← Акыда

Акыда · id 7651

الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في تو ضيح العقيدة

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (317 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومن ذلك ما قاله عند قوله الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. قال: هذه الآية: "جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته وبطلان عبادة ما سواه، وهو ذكر توحيد الربوبية المتضمن انفراده بالخلق والرزق والتدبير" فهو يرى أن انفراد الله وحده بالخلق والرزق والتدبير دليل واضح على وجوب إفراده بجميع أنواع العبادة؛ لذا قال بعد ما تقدم: " فإذا كان أحد مقراً بأنه ليس له شريك بذلك فعليه الإقرار بأن الله ليس له شريك في عبادته" بل إنه يرى أن هذا أوضح دليل على وجوب إفراد الله وحده بالعبادة؛ لذا يقول: "وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري تعالى وبطلان الشرك"٢. وفي الآية المتقدمة نفسها ما يوضح أيضاً أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية حيث يقول سبحانه: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله سبحانه: (وأنتم تعلمون) ، يوضح أن المشركين يعلمون أن الله ليس له شريك ولا نظير لا في الخلق والرزق والتدبير ولا في الألوهية والكمال، ولكنهم مع ذلك يشركون معه في العبادة. لذا قال ابن سعدي مخاطباً هؤلاء: "كيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟ هذا من أعجب العجب وأسفه السفه"٣. والمقصود: أن هذا النوع من التوحيد "توحيد الربوبية" لا يوجد أحد من الخلق ينكره، حتى فرعون الطاغية الذي ادعى الألوهية وقال عن نفسه "إنه رب العالمين" يقرر ويعترف بهذا التوحيد، وإنكاره له من قبيل المكابرة والجحود، قال تعالى في بيان ذلك: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ ٤ أي إنك تعلم يا فرعون أن المنزل لهذه الآيات هو رب السموات والأرض بصائر منه لعباده فإنكارك ليس على الحقيقة بل ترويجا على قومك واستخفافاً لهم.

стр. 72

وقال تعالى في بيان ذلك أيضا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. قال ابن سعدي: "ليس جحدهم مستنداً إلى الشك والريب، وإنما جحدهم مع علمهم وتيقنهم بصحتها ظلماً منهم لحق ربهم ولأنفسهم، وعلوا على الحق وعلى العباد وعلى الانقياد للرسل"٢. وأيضا إبليس لعنه الله، وهو أضل الخلق على الإطلاق، يقر بهذا التوحيد ويعترف به: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤. ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ ٥، والآيات في هذا المعنى كثيرة. فهو يقر ويعترف بأن الله هو الرب، وأنه الخالق المدبر. وبالجملة هذا النوع من التوحيد لا ينكره أحد إلا مكابر أو معاند. كلامه عن ظاهرة الإلحاد والملحدين: إلا أنه ظهر في الأزمان المتأخرة طائفة خبيثة بلغ بها الزيغ والضلال إلى أن أنكرت وجود الرب، وقالوا إن هذا الكون حدث من قبيل الصدفة، وليس له خالق ولا موجد، فضلوا بذلك ضلالاً مبيناً، وهؤلاء هم الماديون الملحدون. وقد تصدى لهم علماء الإسلام فأنكروا باطلهم وبينوا ضلالهم، في مؤلفات كثيرة، ومن أبرز من كتب فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث نقض ما قعدوا من قواعد وهدم ما أصلوا من أصول وبين عوارهم وزيغهم، وبعدهم عن الصراط المستقيم. ومن جملة من كتب في هؤلاء وأجاد الشيخ ابن سعدي حيث إنه تناول هذه الطائفة الخبيثة في مؤلفاته، وأظهر زيغها وفساد معتقدها. قال ﵀ في التعريف بهذه الطائفة: "وقد نبغت في هذه الأزمان المتأخرة فرقة خبيثة، هم من أضل الخلق وأجهلهم

стр. 73

وأعظمهم غروراً، وهم الماديون الملحدون"١. وبين أن سبب ضلالهم هو ما أوغلوا فيه من علوم الطبيعة فقال إنهم " ... اغتروا لما عرفوا بعض العلوم الطبيعية ووقفت عقولهم عندها، وقالوا لا نثبت إلا ما وصلت إليه معارفنا وعقولنا وما سوى ذلك ننفيه ولا نعترف به"٢. فأنكروا بذلك خالق الكون ومسخره، ونسبوا الخلق والإيجاد والتصرف إلى الطبيعة، وقالوا لا نؤمن إلا بالأشياء المادية المحسوسة. وقد وضعوا لباطلهم هذا أصولاً يمشون عليها ويقلد بعضهم بعضاً فيها، وهذه الأصول كلها في غاية الضعف والفساد، قال عنها ابن سعدي ﵀: "وهي في غاية الفساد، يكفي اللبيب مجرد تصورها عن إقامة البراهين على نقضها، لكونها مناقضة للعقل والنقل ولكنهم زخرفوها وروجوها فانخدع بها أكثر الخلق"٣. وقد بين ابن سعدي ﵀ أن عندهم أصولاً كثيرة يبنون عليها عقائدهم وأن هذه الأصول ترجع إلى أصل خبيث فاسد، وبين مصدره. فقال: "وأعظمها عندهم أصل خبيث منقول عن معلمهم الأول أرسطو اليوناني المعروف بالإلحاد والجحد لرب العالمين ... وهو أنه من أراد الشروع في المعارف الإلهية فليمح من قلبه جميع العلوم والاعتقادات، وليسع في إزالتها من قلبه بحسب مقدوره، وليشك في الأشياء، ثم ليكتف بعقله وخياله ورأيه. وكملوا هذا الأصل الخبيث بحصرهم للمعلومات بالمحسوسات، وما سوى ما أدركوه بحواسهم نفوه"٤. ثم بين أن هذا الأصل أفسد عليهم علومهم وعقولهم وأديانهم، وذكر أن العلماء بينوا بطلان أصولهم، وأن من أبلغ من كتب في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. ثم إنه ﵀ قد اهتم ببيان فساد هذا الأصل اهتماماً كبيراً وأطال في نقضه وإظهار بطلانه. قال: "إن هؤلاء الملحدين حصروا العلوم المدركة في دائرة ضيقة، فما أدركوه بحواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه بذلك نفوه وأنكروه فأنكروا من أجل ذلك علوم

стр. 74

الغيب كلها وجحدوا ربوبية الله وأفعاله وعطلوه من صفاته وأفعاله إذ لم يدخل ذلك تحت مداركهم القاصرة وهذا باطل شرعاً وعقلاً:ـ أما الشرع: فجميع الكتب السماوية وجميع الرسل تبطل قولهم وحصرهم العلوم بمدركات الحس الظاهرة, ونفيهم لما عداها, وتثبت بالبراهين اليقينية من علوم الغيب ومن العلوم التي لا تدرك إلا بالوحي من الحقائق النافعة الصحيحة والمعارف الصادقة مالا نسبه لعلومهم كلها إليها من أولها إلى آخرها....... وأما العقل: فجميع العقلاء المعتبرين يثبتون للعلوم مدارك غير مدارك الحس, فإن مدارك العلوم: الحس والعقل والأخبار الصادقة فالأخبار الصادقة أعلاها وأصدقها وأحقها بالحق خبر الله وخبر رسله وفي ذلك تبيان لكل شيء, وهدى للخلائق وتوضيح للحقائق"١. ويرى ﵀ أن أعظم حل لهذه المشاكل وغيرها، معرفة دين الإسلام والعمل به؛ لأنه بطبيعته وبراهينه وآياته يضمحل أمامه كل باطل، وخصوصاً أقبح الباطل وأشنعه وأشره منافاة للدين والعقل وهو الإلحاد. بل إنه ﵀ يرى أن التماس الحلول لمثل هذه المشاكل من غير الحلول الإسلامية التي تبنى على الكتاب والسنة أمر لا يجدي ولا ينفع بل يزيد في المشكلة حيث يقول: "ما من مشكلة كبيرة ولا صغيرة، إلا إذا بنيت على الشريعة الإسلامية المحضة تمت أمورها واستقامت أحوالها وصلحت من جميع الوجوه"٢. وأحكام الشريعة في غاية القوة والرصانة وشاملة لجميع المشاكل وليست بحاجة إلى حلول مستوردة لما يجد من حوادث بل لا يمكن إصلاح الأمور إلا بها بخلاف غيرها من القوانين. لذلك فإنه قام بمعالجة مشكلة الإلحاد على ضوء الكتاب والسنة، واهتم بمعالجة هذه المشكلة اهتماماً كبيراً، ومما يؤكد اهتمامه بها، أنه إضافة إلى تناوله لعلاجها ضمن كتبه، فقد أفرد فيها رسالة خاصة سماها: "الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين". وقد أجاد ﵀ في هذه الرسالة الرد على هؤلاء الملحدين، حيث تناول الرد

