلة متنوعة تكشف مسألة القضاء والقدر وتبينها. وفرغ الشيخ ابن سعدي من تأليفها في ٣٠ ربيع الآخر سنة ١٣٧٦هـ. ١٨ـ الدرة المختصرة في محاسن دين الإسلام. وهي رسالة صغيرة ذكر فيها جملة من محاسن الدين الإسلامي ومزاياه. قال في مقدمتها: " وغرضي من هذا التعليق إبداء ما وصل إليه علمي من بيان أصول محاسن الدين العظيم، فإني وإن كان علمي ومعرفتي تقصر كل القصور عن إبداء بعض ما احتوى عليه هذا الدين من الجلال والجمال والكمال. وعبارتي تضعف عن شرحه على وجه الإجمال فضلا عن التفصيل في المقال، وكان مالا يدرك جميعه ولا يوصل إلى غايته ومعظمه، فلا ينبغي أن يترك منه ما يعرف الإنسان لعجزه عما لا يعرفه، وفي أصوله وفروعه، وفيما دل عليه من علوم الشرع والأحكام، وما دل عليه من علوم الكون والاجتماع، وليس القصد هنا استيعاب ذلك وتتبعه، فإنه يستدعي بسطاً كثيراً، وإنما الغرض ذكر أمثلة نافعة يستدل بها على سواها، وينفتح بها الباب لمن أراد الدخول، وهي أمثلة منتشرة في الأصول والفروع والعبادات والمعاملات". ثم ذكر واحداً وعشرين مثلاً فيها بيان جملة من محاسن الدين. وفرغ من تأليفها في غرة جمادى الأولى سنة ١٣٦٤هـ. ١٩ـ الدلائل القرآنية في أن العلوم النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي. وهي رسالة صغيرة تضمنت البراهين القواطع الدالة على أن الدين الإسلامي وعلومه وأعماله وتوجيهاته جمعت كل خير، وأن العلوم الكونية والفنون العصرية الصحيحة داخلة في ضمن علوم الدين وأعماله، وليست منافية لها كما يزعمه الجهلة الماديون.

стр. 50

وفرغ الشيخ من تأليفها في ١٠ محرم سنة ١٣٧٥هـ. ٢٠ـ الدين الصحيح يحل جميع المشاكل. وهي رسالة صغيرة عرض فيها جملة من مشاكل الحياة المهمة، وبين حلولها السليمة المأخوذة من الكتاب والسنة. وعرض في هذه الرسالة خمس مشاكل كأنموذج لغيرها من المشاكل وبين حلول الدين لها، والمشاكل التي ذكرها هي: ـ مشكلة الدين والعقيدة. ـ مشكلة العلم. ـ مشكلة الغنى والفقر. ـ مشكلة السياسة الداخلية. ـ مشكلة السياسة الخارجية. وفرغ من تأليفها في ٥ ربيع الآخر سنة ١٣٧٥هـ. ٢١ـ رسالة في القواعد الفقهية: وهي رسالة مشتملة على منظومة تتكون من سبعة وأربعين بيتاً في أمهات قواعد الدين من نظم ابن سعدي مع شرحه لها. يقول في مقدمتها: "أما بعد: فإني وضعت لي ولإخواني منظومة مشتملة على أمهات قواعد الدين، وهي وإن كانت قليلة الألفاظ فهي كثيرة المعاني لمن تأملها. ولكنها تحتاج إلى تعليق يوضحها ويكشف بعض معانيها وأمثلتها تنبّه اللبيب الفطن على ما وراء ذلك، فوضعت عليها هذا الشرح اللطيف تيسيراً لفهمها". وفرغ من تأليفها في ١٨ ذي القعدة سنة ١٣٣١هـ. ٢٢ـ رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة: وهي رسالة صغيرة من تسع صفحات، عقد فيها فصولاً متعددة عرف فيها أصول الفقه، وذكر الأحكام الخمسة التي يدور عليها الفقه، وذكر الأدلة التي يستمد منها الفقه، وذكر جملة من القواعد الأصولية وشرحها شرحاً موجزاً. قال في مقدمتها: "أما بعد: فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه، سهلة الألفاظ واضحة المعاني، معينة على تعلم الأحكام لكل متأمل معاني". وفرغ من تأليفها في ٢٥ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٣هـ. ٢٣ـ الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة.

стр. 51

وهو مجلد واحد مشتمل على آداب متفرقة وفنون متنوعة وفوائد منثورة جعلها في اثنين وثلاثين فصلاً. يقول في مقدمته: "أما بعد: فهذه كلمات طيبات نافعات، ومقالات متنوعة في المهم من أصول الدين وأخلاقه وآدابه. وهاك فصولاً منثورة، في مواضيع متعددة نافعة". وكتب في آخره تم نقله من خط مؤلفه في ٢٠ رجب سنة ١٣٧٠هـ بخط عبد الله بن سليمان العبد الله السلمان. ٢٤ـ سؤال وجواب في أهم المهمات. وهي رسالة صغيرة في العقيدة ألفها على طريقة السؤال والجواب اشتملت على اثنين وعشرين سؤالا في جوانب متعددة من أمور العقيدة. قال في مقدمتها: "أما بعد فهذه رسالة مختصرة احتوت على أهم المهمات من أمور الدين وأصول الإيمان تدعو الحاجة والضرورة إلى معرفتها جعلتها على وجه السؤال والجواب، لأنه أقرب إلى الفهم والتفهيم وأوضح في التعلم والتعليم". ٢٥ـ طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول. وهو مجلد كبير اشتمل على خمس عشرة وألف ما بين قاعدة وأصل وضابط جامع وتعريف مهم وفائدة ضرورية وترغيب في كمال، وتحذير من نقص، وتوجيه إلى المنافع الظاهرة والباطنة وترهيب من المضار الدينية والدنيوية. اختارها من أكثر من ستين كتاباً من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب تلميذه ابن القيم ﵏. وفرغ منه الشيخ سعدي في شهر شعبان سنة ١٣٧٠هـ. ٢٦ـ الفتاوى السعدية: وهو مجلد كبير مشتمل على جملة كبيرة من الفتاوى التي أجاب بها الشيخ ابن سعدي على الأسئلة المتنوعة التي كانت ترد إليه من أماكن متفرقة، فكان يجيب عليها محررة، ثم يقوم بإرسالها إلى السائل. وبعد وفاته جمعت جملة كبيرة من هذه الفتاوى المتنوعة في هذا المجلد وسميت بـ "الفتاوى السعدية". ٢٧ـ فتح الرب الحميد في أصول العقائد والتوحيد. وهذا الكتاب لم يطبع وقد بحثت عنه كثيراً فلم أجده وقد أشار إليه عدد من

