← Акыда

Акыда · id 7651

الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في تو ضيح العقيدة

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (317 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا يدل عليه بخصوصه، فقد يكون القصد به معنى غير الذي عينوه، وقد يكون اللفظ متعبداً بتلاوته ولفظه مجرداً عن المعاني وهو أولى من تحريفهم أو إتيانهم بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، وإن كان الأمران ينافيان حكمة الباري لكن التعبد أهون من التحريف. فإن فرض أنه تأول على غير ظاهره وأتى بدليل على الاحتمال وعلى التعين طولب بأمر (رابع) وهو الجواب عن المعارض؛ لأن الدعوى لا تتم إلا بذلك. والمعارض للنفي هو جميع الأدلة النقلية من الكتاب والسنة والأدلة العقلية والفطرة"١. ويلاحظ أن هذه الشروط عسيرة ولا يمكن توفرها في تأويلاتهم الباطلة وبهذا يفهم قول شيخ الإسلام المتقدم عن هذه التأويلات أن عامتها باطلة. والمقصود أن الشيخ ابن سعدي كغيره من علماء أهل السنة يرى فساد هذا النوع من التأويل وبطلانه، وأما النوعان الأولان فقد بين أنهما صحيحان وأنهما متعارف عليهما عند السلف الصالح. ولذلك قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢. " التأويل يطلق بمعنى التفسير والعلم به، ويطلق بمعنى بيان الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، فإن كان الأول فيكون قوله (والراسخون) معطوفاً على قوله (إلا الله) وعلى هذا فإن معناه أن المتشابه هو ضد المحكم. وهو الذي فيه احتمالات، فالرسخون في العلم يفهمونه ويرجعونه إلى المحكم، فالنص الصريح يقضي على النص الذي فيه عدة احتمالات. وإن كان الثاني: فالتأويل الذي هو بمعنى نفس حقيقة المخبر عنه من صفات اليوم الآخر لا يعلم كنه ذلك وكيفيته إلا الله تعالى، فيكون الوقوف على (إلا الله) ويكون معنى قوله (والراسخون في العلم) بمعنى أنهم يفوضون معرفة الكنه والكيفية

стр. 107

إلى الله، ويقولون (آمنا به كل من عند ربنا) أي: وما كان من عند ربنا فهو حق، سواء عرفنا كنهه أم لا. وكلا القولين صحيح، وقد قال بكل منهما طائفة من السلف، والجمع بينهما على ما ذكرنا من اختلاف معنى التأويل أولى وأحسن"١. كلامه في ذم الإلحاد في أسماء الله:- إن النوع الباطل من التأويل يعد من الإلحاد في أسماء الله ومن الميل والعدول بها عن مرادها، وقد حذر الله في كتابه من الإلحاد في أسمائه أشد التحذير، بعد أن بين أن له الأسماء الحسنى، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. فالواجب على كل مسلم أن يقر ويعترف بجميع ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من صفات الكمال وأن ينفي عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله من صفات النقص من غير إلحاد فيها وذلك بأن يحرفها أو يعطلها عن معانيها أو يشبهها بأوصاف المخلوقين أو يكيفها أو غير ذلك من أنواع الإلحاد. بل الواجب أن يثبتها على مراد الله وأن يحذر غاية الحذر من الإلحاد فيها. والإلحادُ في أسماء الله له أنواع متعددة: أـ أن يسمى بها من لا يستحقها مثل تسمية المشركين أصنامهم بأسماء الله فسموا العزى من العزيز واللات من إله وهكذا. ب ـ أن تعطل عن معانيها كقول المعتزلة سميع بلا سمع بصير بلا بصر. جـ ـ أن يشبه بها غيره؛ كقول المشبهة يد كأيدينا. د ـ أن يحاول تكييفها ومعرفة كنهها. وكل هذه الأنواع ترجع إلى الميل بها عن مراد الله منها، وقد ذم الشيخ ابن سعدي الإلحاد في أسماء الله وصفاته وحذر منه بجميع أنواعه، وبين أن نفي الإلحاد عن أسماء الله وصفاته من تمام الإيمان بها. فقال ﵀ (ونفي الإلحاد في أسماء الله وصفاته من تمام إثبات صفات الكمال

стр. 108

وتفرد الرب بنعوت العظمة والجلال، فعلى العبد المؤمن أن يحققها علماً وتعبداً لله بها ونفياً للإلحاد فيها"١. وقال: " فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها ويحذر الملحدون فيها"٢. وقال في بيان حقيقة الإلحاد وأنواعه "وحقيقة الإلحاد في أسماء الله وصفاته الميل بها عما جعلت له. إما بأن يسم بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله وإما أن يشبه بها غيرها"٣. فالواجب إذاً على المسلم أن يسلك في أسماء الله وصفاته ما سلكه السلف الصالح من صحابة وتابعين من فهم لها على مراد الله منها ومراد رسوله ﷺ . وقد وضع لهذا المنهج قواعد مبينة له وبها يسهل معرفته. قواعد في الأسماء والصفات:- بيان أهمية القواعد واهتمام السعدي بها: إن معرفة القواعد وإتقانها من أهم العلوم وأعظمها فائدة؛ وذلك أن القواعد يسهل حفظها فإذا حفظت وفهمت يمكن التفريع عليها؛ لذلك اعتنى العلماء بوضع القواعد في جميع الفنون، وليس هناك فن إلا وتجد له قواعد وأصولاً كثيرة تنتهج. وقد اعتنى ابن سعدي بتدوين القواعد الكلية وأشار إلى أهميتها وفوائدها في غير موضع، ومن ذلك قوله: "ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان والأصول للأشجار لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطرداً، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيراً كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها ولها من الفوائد الكثيرة غير ما ذكرنا"٤.

стр. 109

ومما يؤكد اهتمام الشيخ واعتناءه بها أنه أفرد ثلاثة كتب من مؤلفاته خصها بذكر القواعد الكلية الجامعة. وهي: كتاب طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول وكتاب القواعد والأصول الجامعة، والفروع والتقاسيم والبديعة النافعة، وكتاب القواعد الحسان لتفسير القرآن، وله منظومة في القواعد الفقهية. لهذا سأذكر جملة من القواعد في الأسماء والصفات التي اختارها ابن سعدي وتعرض لها في مؤلفاته. وهي جملة من القواعد انتقاها الشيخ واختارها من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية. وأذكر بيانه لها؛ وذلك لأن تقرير القواعد وتأصيلها من منهجه كما تبين، ولا سيما في مجال العقيدة. وهذه القواعد الآتية وإن كانت ليست من استنتاج الشيخ إلا أن ذكره لها وعنايته بشرحها وتوضيحها يدل على شدة اهتمامه بالقواعد. القاعدة الأولى: (أسماء الله كلها حسنى) . هذه القاعدة من القواعد الثابتة المتقررة في الشريعة المتفق عليها عند السلف الصالح، وقد ورود في القرآن الكريم عدة نصوص تدل على هذه القاعدة، منها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢. وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣. وهذه القاعدة من القواعد التي اهتم بها ابن سعدي وتناولها بالشرح والإيضاح.

стр. 110

قال ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١ "هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى"٢. وقال عند قوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ "أي له الأسماء الكثيرة جداً، التي لا يحصيها ولا يعلمها أحد إلا هو ومع ذلك فكلها حسنى"٤. وقال في بيان وجه كونها حسنى هو "أن كل اسم دل على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى. فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علماً محضاً لم تكن حسنى، وكذلك لو دلت على صفة، ليست بصفة كمال بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح لم تكن حسنى. فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتق منها مستغرق لجميع معناها، وذلك نحو "العليم" الدال على أن له علماً محيطاً عاماً لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء"٥. وقال: "ومن حسنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها، لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب من يحبها ويحب من يحفظها، ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها"٦. القاعدة الثانية:- (أسماء الله كلها توقيفية) . ومعنى ذلك أنه ليس هناك وسيلة لمعرفة أسماء الله وصفاته إلا عن طريق الرسل الذين يبلغون عن الله. وذلك أن الإيمان بالله وصفاته من الإيمان بالغيب، ولا يمكن معرفة الغيب إلا عن طريق الوحي وقد أثنى الله على المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب وبين أن الإيمان بالغيب من صفات المتقين، فقال سبحانه: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٧.