стр. 75

عليهم وبيان زيغهم من ثلاثة وثمانين وجهاً، اختار جملة منها من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، الذي ظهر تأثره بهما على مؤلفاته كما مر معنا في المقدمة. وكانت ردوده عليهم في غاية القوة والرصانة، ولجودتها ورصانتها استحقت أن توصف هذه الردود وهذا الكتاب بأنه "نازل جميع طوائف الملحدين وتحداهم وأبطل أصولهم وفند مآخذهم وهدم قواعدهم وزلزل بنيانهم وبين مخالفتهم للعقل والفطرة كما خالفوا جميع الأديان الصحيحة"١. وهذه نماذج من هذه الأوجه التي رد بها الشيخ على هؤلاء الملحدين. وأكثرها خاصة بأصلهم الفاسد المتقدم ذكره وهو: ـ "أنه من أراد الشروع في المعارف الإلهية فليمح من قلبه جميع العلوم والاعتقادات....."٢. ذكر بعض هذه الأوجه:- ـ "أن يقال هذه الوصية مخالفة لما بعث الله به رسله وأنزل كتبه فإنه بعث رسله مذكرين للعباد ما فطروا عليه من الإقرار بوحدانية الله ووجوب شكر نعمه، وافتراض الحب الكامل والتعظيم التام لله المتفضل بالنعم الظاهرة والباطنة، ومذكرين لهم بالأمر بما فطرت العقول على استحسانه كالصدق والبر والإحسان والأخلاق الجميلة، وبالنهي عما فطرت العقول على استقباحه من الكذب والظلم والعدوان وجميع الأخلاق الرذيلة، فكيف يؤمر الناس أن يمحوا من قلوبهم وفطرهم هذه الأمور؟ وهل هذا إلا نهي عن جميع مواد السعادة والفلاح والصلاح، وأمر بكل منكر وفحشاء وسوء وشر وفساد؟ وفي هذا من تقويض دعائم الخير والصلاح، والاستبدال بها أصول الشر والفساد والفوضى في العلوم والعقائد والأخلاق، ما لا منتهى لشره وضرره"٣. ـ"إن المقصود الأعظم من تأصيل هذا الأصل الخبيث الكفر بما جاءت به الرسل والانحلال عنه وإلا فأهله من أكذب الناس فإنهم متمسكون غاية التمسك بما عليه أئمتهم الملحدون، وأقوالهم وعقائدهم مقدمة عندهم على ما جاءت به الرسل ويتعصبون لها غاية التعصب، فلو كانوا صادقين محقين لوجب عليهم أن يمحوا من قلوبهم أقوال أئمتهم وعقائدهم التي ما زالوا متمسكين بها ومقلدين لها تقليداً أعمى،

стр. 76

فالغرض من كلامهم معروف وهو قصدهم الانحلال من الدين الصحيح والتمسك بأقوال هؤلاء الضالين"١. ـ "أن يقال لهؤلاء الملحدين المنكرين لأمور الغيب التي أخبر الله بها ورسوله لم أنكرتموها؟ فيجيبون بأنها لم تدخل تحت علومنا التي بنيناها على إدراكات الحواس والتجارب، فيقال لهم: قدروا أنها لم تدخل في ذلك فإن طرق العلوم اليقينية كثيرة، وأكثرها لا تدخل تحت إدراكاتكم، فإن إداركاتكم قاصرة حتى باعترافكم فإنكم تعترفون أن مدركاتكم خاصة ببعض المواد الأرضية وأسبابها وعللها ومع ذلك لم تدركوها كلها، باعترافكم وأعمالكم فإنكم لا تزلون تبحثون وتعلمون التجارب التي تنجح مرة وتخفق مرات"٢. هذه بعض الأوجه التي رد بها الشيخ على هؤلاء الملحدين، ولقد أطال في ذكر الردود عليهم وبيان زيغهم، وإن رغب القارئ في الاستزادة منها فليراجع كتابه العظيم "الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين". وفي الحقيقة إن كتابه هذا ظاهر الأهمية؛ لجودة مادته ولشدة الحاجة إليه في هذا الزمن الذي طغت فيه المادة؛ وكثر فيه الإلحاد. رده على القصيمي في إلحاده، وإنكاره لوجود الرب: إن هذه الدعوة الإلحادية التي تدعو إلى الإباحية والتحلل الخلقي، وإنكار وجود الرب ونسبة الخلق والتصرف إلى الطبيعة، مع ظهور بطلانها وجلاء نكارتها، فإنها قد راجت على بعض أبناء المسلمين وافتتنوا بها واغتروا ببهرجتها فمالوا إليها وأصبحوا من دعاتها. وهذا غاية الانتكاس والخسران والعياذ بالله. إذ أن التحول من الهدى إلى الضلال ومن النور إلى العمى ومن الإيمان إلى الكفر، يعد من أكبر الانتكاس والخسران، ولا سيما إذا كان من أحد العلماء العاملين الداعين إلى الله. وهذا ما حصل من عبد الله القصيمي الذي كان من الدعاة البارزين ومعروفاً بالعلم والانحياز لمذهب السلف الصالح وكانت تصانيفه مشحونة بنصر الحق والرد على المبتدعين والملحدين، وكانت له عند الناس سمعة حسنة وذكر طيب٣.

стр. 77

بعد ذلك كله انقلب رأسا على عقب فصار عدواً للإسلام، فأصبح يرى أن الدين سبب لتأخر المسلمين وضعفهم، وصار الدين عنده كالأغلال التي تعوق الإنسان عن مراده، وزاد على ذلك فأنكر الخالق وزعم أنه لا فرق بين الخالق والمخلوق وأن من فرق بينهما من الأنبياء والرسل وأهل الأديان غالط ضال. وزعم أن الطبيعة تتفاعل وتتطور وتدبر أمر العالم وتدبره وتنظم الأمور الجليلة والدقيقة، وأنكر قضاء الله وقدره، وأرجع ذلك إلى العلم بانتظام الطبيعة وهذا إنكار منه لله ولأفعاله ولصفاته١. وأنكر الرسالة والمعاد والملائكة والجن وسخر من علماء المسلمين، وأخذ يدعو إلى الإباحية والتحلل والانسلاخ من الدين، ويمدح الأوربيين والمستعمرين لبلاد الإسلام ويدعو إلى تعظيمهم وإدخالهم في البلاد الإسلامية٢. إلى غير ذلك من الترهات والضلالات التي أخذ يدعو إليه ويروجها، والتي ألف من أجل نشرها كتابه "هذي هي الأغلال". ويقصد بالأغلال أوامر الله ونواهيه والتمسك بالدين الإسلامي إذ أن هذا عنده أعظم الأسباب لتخلف المسلمين وتأخرهم الحضاري، وعلى العكس من ذلك يرى أن سبب تقدم الغرب هو تحللهم من الدين والقيم والأخلاق، وهذا غاية البهت والضلال والانحراف. لذا فإنه قام جماعة من علماء المسلمين أمام ضلاله، وبينوا للناس زيغه وانحلاله، وبينوا كذبه وافتراءه وفساد ما يدعو إليه من عقائد منحرفة، وقيم منحطه فظهرت مؤلفات عديدة في الرد عليه لعدد من العلماء. منها: بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال، للشيخ إبراهيم بن عبد العزيز السويح، ومنها: الرد القويم على ملحد القصيم للشيخ عبد الله بن علي بن يابس. ومن هؤلاء العلماء الذين قاموا بالرد عليه الشيخ ابن سعدي؛ إذ ألف في ذلك رسالته القيمة "تنزيه الدين وحملته ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله". قال ﵀ في مقدمتها "أما بعد: فإني قد وقفت على كتاب صنفه عبد الله بن علي القصيمي سماه " هذي هي الأغلال" فإذا هو محتو على نبذ الدين والدعاية إلى نبذه والانحلال عنه من كل وجه"٣.