стр. 52

الذين ترجموا للشيخ١ وأشار ابنه عبد الله في ترجمته لوالده أنه لم يطبع٢. ـ فوائد القرآنية. وهي رسالة: استلت من كتابه "تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن" وأفردت بهذا العنوان. ٢٨ـ فوائد مستنطبة من قصة يوسف. وهذه الرسالة استنبط فيها الشيخ ابن سعدي جملة كبيرة من الفوائد العظيمة من قصة يوسف ﵇. ويقول في مقدمتها: "أما بعد: فهذه فوائد مستنبطة من قصة يوسف ﷺ وعلى جميع الأنباء والمرسلين، فإن الله تعالى قصها علينا مبسوطة، وقال في آخرها "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب". وفرغ الشيخ ابن سعدي من تأليفها في شهر صفر سنة ١٣٧٥هـ. ٢٩ـ الفواكه الشهية في الخطب المنبرية: وهو مشتمل على إحدى وسبعين خطبة من خطب الشيخ ابن سعدي في مجالات متنوعة ومطالب متفرقة. ٣٠ـ القواعد الحسان لتفسير القرآن. وهذا الكتاب مشتمل على سبعين قاعدة، تعين قارئها ومتأملها على فهم القرآن الكريم. ويقول الشيخ ابن سعدي في مقدمتها: "أما بعد: فهذه أصول وقواعد في تفسير القرآن الكريم، جليلة المقدار، عظيمة النفع، تعين على قارئها ومتأملها على فهم كلام الله، والاهتداء به، ومخبرها أجل من وصفها، فإنها تفتح للعبد من التفسير، ومنهاج الفهم عن الله، ما يغني عن كثير من التفاسير الخالية من هذه البحوث النافعة". وفرغ الشيخ ابن سعدي من تأليفه في ٦ شوال سنة ١٣٦٥هـ. ٣١ـ القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة. وقد قسم ابن السعدي هذا الكتاب إلى قسمين: قسم: ذكر فيه جملة من الأصول الجامعة والقواعد المهمة مع شرحها. قسم: ذكر فيه الفوارق بين المسائل المشتبهة والأحكام المتقاربة. وذكر التقاسيم المهمة.

стр. 53

قال في مقدمته: "أما بعد: فإن معرفة جوامع الأحكام وفوارقها من أهم العلوم وأكثرها فائدة وأعظمها نفعاً؛ لهذا جمعت في رسالتي هذه ما تيسر من جوامع الأحكام وأصولها، ومما تفرق فيه الأحكام لافتراق حكمها وعللها". وفرغ من تأليفه في ٢ ربيع الآخرة سنة ١٣٧٥هـ. ٣٢ـ القول السديد في مقاصد التوحيد: وهو تعليق مختصر على كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب. يبين فيه الشيخ ابن سعدي الأبواب التي عقدها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه ويبين مناسبتها للترجمة، وقد طبع هذا الكتاب بمفرده مرتين، وطبع في حاشية كتاب التوحيد مراراً. قال الشيخ ابن سعدي في آخره: "..هذا آخر التعليق المختصر على كتاب التوحيد، وتوضيح مقاصده، وقد حوى من غرر مسائل التوحيد، ومن التقاسيم والتفصيلات النافعة ما لا يستغني عنه الراغبون في هذا الفن الذي هو أصل الأصول وبه تقوم العلوم كلها". وقد بدأه الشيخ ابن سعدي بمقدمة مشتملة على صفوة عقيدة أهل السنة والجماعة وخلاصتها المستمدة من الكتاب والسنة١. ٣٣ـ مجموع الخطب والمواضيع النافعة: وهو مجموع كبير يشتمل على إحدى وستين ومائة خطبة في أهم الموضوعات الجامعة للعقائد والأخلاق والآداب الدينية والدنيوية بأسلوب سهل واضح وعبارة بينه. وفرغ الشيخ ابن سعدي من تقييد هذا المجموع في ٢٢ رجب سنة ١٣٦٥هـ. وعلى هذا فإنه يتبين لنا مما تقدم أن للشيخ ابن سعدي ثلاثة كتب في الخطب كلها مطبوعة. ٣٤ـ مجموع الفوائد واقتناص الأوابد. مخطوط لم يطبع، ذكره ابنه عبد الله في ترجمته لوالده٢. ٣٥ـ المختارات الجلية من المسائل الفقهية. وهو مستدرك على كتاب شرح مختصر المقنع للشيخ منصور البهوتي. وقد جعل هذا التعليق كالاستدارك عليه، والتنبيه على ما ذكره ليكون تنبيهاً على غيره من كتب الأصحاب عموماً.