стр. 111

ومن هنا يعلم أن أسماء الله وصفاته لا مجال للعقل فيها، فلا يجوز أن يوصف الله إلا بما ورد في الكتاب والسنة. ولو وصف أحد الله بصفة لم ترد في الكتاب والسنة فقد تقول على الله بلا علم، وافترى على الله الكذب، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ٢. يقول الشيخ ابن سعدي في بيان هذه القاعدة: "فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله أو نفى عنه ما أثبته لنفسه أو أثبت له ما نفاه عن نفسه فقد قال على الله بلا علم"٣. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ٤. (أسماء الله الحسنى كلها أعلام وأوصاف دالة على معانيها وكلها أوصاف مدح وحمد وثناء) ٥. ومعنى ذلك أن أسماء الله ليست أعلام محضة لا تدل على معاني كما يقول ذلك المعتزلة، فالمعتزلة أثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفة، ومنهم من قال عليم بلا علم قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات٦. بل هي أعلام وأوصاف. ولو كانت أسماؤه تعالى أعلاما محضة بدون معاني لم تكن حسنى، ومن قال بذلك فقد عطل أسماء الله عن معانيها. ولا يتم الإيمان بالأسماء والصفات إلا بترك التعطيل.

стр. 112

قال ابن سعدي في بيان هذه القاعدة "إن أسماء الله الحسنى كلها أعلام وأوصاف دالة على معانيها وكلها أوصاف مدح وحمد وثناء ولذلك كانت حسنى فلو كانت أعلاماً محضة لم تكن حسنى.... إلى أن قال: فصفاته كلها صفات كمال محض فهو موصوف بأكمل الصفات، وله أيضا من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه"١. القاعدة الرابعة:- (يجب الإيمان بأسماء الله وصفاته وأحكام الصفات) . فهذه ثلاثة أركان للإيمان بأسماء الله وصفاته: ١ـ أن يؤمن بالأسماء الحسنى. ٢ـ وأن يؤمن بما دلت عليه من الصفات. ٣ـ أن يؤمن بأحكام تلك الصفات ومتعلقاتها. وبيان ذلك يظهر بالأمثلة: فمثلاً الرحمن اسم من أسماء الله والرحمة صفة من صفاته وأنه يرحم من يشاء. والقدير اسم من أسماء الله والقدرة صفة من صفاته وأنه يقدر بها على فعل كل شيء. وهكذا في بقية أسماء الله الدالة على أوصاف متعدية. أما إن كانت تدل على وصف غير متعد فإنها تتضمن أمرين: ـ إثبات الاسم لله. ـ وإثبات الصفة التي تضمنها. ومثاله الحي والقيوم. وهذه القاعدة أشار إليها ابن سعدي في أكثر من موضع من مؤلفاته قال ﵀: إن من قواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها ما دل عليه الكتاب والسنة من الإيمان بأسماء الله كلها وصفاته جميعها وبأحكام تلك الصفات فيؤمنون مثلاً بأنه رحمن رحيم ذو الرحمة العظيمة التي اتصف بها المتعلقة بالمرحوم فالنعم كلها من آثار رحمته. وهكذا يقال في سائر الأسماء الحسنى فيقال عليم ذو علم عظيم يعلم به كل شيء قدير ذو قدرة يقدر على كل شيء. فإن الله قد أثبت لنفسه الأسماء الحسنى والصفات العليا، وأحكام تلك الصفات.

стр. 113

فمن أثبت شيئاً منها، ونفى الآخر كان مع مخالفته للنقل والعقل متناقضاً مبطلاً"١. القاعدة الخامسة: (دلالة الأسماء على الذات والصفات تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام) . قال ابن سعدي ﵀: "وهذه القاعدة من أجل القواعد وأنفعها وتستدعي قوة فكر، وحسن تدبر وصحة قصد.....إلى أن قال: والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني، فإذا فهمتها فهماً جيداً، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها ولا تحصل بدونها وما يشترط لها، وكذلك فكر فيما يترتب عليها وما يتفرع عنها وينبغي عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه حتى يصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة فإن القرآن حق ولازم الحق حق وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عنه الحق حق، ذلك كله حق ولا بد"٢. وضرب لذلك مثلاً فقال: "الرحمن الرحيم تدل بلفظها على وصفه بالرحمن، وسعة رحمته فإذا فهمت أن الرحمة التي لا يشبهها رحمة: هي وصفه الثابت وأنه أوصل رحمته إلى كل مخلوق، ولم يخل أحد من رحمته طرفة عين، عرفت أن هذا الوصف يدل على كمال حياته، وكمال قدرته وإحاطة علمه، ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته لتوقف الرحمة على ذلك كله، ثم استدللت بسعة رحمته على أن شرعه نور ورحمه؛ ولهذا يعلل الله تعالى كثيراً من الأحكام الشرعية برحمته وإحسانه، لأنها من مقتضاها وأثرها"٣ وقال في كتابه الحق الواضح المبين بعد أن ذكر هذه القاعدة "وهذا يجري في جميع الأسماء الحسنى، كل واحد منها يدل على الذات وتلك الصفة دلالة مطابقة، ويدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة التزام. مثال ذلك: الرحمن: يدل على الذات وحدها وعلى الرحمة دلالة تضمن، وعلى الأمرين دلالة

стр. 114

مطابقة ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام؛ لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الراحم وقدرته الموصلة لرحمته للمرحوم وعلمه به وبحاجته"١. وقال في موضع آخر مشيراً إلى أهمية هذه القاعدة "وهذه القاعدة تنفعك في جميع النصوص الشرعية فدلالتها الثلاث كلها حجة؛ لأنها معصومة محكمة"٢. القاعدة السادسة: (أسماء الله غير محصورة في عدد معين) . وهذه القاعدة دلت عليها نصوص كثيرة من أحاديث الرسول ﷺ منها:- ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول "اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك"٣. ووجه الدلالة في هذا الحديث "أنه ﷺ أخبر أنه لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصي جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها فكان يحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه"٤. ومنها: ما ورد في حديث الشفاعة الطويل أنه ﷺ ، قال "ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي"٥. ووجه الدلالة من هذا الحديث أن هناك محامد من أسماء الله وصفاته ويفتح الله بها على رسوله ﷺ في ذلك الوقت، وهي بلا شك غير المحامد المأثورة في الكتاب والسنة. ومنها: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبداً هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك عدل في قضاؤك أسلك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل

стр. 115

القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا" ١. والشاهد من هذا الحديث قوله ﷺ : "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" حيث "دل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره"٢. وبهذا يتبين أن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، وهذا هو قول جمهور العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم٣. فهو يرى أنها محصورة بتسعة وتسعين اسما. واستدل على ذلك بقول الرسول ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة"٤. فهو يرى أن هذا الحديث أفاد الحصر٥. ولا دلالة في الحديث لما ذهب إليه؛ لأن الحديث لا يفيد الحصر. يقول ابن القيم ﵀: "فقوله إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة، لا ينفي أن يكون له غيره، والكلام جملة واحدة أي له أسماء موصوفة بهذه الصفة، كما يقال لفلان مائة عبد أعدهم للتجارة وله مائة فرس أعدها للجهاد"٦. وأيضا فإن الأحاديث المتقدمة أفادت عدم الحصر. هذا وقد تناول ابن سعدي ﵀ هذه القاعدة في مواطن متعددة وبين أن معنى الإحصاء للأسماء الحسنى الواردة في الحديث المتقدم هو فهمها وحفظها والاعتراف بها ودعاء الله بها٧.

стр. 116

كما اهتم ﵀ بشرح الأسماء الحسنى وتوضيحها، وعقد لذلك فصلاً خاصاً في تفسيره، بين في مقدمته أن الحاجة داعية إلى التنبيه إلى معاني الأسماء الحسنى، ثم أخذ يذكرها اسماً اسماً ويشرحها بإيجاز"١. والمقصود أن من أهم القواعد الثابتة في الأسماء والصفات، أن أسماء الله الحسنى غير محصورة في عدد معين. القاعدة السابعة: (المضافات إلى الله إذا كانت أعياناً فهي من جملة المخلوقات وإذا كانت أوصافاً فهي من صفات الله) . وبيان ذلك أن المضافات إلى الله تكون على نوعين: الأول: أعيان مثل عبد الله، بيت الله، ناقة الله، فهذه أعيان قائمة بأنفسها فهي إذاً من جملة المخلوقات، وإضافتها إلى الله تقتضي تفضيلها وتشريفها على غيرها من المخلوقات. الثاني: أوصاف مثل سمع الله، بصر الله، قدرة الله، علم الله. فهذه الإضافة تقتضي أن هذه الصفة قائمة بالله. وأن الله متصف بها. وقد أشار ابن سعدي إلى هذه القاعدة وأوضحها فقال: "والذي يضيفه الله إلى نفسه، إما أعيان يخصها بهذه الإضافة المقتضية للاختصاص والتشريف مثل عبد الله وناقة الله وبيت الله، ومثله ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ ٢ فهذه أعيان قائمة بأنفسها وهي من جملة المخلوقات لكنه أضافها لنفسه تفضيلاً لها على غيرها وتعظيماً. وإما إضافة أوصاف كعلم الله وقدرته وإرادته، وكذلك كلامه وحياته. فهذه الإضافة تقتضي قيامها بالله وأنه موصوف بها. وكذلك ما أخبر أنه منه. فإن كان أعياناً كروح منه ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ٣. فهذه منه خلقاً وتقديراً. وإن كان ذلك أوصافاً كقوله ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ ٤. دل على أن ذلك من