стр. 78

ثم ذكر سبب تأليفها فقال "فوجب على كل من عنده علم أن يبين ما يحتوي عليه كتابه من العظائم خشية اغترار من ليس له بصيرة بكلامه". ثم ذكر مجمل ما في كتاب الأغلال من الضلال والانحراف وما فيه من الآراء الباطلة. ثم بعد ذلك تناول الرد عليه في هذه الآراء الباطلة والعقائد الفاسدة على وجه التفصيل. ومن ردوده عليه في قضية الإلحاد قوله بعد أن ذكر رأي صاحب الأغلال في أن المصائب تحدث من الطبيعة وأن الإيمان بالله وباليوم الآخر يمنع الرقي. "وقول وصل إلى هذا الحد ليس بعده تقدم إلى الكفر، وإنما هو النهاية في الكفر والتعطيل والجحود لرب العالمين والخروج من الديانات السماوية كلها وهو غاية الخروج من العقل والحس، فإن قضية الإيمان بالله ورسوله هي أكبر القضايا وأعظمها وأوضحها"١. والمقصود أن ابن سعدي اهتم بقضية هذا القصيمي وانحلاله ورد عليه رداً علمياً هادفاً، يقصد من ورائه بيان زيغ هذا الرجل وإلحاده؛ لكي لا يغتر أحد من المسلمين به، وهذا من نصحه واهتمامه ﵀ بمسألة العقيدة والذود عن حماها. ومن مؤلفاته في الرد على هؤلاء الملحدين وبيان انحطاط ما هم عليه من معتقد فاسد، رسالة صغيرة سماها "انتصار الحق" وهي على صغر حجمها نافعة عظيمة لأنه تناول فيها معالجة مشكلة الإلحاد على طريقة الحوار بين شخص مسلم وبين شخص مفتتن بالإلحاد فسمى الأول الناصح والثاني المنصوح. ومما في هذه الرسالة القيمة قوله ﵀ "قال المنصوح ... أريد أن توضح لي توضيحاً تاماً بطلان ما عليه هؤلاء الملحدون فإنهم يقيمون الشبه المتنوعة في ترويج قولهم ليغتر به من لا بصيرة له. فقال الناصح: اعلم أن الحق والباطل متقابلان وأن الخير والشر متنافيان، وبمعرفة واحدٍ من الضدين يظهر حسن الآخر أو قبحه ... إلى أن قال: "فهذا الدين الحق الذي دعت إليه الرسل عموماً وخاتمهم محمد ﷺ خصوصاً قد بنى وأسس على التوحيد، والتأله لله وحده لا شريك له حباً وخوفاً ورجاء وإخلاصاً وانقياداً وإذعاناً لربوبيته واستسلاماً لعبوديته قد دل على هذا الأصل الذي هو أكبر جميع أصول الأدلة العقلية والفطرية، وقد دلت عليه جميع الكتب السماوية وقرره جميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من أهل العلوم الراسخة الألباب الرزينة

стр. 79

والأخلاق العالية والآداب السامية كل أولئك اتفقوا على أن الله منفرد بالوحدانية منعوت بكل صفة كمال موصوف بغاية الجلال والعظمة والكبرياء والجمال، وأنه الخالق والرازق المدبر لجميع الأمور، وأنه منزه عن كل صفة نقص وعن مماثلة المخلوقين، وأنه لا يستحق العبادة والحمد والثناء والشكر إلا هو، فالدين الإسلامي على هذا الأصل أسس وعليه قام واستقام. وأما ما عليه أهل الإلحاد فإنه ينافي هذا الأصل غاية المنافاة فإنه مبني على إنكار الباري رأساً، فضلاً عن الاعتراف له بالكمال وعن القيام بأوجب الواجبات وأفرض الفروض وهو عبوديته وحده لا شريك له، فأهل هذا المذهب أعظم الخلق مكابرة وإنكاراً لأظهر الأشياء وأوضحها فمن أنكر الله فبأي شيء يعترف؟ "فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون" وهؤلاء أبعد الناس عن عبودية الله والإنابة إليه وعن التخلق بالأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها الشرائع وتخضع لها العقول الصحيحة، ومع خلو قلوبهم من توحيد الله والإيمان به وتوابع ذلك فهم أجهل الناس وأقلهم بصيرة ومعرفة بشريعة الإسلام وأصول الدين وفروعه"١. وبهذه المقارنة بين ما عليه المؤمنون الموحدون وبين ما عليه أهل الإلحاد الكافرون، يظهر لكل صاحب بصيرة أن الفرق كبير والبون شاسع بين الفريقين ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ ٢. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ٣. ويظهر أيضاً لكل عاقل بطلان ما عليه هؤلاء الملاحدة، وأنهم في عماية وضلال وبعد عن الحق. والمقصود أن مشكلة الإلحاد من أخطر المشاكل المعاصرة، وتحتاج إلى جهد من العلماء وتصد لها لإظهار بطلانها لكي لا تنطلي على أصحاب النفوس الضعيفة. ولقد أعجبني الشيخ ابن سعدي ﵀ باهتمامه بهذه المشكلة ومعالجته لها في كثير من مؤلفاته. وهنا تظهر لنا فائدة هامة، تتعلق بمنهج الشيخ ابن سعدي في العقيدة. وهي أن اهتمام السعدي بمعالجة مشكلة الإلحاد والملحدين يوضح لنا أن منهجه

стр. 80

في العقيدة يمتاز بالشمول كما هو حال السلف الصالح في ذلك أي أنهم يتناولون في خدمتهم للعقيدة تأصيل القواعد، وشرح الأصول، والرد على المخالفين وإن كانوا من الماديين الملحدين المنكرين لوجود الرب سبحانه وغيرهم. وهذا يبين لنا عدم صحة قول من يقول إن السلف ومن سار على نهجهم لا يهتمون بالرد على الملحدين والشيوعيين وغيرهم، وإنما كلامهم قاصر على توضيح توحيد الأسماء والصفات. فقد ظهر لك أيها القارئ: أن الشيخ ابن سعدي ومن قبله ابن تيمية قد تناولوا مثل هذه المشاكل وبينوا فسادها وضلالها كما تناولوا غيرها. فليس ردهم قاصراً على طائفة معينة أو فرقة معينة، وإنما ردهم شامل لكل من خالف عقيدة التوحيد، وهذا هو المنهج الحق الذي يجب أن يسار عليه. والخلاصة من كل ما تقدم هو ما قاله ﵀ "إن جميع أهل الأديان من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم حتى المشركين متفقون على إثبات ربوبية الله وأنه الأول الذي ليس قبله شيء الخالق لكل شيء الرازق المدبر لكل شيء، وأئمتهم في هذه الأنبياء والمرسلون، وأهل الهدى من العلماء الربانيين أهل العلوم الغزيرة والمعارف الصافية، الأولين منهم والآخرين على هذا الأصل العظيم متفقون، على علم وبصيرة ويقين قد اطمأنت قلوبهم بذلك وسكنت نفوسهم به وصار في قلوبهم أكبر الحقائق وأصحها وأوضحها وخالفهم من هذا شرذمة من زنادقة الدهريين الذين يقولون ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ١. وسلك سبيلهم زنادقة الماديين، وهم لم ينكروا ذلك عن علم دلهم عليه ولا سمع ولا عقل ولا فطرة، إنما هو مجرد استبعادات وجحود ومكابرات"٢. وليست المشكلة في هؤلاء الملحدين إنكارهم لوجود الرب فقط بل إنهم لو اعترفوا بوجوده فإن ذلك لا يكفي في دخولهم الإسلام بل تصبح حالهم كحال المشركين الذين حاربهم الرسول ﷺ لذلك يقول ابن سعدي: "إن كل برهان أبطل الله به الشرك وقرر به التوحيد فهو برهان على بطلان الإلحاد والجحود؛ لأن المشركين يعترفون بالله ويعلمون أنه الخالق الرازق المدبر، ولكنهم يشركون في عبادتهم فيعبدون الله ويعبدون غيره"٣.

стр. 81

والمقصود أن من اعترف بوجود الله من غير إفراد له بالعبادة ومن غير إقرار بأسمائه الحسنى فإن إيمانه بوجود الله لا ينفعه، بل لا بد مع الإقرار أن يجرد التوحيد لله وحده، وسيأتي بيان ذلك في توحيد الألوهية. القضاء والقدر: إن الإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة، كما جاء في حديث جبريل"وأن تؤمن بالقدر خيره وشره"١. وقد دل على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر نصوص كثيرة. قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ٥. والإيمان بالقضاء والقدر داخل في الإيمان بربوبية الله على خلقه إذ أن من آمن بأن الله هو الخالق المدبر المتصرف في شؤون خلقه كلها فهو مؤمن بالقضاء والقدر. وقد أشار ابن سعدي إلى دخول الإيمان بالقضاء والقدر في الإيمان بربوبية الله. فبعد أن عرف توحيد الربوبية بأنه اعتقاد انفراد الرب بالخلق والرزق والتدبير قال: " فدخل في توحيد الربوبية إثبات القضاء والقدر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير وأنه الغني الحميد وما سواه فقير إليه من كل وجه"٦. وقال: "ولا يتم توحيد الربوبية حتى يعتقد العبد أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وأن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله، وأن لهم قدرة وإرادة تقع بها أفعالهم، وهي متعلقة بالمدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب، وأنه لا يتنافى الأمران: إثبات