стр. 54

وأشار في مقدمته إلى عدم وجود الفرصة لديه لتتبع جميع كتب الأصحاب فاكتفى بالتعليق على كتاب البهوتي ليكون تنبيها على غيره من كتبهم. وهذا يوضح لنا أن الشيخ ابن سعدي ليس له استدراك على جميع كتب الحنابلة كما سبق الإشارة إلى ذلك، والله أعلم. وقد فرغ الشيخ ابن سعدي من تأليف هذا الكتاب في ٣ صفر سنة ١٣٥٥هـ. ـ مختارات من الفتاوى. طبعت هذه المختارات في آخر كتاب المختارات الجلية " طبعة السعيدية" وهي جملة مختارة من "الفتاوى السعيدية" المتقدمة. ٣٦ـ المواهب الربانية من الآيات القرآنية. وهي رسالة صغيرة مشتملة على فوائد متنوعة سجلها الشيخ ابن سعدي أثناء قراءته للقرآن الكريم في شهر رمضان المبارك. وفرغ من تأليفها في ٢٨ رمضان سنة ١٣٤٧هـ. ٣٧ـ منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين. وهي رسالة صغيرة جامعة، اكتفى فيها الشيخ ابن سعدي بذكر القول الراجح بدليله، بدون تعرض للخلاف. قال في مقدمتها: "أما بعد فهذا كتاب مختصر في الفقه، جمعت فيه بين المسائل والدلائل؛ لأن العلم معرفة الحق بدليله، والفقه معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح. اقتصرت فيه على الأدلة المشهورة خوفاً من التطويل، وإذا كانت المسألة خلافية اقتصرت على القول الذي ترجح عندي تبعاً للأدلة الشرعية". ـ منهج السالكين مختصر أصول الفقه. ذكر هذا الكتاب صاحب مشاهير علماء نجد١ والذي يبدو أن الشيخ ابن سعدي ليس له كتاب بهذا الاسم، إذ أن اختصاره لأصول الفقه تقدم ذكره باسمه الذي وضعه مؤلفه وهو "رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة" برقم "٢١" فلعله التبس عليه اسم هذا الكتاب بالكتاب الذي قبله. ٣٨ـ المناظرات الفقهية: وهذا الكتاب جعله الشيخ على طريقة مناظرة بين رجلين سمى أحدهما المتوكل

стр. 55

على الله والآخر المستعين بالله، فيدور بينهما حوار في المسائل الخلافية وكل واحد منهما يذكر الدليل على قوله، حتى يظهر في آخر المناظرة رجحان قول أحدهما لقوة أدلته، وهكذا في سائر المسائل الخلافية. وقد سلك الشيخ ابن سعدي هذه الطريقة في هذا الكتاب لما يرى فيها من فوائد عظيمة ذكر جملة منها في مقدمة كتابه فقال: "وأجعلها على صورة المناظرة بين: المستعين بالله؛ والمتوكل على الله، لأن في جعلها على هذه الصورة فوائد كثيرة: منها: تيسير مأخذ القولين ووجودهما في محل واحد وذلك من مقربات العلم. ومنها: التمرن على المناظرة والمباحثة، التي هي من أكبر الوسائل لإدراك العلم وثبوته وتنوعه. ومنها: التمرن على الاستدلال، والرجوع إلى أصول المسائل ليصير للعبد ملكة تامة يحسن معها الاستدلال والمناظرة والنظر. ومنها: أن يعود الإنسان نفسه سرعة قبول الحق إذا اتضح له صوابه وبان له رجحانه. ومنها: أن يعلم أن الخلاف في مثل هذه المسائل بين أهل العلم لا يوجب القدح والعيب والذم". وفرغ من تأليفه في ٨ جمادى الآخرة سنة ١٣٦٤هـ. ٣٩ ـ منظومة في أحكام الفقه. وهي منظومة طويلة تتكون من أكثر من أربعمائة بيت، نظمها الشيخ ابن سعدي على مذهب الإمام أحمد بن حبنل ﵀ قال في مطلعها: "وهذه منظومة قصدي بها تيسير أحكام قد اعتنوا بها في فقه أحكام تفيد المبتدي من كتب أصحاب الإمام أحمد" ونظم الشيخ ابن سعدي هذه المنظومة وهو في السادسة والعشرين من عمره، وفرغ منها في ٢٦ شوال سنة ١٣٣٣هـ. ٤٠ـ منظومة في السير إلى الله والدار الآخرة. وهي منظومة تتكون من ثمانية عشر بيتاً في الحث على عبادة الله ومحبته والإنابة إليه، وفي الحث على سلوك الطريق الموصل إلى دار السلام. وله تعليق على هذه المنظومة طبع معها، وفرغ منها في ٣ شعبان سنة ١٣٣٣هـ.

стр. 56

ـ واجب المسلمين. تقدمت بعنوان الجهاد في سبيل الله، برقم "١٣". ٤١ـ وجوب التعاون بين المسلمين، وموضوع الجهاد الديني، وبيان كليات من براهين الدين. وهي غير الرسالة المتقدمة برقم "١٣"، وإن كانت قريبة منها في الموضوع، إذ في هذه الرسالة أيضاً حث على التعاون والتآخي وحث على الجهاد في سبيل الله. وفي هذه الرسالة إضافة بيان جملة من الكليات من براهين الدين الإسلامي. قال الشيخ ابن سعدي في مقدمتها: "أما بعد فهذه رسالة تتضمن التنبيه على واجب المسلمين نحو دينهم، ووجوب التعاون بينهم في جميع المصالح والمنافع الكلية الدينية والدنيوية، وعلى موضوع الجهاد الشرعي، وعلى تفصيل الضوابط الكلية في هذه المواضيع، وعلى البراهين اليقينية في أن الدين عند الله هو دين الإسلام". وفرغ من تأليفها في ٢٠ رمضان سنة ١٣٦٧هـ. ٤٢ـ الوسائل المفيدة للحياة السعيدة. وهي رسالة صغيرة الحجم عظيمة النفع، تحدث فيها الشيخ ابن سعدي عن أسباب السعادة وطرقها. وعن كيفية الحصول على راحة القلب وطمأنينته، وكيفية إزالة الهموم والغموم والأحزان. وأخيراً فهذا ما استطعت الوقوف عليه من مؤلفاته ﵀، وتجدر الإشارة إلى أن له فوائد منثورة وفتاوى كثيرة، حيث كانت ترد إليه أسئلة شتى من أماكن متفرقة فكان يجيب عليها ويرسلها للسائل، وقد حصلت على بعضها واستفدت منها في هذا البحث. وله أيضا تعليقات شتى في كثير مما يمر عليه من الكتب، وقد كانت الكتابة سهلة يسيرة عليه١. ثامنا: ثناء العلماء عليه: لقد أشاد كثير من العلماء بفضل الشيخ ابن سعدي، وعلمه، وحسن خلقه، وطيب معشره، وحبه للخير، بل كان محل إعجابهم وثنائهم، فوصفوه بحميد الأفعال، ونعتوه بطيب الخصال. وفيما يلي ذكر جملة من أقوال العلماء فيه:

стр. 57

أـ قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ حفظه الله ـ: "كان ﵀ كثير الفقه والعناية بمعرفة الراجح من المسائل الخلافية بالدليل، وكان عظيم العناية بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، وكان يرجح ما قام عليه الدليل. وكان قليل الكلام إلا فيما تترتب عليه فائدة، جالسته غير مرة في مكة والرياض، وكان كلامه قليلاً إلا في مسائل العلم. وكان متواضعا حسن الخلق، ومن قرأ كتبه عرف فضله وعلمه وعنايته بالدليل فرحمه الله رحمة واسعة". ب ـ وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي: "إن من قرأ مصنفات الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ﵀ وتتبع مؤلفاته وخالطه، وسبر حاله أيام حياته، عرف منه الدأب في خدمة العلم اطلاعاً وتعليماً، ووقف منه على حسن السيرة وسماحة الخلق، واستقامة الحال، وإنصاف إخوانه وطلابه من نفسه، وطلب السلامة فيما يجر إلى شر أو يفضي إلى نزاع أو شقاق فرحمه الله رحمة واسعة"١. جـ ـ وقال الشيخ محمد حامد الفقي: "لقد عرفت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي من أكثر من عشرين سنة فعرفت فيه العالم السلفي المحقق، الذي يبحث عن الدليل الصادق، وينقب عن البرهان الوثيق، فيمشى وراءه لا يلوي على شيء...... عرفت فيه العالم السلفي الذي فهم الإسلام الفهم الصادق، وعرف فيه دعوته القويمة الصادقة إلى الأخذ بكل أسباب الحياة العزيزة القوية الكريمة النقية ... "٢. د ـ قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "إن الرجل قل أن يوجد مثله في عصره في عبادته وعلمه وأخلاقه، حيث كان يعامل كلا من الصغير والكبير بحسب ما يليق بحاله، ويتفقد الفقراء، فيوصل إليهم ما يسد حاجتهم بنفسه، وكان صبوراً على ما يلم به من أذى الناس. وكان يحب العذر ممن حصلت منه هفوة حيث يوجهها توجيها يحصل به عذر من هفا". هـ ـ وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام: "لقد كان للشيخ عبد الرحمن السعدي أثر كبير، ودور بارز، في تخريج أفواج كثيرة

стр. 58

من طلبة العلم، حيث جلس للتدريس وإفادة الطلاب أكثر من نصف قرن من الزمان. وكان في زمانه هو مرجع أهل البلاد في التدريس والوعظ والتوجيه والخطابة والإمامة والفتاوى والمشاورات، وكان محرر الوثائق والمبايعات والتوثيقات والوصايا وغير ذلك. وكان يمتاز بكرم النفس وحسن الخلق والبشاشة والطلاقة. وكان محبوباً لدى الخاصة والعامة". ز ـ وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل: "كان ﵀ على جانب كبير من مكارم الأخلاق والتواضع، وكان يحترم جلساءه ويوقرهم، وكان كثير التسامح مع أصحابه وغيرهم ويلتمس العذر لأحدهم مهما كان. وكان يخالط الناس ويصبر على أذاهم، ويجيب دعوة من دعاه، ويتكلم مع كل أحد بما يناسب حاله، ويحرص على نشر العلم بينهم في مجالسهم. وكان حريصاً على نصح الناس من خلال خطبه المنبرية ومجالسه العلمية، حريصاً على إفتائهم وحل مشاكلهم الدينية والدنيوية، فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء". حـ ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الزامل: "دع عنك ذكر الهوى واذكر أخاً ثقة يدعو إلى العلم لم يقعد به الضجر شمس العلوم ومن بالفضل متصف مفتاح خير إلى الطاعات مبتكر بحر من العلم نال العلم في صغر مع التقى حيث ذاك الفوز والظفر نال العلا يافعا تعلو مراتبه ففضله عند كل الناس مشتهر بالفقه في الدين نال الخير أجمعه والفقه في الدين غصن كله ثمر وهي بعض أبيات من قصيدة طويلة في مدح الشيخ، نظمها في حياته١. ط ـ وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين: "لقد كان ﵀ على جانب كبير من الأخلاق الحسنة، متواضعاً للصغير والكبير، ذا عبادة وزهد وورع، وكان فقيها محدثاً، واعظاً خطيباً، لغويا أديبا، جامعاً لفنون عديدة" ٢.

стр. 59

ى ـ وقال الشيخ عبد الرحمن بن حمد الفوزان: "كان مثال الورع والزهد الصحيح، فقد أتته الدنيا تطلب وده ضاحكة مبتسمة، لكنه رفضها وأباها، وكم من مرة عرضت عليه المناصب الرفيعة، والأعمال الغالية فأصبحت محاولاتها عبثاً، ولم يرض أن تفرض له المرتبات، ولا أن يجرى عليه المخصصات، بل كان قانعاً بما عنده من كفاف حتى إن مخصص إمامه الجامع الكبير ـ الذي تولى الصلاة فيه سنين عديدة ـ كان ينفقها في المصالح الخيرية وعلى الفقراء والمعوزين. أما إفادة العلمية: فيكفيك أنه قد جلس للتدريس والإفتاء وهو في عقده الثالث حتى تخرج على يديه الكثير من القضاة والمدرسين. ولست بحاجة إلى شاهد، فمؤلفاته المنتشرة في جميع الآفاق أكبر دليل على اتساع مداركه، وامتداد معارفه، إذ إنها لا تبحث في موضوع واحد وحسب، بل متعددة النواحي مختلفة الأهداف....."١. وهذه نهاية الفصل الثاني من الباب الأول. وبالله التوفيق.