стр. 117

صفاته لامتناع قيام الصفة بنفسها"١. ثم أشار ﵀ إلى أهمية هذه القاعدة فقال "ولهذا لما اهتدى السلف لهذا الفرق الذي يحصل به الفرقان بين الحق والباطل هدوا إلى الصراط المستقيم، ولما ضل عنه الجهمية ونحوهم وقعوا في الأقوال الباطلة"٢. القاعدة الثامنة: (الإيمان بالأسماء والصفات يدور على أصلين: النفي المجمل، والإثبات المفصل) بيان ذلك: أن المؤمن بأسماء الله وصفاته لا بد أن يكون إيمانه مبنياً على هذين الأصلين: الأول: الإثبات المفصل: وهو أن يثبت لله جميع ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال، على وجه التفصيل أي أن كل ما ورد في الكتاب والسنة من الصفات الثبوتية كالسمع والبصر والحياة والقدرة والإرادة وغيرها، فإنه يثبتها لله على الوجه اللائق به. الثاني: النفي المجمل: وهو أن ينفي عن الله كل ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص، وأن يثبت له ضد هذه الصفة المنفية؛ لأن النفي المحض لا يكون كمالا. وماثل ذلك إذا نفى الشريك عن الله فإنه يثبت له التوحيد بالكمال وإذا نفى الولد والمكافئ عن يثبت له الكمال المطلق وهكذا. والمنفي عن الله نوعان: متصل، ومنفصل: فنفي المتصل: هو أن ينفي عن الله ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من كل ما يضاد الصفات الكمالية. مثل تنزيه الله: عن السنة والنوم واللغوب والنعاس. ونفي المنفصل: وهو أن ينفي عن الله الشريك في خصائصه التي لا تكون لغيره من التوحيد والتفرد كالكمال مثل: تنزيه الله عن أن يكون لله صاحبة أو ولد أو شريك في الملك.

стр. 118

وهذه قاعدة جليلة نافعة شاملة لجميع الأسماء والصفات وقد بين ابن سعدي هذه القاعدة بأنواعها، وأطال في شرحها في مواضع متعددة وبين أهميتها. فقال: "وهذا النوع ـ توحيد الأسماء والصفات ـ مبني على أصلين عظيمين: أحدهما: تنزيه الباري وتقديسه عما لا يليق بجلاله، وما ينافي كماله عن أمور ثلاثة: عن تشبيهها بصفات المخلوقين أو نفيها عن الله، أو نفي بعض معانيها؛ فيعلم أن له الكمال المطلق غايته ومنتهاه وأكمله فهو المنزه عن الشريك والظهير والعوين والشفيع بلا إذنه، وهو الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وهو المنزه عن السنة والنوم والموت والتعب واللغوب، وأن يغيب عن سمعه أو بصره أو علمه شيء، وهو المنزه عن كل ما ينافي كماله وعظمته وجلاله. والثاني: وهو المقصود الأعظم، وما مضي وسيلة وتتميم له، فإن جميع ما ينزه الله عنه فإنما ذلك لأجل ثبوت ضده، وهذا النوع على إثبات جميع صفات الله الموجودة في الكتاب والسنة والأسماء الحسنى ومعانيها على وجهها والتفقه في معرفة معانيها والتحقق بها تصديقاً ومعرفة وتعبداً لله بها"١. وبين ﵀ أن النفي نوعان فقال: "ما ينزه الله عنه من النقص نوعان: سلب المتصل: وضابطه نفي ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من كل ما يضاد الصفات الكاملة. وسلب المنفصل: وضابطه وتنزيه رب العالمين عن أن يشاركه أحد من الخلق في خصائصه التي لا تكون لغيره من التوحد والتفرد بالكمال وأن يفرد بالعبودية"٢. وبين أن النفي إذا كان محضا لا يكون من صفات الكمال: فقال: "النفي نفي ذلك النقص المصرح به وإثبات ضده ونقيضه"٣. والمقصود أن هذه قاعدة هامة، وقد أشار ابن سعدي ﵀ إلى أهميتها فقال: بعد أن ذكر هذه القاعدة:

стр. 119

" وهذا ضابط نافع في كيفية الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته"١. وقال في موضع آخر: "وهذه فائدة عظيمة فاحفظها في خزانة قلبك فإنها خير الكنوز وأنفعها"٢. وإليك جملة من الأمثلة في أمور ينزه الله عنها مع بيان ابن سعدي لها: ـ الله منزه من النسيان والغفلة، قال ابن سعدي ﵀: "وينزه عن الغفلة والنسيان بوجه من الوجوه؛ لأنه عالم الغيب والشهادة وعلمه محيط لا يعرض له ما يعرض لعلم المخلوق من خفاء بعض المعلومات أو نسيانها والذهول عنها"٣. قال تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٤. ـ ومنزه عن الاحتياج إلى الرزق والطعام قال ﵀: "وينزه عن احتياجه إلى الطعام والرزق فإنه تعالى هو الرزاق لجميع الخلق الغني عنهم وكلهم فقراء إليه قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٥، ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ ٦" ٧. ـ ومنزه عن الظلم: قال ﵀: "وينزه الباري عن الظلم للعباد بأن يزيد في سيئاتهم أو ينقص من حسناتهم أو يعاقبهم على ما لم يفعلوا فإن الظالم لا يفعله إلا من هو محتاج إليه أو من هو موصوف بالجور، وأما الله الغني عن خلقه من جميع الوجوه الحكم العدل الحميد، فما له وظلم العباد. قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ ٨"٩. ـ ومنزه عن العبث: قال ﵀ "ويجب تنزيه الله عن العبث في الخلق والأمر فلم يخلق شيئاً عبثاً ولا باطلاً ولا شرع شيئاً إلا لحكمة عظيمة؛ لأنه حكيم حميد فمن تمام حكمته وحمده إتقان المصنوعات وإحكامها وإحكام الشرائع على أكمل وجه وأتمه" ١٠.

стр. 120

القاعدة التاسعة: (القول في بعض الصفات كالقول في بعضها) وهي قاعدة يرد بها على من فرق بين الصفات فأثبت بعضها ونفى البعض أو أثبت الأسماء دون الصفات. فمثلا الذي ينازع في محبة الله ورضاه فيجعلها مجازاً ويفسرها بالإرادة يقال له: لا فرق بين ما نفيته وما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قال إرادته مثل إرادة المخلوق قيل وكذلك محبته ورضاه وهذا هو التمثيل، وإن قال: له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به يقال له: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به. وهكذا يقال في سائر الصفات لمن فرق بينها. وهؤلاء الذين فرقوا بين الصفات فأثبتوا بعضها ونفوا الآخر فروا من شيء ووقعوا في شر منه. ولو أنهم ساروا في الصفات على منهج واحد فأثبتوها جميعها على الوجه اللائق بالله لسلموا"١. وقد أشار ابن سعدي إلى هذه القاعدة فقال: "يقال لمن أثبت بعض الصفات ونفى بعضاً، أو أثبت الأسماء دون الصفات، إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع وتكون منكراً لرب العالمين. وأما إثباتك بعض ذلك ونفيك لبعضه فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته وبين ما نفيته ولن تجد إلى الفرق سبيلا، فإن قلت ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة والإثبات: لما نفيته لا يقتضي تشبيهاً فإن قلت لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه فما أجبت به النفاة أجابك به أهل السنة لما نفيته"٢. ثم بين تناقض من فرق بين الصفات وأنه ليس معه حجة فقال: "والحاصل أن من نفى شيئاً مما دل الكتاب والسنة على إثباته فهو متناقض لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي بل خالف المعقول والمنقول"٣. القاعدة العاشرة: (القول في الصفات كالقول في الذات) . وذلك أن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله،

стр. 121

فإذا كان له ذات حقيقية لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل الصفات١. وهذه القاعدة من القواعد التي نبه ابن سعدي عليها؛ قال ﵀: "فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل الكلام على الصفات، يتبع الكلام على الذات فكما أن لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فلله صفات لا تشبهها الصفات فصفاته تبع لذاته، وصفات خلقه تبع لذواتهم فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه"٢. القاعدة الحادية عشرة: (معاني الصفات معلومة وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب والسؤال عن كيفيتها بدعة) . سئل الإمام مالك ﵀ وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة". فبين ﵀ أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة، وجميع صفات الله يقال فيها هذه القاعدة فمن سئل عن العلو يقال علو الله على خلقه معلوم وكيفيته مجهولة، والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب. وهكذا بقية الصفات. وقد نبه ابن سعدي إلى هذه القاعدة وبين أن من سأل عن كيفية الاستواء على العرش: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة"؟ فمن سأل عن كيفية علم الله أو كيفية خلقه وتدبيره قيل له فكما أن ذات الله تعالى لا تشبهها الذوات فصفاته لا تشبهها الصفات، فالخلق يعرفون الله ويعرفون ما تعرف لهم به من صفاته وأفعاله، وأما كيفية ذلك فلا يعلم تأويله إلا الله"٣.