стр. 82

مشيئة الله العامة الشاملة للذوات والأفعال والصفات. وإثبات قدرة العبد على أفعاله وأقواله"١. ونظراً لدخول إثبات القضاء والقدر في توحيد الربوبية، فقد جعلت الحديث عنه عقب الحديث عن توحيد الربوبية. وقد تحدث ابن سعدي عن مسألة القضاء والقدر كثيراً، وأفرد فيها رسالة خاصة شرح فيها قصيدة ابن تيمية التائية في الرد على القدرية، وبين مراتب القدر، وذكر أقوال الناس فيه، وأيد مذهب أهل السنة والجماعة بالأدلة والبراهين، وبين بطلان أقوال الطوائف المنحرفة، وبين أن أفعال العباد مخلوقة وأنهم فاعلون لها بمشيئتهم وقدرتهم إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بالإيمان بالقضاء والقدر. وحديثنا هنا سيتناول عدة جوانب وهي:- (١) بيان ابن سعدي أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من فعل الأسباب. (٢) بيانه لمراتب القدر. (٣) تقسيمه للطوائف المنحرفة في القدر ورده عليهم. (٤) بيانه لمذهب أهل السنة والجماعة في القدر وتأييده له بالأدلة. أولا: بيان ابن سعدي أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من فعل الأسباب: وهذه مسألة هامة غلط فيها كثير من الناس، حيث توهموا أن فعل الأسباب وتعاطيها ينافي التوكل والاعتماد على الله، وينافي الإيمان بالقضاء والقدر. وفهموا أن الإيمان بالقضاء والقدر يعني الخمول وترك فعل الأسباب. وهذا غلط بين وهو ناتج من عدم فهم الإيمان بالقضاء والقدر على الوجه المطلوب وقد وضح ابن سعدي هذه المسألة وبينها بياناً فقال: "الإيمان بالقدر يتفق مع الأسباب، فمباشرة الأسباب والاجتهاد في الأعمال النافعة يحقق للعبد تمام الإيمان بالقضاء والقدر، فإن الله قدر المقادير بأسبابها وطرقها، وتلك الأسباب والطرق هي محل حكمة الله فإن الحكمة: وضع الأشياء مواضعها وتنزيل الأمور منازلها اللائقة بها. فقضاء الله وقدره وحكمته متفقات. كل واحد منها يمد الآخر ولا يناقضه. وقد أشار النبي ﷺ حين سئل وقيل له يا رسول الله، أرأيت رقي نسترقيها،

стр. 83

وأدوية نتاداوى بها وتقاه نتقيها، هل ترد قضاء الله وقدره؟ فقال: "هي من قضائه وقدره"١. فهذه الأسبابُ حسية ومعنوية روحانية حُمْية عما يضر، وهي في مقدمة الأسباب. وأخبر ﷺ أنها من قضاء الله وقدره، فمن زعم أنه مؤمن بالقدر وترك الأسباب النافعة الدينية والدنوية التي عليها نظام القدر فهو غالط. فإن المؤمن بالقدر يجري على أحكامه ويعمل على سنته ونظامه، ويتبع النافع في أحكامه وإبرامه والله المعين الموفق. وتوضيح ذلك أن أقدار الله كلها تابعة لحكمته، فكما أن أفعاله تعالى محكمة في غاية الإحكام والانتظام ما ترى في خلق الرحمن من خلل ولا نقص ولا فطور ولا اختلال ولا في شرعه من عبث وسفه ومنافاة للحكمة والمصلحة والإحسان، فكذلك أفعال المكلفين دينيها ودنيويها، ظاهرها وباطنها كلها تجري على وفق الحكمة والغايات الحميدة، وأنه كلما عظم المقصود وكثرت منافعه ومصالحه لم يمكن إدراكه إلا بسلوك الطرق المفضية إليه. فأعظم المقاصد على الإطلاق نيل رضا الله، والفوز بثوابه والسلامة من عقابه وقد جعل الله له الإيمان وشعبه الظاهرة والباطنة والقيام بعبودية الله وإخلاص الدين له، ولزوم الاستقامة والتقوى جعلها الله طرقاً وأسباباً توصل إليه. فما يسلك العبد هذا السبيل فمحال أن يصل إلى رضوان ربه وثوابه، فاتكال الأحمق على القدر بدون جد واجتهاد، قدح في القدر والشرع جميعاً. وكذلك المطالب الأخرى كنيل العلم وإدراكه هل يمكن بغير جد واجتهاد ومواصلة الأوقات في طلبه وسلوك الطرق المسهلة له؟ فمن قال: إن قدر لي أدركت العلم، اجتهدت أم لا، فهو أحمق كما قال بعضهم٢. تمنيت أن تمسي فقيها مناظراً بغير عناء والجنون فنون وليس اكتساب المال دون مشقة تلقيتها فالعلم كيف يكون

стр. 84

وهكذا من ترك الزواج وقال: إن قدر لي أولاد حصلوا، تزوجت أو تركت. ومن رجا حصول ثمر أو زرع، بغير حرث وسقي وعمل متكلا على القدر فهو أحمق مجنون. وهكذا سائر الأشياء دقيقها وجليلها، فعلم أن القيام بالأسباب النافعة واعتقاد نفعها داخل بقضاء الله وقدره، دون الإخلاد إلى الكسل، والسكون مع القدرة على الحركة هو الجنون١. وقد عقد ابن سعدي في كتابه الرياض الناضرة فصلاً خاصاً بذلك، وهو الفصل الثالث والعشرون في الجمع بين إثبات عموم القدر وإثبات الأسباب. قال فيه: "....ويظن كثير من الناس أن إثبات الأسباب ينافي الإيمان بالقضاء والقدر. وهذا غلط فاحش جداً وهو عائد على القدر بالإبطال وهو إبطال أيضاً للحكمة. وكأن هذا الظان يقول ويعتقد: أن الإيمان بالقدر هو اعتقاد وقوع الأشياء بدون أسبابها الشرعية والقدرية. وهذا نفي للوجود لها فإن الله ربط الكون بعضه ببعض، ونظم بعضه ببعض، وأوجد بعضه ببعض. فهل تقول ـ يأيها الظان جهلاً ـ أن الأولى إيجاد البناء من دون بنيان وإيجاد الحبوب والثمار والزروع من دون حرث وسقي وإيجاد الأولاد والنسل من دون نكاح وإدخال الجنة من دون إيمان وعمل صالح، وإدخال النار من دون كفر ومعصية؟ بهذا الظن والتقدير أبطلت القدر وأبطلت معه الحكمة، أما علمت أن الله بحكمته وكمال قدرته جعل للمسببات أسباباً وللمقاصد طرقاً ووسائل تحصل بها، وقرر هذا في الفطر والعقول، كما قرره في الشرع، وكما نفذه في الواقع، فإنه أعطى كل شيء خلقه اللائق به ثم هدى كل مخلوق إلى ما خلق له من أصناف السعي والحركة والتصرفات المتنوعة، وبنى أمور الدنيا والآخرة على ذلك النظام البديع العجيب الذي شهد أولا لله بكمال القدرة وكمال الحكمة، وأشهد العباد ثانيا: أن بهذا التنظيم والتيسير والتصريف وجه العاملين إلى أعمالهم ونشطهم على أشغالهم. فطالب الآخرة: إذا علم أنها لا تنال إلا بالإيمان والعمل الصالح وترك ضدها جد واجتهد في تحقيق الإيمان، وكثرت تفاصيله النافعة واجتهد في كل عمل صالح

стр. 85

يوصله إلى الآخرة واجتنب في مقابل ذلك الكفر والفسوق والعصيان، وبادر للتوبة من كل ما وقع منه من ذلك. وصاحب الحرث إذا علم أنه لا ينال إلا بحرث ويسقي وملاحظة تامة جداً واجتهد في كل وسلية تنمي حرثته وتكملها، وتدفع عنها الآفات ... واصل ابن سعدي ضرب الأمثلة على ذلك ثم قال: وفي خلقه تعالى الأشياء بأسبابها من الحكمة والمنافع والأسرار ما لا يدركه الوصف. وهذا من الأمور الجلية والحقائق الواضحة التي فطرت الخليقة كلها ـ حتى الحيوان البهيم ـ عليها"١. وقال في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁، قال: رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا، كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان"٢. "وقد جمع النبي ﷺ في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر والعمل بالأسباب النافعة، وهذان الأصلان دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة، ولا يتم الدين إلا بهما بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما؛ لأن قوله: "احرص على ما ينفعك" أمر بكل سبب ديني ودنيوي بل أمر بالجد والاجتهاد فيه، والحرص عليه نية وهمة وفعلاً وتدبيراً. وقوله: "واستعن بالله" إيمان بالقضاء والقدر، وأمر بالتوكل على الله الذي الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح، ودفع المضار مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك. فالمتبع للرسول ﷺ يتعين أن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه وأن يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته"٣ ثانيا: بيانه لمراتب القدر: إن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتم إلا بمعرفة مراتبه الواردة في الكتاب والسنة، ودل الكتاب والسنة على أن للقدر أربع مراتب.