стр. 60

الباب الثاني: جهود الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في توضيح العقيدة الفصل الأول: جهوده في توضيح الإيمان بالله تعالى المبحث الأول: توحيد الربوبية ... تمهيد: إن عقيدة التوحيد، وإفراد الله وحده بالعبادة، هي أعظم المقاصد، وأهم الغايات، فمن أجلها خلق الله الخلق وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وجعل الجنة والنار، فالجنة دار من أطاعه وحقق توحيده ولم يشرك به شيئاً، والنار دار من عصاه وجعل له نداً وشريكاً. ومن تأمل نصوص القرآن الكريم، وجدها تبدي وتعيد في شأن العقيدة، داعية إليها محذرة من ضدها في آيات كثيرة بطريق متنوعة وأساليب مختلفة فتارة ببيان أنها أعظم الغايات وسبب إيجاد الخلقية، وأخرى ببيان أن الكتب إنما أنزلت والرسل إنما أرسلوا وبعثوا إلا لتحقيقها، وثالثة ببيان الوعيد الشديد لمن خالف هذه العقيدة وأتى بضدها.. وهكذا. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٤. وغيرها من الآيات. والقرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير هذه العقيدة؛ لأنه إما خبر عن الله وما يجب أن يوصف به وما يجب أن ينزه عنه وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الطلبي الإرادي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا من النصر والتأييد وما يكرمهم به في الآخرة وهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل

стр. 61

بهم في الدنيا من النكال وما يفعل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم توحيده، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم١. ثم إنه بعد التتبع والاستقراء لنصوص الكتاب والسنة من قبل علماء الإسلام تبين أن التوحيد لا يخرج عن ثلاثة أنواع: النوع الأول: توحيد الربوبية: وهو الإقرار بربوبية الله تعالى على خلقه أجمعين بخلقه لهم ورزقه إياهم وإحيائهم وإماتتهم وتصرفه في شئونهم كلها. النوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات وهو إثبات جميع ما ورد في القرآن والسنة من نعوت الكمال لله ، من غير تكييف ولا تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل. النوع الثالث: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة، وعدم صرف أي نوع منها لغير الله . ومن تتبع نصوص القرآن والسنة جميعها، يجد أنها لا تخرج في توحيد الله تعالى، عن هذه الأنواع الثلاثة. وقد تناول ابن سعدي في مؤلفاته جميع هذه الأنواع، واعتنى بإبرازها وبيانها وإيضاحها، ونبه على أهميتها وضرورة الحاجة إليها. وفيما يلي سأفرد كل نوع من هذه الأنواع بمبحث خاص أبين فيه جهود الشيخ ابن سعدي في توضيحه وبيانه٢. المبحث الأول: في توحيد الربوبية. المبحث الثاني: في توحيد الأسماء والصفات المبحث الثالث: في توحيد الألوهية.

стр. 62

المبحث الأول توحيد الربوبية

стр. 63

المبحث الأول توحيد الربوبية عرف ابن سعدي هذا النوع من التوحيد فقال: "هو اعتقاد أن الله سبحانه هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، وإنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الأضرار، الذي له الأمر كله وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء ليس له في ذلك شريك، وأنه الذي ربى جميع خلقه بالنعم، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الحميدة والعلوم النافعة والأعمال الصالحة. وهداهم إلى تحقيق عبادته وطاعته وهذه التربية هي النافعة المثمرة للسعادة في الدنيا والآخرة"١. وعرف الرب بأنه المربي لجميع العالمين وهم من سوى الله، بخلقه إياهم وإنعامه عليهم بأنواع النعم التي لو فقدوها لما أمكنهم الحياة والبقاء على وجه الأرض٢. وما ذكره من معاني وتوضيح لتوحيد الربوبية ولمعنى الرب، قد دلت عليه نصوص كثيرة في القرآن الكريم، فقد أوضح الله في كتابه في غير آية أنه الرزاق المدبر المنعم القادر على كل شيء المتصرف في شئون خلقه كلها إلى غير ذلك من معاني الربوبية. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٥.

стр. 64

وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ. أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ. أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ, أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. وغيرها من الآيات الدالة على تفرد الله وتوحده بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتصرف في جميع المخلوقات، والدالة على قدرته على كل شيء وأن بيده ملكوت كل شيء وأن المرجع والمآل إليه وحده. تربية الله لخلقه على نوعين: ورد في القرآن الكريم ذكر ربوبية الله لخلقه وعباده في مواضع كثيرة، وهي على نوعين: ربوبية عامة شاملة لجميع المخلوقات برها وفاجرها مكلفيها وغير مكلفيها حتى الجمادات، لا يخرج عنها أحد، وهي أنه تعالى المنفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها. وربوبية خاصة: وهي خاصة بأولياء الله وأصفيائه وهي تربيته لهم بهدايتهم للدين والإيمان وتعليمهم العلوم النافعة وتكميلهم بالأخلاق الجميلة، ودفعه عنهم الأخلاق الرذيلة، وحقيقتها التوفيق لكل خير. قال ابن سعدي في بيان هذين النوعين: "وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة، وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.

стр. 65

والخاصة: تربيته لأوليائه فيربيهم بالإيمان ويوفقهم له ويكملهم ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه. وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة من كل شر. ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة"١. دلالات توحيد الربوبية: وتوحيد الربوبية له دلالات كثيرة، تدل على تفرد الله بالربوبية على خلقه أجمعين، إذ أن الله جعل لخلقه أشياء لو تأملوها وتفكروا فيها لأرشدتهم إلى أن هناك خالقاً مدبراً لهذا الخلق أجمعين وقد تعرض الشيخ ابن سعدي لهذه الدلالات في كتاباته ولا سيما في كتابه التفسير، ولكثرة هذه الدلالات فإني سأكتفي بذكر بعضها على سبيل التمثيل: دلالة الفطرة: وهذه في مقدمة الدلالات إذ أن الله فطر الخلق على توحيده فما من مولود إلا ويولد على فطرة التوحيد كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ٣. لذا نجد أن ابن سعدي ﵀ يقول عند تفسيره هذه الآية "إن جميع أحكام الشرائع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميل إليها. فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها"٤. وهذا ما دل عليه حديث رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: "خلقت

стр. 66

عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم"١ رواه مسلم، وعرف الفطرة بأنها "هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها، وجعلهم مفطورين عليها وعلى محبة الخير وإيثاره وكراهية الشر ودفعه وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله والتقريب إليه"٢. ثم إنه يقسم شرائع الفطرة إلى قسمين: قسم يطهر القلب والروح وهو الإيمان بالله وتوابعه من خوفه ورجائه ومحبته والإنابة إليه. وقسم: يعود إلى تطهير الظاهر ونظافته، ودفع الأوساخ والأقذار منه وهو سنن الفطرة العشر الواردة في حديث عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله ﷺ : "عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم، ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء يعني الاستنجاء" قال الراوي ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. رواه مسلم في صحيحه"٣. قال ﵀: " والمقصود أن الفطرة شاملة لجميع الشريعة باطنها وظاهرها؛ لأنها تنقي الباطن من الأخلاق الرذيلة وتحليه بالأخلاق الجليلة التي ترجع إلى عقائد الإيمان وتطهره الطهارة الحسية والطهارة المعنوية"٤. دلالة الأنفس: إن الله صور الإنسان على أحسن صوره، وخلقه على أحسن تقويم كما قال سبحانه: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٥. وقال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ٦. وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ٧.