стр. 122

كلامه في تقسيم الصفات: بعد ذكر هذه القواعد الهامة في أسماء الله وصفاته وتوضيح ابن سعدي لها، أرى من المناسب أن أذكر المنهج الذي يراه السلف من أن صفات الله تنقسم إلى قسمين ذاتية وفعلية، وقد بين أن هذا أصل متفق عليه بين السلف كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة. قال: "ومن الأصول المتفق عليها بين السلف التي دلت عليها النصوص أن صفات الباري قسمان: ـ صفات ذاتية لا تنفك عنها الذات كصفة الحياة والعلم، والقدرة والقوة والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، ونحوهما كالعلو المطلق. ـ وصفات ذاتية لا فعلية: تتعلق بها أفعاله في كل وقت وآن وزمان ولها آثارها في الخلق والأمر فيؤمنون بأنه تعالى فعال لما يريد وأنه لم يزل ولا يزال يقول ويتكلم ويخلق ويدبر الأمور وأن أفعاله تقع شيئا فشيئا تبعا لحكمته وإرادته، فإن شرائعه وأوامره ونواهيه الشرعية لا تزال تقع شيئا فشيئاً.. إلى أن قال: فعلى المؤمن الإيمان بكل ما نسبه الله لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا والقول ونحوها، والمتعلقة بخلقه كالخلق والرزق وأنواع التدبير"١. وبين أن صفات الأفعال قائمة بذات الله ومتعلقة بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال٢. وذم من خلف هذا التقسيم من أهل الكلام فقال: "أما تقسيم٣ بعض أهل الكلام الباطل أن صفات الأفعال لا تقوم بذات الله بل الفعل عندهم عين المفعول، فهذا قول باطل بالكتاب والسنة والإجماع من السلف......"٤. وقول أهل الكلام هذا مخالف لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من عدم التفريق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله وقدرته. ولذا يقول ابن سعدي ﵀: " أما أهل السنة والجماعة فإنهم أثبتوا كل ما جاء

стр. 123

به الكتاب والسنة من صفات الله، واعترفوا بها لا فرق عندهم بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته وقدرته، وكلها قائمة بالله، والله موصوف بها، وهو القول الذي دل عليه النقل والعقل"١. وقسم ﵀ صفات الأفعال إلى قسمين: قسم متعلق بذات الله والآخر متعلق بخلقه فقال: (جميع صفات الأفعال المتعلقة بذاته كالاستواء على العرش ونزوله إلى سماء الدنيا على ما وردت به النصوص والمجيء والإتيان والقول ونحو ذلك والمتعلقة بخلقه كالإحياء والإماتة والخلق وأنواع التدبيرات كلها تصدر عن القدرة والإرادة"٢. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الصفات قد تكون ذاتية باعبتار وفعلية باعتبار آخر. كصفة الكلام مثلاً: فإنها باعتبار أصلها صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال متكلماً، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية لأن الكلام متعلق بمشيئة الله يتكلم بما شاء متى شاء٣. وفيما يلي سأذكر جملة من الصفات الذاتية، وجملة أخرى من الصفات الفعلية وأذكر كلام ابن سعدي عنها: وقد نهج ﵀ في إثبات الصفات منهج السلف الصالح من فهم النصوص على مراد الله ومراد رسوله ﷺ منها، وهذا هو المنهج الحق والمسلك المستقيم. أولاً: ذكر جملة من الصفات الذاتية وكلام الشيخ عنها: أـ من الصفات الذاتية الحياة قال ابن سعدي في إثبات هذه الصفة: "الحي الذي له جميع معاني الحياة الكاملة من السمع والبصر والقدرة وغيرها من الصفات الذاتية"٤، "والحي يتضمن جميع الصفات الذاتية"٥. ب ـ ومنها السمع قال ﵀: "فالسميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات،

стр. 124

فكل ما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات يسمعها سرها وعلنها وكأنها لديه صوت واحد لا تختلط عليه الأصوات ولا تخفى عليه جميع اللغات والقريب والبعيد والسر والعلانية عنده سواء"١. جـ ـ ومنها البصر: قال ﵀: "والبصير الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر فيبصر دبيب النملة والسوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السموات السبع"٢. وقال: " فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان الماء في أغصان الأشجار وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك"٣. د ـ ومنها العلم قال ﵀: "فيعلم تعالى الأمور المتقدمة والأمور المتأخرة أزلا وأبداً ويعلم جليل الأمور وحقيرها وصغيرها وكبيرها ويعلم تعالى ظواهر الأشياء وبواطنها غيبها وشهادتها ما يعلم الخلق منها وما لا يعلمون، ويعلم تعالى الواجبات والمستحيلات والجائزات، ويعلم تعالى ما تحت الأرض السفلي كما يعلم ما فوق السموات العلى ويعلم تعالى جزئيات الأمور وخبايا الصدور وخفايا الأشياء في كل الأوقات ولا يعرض لعلمه خفاء ولا نسيان"٤. هـ ـ ومنها القدرة قال ﵀: " فالله كامل القدرة بقدرته أوجد الموجودات بقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها وبقدرته يحي ويميت ويبعث العباد للجزاء ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته إذا أراد شيئاً قال له "كن فيكون" وبقدرته يقلب القلوب ويصرفها على ما يشاء ويريد"٥. وـ ومنها الإرادة: قال ﵀ في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في الإرادة: " ويعتقدون أن له الإرادة النافذة في جميع الموجودات، وبها خصص ما يشاء من

стр. 125

المخلوقات بالصفات المتباينة والنعوت المتنوعة"١. ز ـ ومنها اليدان قال ﵀: "فله يدان حقيقة، كما أن ذاته لا تشبهها الذوات، فصفاته لا تشبهها الصفات"٢. حـ ـ ومنها الوجه قال ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣ قال: "وفيه إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى، وأن لله وجهاً لا تشبهه الوجوه"٤. ط ـ ومنها القدم: قال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد﴾ ٥ ... "وقد وعدها الله ملأها كما قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٦ حتى يضع رب العزة عليها قدمه الكريمة المنزهة عن التشبيه فينزوي بعضها على بعض وتقول قط قط قد اكتفيت وامتلأت"٧. ي ـ ومنها الساق: قال ﵀: "إذا كان يوم القيامة وانكشف فيه من القلاقل والزلازل والأهوال ما لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم فكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء، ورأى الخلائق من جلال الله وعظمته ما لا يمكن التعبير عنه ... "٨. ثانيا: ذكر جملة من الصفات الفعلية "الاختيارية" وكلام الشيخ عنها: أـ من صفات الأفعال القيومية: قال ﵀ في إثبات هذه الصفة: "القيوم تدخل فيه جميع صفات الأفعال؛ لأنه القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بجميع الموجودات، فأوجدها وأبقاها، وأمده بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها"٩ وهذا من الصفات التي تكون ذاتية باعتبار وفعلية باعتبار فهو قائم بنفسه ومقيم لغيره.

стр. 126

ب ـ ومنها الرحمة قال ﵀: "الرحمن الرحيم اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء وعمت كل مخلوق"١. ج ـ ومنها الرزق قال ﵀: "الرزاق لجميع عباده فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. ورزقه لعباده نوعان: رزق عام شمل البر والفاجر والأولين والآخرين وهو رزق الأبدان. ورزق خاص وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان، والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم معه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته"٢. د ـ ومنها الإتيان والنزول والاستواء: قال ابن سعدي عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ... ﴾ ٣. قال: "وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى كالاستواء والنزول والإتيان لله ﵎ من غير تشبيه له بصفات المخلوقين"٤. وقال عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ٥: "هذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات الاختيارية كالاستواء والنزول والمجيء ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى عن نفسه وأخبر بها عنه رسوله ﷺ ، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته من غير تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل"٦. هـ ـ ومنها الرضى والغضب والسخط قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٧.