стр. 86

وهي: (١) علم الله المحيط بكل شيء. (٢) كتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون. (٣) ومشيئته وقدرته العامة على كل شيء. (٤) إيجاده لجميع المخلوقات. وقد اعتنى ابن سعدي في مؤلفاته ببيان هذه المراتب وتوضيحها وذكر أدلتها. قال ﵀: "مراتب القضاء والقدر أربعة لا يتم الإيمان بالقدر إلا بتكميلها، الإيمان بأنه بكل شيء عليم وأن علمه محيط بالحوادث دقيقها وجليلها، وأنه كتب ذلك باللوح المحفوظ، وأن جميعها واقعة بمشيئته وقدرته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه مع ذلك مكن العباد من أفعالهم فيفعلون اختياراً منهم بمشيئتهم وقدرتهم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ ١. وقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢"٣. وقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤. "....وفي هذه الآية دليل على أن الكتاب الأول قد حوى جميع الكائنات وهذا أحد مراتب القضاء والقدر فإنها أربع: علم الله الشامل لجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الموجودات ومشيئته وقدرته العامة النافذة في كل شيء، وخلقه لجميع المخلوقات حتى أفعال العباد"٥. ثالثا: تقسيمه للطوائف المنحرفة في القدر ورده عليهم: قسم ابن سعدي الطوائف المنحرفة في القضاء والقدر إلى ثلاثة أقسام: ١ـ قدرية نفاة. ٢ـ وقدرية مجبرة. ٣ـ وقدرية مشركون.

стр. 87

قال ﵀: "القدرية ثلاث طوائف: قدرية نفاه، وقدرية مجبرة، وقدرية مشركون. فأما القدرية النفاة: فهم الذين يطلق عليهم أكثر العلماء اسم "القدرية" وحقيقة مذهبهم أنهم يقولون: "إن أفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره" فأثبتوا قدرة الله على أعيان المخلوقات وأوصافها، ونفوا قدرته على أفعال المكلفين. وأما الطائفة الثانية: فهم الجبرية الذين يقال لهم "القدرية المجبرة" فزعم هؤلاء: "إن عموم مشئية الله وعموم إرادته يقتضي أن العبد مجبور على أفعاله لا قدرة له على شيء من الطاعات ولا على ترك المعاصي، ومع أنه لا قدرة له على ذلك عندهم، فهو مثاب معاقب على ما لا قدرة له عليه. وأما الطائفة الثالثة: فهم القدرية المشركون الذين اعتذروا عن شركهم وتحريمهم ما أباح الله بالمشيئة١. وقد بين ابن سعد ضلال هؤلاء وشناعة أقوالهم المتقدمة، قال: "فهذه الطوائف الثلاث هم خصماء الله في قضائه وقدره، منهم من نفاه ومنهم من غلا فيه غلواً أوقعه في الباطل"٢. وتناول ابن سعدي جميع أقوال هذه الطوائف بالرد، وفند شبههم ورد عليها وبين ضلالهم وبعدهم عن الصراط المستقيم. فقال في ردوده على الطائفة الأولى وهم القدرية النفاة القائلون: "بأن أفعال العباد غير داخلة تحت مشيئة الله وقدرته". "وهم بهذا القول الباطل ردوا نصوصاً كثيرة من الكتاب والسنة تثبت وتصرح أن جميع أعمال العباد من خير وشر وطاعة ومعصية بقضاء الله وقدره كما أجمع المسلمون أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"٣. وهذه النصوص المبطلة لقول هؤلاء التي أشار ابن سعدي لكثرتها. قد تعرض لأكثرها في تفسيره للقرآن وبين وجه دلالتها على بطلان قول هؤلاء وفيما يلي أسوق بعض هذه النصوص مع تفسيره لها.

стр. 88

قال تعالى في غير موضع من كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١. قال ابن سعدي: "وفي هذه الآية وما أشبهها رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرة الله تعالى؛ لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ٣. قال ابن سعدي: "فإن مشيئة الله نافذة عامه لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير. ففيها رد على القدرية الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله...."٤. وقال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٥. قال ابن سعدي: " في هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير. ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة فأخرجوها عن قدرة الله فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين"٦. وقال أيضا في رده عليهم مبينا أهمية مناظرة القدرية بالعلم أي إثبات علم الله وأن ذلك فيه بيان لتناقضهم وتهافت أقوالهم. قال: "وكان الأئمة كالإمام أحمد وغيره يقولون: "ناظروا القدرية بالعلم، فإن أنكروا العلم كفروا، وإن اعترفوا به خصموا". يعني: أن القدرية النافين لعلم الله بأفعال عبادة، جاحدون لنصوص الكتاب والسنة المصرحة بإحاطة علم الله بما كان وما يكون من أعيان وأوصاف وأفعال، مما دق وجل، فمن أنكر ذلك فقد كذب الكتاب والسنة صريحاً وذلك هو الكفر، وإن اعترفوا بإحاطة علم الله بكل شيء، وبأفعال العباد قبل وقوعها كما هو القول الذي استقر عليه مذهبهم خصموا.

стр. 89

ووجه ذلك أنهم يقولون: "إن أفعالهم لا تتعلق بها مشيئة الله وإرادته وإنما هم مستلقون بها من كل وجه". وإذا كان هذا قولهم في مشيئة الله مع قولهم "إن الله يعلم أعمال العباد قبل أن يعلموها" فهذا تناقض محض: كيف يعلمها وهو لم يقدرها ولم يردها؟ هذا محال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١. فليزمهم أحد أمرين: إما أن يتناقضوا فينفوا الأمرين: علم الله بأفعالهم، ومشيئته لها فيتضح كفرهم وإما أن يرجعوا إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه المسلمون وهو: أنه تعالى كما أنه بكل شيء عليم وبكل شيء محيط فإنه على كل شيء قدير ومن جملة الأشياء أفعال العباد: طاعتهم ومعاصيهم، فهو تعالى يعلمها إجمالا وتفصيلاً قبل أن يعملوها، وأعمالهم وأفعالهم داخلة تحت مشيئة الله وإرادته فقد شاءها منهم وأرادها، ولم يجبرهم لا على الطاعات، ولا على المعاصي، بل هم الذين فعلوها باختيارهم كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. فهذه الآية فيها رد على القدرية النفاة وعلى القدرية المجبرة وإثبات للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة. ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أخبر أن مشيئتهم تابعة لمشيئته، وأنها لا توجد بدونها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وفي هذا رد على القدرية القائلين "إن مشيئة العباد مستقلة، ليست تابعة لمشيئة الله" بل عندهم: يشاء العباد ويفعلون ما لا يشاؤه الله ولا يقدره"٣. وبهذا يظهر لنا أن قول القدرية في أفعال العباد إنها ليست داخلة تحت مشيئة الله وقدرته، قول باطل، مخالف لما تقرر في الكتاب والسنة من عموم قدرة الله ومشيئته، ولا يمكن أن يكون شيء في ملك الله إلا إذا شاءه الله وقدَّره. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤. وقال ﵀ في ردوده على الطائفة الثانية وهم القدرية المجبرة القائلون "بأن العباد مجبورون على أفعالهم كالشجرة في مهب الريح".

стр. 90

"وهذا القول من أشنع البدع وأنكرها وهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأئمة المهتدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومخالف للعقول والفطر ومخالف للمحسوس. وكل قول يمكن صاحبه أن يطرده إلا هذا القول الشنيع فإنه لا يمكن أن يعمل به ويطرده ولو ظلم أحدهم واعتذر إليه من ظلمه بالقدر فإنه لا يقبل بل يرى اعتذاره بالقدر زيادة ظلم وتهكما به، فكيف يسلك هذا المسلك مع ربه وهو لا يرتضيه لنفسه من غيره. والمقصود: أن هذه الطائفة خالفت المنقول والمعقول. ونصوص الكتاب والسنة تبطل قولهم، فإن الله نسب أعمال العباد إليهم من الطاعات المتنوعة والمعاصي الكثيرة كلها يضيفها إلى الفاعلين ويخبر أنهم هم الفاعلون لها ويستحقون جزاءها من خير وشر. فلو كانوا مجبورين عليها لم ينسبها لهم ولم يضفها إليهم بل ينسب الأفعال إلى نفسه حاشاه وتعالى عن ذلك، فلا يقال: "الله الذي فعل الإيمان والكفر والطاعة والمعصية". بل يقول كل أحد العبد هو الذي فعلها، والله هو الذي قدرها من غير أن يجبره عليها"١. وبين ﵀ أن قولهم هذا يلزمهم عليه عدة لوازم فاسدة فقال في توضيح الكافية الشافية: "فلزمهم على تقريرهم هذا أمران باطلان: أحدهما أن تنفي عن العباد قدرتهم على أفعالهم. ثانيا: أن ينفي صدورها منهم. فيقال على قولهم: لم يقدروا على الإسلام والإيمان ولا الصلاة والصيام ونحوها. وإذا فعلوها يصح أن يقال: لم تصدر منهم إنما يقال ذلك على وجه المجاز لا الحقيقة، ولا فرق عندهم أن يوصفوا بهذه الأفعال أو يوصفوا بالبياض والسواد وبقية الألوان؛ لأن الجميع قامت بهم. فتصور قولهم بلوازمه المذكورة تعرف به فساده وبطلانه"٢ وعدد أيضا في الدر البهية جملة من اللوازم التي تلزم هذا القول الفاسد فقال:

стр. 91

"ويلزم على قول الجبرية إسقاط الأمر والنهي؛ لأنه كيف يؤمر وينهى من لا قدرة له على امتثال الأمر والنهي؟ ويلزم أيضا على قولهم إسقاط الحدود عن جميع أهل الجرائم إذ كيف يعاقبون وتقام عليهم الحدود وهم غير قادرين بل مجبورين؟ فهذا القول الباطل مخالف لجميع أصول الدين وفروعه. ويلزم أيضاً على قول الجبرية تعطيل الأسباب الدينية والدنيوية وذلك أن الله تعالى جعل الأسباب موصلة إلى مسبباتها، وأمر العباد بسلوك كل سبب نافع لهم في دينهم ودنياهم فكيف يؤمرون وهم مجبورون غير قادرين؟ فالقول بالجبر فيه فساد الدين والدنيا"١. أما الطائفة الثالثة وهم القدرية المشركون فكلامهم ظاهر البطلان وقد بين الله بطلانه في آيات متعددة. وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٤. وقال ابن سعدي في بيان بطلان احتجاج المشركين على شركهم بمشيئة الله وأن الله لو شاء ما أشركوا. "وهذه حجة باطلة فإنها لو كانت حقاً ما عاقب الله الذين من قبلهم حيث

стр. 92

أشركوا به فعاقبهم أشد العقاب فلو كان يحب ذلك منهم لما عذبهم وليس قصدهم بذلك إلا رد الحق الذي جاءت به الرسل وإلا فعندهم علم أنه لا حجة لهم على الله، فإن الله أمرهم ونهاهم ومكنهم من القيام بما كلفهم وجعل لهم قوة ومشيئة تصدر عنها أفعالهم فاحتجاجهم بالقضاء والقدر من أبطل الباطل. هذا وكل أحد يعلم بالحس قدرة الإنسان على كل فعل يريده من غير أن ينازعه منازع، فجمعوا بين تكذيب الله وتكذيب رسله وتكذيب الأمور العقلية والحسية"١. وقال في موضع آخر: "وهي حجة باطلة في نفسها عقلاً وشرعاً. فكل عاقل لا يقبل الاحتجاج بالقدر ولو سلكه في حالة من أحواله لم يثبت عليها قدمه. وأما شرعاً فإن الله تعالى أبطل الاحتجاج به ولم يذكره عن غير المشركين به المكذبين لرسله فإن الله تعالى قد أقام الحجة على العباد فلم يبق لأحد عليه حجة أصلاً"٢. رابعا: بيانه لمذهب أهل السنة والجماعة في القدر وتأييده له بالأدلة: وكما بين ابن سعدي بطلان الأقوال المتقدمة في القضاء والقدر في أفعال العباد وبعدها عن الصواب وانحرافها عن الصراط المستقيم. فقد بين أن القول الصواب في ذلك والحق الذي لا مرية فيه هو قول أهل السنة والجماعة؛ وذلك لتضافر أدلة الكتاب والسنة على صحته فبعد أن ذكر الأقوال السابقة وبين بطلانها قال: "فهذه الطوائف الثلاث هم خصماء الله في قضائه وقدره منهم من نفاه ومنهم من غلا فيه غلواً أوقعه في الباطل. وهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه بإذنه ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣. فأثبتوا عموم قضاء الله ونفوذ مشيئته في كل شيء، وأثبتوا مع ذلك أفعال العباد من الطاعات والمعاصي وقالوا إنها واقعة باختيارهم، ولا حجة للعاصين على الله إذا احتجوا على معاصيهم بقدره بل حجتهم داحضة باطلة، وقالوا إن مشيئة الله غير محبته

стр. 93

فمشيئته تعلقت بكل شيء موجود من خير وشر وطاعة ومعصية، ومحبته خاصة للطاعات وأهلها كما أخبر بذلك في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم١. وقال في موضع آخر شارحا مبيناً عقيدة السلف في ذلك وهي أنهم: "يقولون بما جاء به الكتاب والسنة من إثبات الأصلين: أحدهما: الاعتراف بأن جميع الأشياء كلها أعيانها وأوصافها بقضاء وقدر، لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والأصل الثاني: أن أفعال العباد من الطاعات والمعاصي وغيرها واقعة بإرادتهم وقدرتهم وأنهم لم يجبروا عليها، بل هم الذين فعلوها بما خلق الله لهم من القدرة والإرادة ويقولون لا منافاة بين الأمرين فالحوادث كلها التي من جملتها أفعال العباد بمشيئة الله وإرادته والعباد هم الفاعلون لأفعالهم المختارون لها، فهم الذين اختاروا فعل الخيرات وفعلوها، واختاروا ترك المعاصي فتركوها، فاستحق الأولون المدح والثواب، واستحق الآخرون الذم والعقاب، ولم يجبر الله أحداً منهم على خلاف مراده واختياره، فلا عذر للعاصين إذا عصوا وقالوا إن الله قدرهم علينا فلنا بذلك العذر. فيقال لهم: إن الله قد أعطاكم المكنة والقدرة على كل ما تريدون وأنتم بزيغكم وانحرافكم أردتم الشر ففعلتموه والله قد حذركم، وهيأ لكم كل سبب يصرف عن معاصيه، وأراكم سبيل الرشد فتركتموه وسبيل الغي فسلكتموه. وإذا أردت زيادة إيضاح لهذا المقام: فإنه من المعلوم لكل أحد: أن كل فعل يفعله العبد وكل كلام يتكلم به فلا بد فيه من أمرين: قدرة منه على ذلك الفعل والقول، وإرادة منه، فمتى اجتمعا: وجدت منه الأقوال والأفعال، والله تعالى خالق أفعال العباد، والعباد هم الفاعلون لها حقيقة ... وقد دلت أدلة الكتاب والسنة الكثيرة على أن الله خالق كل شيء وعلى كل شيء قدير، وأن كل شيء بقضاء وقدر الأعيان والأوصاف والأفعال. ودلت أيضاً أدلة الكتاب والسنة أن العباد هم الفاعلون لفعلهم حقيقة بقدرتهم واختيارهم، فإنه تعالى نسب إليهم وأضاف إليهم كل ما فعلوه من إيمان وكفر وطاعة ومعصية، وأنه تعالى مكنهم من هذا، ولكنه حبب الإيمان إلى المؤمنين وزينه

стр. 94

في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وولى الآخرين ما تولوا لأنفسهم حيث اختاروا الشر على الخير وأسباب العقاب على أسباب الثواب، وهذا كما أنه معلوم بالضرورة فهو معلوم بالحس الذي لا يمكن أحداً المكابرة فيه، فإن العبد يفرق بين أفعاله التي يقسر ويجبر ويقهر عليها، وبين أفعاله التي يختارها ويريدها ويحب حصولها"١. وقال ﵀ في بيان أفعال العباد: "أفعال العباد كلها من الطاعات والمعاصي داخلة في خلق الله وقضائه وقدره ولكنهم هم الفاعلون لها لم يجبرهم الله عليها مع أنها واقعة بمشيئتهم وقدرتهم فهي فعلهم حقيقة فهم الموصوفون بها المثابون والمعاقبون عليها وهي خلق الله حقيقة فإن الله خلقهم وخلق مشيئتهم وقدرتهم وجميع ما يقع بذلك، فنؤمن بجميع نصوص الكتاب والسنة الدالة على شمول خلق الله وقدرته لكل شيء من الأعيان والأوصاف والأفعال كما نؤمن بنصوص الكتاب والسنة الدالة على أن العباد هم الفاعلون حقيقة للخير والشر وأنهم مختارون لأفعالهم فإن الله خالق قدرتهم وإرادتهم وهما السبب في وجود أفعالهم وأقوالهم وخالق السبب التام خالق للمسبب، والله أعظم وأعدل من أن يجبرهم عليها"٢. وهذا آخر الحديث عن القضاء والقدر، وبه نصل إلى نهاية المبحث الأول المتعلق بتوحيد الربوبية، ويجدر أن أشير إلى أن توحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الأسماء والصفات؛ وذلك لأن الرب اسم من أسماء الله، والربوبية صفة من صفاته، والله أعلم.