стр. 67

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ١. فلقد أنعم الله على الإنسان بنعمة عظيمة، حيث جعله على هذه الصورة الجميلة المتميزة عن سائر الحيوانات. لهذا لو أن الإنسان أمعن النظر، في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله، ونظر إلى ظاهره وما فيه من كمال خلقه، وأنه متميز عن سائر الحيوانات لعرف أن وراء ذلك رب خالق حكيم في خلقه، وعرف أن هذا الخالق هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه بهذه التصاريف لا يشاركه فيه مشارك. ولهذا فلا يليق بمن أنعم الله عليه بهذه النعم الظاهرة والباطنة أن يكفرها أو أن يجحد إحسان الله عليه بها. لذا يقول سعدي لمن جحد هذه النعم ولم يؤد شكرها: "أليس الله هو الذي خلقك فسواك في أحسن تقويم: وركبك تركيباً قوياً معتدلاً في أحسن الأشكال وأجمل الهيئات، فهل يليق بك أن تكفر نعمة المنعم أو تجحد إحسان المحسن. إن هذا إلا من جهلك وظلمك وعنادك وغشمك فاحمد الله إذ لم يجعل صورتك صورة كلب أو حمار أو نحوهما من الحيوانات"٢. ولو تأمل الإنسان في نفسه التي بين جنبيه وما فيها من عجائب صنع الله والتي بدونها يصبح الإنسان جثة هامدة بلا حراك؛ لهدته إلى رب حكيم خبير. يقول ابن سعدي في تقرير هذا المعنى عند قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ ٣. " وعلى كل حال فالنفس آية كبيرة من آياته التي يحق الإقسام بها فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل والحركة والتغيير والتأثر، والانفعالات النفسية من الهمة والإرادة والقصد والحب والغضب وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على ما هي عليه آية من آيات الله العظيمة. والمقصود أن نفس الإنسان أعظم الأدلة على وجود الله وحده ومن ثم تفرده

стр. 68

بالعبادة، وقد أفلح من طهر نفسه من الذنوب ونقاها من العيوب ورقاها بطاعة الله وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح"١. دلالة الآفاق: قال الله تعالى في هذه الدلالة العظيمة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٢. إذ أن من آيات الله الدالة عليه، دلالة الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم وكواكب وما اشتملت عليه الأرض من جبال وأشجار وأنهار وغيرها، مما خلق الله في السموات والأرض. فلو تأملها الإنسان وتأمل صنيعها وتتقانها لدلته وأرشدته إلى أن هناك خالقاً لهذه الأكوان وأنه عليم حكيم. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ. وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣. قال ابن سعدي عند قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ ... ﴾ : "وقد فعل تعالى فإنه أرى عباده من الآيات ما به تبين أنه الحق، ولكن الله هو الموفق للإيمان من شاء، والخاذل لمن يشاء"٤. وقال في الرياض الناضرة: " فهذا خبره تعالى عن أمور مستقبلة: أنه يرى عباده من الآيات والبراهين في الآفاق وفي الأنفس ما يدلهم على أن القرآن حق والرسول حق وما جاء به حق ... "٥. والمقصود أن الدلالات على تفرد الله وحده بالخلق والرزق والإحياء والإماتة كثيرة جداً.

стр. 69

وإن كثرتها وتعددها يعد من رحمة الله ولطفه بعباده حيث أكثر لهم الطرق الموصلة إليه، فتعالت حكمته وجل شأنه. وكما قال ابن سعدي ﵀: "كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات وتغلغل براهين ودلالات على جميع ما أخبر به عن نفسه ووحدانيته وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر وأنها مدبرات مسخرات ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها مصرفها فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا هو ولا رب سواه"١. وقد عقد ﵀ في كتابه الرياض الناضرة فصلا في الإشارة إلى البراهين العقلية والفطرية على ربوبية الله وإلاهيته. قال في مقدمته: "وليس القصد في هذا الفصل ذكر الأدلة النقلية عليها فإنها واضحة جلية متقررة عند الخواص والعوام، وهي وحدها كافية وافية بالمقصود معرفة بالله جملة وتفصيلا. ولكن نريد أن نشير إشارة إلى أدلتها وبراهينها العقلية التي يخضع لها كل عاقل منصف، وينكرها كل مستكبر مكابر مباهت...."٢. ثم أخذ يعدد جملة من الأدلة على وجود الله واستحقاقه للعبادة. والأدلة على ذلك كثيرة ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد. ولكثرة دلالات هذا النوع من التوحيد لا تجد أحداً من الخلق ينكره إلا مكابرة وعناداً. فالمشركون الذين حاربهم رسول الله ﷺ وأباح دماءهم وأموالهم كانوا مقرين بهذا التوحيد معترفين لله به شاهدين له بالوحدانية والانفراد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنزال المطر وعلم الغيب وغير ذلك، وقد بين الله سبحانه في القرآن الكريم اعترافهم وإقرارهم بذلك في أكثر من آية. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ.) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٣.