стр. 127

قال: " وفيها إثبات الرضا لله عن المحسنين والغضب والسخط على الفاسقين"١. ز ـ ومنها الصبر قال ﵀ "الكمال المطلق التام من جميع الوجوه ثابت لله تعالى نقلاً في جميع الأسماء والصفات والنعوت ومن أنواع الكمال الصبر ... "٢. ح ـ منها الحياء قال ﵀: "هذا مأخوذ من قوله ﷺ : "إن الله يستحي من عبده إذا مد يداه إليه أن يردها صفراء"٣ وهذا من رحمته وكرمه وكماله وحلمه أن العبد يجاهر بالمعاصي مع فقره الشديد إليه حتى إنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به"٤. د ـ ومنها المعية قال ﵀: "إخبار الله أنه مع عبده يرد في القرآن على أحد نوعين: أحدهما: المعية العامة كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ ٥ أي هو معهم بعلمه وإحاطته. الثاني: المعية الخاصة وهي أكثر وروداً في القرآن وعلامتها أن يقرنها الله بالاتصاف بالأوصاف التي يحبها والأعمال التي يرتضيها مثل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٦ وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٧ وقوله ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٨ وهذه المعية تقتضي العناية من الله والنصر والتأييد والتسديد بحسب قيام العبد بذلك الوصف الذي رتبت عليه المعية"٩.

стр. 128

هذا وبعد ذكر هذه الجملة من صفات الله الثبوتية الذاتية منها والفعلية، يجد القارئ أن ابن سعدي ﵀ قد سار في إثبات الصفات في جميع مؤلفاته ومن أهمها التفسير على منهج السلف الصالح، وذلك بإثبات جميع ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من صفات الكمال من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل وهذا هو المنهج الحق بخلاف غيره من المناهج الباطلة كمذهب الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم. وكما أنه ﵀ سار على هذا المنهج في التأصيل والتقدير، فإنه كذلك سار عليه في الرفض والرد، وأعني بذلك أنه ﵀ دافع عن هذا المنهج على طريقة السلف من رفض كل ما يخالف هذه العقيدة في الأسماء والصفات. فتناول بالرد من ينكر الصفات أو ينكر بعضها أو يتأولها، أو يشبهها بصفات المخلوقين أو غير ذلك من أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته وقد تقدم معنا في القواعد التي قررها ﵀ قاعدة: "القول في الصفات كالقول في الذات"، وقاعدة "القول في بعض الصفات كالقول في بعض"، وقاعدة "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب"، وتقدم معنا شرحه لها وكيف يرد بها على المعطلة والمؤولة وغيرهم، وهي قواعد هامة تبين تهافت أقوالهم وتناقض آرائهم التي ليس عليها برهان من كتاب ولا سنة ولا عقل بل هي مخالفة لما تقرر في الكتاب والسنة من إثبات الصفات ومخالفة للعقل السليم الذي لم ينحرف. وكما قرر ﵀ هذه القواعد العامة التي يرد بها على هؤلاء المؤولة فقد ناقشهم في ما ينكرونه من الصفات، وبين أنه ليس معهم حجة ولا برهان. وذكر الأدلة الدالة على بطلان مذاهبهم. فناقشهم في صفة الاستواء والكلام والعلو، والنزول والإثبات وغيرها من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة. ولكي نتعرف على منهجه في الرد على هؤلاء أرى من المناسب أن أذكر مناقشاته معهم في بعض الصفات وأكتفي بذكر صفتين فقط وهما: صفة الكلام، وصفة الاستواء؛ ليكونا كنموذج لمناقشاته معهم في بقية الصفات. أولا: صفة الكلام أدلتها، وردود ابن سعدي على من أنكرها: إن هذه المسألة قد طال الكلام فيها وتنازع الناس فيها نزاعاً كبيراً، وكثرت أقوال المتكلمين فيها، حتى إنه يقال إنما سمي علم الكلام لكثرة التكلم في هذه الصفة وسيرتكز حديثنا في هذه المسألة في ثلاث نقاط:

стр. 129

أولا: ذكر أقوال الناس في هذه المسألة. ثانيا: بيان نصرة الشيخ لمذهب السلف وأدلته على ذلك. ثالثا: ردوده على المخالفين. أولاً: ذكر أقوال الناس في هذه المسألة: إن من المناسب أن أذكر أقوال الناس في هذه المسألة، قبل بيان المذهب الحق، وقبل الرد على مخالفيه؛ وذلك ليكون عند القارئ تصور لها. وتتلخص أقوال الناس في هذه الصفة في تسعة أقوال: أحدها: أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معاني، إما من العقل الفعال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة. وثانيها: أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه، وهذا قول المعتزلة. وثالثها: أنه معنى واحد قائم بذات الله، وهو الأمر والنهي والخبر والاستخبار وإن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري١ وغيره. ورابعها: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث. وخامسها: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً وهذا قول الكرامية وغيرهم. وسادسها: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته وهذا يقوله صاحب المعتبر، ويميل إليه الرازي في "المطالب العالية". وسابعها: أن كلامه يتضمن معنى قائماً بذاته هو ما خلقه في غيره وهذا قول أبي منصور الماترودي.

стр. 130

وثامنها: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات، وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات وهذا قول أبي المعالي ومن تبعه. وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم به بصوت يسمع وأن كلامه قديم النوع حادث الآحاد، وأنه لا نهاية له؛ لأنه لا نهاية للمتكلم به وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة١. ثانيا: بيان نصرة الشيخ لمذهب السلف وأدلته على ذلك: لا ريب أن المذهب الحق من هذه المذاهب، هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة٢؛ لذا فإن ابن سعدي قد أيد هذا المذهب ونصره وبين أنه المذهب الحق وأطال في ذكر أدلته. قال ﵀: "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود والله المتكلم به حقاً لفظه ومعانيه ولم يزل ولا يزال متكلما بما شاء إذا شاء وكلامه لا ينفد ولا له المنتهى"٣. وبين ﵀ أن هذا هو قول أهل السنة والجماعة فقال: " ومن قول أهل السنة والجماعة قولهم في الكلام وأن الله لم يزل ولا يزال له الكمال المطلق فكلامه القرآن هو المقروء بالألسنة المحفوظ في الصدور المسموع بالآذان، وكلامه من جملة صفاته الفعلية فهو متصف به، وهو متعلق بمشيئته وقدرته، وليس مخلوقاً؛ لأن الكلام صفة المتكلم"٤. أدلة ابن سعدي على هذا المذهب: تقدم معنا أنه ﵀ أكثر من ذكر الأدلة على صحة هذا المذهب؛ لذا سأكتفي بذكر جملة منها: ١ـ قال ﵀ عنده تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ

стр. 131

نَجِيّاً﴾ ١ "وفي هذا إثبات صفة الكلام لله تعالى وأنواعه من النداء والنجاء كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً لمن أنكر ذلك من الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم"٢. ٢ـ ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٣ قال ﵀: "ففي هذا كلام الرب تعالى لأهل الجنة وسلامه عليهم وأكده بقوله قولاً"٤. ٣ـ ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٥ قال ﵀: أي مشافهة منه إليه بلا واسطة حتى اشتهر بهذا عند العالمين فيقال "موسى كليم الرحمن"٦. ٤ـ ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٧ قال ﵀: "وفي هذا حجة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ لأنه تعالى هو المتكلم به وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها"٨. ٥ ـ ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ٩ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ١٠. وقال ﵀: "هذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان؛ لأن هذه الأشياء مخلوقة وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى، فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب فالله فوق ذلك؛ وهكذا سائر صفات الله تعالى كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته"١١. ٦ـ ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١٢ قال ﵀:

стр. 132

"اشتملت على فوائد عديدة الأولى والثانية أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله تعالى عليٌ على خلقه وهذا مأخوذ من قوله "نزلنا الذكر" فإنه نزل به جبريل من الله العزيز العليم فكونه نازلاً من عند الله يدل على علو الله، وكونه من عنده يدل على أنه كلام الله فإن الكلام صفة للمتكلم ونعت من نعوته"١. ٧ـ ومنها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢ قال ﵀: "هذه العبارة وما أشبهها مما هو كثير في القرآن تدل على أن جميع الأشياء غير الله وأسمائه وصفاته مخلوقة ... وليس كلام الله من الأشياء المخلوقة؛ لأن الكلام صفة المتكلم والله تعالى بأسمائه وصفاته أول ليس قبله شيء. فأخذُ أهل الاعتزال من هذه الآية ونحوها أن كلام الله مخلوق من أعظم الجهل، فإنه تعالى لم يزل بأسمائه وصفاته، ولم يحدث صفة من صفاته، ولم يكن معطلاً عنها بوقت من الأوقات"٣. ٨ ـ ومنها قول ﷺ في حديث القدسي: "فيقول الله تعالى: يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار"٤. قال ﵀: "ففي هذا الحديث إثبات القول من الله والنداء لآدم وأنه نداء حقيقة بصوت، وهذا من فضل الله لا يشكل على المؤمنين فإن النداء والقول من أنواع الكلام، وكلام الله صفة من صفاته، والصفة تتبع الموصوف"٥. ٩ـ ومنها قوله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان" ٦. قال ﵀: "وهذا أيضاً إثباتٌ لتكليمه لجميع العباد بلا واسطة"٧. وأكتفي بهذا القدر من الأدلة وهي في الحقيقة كثيرة جداً ولا تحصر إلا بكلفة. ثالثا: ردوده على المخالفين: أعني بالمخالفين من خالف هذا المنهج الواضح الذي دلت عليه نصوص الكتاب

стр. 133

والسنة، كما تقدم وذكر هذه الجملة من الأدلة على صحة هذا المذهب يعد رداً على غيره من المذاهب؛ وذلك لأنه إذا تعين أن هذا المذهب هو الحق فإن ما سواه يعد باطلاً لا يلتفت إليه. ومع ذلك فقد تناول السعدي ﵀ الرد على هؤلاء، ونقض شبههم وبين ضعفها وأنها ليس فيها حجة، وأنها مخالفة لمراد الله ورسوله، من وجوب إثبات هذه الصفة العظيمة لله على الوجه اللائق به، كغيرها من صفاته . فناقش الفلاسفة والجهمية والمعتزلة والأشاعرة والكلابية والكرامية وغيرها من الطوائف التي ضلت في هذه الصفة وبين أنهم كلهم عدلوا عن الصراط المستقيم وألحدوا في هذه الصفة إذ لم يثبتوها لله . وقد تقدم معنا أقوال هذه الطوائف في هذه الصفة، والآن سنتناول ردوده عليهم، كل طائفة على حده باختصار. ذكر قول الفلاسفة في صفة الكلام والرد عليه: قال الشيخ ابن سعدي ﵀ مبينا قول الفلاسفة ومن أين أخذوه: "فلما كان من أصولهم القول بقدم العالم وأن العقل الفعال هو المحدث لكل ما تحته وأن هذا العقل دائم الفيض على ما تحته على المحال المستعدة بحسب قابليتها، فيفيض الوجودات وأوصافها وأفعالها وأقوالها وآثارها، فيفسرون كلام الله على هذا الأصل الباطل فيقولون لما كان محمد قد اجتمعت فيه القوى الكاملة من الزكاء والذكاء والقوة العملية، فاض عليه من هذا العقل ما يناسب حاله وهو الكلام الراقي فتلقاه وأتى به للعباد ألفاظاً وخطابة ومواعظ خالية من البراهين لم تصرح بالحق بل رمزت إليه وأشارت إليه من بعيد"١. ومقصود قولهم أن القرآن ليس كلام الله وإنما هو معاني تخيلها الرسول ﷺ ونظمها وعبارات من عنده، وهذا قول باطل لا مرية في بطلانه، وهو ناتج أولا وقبل كل شيء عن عدم إيمانهم بالله . لذا يقول ابن سعدي ﵀ في بيان بطلان هذا المذهب: "ومن تصور أقوالهم جزم بأنهم لا يؤمنون بالله ولا يثبتون وجوده ولا يثبتون الرسالة ولا المعاد الأخروي، وعلم أن ما قالوه مع مخالفته لجميع ما جاءت به الرسل فإنه مخالف لما دلت عليه العقول الصحيحة، وأن ما ادعوه من العقليات هو في الحقيقة جهليات وخيالات. وبسط الكلام على مذهبهم يستدعي أكثر من ذلك، وإنما راج مذهبهم على كثير من الناس لما فيه من

стр. 134

الممويهات والتلبيس والنفاق ويصادف مع هذا قلة بصيرة والله المستعان"١. ولا شك أن قول هؤلاء الفلاسفة ساقط، ومخالف لما جاءت به الرسل ومخالف للعقول السليمة كما أوضح ذلك ابن سعدي ﵀ إلا أنه مع ذلك فإنه يوجد من أبناء المسلمين من اغتر بهذا القول وأخذ به وصار يدعو إليه. ومن هؤلاء الذين اغتروا بهذا المعتقد الفاسد القصيمي صاحب الأغلال الذي تقدمت ردود ابن سعدي عليه في مسألة إنكار وجود الباري ، فهو في هذه المسألة أيضاً أخذ بقول الفلاسفة واعتمده كما أنه أخذ بجميع ما يدعون إليه. وفي رد ابن سعدي على كتاب القصيمي "هذي هي الأغلال" تناول هذه المسألة وبين ضلاله فيها وبين أن قصده من وراء ذلك هو إفساد الدين والدعاية إلى نبذه ومحاربته بكل طريق"٢. ومن أقوال القصيمي الباطلة في هذه المسألة والتي تناولها ابن سعدي بالرد قوله في بيان مأخذ الرسول ﷺ لنصوص الوحي من أي طريق؟ أنه " كان يعبد الطبيعة وأخذت قلبه وقالبه ولبه وكان يناجي الليل والنهار والضياء والظلمة والنسيم ونحوها مما يشاهد، وافتتح رسالته بمناجاة الطبيعة والخلوة بها في غار حراء، وختم رسالته وحياته بشدة النزع إليها وقت السياق حيث كان يقول في الرفيق الأعلى"٣. فهو يرى أن النبي ﷺ جاء بالقرآن من عند نفسه، وهذا القول كفر ليس وراءه كفر، لأنه أنكر بذلك الوحي والرسالة. لذا يقول ابن سعدي: " فهو بهذا التحليل أنكر الوحي والرسالة ورمى النبي ﷺ بأنه طبيعي لا يعرف الله ولا يعرف الوحي فلم ينزل عليه جبريل من عند الله، ولا كان يناجي الله ولا يعبده، ولا كان عند السياق إلا مشتاقاً إلى الطبيعة فقط؛ لأنه لا يعرف الله ولا يريده، ولا يحبه٤ ولا يطلبه، وظهر بهذا غرض القصيمي الوحيد، وهو الدعاية إلى نبذ الدين ومحاربته"٥.

стр. 135

وهذا من قلة بصيرة هذا الشخص بدين الله؛ لأن هذا الكلام لا يقوله عاقل مؤمن بالله مصدق برسوله ﷺ . والمقصود أن قول الفلاسفة المتقدم ذكره والذي أيده هذا القصميمي، لا يلتفت إليه لمخالفته جميع ما جاءت به الرسل ولمخالفته للعقول السليمة. قول الجهمية والمعتزلة ورد ابن سعدي عليه: تقدم أن قول الجهمية والمعتزلة في صفة الكلام، هو أنهم يرون أن الكلام ليس صفة لله ، وإنما هو مخلوق من مخلوقاته خلقه كما خلق السموات والأرض خارجاً عن ذات الله لا يقوم بذاته كلام ولا قول، قال ابن سعدي ﵀ في بيان بطلان هذا القول وأنه أمر مستنكر عند الناس غير مستساغ: "فلما قال الناس لهم هذا أمر معلوم بطلانه فإن الكلام صفة للمتكلم، والله قد أضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها فزعموا أن إضافته إليه إضافة تشريف كإضافة ناقة الله وعبد الله. فأجابهم الناس بما هو معروف ومتقر عند كل أحد مع دلالة الكتاب والسنة إليه، فقالوا إن الإضافة نوعان: أحدهما: ما يضيفه الله إلى نفسه من الأعيان كبيت الله وناقة الله ونحوهما، فهذه الإضافة لبعض مخلوقاته تفيد تشريفه وتكريمه بما امتاز به ذلك المضاف من الأوصاف الفاضلة. والثاني: إضافة معاني وأوصاف تقوم كعلم الله وقدرته وإرادته وكلامه فهذه الإضافة من باب إضافة الأوصاف إلى موصوفها تقتضي قيامها به واتصافه بها. ومن خالف هذا الفرق فهو منكر للمحسوسات"١. ويستدل الجهمية والمعتزلة لقولهم هذا بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُْ﴾ ٢. فهم يجعلون لذلك مقدمة وهي أن القرآن شيء وكل شيء مخلوق إذا فالقرآن مخلوق. وهذا كلام باطل، لأن الآية لم تدل على ذلك، وإنما دلت على أن كل شيء غير أسماء الله وصفاته مخلوق؛ لذا يقول ابن سعدي ﵀: "وليس كلام الله من الأشياء المخلوقة؛ لأن الكلام صفة المتكلم والله تعالى بأسمائه وصفاته أول ليس قبله شيء"٣.