стр. 95

المبحث الثاني توحيد الأسماء والصفات

стр. 96

المبحث الثاني توحيد الأسماء والصفات تمهيد: إن تدبر أسماء الله وصفاته وفهمها على مراد الله منها من أهم الأمور وأجلها؛ وذلك لما في هذا العمل من الفوائد العظيمة، والثمار النافعة. لذلك فقد اشتغل علماء الإسلام قديماً وحديثاً في بيان أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وشرحها وإيضاحها، والرد على من أنكرها أو أنكر بعضها، وألفوا في ذلك مؤلفات عديدة. وكان الشيخ ابن سعدي ﵀ ممن أسهم حديثاً في بيان الأسماء الحسنى والصفات العلى لما يرى في ذلك من الفوائد ولكونها من أجل العلوم وأنفعها. وقد عدد ﵀ فوائد عظيمة يحصل عليها المشتغل بهذا العلم النافع أذكر منها ما يلي:- أولا: إن هذا العلم أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، فالاشتغال بفهمه والبحث عنه اشتغال بأعلى المطالب، وحصوله للعبد من أشرف المواهب. ثانيا: إن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له، وهذا عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه في فهم معانيها. ثالثا: إن الله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه وهذا هو الغاية المطلوبة منهم فالاشتغال بذلك بما خلق له العبد وتركه وتضييعه إهمال لما خلق له، وقبيح بعبد لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيم من كل وجه أن يكون جاهلاً بربه معرضاً عن معرفته. رابعا: إن أحد أركان الإيمان بل أفضلها وأصلها الإيمان بالله وليس الإيمان مجرد قوله آمنت بالله من غير معرفته بربه، بل حقيقة الإيمان أن يعرف الذي يؤمن به ويبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين،

стр. 97

وبحسب معرفته بربه يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه ازداد إيمانه وكلما نقص نقص، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك تدبر صفاته وأسمائه من القرآن، والطريق في ذلك إذا مر به اسم من أسماء الله أن يثبت له ذلك المعنى وكماله وعمومه وينزهه عما يضاد ذلك. خامسا: إن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها، حتى إن العارف به حقيقة المعرفة يستدل بما عرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة، ولذلك لا يشرع ما يشرعه من الأحكام إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله، فأخباره كلها حق وصدق وأوامره ونواهيه عدل وحكمة. وهذا العلم أعظم وأشهر من أن ينبه عليه لوضوحه١. ولهذه الفوائد العظيمة وغيرها من الفوائد التي يحصل عليها من اشتغل بفهم أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فإن الشيخ ابن سعدي يحث على تعلمها ويبين أن الناس بأحوج ما يكونوا إليها إذ هي أعظم الضروريات. فيقول: "ولهذا فإنه لا أعظم حاجة وضرورة من معرفة النفوس بربها ومليكها الذي لا غنى لها عنه طرفة عين ولا صلاح لها ولا زكاء إلا بمعرفته وعبادته وكلما كان العبد أعرف بأسماء ربه وما يستحقه من صفات الكمال وما يتنزه عنه مما يضاد ذلك، كان أعظم إيماناً بالغيب واستحق من الثناء والمدح بحسب معرفته وموضع هذا تدبر أسمائه الحسنى التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله فيتأملها العبد اسماً اسماً ويعرف معنى ذلك وأن له تعالى من ذلك الاسم أكمله وأعظمه وأن هذا الكمال والعظمة ليس له منتهى، ويعرف أن ما ناقض هذا الكمال بوجه من الوجوه فإن الله تعالى منزه مقدس عنه...."٢. أقسام الناس في الأسماء والصفات وبيان منهج السلف فيها: بعد أن عرفنا أهمية الاشتغال بفهم الأسماء والصفات على مراد الله منها، فلنعلم أن الناس في ذلك ثلاثة أقسام طرفان ووسط.

стр. 98

فأما الطرفان فهم: النفاة المعطلون، والمشبهة المجسمون، وأما الوسط فهم أهل السنة والجماعة المؤمنون الموحدون. وهذا ما فصله الشيخ ابن سعدي في كتبه في أكثر من موضع حيث يقول: "الناس في هذا المقام ثلاثة أقسام: مؤمن موحد، ومشبه، ومعطلن فالمؤمن الموحد: يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله من صفات الكمال على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته من غير تمثيل ولا تشبيه ومن غير تحريف ولا تعطيل لشيء من أوصاف الله. والمشبه: هو الذي يشبه صفات الخالق بصفات المخلوقين أو يعترض لمعرفة كنهها وحقيقتها التي لا يعلمها غير الله. والمعطل: هو من نفى شيئاً من صفات الله"١. وقد بين ابن سعدي أن كلاً من التشبيه، والتعطيل بعيدان عن الصواب وأن الطريق النافع والذي يجب أن يسلكه كل مسلم هو طريق أهل السنة والجماعة. فقال: "وكل من المعطل والمشبه قد حرم الوصول إلى معرفة الله على وجهها المطلوب، وابتلي بالتكلف والتحريف لنصوص الوحي، وكما أنه مناقض للوحي فهو مناقض لما دلت عليه العقول والفطرة التي لن يطرأ عليها التغير، فلا معقول لديهم ولا منقول. وهدى الله أهل السنة والجماعة لاتباع الحق المنقول عن الله وعن رسله، والمعقول لذوي الألباب، وذلك يظهر بتدبر ما عليه هذه الطوائف في المسائل والدلائل وتحقيقها ونسأل الله الهداية لأقوم الطرق"٢. منهج السلف في الأسماء والصفات: عرفنا أن أهدى الطرق وأعدلها في الأسماء والصفات هو ما سلكه أهل السنة والجماعة من فهم لها على مراد الله منها، ولذلك أصبح منهجهم هو الذي يجب أن يحتذي ويسار عليه. ويتلخص منهج السلف في الأسماء والصفات في النقاط التالية: ـ أنهم يقرون ويعتقدون بجميع ما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته وأفعاله.

стр. 99

ـ فيثبتون لله جميع ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال ونعوت الجلال. ـ وينفون عنه جميع ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص والعيوب. ـ من غير تحريف١ ولا تعطيل٢،ومن غير تكييف٣ ولا تمثيل٤. وهذا هو المنهج الحق الذي لا مرية فيه، وقد سلك ابن سعدي هذا المنهج الحق في بيان توحيد الأسماء والصفات وسار عليه، وأطال ﵀ في مؤلفاته في تقرير هذا المنهج والرد على من خالفه من سائر طوائف الضلال، ولا سيما في كتابيه: الحق الواضح المبين، وتوضيح الكافية الشافية. ومما قاله في تقرير هذا المسلك أنه عرف توحيد الأسماء والصفات بأنه "اعتقاد انفراد الرب ﷻ بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك..... وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها، الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفي لشيء منها ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص والعيوب وعن كل ما ينافي كماله"٥. لذلك كان في تفسيره للقرآن إذا مر بآيات تدل على ذلك، أشار إليها وبين وجه دلالتها على صحة هذا المنهج في أسماء الله وصفاته. فمن ذلك ما قاله عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦. قال: "وهذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة من إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات، وفيها رد على المشبهة في قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وعلى المعطلة في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٧.

стр. 100

وقال في نهاية تفسير سورة الإخلاص: "فهذه السورة مشتملة على توحيد الأسماء والصفات"١. كما أشار إلى ذلك في غير التفسير من كتبه. فقال في المواهب الربانية: "قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ اشتملت على أن الله تعالى كامل الأسماء والصفات عظيم النعوت، جليل القدر وليس له في ذلك شبيه ولا نظير ولا سمي بل قد تفرد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات"٢. وقال في خلاصة التفسير بعد أن ذكر قصة آدم وأخذ يعدد ما يستنبط منها من فوائد، قال: " ومنها "أي الفوائد" أن فيها دلالة لمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين لله ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات كلها، لا فرق بين صفات الذات ولا بين صفات الأفعال"٣. وقد بين ﵀ أن هذا المنهج في الأسماء والصفات هو المنهج الذي يقرره الله في كتابه، وهو المنهج الذي اتفقت عليه الرسل أجمعون. حيث يقول: " انظر إلى توحيد الله وتفرده بالوحدانية، وتوحده بصفات الكمال، كيف كانت الكتب السماوية مشحونة بها، بل هي المقصد الأعظم، وخصوصاً القرآن الذي هو من أوله إلى آخره يقرر هذا الأصل الذي هو أكبر الأصول وأعظمها. وانظر كيف اتفقت جميع الرسل والأنبياء وخصوصاً خاتمهم وإمامهم محمد ﷺ ، على توحيد الله وأنه متفرد بالوحدانية وعظمة الصفات: من سعة العلم، وشمول القدرة والإرادة وعموم الحجة والحكمة والملك والمجد والسلطان والجلال والجمال والحسن والإحسان في أسمائه وصفاته وأفعاله"٤. ومعلوم أن المنهج الذي أنزلت به الكتب واتفقت عليه الرسل هو المنهج الحق الذي لا يجوز العدول عنه، بل إن العدول عنه إلى غيره بعد وضلال واستبدال للذي هو أدنى بالذي هو خير، وكلما ازداد الإنسان رغبة في غيره من المناهج ازداد بعداً عن الطريق المستقيم، وكلما بعد عن الطريق المستقيم ازداد إلحاده في أسماء الله وصفاته.