стр. 70

وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. قال ابن كثير ﵀: " وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة. فلا تكتمن الله ما في قلوبكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب أو يعجل فينقم فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة...."٣. فالمشركون إذاً مقرون بهذا التوحيد ومعترفون به: ولكن مع ذلك فإن إقرارهم هذا لا ينفعهم لعدم اعترافهم بتوحيد الألوهية وهو توحيد الله بأفعال عبيده. واستحقوا المحاربة والعداء، بل إن إقرارهم بتوحيد الربوبية يعد حجة عليهم وملزماً لهم بإفراد الله وحده بالعبادة بأنواعها من دعاء ورجاء وخوف وذبح ونذر واستغاثة وغيرها من أنواع العبادة؛ لأن من أقر أن الله هو وحده الخالق الرازق المدبر فإنه يلزمه أن يفرده بالعبادة والتأله والذل. قال ابن سعدي في تقرير هذه الحقيقة: "والمشركون الذين يتخذون الأنداد مع الله لا يسوونهم بالله في الخلق والرزق، وإنما يسوونهم به في العبادة فيعبدونهم ليقربوهم إليه"٤. ويقول عند تفسير الآيات المتقدمة التي فيه إقرار المشركين بوحدانية الله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة..الخ يقول: "هذا استدلال على المشركين المكذبين بتوحيد الإلهية والعبادة وإلزام لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية"٥. ولذا فإن نصوص القرآن التي جاءت لتقرير توحيد الربوبية يستدل بها على وجوب توحيد الألوهية وإفراده بالعبادة، وقد أوضح ابن سعدي ذلك وبينه في مواضع متعددة

стр. 71

ومن ذلك ما قاله عند قوله الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. قال: هذه الآية: "جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته وبطلان عبادة ما سواه، وهو ذكر توحيد الربوبية المتضمن انفراده بالخلق والرزق والتدبير" فهو يرى أن انفراد الله وحده بالخلق والرزق والتدبير دليل واضح على وجوب إفراده بجميع أنواع العبادة؛ لذا قال بعد ما تقدم: " فإذا كان أحد مقراً بأنه ليس له شريك بذلك فعليه الإقرار بأن الله ليس له شريك في عبادته" بل إنه يرى أن هذا أوضح دليل على وجوب إفراد الله وحده بالعبادة؛ لذا يقول: "وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري تعالى وبطلان الشرك"٢. وفي الآية المتقدمة نفسها ما يوضح أيضاً أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية حيث يقول سبحانه: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله سبحانه: (وأنتم تعلمون) ، يوضح أن المشركين يعلمون أن الله ليس له شريك ولا نظير لا في الخلق والرزق والتدبير ولا في الألوهية والكمال، ولكنهم مع ذلك يشركون معه في العبادة. لذا قال ابن سعدي مخاطباً هؤلاء: "كيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟ هذا من أعجب العجب وأسفه السفه"٣. والمقصود: أن هذا النوع من التوحيد "توحيد الربوبية" لا يوجد أحد من الخلق ينكره، حتى فرعون الطاغية الذي ادعى الألوهية وقال عن نفسه "إنه رب العالمين" يقرر ويعترف بهذا التوحيد، وإنكاره له من قبيل المكابرة والجحود، قال تعالى في بيان ذلك: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ ٤ أي إنك تعلم يا فرعون أن المنزل لهذه الآيات هو رب السموات والأرض بصائر منه لعباده فإنكارك ليس على الحقيقة بل ترويجا على قومك واستخفافاً لهم.

стр. 72

وقال تعالى في بيان ذلك أيضا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. قال ابن سعدي: "ليس جحدهم مستنداً إلى الشك والريب، وإنما جحدهم مع علمهم وتيقنهم بصحتها ظلماً منهم لحق ربهم ولأنفسهم، وعلوا على الحق وعلى العباد وعلى الانقياد للرسل"٢. وأيضا إبليس لعنه الله، وهو أضل الخلق على الإطلاق، يقر بهذا التوحيد ويعترف به: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤. ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ ٥، والآيات في هذا المعنى كثيرة. فهو يقر ويعترف بأن الله هو الرب، وأنه الخالق المدبر. وبالجملة هذا النوع من التوحيد لا ينكره أحد إلا مكابر أو معاند. كلامه عن ظاهرة الإلحاد والملحدين: إلا أنه ظهر في الأزمان المتأخرة طائفة خبيثة بلغ بها الزيغ والضلال إلى أن أنكرت وجود الرب، وقالوا إن هذا الكون حدث من قبيل الصدفة، وليس له خالق ولا موجد، فضلوا بذلك ضلالاً مبيناً، وهؤلاء هم الماديون الملحدون. وقد تصدى لهم علماء الإسلام فأنكروا باطلهم وبينوا ضلالهم، في مؤلفات كثيرة، ومن أبرز من كتب فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث نقض ما قعدوا من قواعد وهدم ما أصلوا من أصول وبين عوارهم وزيغهم، وبعدهم عن الصراط المستقيم. ومن جملة من كتب في هؤلاء وأجاد الشيخ ابن سعدي حيث إنه تناول هذه الطائفة الخبيثة في مؤلفاته، وأظهر زيغها وفساد معتقدها. قال ﵀ في التعريف بهذه الطائفة: "وقد نبغت في هذه الأزمان المتأخرة فرقة خبيثة، هم من أضل الخلق وأجهلهم

стр. 73

وأعظمهم غروراً، وهم الماديون الملحدون"١. وبين أن سبب ضلالهم هو ما أوغلوا فيه من علوم الطبيعة فقال إنهم " ... اغتروا لما عرفوا بعض العلوم الطبيعية ووقفت عقولهم عندها، وقالوا لا نثبت إلا ما وصلت إليه معارفنا وعقولنا وما سوى ذلك ننفيه ولا نعترف به"٢. فأنكروا بذلك خالق الكون ومسخره، ونسبوا الخلق والإيجاد والتصرف إلى الطبيعة، وقالوا لا نؤمن إلا بالأشياء المادية المحسوسة. وقد وضعوا لباطلهم هذا أصولاً يمشون عليها ويقلد بعضهم بعضاً فيها، وهذه الأصول كلها في غاية الضعف والفساد، قال عنها ابن سعدي ﵀: "وهي في غاية الفساد، يكفي اللبيب مجرد تصورها عن إقامة البراهين على نقضها، لكونها مناقضة للعقل والنقل ولكنهم زخرفوها وروجوها فانخدع بها أكثر الخلق"٣. وقد بين ابن سعدي ﵀ أن عندهم أصولاً كثيرة يبنون عليها عقائدهم وأن هذه الأصول ترجع إلى أصل خبيث فاسد، وبين مصدره. فقال: "وأعظمها عندهم أصل خبيث منقول عن معلمهم الأول أرسطو اليوناني المعروف بالإلحاد والجحد لرب العالمين ... وهو أنه من أراد الشروع في المعارف الإلهية فليمح من قلبه جميع العلوم والاعتقادات، وليسع في إزالتها من قلبه بحسب مقدوره، وليشك في الأشياء، ثم ليكتف بعقله وخياله ورأيه. وكملوا هذا الأصل الخبيث بحصرهم للمعلومات بالمحسوسات، وما سوى ما أدركوه بحواسهم نفوه"٤. ثم بين أن هذا الأصل أفسد عليهم علومهم وعقولهم وأديانهم، وذكر أن العلماء بينوا بطلان أصولهم، وأن من أبلغ من كتب في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. ثم إنه ﵀ قد اهتم ببيان فساد هذا الأصل اهتماماً كبيراً وأطال في نقضه وإظهار بطلانه. قال: "إن هؤلاء الملحدين حصروا العلوم المدركة في دائرة ضيقة، فما أدركوه بحواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه بذلك نفوه وأنكروه فأنكروا من أجل ذلك علوم