стр. 136

ثم بين أنه لا دلالة في هذه الآية لما ذهب إليه المعتزلة فقال: "فأخذ أهل الاعتزال من هذه الآية ونحوها أن كلام الله مخلوق من أعظم الجهل، فإنه تعالى لم يزل بأسمائه وصفاته ولم يحدث صفة من صفاته، ولم يكن معطلاً عنها بوقت من الأوقات"١. قول الكلابية والأشعرية ورد ابن سعدي عليه: وهم القائلون " بأن القرآن نوعان ألفاظ ومعان، فالألفاظ مخلوقة وهي هذه الألفاظ الموجودة والمعاني قديمة قائمة في النفس وهي معنى واحد لا تبعض فيه ولا تعدد، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، أو بالسريانية كان إنجيلا"٢. ولا شك أن هذا القول معلوم البطلان، ولا دلالة عليه من كتاب أو سنة ولا مستند من لغة العرب. قال ابن سعدي ﵀ في معرض رده على هذا القول: " وهذا القول تصوره كاف بمعرفة بطلانه وليس لهم دليل ولا شبهة على هذا القول الذي لم يقله أحد غيرهم"٣. أما عن استشهادهم على هذا القول بقول الشاعر: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعل اللسان على الفؤاد دليلاً فأجاب عنه بقوله: "هذا البيت معروف معناه، وإن الكلام يخرج من القلب ويعبر عنه اللسان، وأما الكلام الذي في اللسان فقط فهذا يشبه كلام النائم والهاذي ونحوهما. وهب أنه دل على القول الذي قالوه فكيف يتركون لأجله أدلة الكتاب والسنة والذي يعقله العقلاء بعقولهم أن الكلام صفة للمتكلم، وأنه الكلام المسموع منه، وأن ما في النفس لا يسمى كلاماً بوجه من الوجوه"٤. ثم إنه من المعلوم أن هذا البيت للأخطل النصراني فكيف يجوز أن يترك الكتاب والسنة لأقوال النصارى مع العلم بكثرة أخطائهم في العقيدة والفروع. لذا يقول ابن سعدي: "وأيضاً فإن غلطهم في الأصول والفروع معروف"٥ ومقصوده أنه كيف يؤخذ بقولهم وهذه حالهم. وقول الكلابية والأشعرية قريب من قول المعتزلة؛ لأن مؤداه ومعناه أن القرآن

стр. 137

مخلوق. كما اعترف بذلك بعضهم قال ابن سعدي ﵀: "وهذا القول كما قال من اعترف منهم أنه لا فرق بينه وبين قول المعتزلة إلا في اللفظ"١. والمقصود أن هذا القول ظاهر البطلان من أوجه متعددة قال ﵀: "وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول وبين بطلانه في رسالته التسعينية فبين من تسعين وجهاً كل واحد منها يدل على بطلانه أدلة نقلية وأدلة عقلية"٢. قول الاقترانية ورد ابن سعدي عليهم: الاقترانية هم القائلون بأن كلام الله حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل. وأما عن سبب تسميتهم بذلك يقول ابن سعدي ﵀ "لما قيل لهم هذا مخالف للمحسوس المعلوم بالبديهة أن حروف الكلام طبعاً لا بد أن يسبق بعضها بعضاً، قالوا إنما تربيتها بالنسبة إلى سمع الإنسان، وإلا فهي ما زالت متصاحبة مقترنة"٣. وقال في رده عليهم: "ولا شك أن هذا القول إلى التخليط والهذيان أقرب منه إلى التحقيق والبرهان"٤. وقال: "وهو مخالف لأصل الأئمة وموافق لبعض قول الكلابية"٥. وقد تقدم رده على الكلابية. وبعد ذكر هذه الجملة من ردود ابن سعدي ﵀ على المخالفين لمذهب السلف الصالح في صفة الكلام أنتقل إلى الصفة الأخرى وهي صفة الاستواء لنرى كيفية مناقشة ابن سعدي للمخالفين في هذه الصفة. ثالثا: صفة الاستواء وأدلتها ودحض ابن سعدي شبه من أنكرها: الاستواء من الصفات الثابتة لله بالكتاب والسنة، واتفاق سلف الأمة، وهو من الصفات التي تدل على عظمة الله وعلوه على عباده وأنه القاهر فوقهم، وأنه سبحانه بذاته وأسمائه وصفاته له العلو المطلق من جميع الوجوه. وكلامي عن هذه الصفة سيكون مقتصراً على ما يلي: أولا: ذكر معاني الاستواء الواردة في القرآن مع بيان السعدي لها. ثانيا: إثبات الشيخ للاستواء على طريقة السلف وأدلته على ذلك. ثالثا: دحض شبه من أنكر هذه الصفة.

стр. 138

أولا: ذكر معاني الاستواء الواردة في القرآن: ذكر ابن سعدي في مؤلفاته أن لفظة استوى ترد في القرآن الكريم على ثلاثة أحوال: فتارة تكون متعدية بنفسها، وتارة تكون متعدية بـ "على" وتارة تكون متعدية بـ "إلى". وذكر أيضا أن لها في كل موضع من هذه المواضع معنى خاص: فإن كانت متعدية بنفسها فمعناها التمام والكمال، وإن كانت متعدية بـ "على: فمعناها العلو والارتفاع وإن كانت متعدية بـ "إلى" فمعناها القصد، ومن ذلك قوله ﵀: "استوى ترد في القرآن على ثلاثة معان: فتارة لا تعدى بالحرف فيكون معناها الكمال والتمام كما في قوله عن موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ١، وتارة تكون بمعنى "علا" و"ارتفع" وذلك إذا عديت بـ "على" كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢وقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ٣. وتارة تكون بمعنى قصد٤، كما إذا عديت بـ "إلى" كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات﴾ ٥ أي لما خلق تعالى الأرض قصد إلى خلق السماوات فسواهن سبع سموات فخلقها، وأحكمها وأتقنها وهو بكل شيء عليم"٦. ثانيا: إثبات الشيخ للاستواء على طريقة السلف وأدلته على ذلك: قال ﵀ في بيان عقيدة السلف الصالح في هذه الصفة العظيمة: " ... ويقرون ويعتقدون بجميع ما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته وأفعاله،

стр. 139

ويقولون إنه على خلقه مستو على عرشه...."١. وقال "نعرف ربنا بأنه على بكل معنى واعتبار علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، وأنه بائن من خلقه مستو على عرشه كما وصف لنا نفسه بذلك، والاستواء معلوم والكيف مجهول، فقد أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا عن الكيفية، وكذلك نقول في جميع صفات الباري أنه أخبرنا بها ولم يخبرنا عن كيفيتها فعلينا أن نؤمن بكل ما أخبرنا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ولا نزيد على ذلك ولا ننقص منه"٢. وقال ﵀ "وأما استواؤه على العرش العظيم فيستفاد من النقل الكتاب والسنة"٣. أدلته على إثبات هذه الصفة: ولقد ورد في القرآن والسنة أدلة كثيرة تبين أن الله سبحانه مستو على عرشه بائن من خلقه، وهي كثيرة جداً. وقد أشار ابن سعدي ﵀ في توضيحه للكافية الشافية إلى كثرة الأدلة في ذلك وتنوعها فقال: "ذكر المصنف ـ يعني ابن القيم ـ واحداً وعشرين نوعاً من الأدلة على هذه المسألة العظيمة كل نوع منها تحته من الأفراد ما لا يعد ولا يحصى"٤. ثم أخذ رحمه يعدد هذه الأنواع من الأدلة، ومن أجل عدم الإطالة سأختصر جملة من هذه الأدلة فيما يلي: ١ـ أخبر الله سبحانه بأنه مستو على عرشه في سبعة مواضع من القرآن وكلها جاءت بلفظ على العرش؛ وعلى تدل على العلو والارتفاع. ٢ـ تكرر في الكتاب وصف الله العلي الأعلى وهذا يدل على علوه من جميع الوجوه. ٣ـ ورد في القرآن التصريح بالفوقية مثل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ ٥، والفوقية وصف ثابت لله، دال على علوه. ٤ـ إخبار الله أن القرآن نزل منه، ومن المعلوم أن النزول لا يكون إلا من علو.