стр. 74

الغيب كلها وجحدوا ربوبية الله وأفعاله وعطلوه من صفاته وأفعاله إذ لم يدخل ذلك تحت مداركهم القاصرة وهذا باطل شرعاً وعقلاً:ـ أما الشرع: فجميع الكتب السماوية وجميع الرسل تبطل قولهم وحصرهم العلوم بمدركات الحس الظاهرة, ونفيهم لما عداها, وتثبت بالبراهين اليقينية من علوم الغيب ومن العلوم التي لا تدرك إلا بالوحي من الحقائق النافعة الصحيحة والمعارف الصادقة مالا نسبه لعلومهم كلها إليها من أولها إلى آخرها....... وأما العقل: فجميع العقلاء المعتبرين يثبتون للعلوم مدارك غير مدارك الحس, فإن مدارك العلوم: الحس والعقل والأخبار الصادقة فالأخبار الصادقة أعلاها وأصدقها وأحقها بالحق خبر الله وخبر رسله وفي ذلك تبيان لكل شيء, وهدى للخلائق وتوضيح للحقائق"١. ويرى ﵀ أن أعظم حل لهذه المشاكل وغيرها، معرفة دين الإسلام والعمل به؛ لأنه بطبيعته وبراهينه وآياته يضمحل أمامه كل باطل، وخصوصاً أقبح الباطل وأشنعه وأشره منافاة للدين والعقل وهو الإلحاد. بل إنه ﵀ يرى أن التماس الحلول لمثل هذه المشاكل من غير الحلول الإسلامية التي تبنى على الكتاب والسنة أمر لا يجدي ولا ينفع بل يزيد في المشكلة حيث يقول: "ما من مشكلة كبيرة ولا صغيرة، إلا إذا بنيت على الشريعة الإسلامية المحضة تمت أمورها واستقامت أحوالها وصلحت من جميع الوجوه"٢. وأحكام الشريعة في غاية القوة والرصانة وشاملة لجميع المشاكل وليست بحاجة إلى حلول مستوردة لما يجد من حوادث بل لا يمكن إصلاح الأمور إلا بها بخلاف غيرها من القوانين. لذلك فإنه قام بمعالجة مشكلة الإلحاد على ضوء الكتاب والسنة، واهتم بمعالجة هذه المشكلة اهتماماً كبيراً، ومما يؤكد اهتمامه بها، أنه إضافة إلى تناوله لعلاجها ضمن كتبه، فقد أفرد فيها رسالة خاصة سماها: "الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين". وقد أجاد ﵀ في هذه الرسالة الرد على هؤلاء الملحدين، حيث تناول الرد

стр. 75

عليهم وبيان زيغهم من ثلاثة وثمانين وجهاً، اختار جملة منها من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، الذي ظهر تأثره بهما على مؤلفاته كما مر معنا في المقدمة. وكانت ردوده عليهم في غاية القوة والرصانة، ولجودتها ورصانتها استحقت أن توصف هذه الردود وهذا الكتاب بأنه "نازل جميع طوائف الملحدين وتحداهم وأبطل أصولهم وفند مآخذهم وهدم قواعدهم وزلزل بنيانهم وبين مخالفتهم للعقل والفطرة كما خالفوا جميع الأديان الصحيحة"١. وهذه نماذج من هذه الأوجه التي رد بها الشيخ على هؤلاء الملحدين. وأكثرها خاصة بأصلهم الفاسد المتقدم ذكره وهو: ـ "أنه من أراد الشروع في المعارف الإلهية فليمح من قلبه جميع العلوم والاعتقادات....."٢. ذكر بعض هذه الأوجه:- ـ "أن يقال هذه الوصية مخالفة لما بعث الله به رسله وأنزل كتبه فإنه بعث رسله مذكرين للعباد ما فطروا عليه من الإقرار بوحدانية الله ووجوب شكر نعمه، وافتراض الحب الكامل والتعظيم التام لله المتفضل بالنعم الظاهرة والباطنة، ومذكرين لهم بالأمر بما فطرت العقول على استحسانه كالصدق والبر والإحسان والأخلاق الجميلة، وبالنهي عما فطرت العقول على استقباحه من الكذب والظلم والعدوان وجميع الأخلاق الرذيلة، فكيف يؤمر الناس أن يمحوا من قلوبهم وفطرهم هذه الأمور؟ وهل هذا إلا نهي عن جميع مواد السعادة والفلاح والصلاح، وأمر بكل منكر وفحشاء وسوء وشر وفساد؟ وفي هذا من تقويض دعائم الخير والصلاح، والاستبدال بها أصول الشر والفساد والفوضى في العلوم والعقائد والأخلاق، ما لا منتهى لشره وضرره"٣. ـ"إن المقصود الأعظم من تأصيل هذا الأصل الخبيث الكفر بما جاءت به الرسل والانحلال عنه وإلا فأهله من أكذب الناس فإنهم متمسكون غاية التمسك بما عليه أئمتهم الملحدون، وأقوالهم وعقائدهم مقدمة عندهم على ما جاءت به الرسل ويتعصبون لها غاية التعصب، فلو كانوا صادقين محقين لوجب عليهم أن يمحوا من قلوبهم أقوال أئمتهم وعقائدهم التي ما زالوا متمسكين بها ومقلدين لها تقليداً أعمى،
следующие страницы →