стр. 140

هـ ـ ورد في القرآن أن بعض المخلوقات والأعمال تصعد إليه وهذا تصريح بعلوه. ٦ـ إخبار الله أنه في السماء كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١ ومعناه عند جميع المفسرين أنه في العلو. ٧ـ إجماع الكتب السماوية والرسل عليهم الصلاة والسلام على التصريح بعلو الله على خلقه وفوقيته. ٨ ـ إجماع أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أئمة المسلمين المعتبرين، على ذلك٢. هذه جملة من الأدلة التي ذكرها الشيخ ابن سعدي ﵀ على علو الله تعالى على جميع خلقه، ثم أحال ﵀ من أراد الاستزادة من هذه الأدلة إلى كتاب ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية"٣. وكان الشيخ ابن سعدي في تفسيره للقرآن إذا مر على الآيات الدالة على استواء الله على عرشه ينبه عليها، ويشير إلى دلالتها على علو الله على جميع خلقه. ومن ذلك قوله ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٤: "استواء يليق بجلاله فوق جميع خلقه"٥. ثالثا: دحضه لشبه المنكرين: سأورد هنا بعض الشبه التي يطرحها من ينكر هذه الصفة من الجهمية وغيرهم، ثم أذكر أجوبة الشيخ عن هذه الشبه. الشبهة الأولى: "قولهم إن للاستواء عدة معان" فإذا قال الجهمي لأتباعه: إن قال لكم المجسم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦. فقولوا له هذه لفظة فإن "العرش" له عدة محامل فأي المعاني تريد، و"على" أيضاً تأتي في العربية لعدة معاني. وقد أجاب ابن سعدي على هذه الشبهة فقال:

стр. 141

"إذا سمع الجاهل هذا التلبيس والتمويه استعظم ذلك ورآه إشكالاً يعسر الانحلال عنه، وأما المتبصر الذي نور الله قلبه فإنه يعرف أن هذا ليس محل إشكال ولا لبس بل هو من أوضح الأشياء وأبينها. فإن الألف واللام في العرش للعهد الذي يفهمه كل مسلم أنه عرش الرب العظيم لا غيره من عروش الكرم ونحوها، ولو قيل له يحتمل واحداً غير هذا لبادر لإنكاره. هذا مع اتفاق جميع الرسل وشهادتهم أنه استوى على العرش العظيم فكل مؤمن يفهم المعنى من قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١. وكذلك لفظ الاستواء المعدى بعلى فإنه واضح جداً دال على العلو والظهور فإن الاستواء حيث عُدي بعلى فإنه يدل على العلو والظهور، وأما إذا عدي بإلى نحو ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ٢ فإنه يدل على القصد٣، وإذا قيل استوى كذا وكذا دل على معية الأول للثاني كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ٤ فهذه المعاني المتباينة بحسب تعديته كما ذكرنا. فعلم علماً يقيناً أن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ لا إشكال فيه ولا إجمال خصوصاً وقد طرد إتيانه بهذا السياق في جميع موارده ومصادره ولم يأت هذا المعنى بلفظ فيه إجمال، فلو كان المراد ما قصده الجهمي لأتى به ولو في موضع واحد ليستبين المراد"٥. الشبهة الثانية: "قولهم إن إثبات الاستواء يقتضي التجسيم". فالأشاعرة وغيرهم من الذين يثبتون بعض الصفات وينكرون البعض الآخر، يقولون إن إثبات الاستواء وغيره من الصفات الاختيارية يقتضي التجسيم. وأجاب ابن سعدي عن هذه الشبهة، بأن جميع الصفات وردت في الكتاب والسنة فكيف جاز لكم تأويل بعضها وترك البعض، فإن قالوا بأن ما يقتضي التجسيم تأولناه؛ لأن الجسم من خصائص المحدثات المخلوقة فهذا الذي تأولناه ما نعقل منه إلا التجسيم فتعين تأويله.

стр. 142

يقال لهم بأن تفريقكم بين الأمرين تفريق بين متماثلين، إذ أنكم إذا تأولتم صفة وقعتم في مثل ما فررتم منه، فأثبتوا جميع الصفات فالباب واحد، وإلا فبينوا فرقاً بين ما نفيتم وبين ما أثبتم، ومن المعلوم أنهم لا يهتدون إلى فرق بين الصفات بإثبات بعضها ونفي بعضها فالواجب إذا هو اتباع السلف الصالح وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من صفات الكمال"١. الشبهة الثالثة: "قولهم استوى بمعنى استولى" وهذا قول الجهمية وغيرهم فهم يقولون إن المراد بقوله تعالى ﴿ثم استوى على العرش﴾ أي استولى على العرش. واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق, وأجاب ابن سعدي عن هذه الشبهة بأن الله أخبر أنه مستو على العرش في سبعة مواضع من القرآن وكلها جاءت بلفظ "على العرش" وعلى تدل على العلو والارتفاع وهذا نص لا يقبل الاحتمال ولا الاشتباه في معناه. ولو كان استوى بمعنى استولى كما يقول الجهمية وأتباعهم لأتت اللام في موضع واحد أو أكثر لأجل أن يحمل الباقي عليها فلما لم ترد في موضع واحد بذلك كانت نصا صريحا في العلو والفوقية؛ لأن العرب جرت عادتهم في كلامهم الفصيح أن يضمروا بعض القيود في بعض كلامهم ويذكروه في كلام لفظ آخر فيحمل مطلق الكلام على مقيده، وأما هذا الموضع فالحمل متعذر. وهم بعملهم هذا مشابهين لليهود، لأن اليهود لما قيل لهم ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ . دخلوا على آساتهم وقالوا حبة في حنطة تهكماً وجرأة على الله فاليهود زادوا النون في

стр. 143

قولهم حنطة بدل حطة والجهمية زادوا اللام في قولهم استولى بدل استوى ١. وهذا قول باطل قد بين الأئمة بطلانه من وجوه كثيرة٢. وهذا آخر ما رأيت إيراده في هذا المبحث المتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، ويمكن أن نصل إلى خلاصة لما تقدم، وهي: أن الواجب على كل مسلم أن يكون منهجه في توحيد الأسماء والصفات منهج السلف الصالح. وذلك بإثبات جميع ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال، وأن ينفي عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله من صفات النقص من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل. هذا وليعلم أن الإنسان لو أتى بهذا التوحيد وسابقه توحيد الربوبية على الوجه المطلوب، ولم يأت مع ذلك بتوحيد الألوهية، فإن توحيده هذا لا ينفعه؛ لأنه لازم على من أقر بربوبية الله وأقر بأسمائه وصفاته أن يوحده بجميع أنواع العبادة، فكما أن الله واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، فالواجب أن يوحد ويفرد بجميع أنواع العبادة، وهذا هو موضوع المبحث التالي.

стр. 144

المبحث الثالث: توحيد الألوهية

стр. 145

المبحث الثالث توحيد الألوهية تقدم معنا في المبحثين الماضيين الإشارة إلى أهمية هذا المبحث، وتقدم أيضاً أن الإتيان بتوحيدي الربوبية والأسماء والصفات لا يكفي ولا ينجي بل لا بد من الإتيان مع ذلك بتوحيد الألوهية؛ وذلك لأن هذا النوع من التوحيد يعد أهم المطالب على الإطلاق، إذ من أجل تحقيقه خلق الله الخلق، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، كما سيأتي بيان ذلك. وهذا ما جعل علماء الإسلام من السلف الصالح الذين هم ورثة الأنبياء، يهتمون بهذا النوع اهتماماً كبيراً، فبينوه وحذروا من الوقوع في ضده وأكثروا في ذلك التأليف والكتابة. وقد اعتنى الشيخ ابن سعدي في مؤلفاته بهذا النوع من التوحيد عناية بالغة وأولاه اهتماماً كبيراً، فلقد لمست من خلال قراءتي لكتبه اهتمامه البالغ به، فهو في أكثر مؤلفاته يتحدث عن هذا التوحيد، ويحذر من الوقوع في مخالفته، ويبدي ويعيد في ذلك بعبارات متنوعة وأساليب مختلفة. ولا ريب أن هذا النوع من التوحيد جدير بالعناية والاهتمام، بل هو أهم الأمور التي يجب العناية والاهتمام بها. ولهذا فقد أشار ﵀ في مواطن متعددة من مؤلفاته إلى أهميته، وأنه الغاية من خلق الإنس والجن، وأن الإيمان به يوصل إلى كل خير وصلاح. قال: "وهذا الأصل أعظم الأصول على الإطلاق وأكملها وأفضلها وأوجبها وألزمها لصلاح الإنسانية، وهو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله وخلق المخلوقات. وشرع الشرائع لقيامه وبوجوده يكون الصلاح وبفقده يكون الشر والفساد، وجميع الآيات القرآنية إما أمر به أو بحق من حقوقه أو نهي عن ضده، أو إقامة حجة عليه، أو بيان جزاء أهله في الدنيا والآخرة، أو بيان الفرق بينهم وبين المشركين.
следующие страницы →