стр. 101

والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وأول من عدل عن هذا الطريق من طوائف الضلال هم الجهمية المنسبون إلى الجهم بن صفوان، فهم أول الطوائف إنكاراً للأسماء والصفات. قال ابن سعدي في بيان ذلك: "وكان الجهم بن صفوان معروفاً بين الأمة بهذه البدعة الشنعاء الجامعة لشرور كثيرة أعظمها وأطمها نفي صفات الله التي تواترت في الكتاب والسنة واتفق عليها جميع سلف الأمة"٢. ثم أوضح ﵀ أن جميع من جاء بعده من طوائف الضلال من معتزلة وأشعرية وكلابية وغيرهم ـ أخذوا عنه فهو رأسهم وشيخهم وسلفهم في هذا المنهج. أما أهل السنة والجماعة فقد سلمهم الله من هذا الضلال بأن وفقهم لسلوك الصراط المستقيم والمنهج القويم. قال ﵀ في إيضاح ذلك: "فأخذت طوائف البدع من أقوال جهم بحسب بعدهم من مذهب السلف: ـ فطائفة أثبتت الأسماء ونفت الصفات، وهم الجهمية والمعتزلة. ـ وطائفة غلت فنفت الأسماء الحسنى. ـ وطائفة وافقت الجهمية بنفي الأفعال الاختيارية، ووافقوا السلف في إثبات الصفات السبع وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وهم الأشعرية والماتريدية٣, ـ وطائفة أخذت بقوله إن العباد مجبورون على أفعالهم وهم الملقبون بالجبرية. ـ وطائفة وافقته في أن القرآن الموجود المحفوظ في الصدور المكتوب في المصاحف مخلوق، والمعنى القديم النفسي غير مخلوق، كالكلابية والأشعرية". ثم قال ﵀: "ونجى الله أهل السنة والجماعة من جميع أقواله الباطنة فأثبتوا جميع أسماء الله

стр. 102

الحسنى وما دلت عليه من الصفات العليا ولا فرق بين الصفات الذاتية المتعلقة بذاته التي لا ينفك عنها كالحياة والعلم والقدرة والإرادة ونحوها، ولا بين صفات الأفعال القائمة بذاته المتصف بها المتعلقة بمشيئته وقدرته ... "١. ومذاهب هؤلاء جميعهم مبنية على التقول على الله بغير علم وتأويل الصفات على غير المراد منها، وقد بين ﵀ خطورة التقول على الله بغير علم، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢. فقال ﵀: "يدخل في ذلك القول على الله بلا علم في شرعه وقدره فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله أو نفى عنه ما أثبته لنفسه أو أثبت له ما نفاه عن نفسه فقد قال على الله بلا علم. إلى أن قال: ومن أعظم القول على الله بلا علم أن يتأول المتأول كلامه، أو كلام رسوله على معاني اصطلح عليها طائفة من طوائف الضلال ثم يقول إن الله أرادها. فالقول على الله أكبر المحرمات أشملها وأكبر طرق الشيطان التي يدعوا إليها"٣. وقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ٤: "ويدخل في هذا كل من كذب على الله بنسبه شريك له أو وصفه بما لا يليق بجلاله أو الإخبار عنه بما لم يقل"٥. وبين ﵀ أنه لا يتم إيمان أحد بتوحيد الأسماء والصفات حتى يترك التأويل ويؤمن بجميع الصفات على مراد الله منها فقال: "ولا يتم توحيد الأسماء والصفات حتى يعترف، ويؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة والأسماء والصفات والأفعال، وأحكامها وعلى وجه يليق بعظمة الباري، ويعلم أنه كما لا يماثله أحد في ذاته فلا يماثله أحد في صفاته، ومن ظن أن في بعض النقليات ما يوجب تأويل بعض الصفات على غير المعروف فقد ضل ضلالاً مبيناً"٦. هذا وإن المتكلمين جميعهم قد جعلوا التأويل مطية لهم، فمتى رأوا النصوص تخالف قولتهم أولوها، وقالوا ظاهرها غير مراد، فحرفوا بذلك معاني نصوص الكتاب والسنة.

стр. 103

قال ابن سعدي مشيراً إلى هذا الواقع: "إن المتكلمين بالكلام الباطل من جهمية ومعتزلة وقدرية وكلابية وأشعرية، قد اشتركوا في نفي صفات الباري، وقد تقاوتوا في كثرة ما ينفونه منها، وكل فريق منهم فيما ينفيه من الصفات إذا وردت عليه النصوص من الكتاب والسنة في إثباتها تأولها تأويلات تنفي ما تدل عليه من المعاني الصريحة الظاهرة الحقة، وصرفها لمعان باطلة لا تدل عليها. ثم بين الذي شجعهم على ذلك فقال: وجرأهم على ذلك التأويل أنهم سموا المعاني الفلسفية والأصول اليونانية قواطع عقلية وبراهين يقينية وأدلة الكتاب والسنة ظواهر لفظية قابلة للتأويل فسطوا عليها بالتأويلات الباطلة التي يجزم كل ذي بصيرة أنها خلاف مراد الله ورسوله منها"١. موقفه من التأويل: إن التأويل يعد من أخطر معاول الهدم للإسلام، إذ به استطاعت جميع طوائف الضلال أن تروج باطلها، فالجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم لا يجدون من نصوص الكتاب والسنة ما يدل على باطلهم بل إن نصوص الكتاب والسنة صريحة في الرد عليهم؛ ولذلك لجؤوا إلى التأويل فجعلوه مطية لهم، فأولوا نصوص المخالفة لهم وقالوا: "إن ظاهرها غير مراد"، وهكذا استطاعوا إفساد عقائد كثير من الناس بهذه التأويلات الفاسدة. مما جعل علماء الإسلام قديما وحديثا يقومون بالتصدي لهذا النوع من التأويل وبيان فساده وضرره على الإسلام والمسلمين. وإن من أبرز من قام بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر مؤلفاته ولا سيما كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل ورسالة الإكليل في المتشابه والتأويل وغيرهما لهذا يقول الدكتور محمد الجليند في كتابه الإمام ابن تيمية وقضية التأويل عن ابن تيمية أنه "أبرز مفكر إسلامي عالج هذه القضية"٢. ومن علمائنا المعاصرين الذين قاموا بمعالجة هذه القضية الشيخ ابن سعدي فقد تناول ﵀ هذه القضية في مواضع متعددة من مؤلفاته، وبين فساد التأويل وأنه جر وبالاً على الإسلام.

стр. 104

قال ﵀: "ولا يرتاب عارف أن جميع المصائب التي جرت في صدر الإسلام وبعد ذلك، ووقوع الفتن والاقتتال والتحزبات كلها متفرعة عن التأويل الباطل الذي لا ينتج إلا شراً"١. ثم عدد جملة من أضراره فقال: " فالتأويل الباطل سبب فتن الأقوال والبدع الاعتقادية والفتن الفعلية، فلم يزل التأويل يتوسع وكل بدعة متأخرة تحدث من التأويلات الباطلة غير ما أحدثته التي قبلها ... "٢. وقال عند تفسيره لقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ، "وفيه رد على المتكلمين من الجهمية ونحوهم ممن يرى أن كثيراً من نصوص القرآن محمولة على غير ظاهرها ولها معان غير ما يفهم منها فإذاً على قولهم لا يكون القرآن أحسن تفسيراً من غيره، وإنما التفسير الأحسن على زعمهم تفسيرهم الذي حرفوا له المعاني تحريفاً"٣. أنواع التأويل: وقد صار للتأويل بسبب تعدد الاصطلاحات ثلاثة معان فصلها شيخ الإسلام في أكثر من موضع من كتبه. أحدها: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير واختلف علماء التأويل، ومجاهد إمام المفسرين إذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره. الثاني: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَق﴾ ٤. فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء، والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْل﴾ ٥ فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا.

стр. 105

والثالث: أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله. وهذا التأويل في كثير من المواضع، أو أكثرها وعامتها من باب تحريف الكلم عن مواضعه١. وجميع هذه الأنواع تناولها الشيخ ابن سعدي في مؤلفاته، وقد تقدم معنا ذمه للنوع الأخير، وأما النوع الأول والثاني فقد قال عنهما: "وأما التأويل الذي يراد به تفسير مراد الله ومراد رسوله بالطرق الموصلة إلى ذلك فهذه طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان وهي التي أمر الله ورسوله بها ومدح أهلها. وكذلك التأويل الذي هو بمعنى ما يؤول إليه الأمر من العمل بأمر الله ومن فهمه ما يؤول إليه الخبر فلفظ التأويل في الكتاب والسنة الغالب عليه هذان الأمران.... إلى أن قال: فتبين أن التأويل الصحيح كله يعود إلى فهم مراد الله ورسوله وإلى العمل بالخبر وأن التأويل الباطل يراد به ضد ذلك ويراد به صرف النصوص عن معناها الذي أراده الله ورسوله إلى بدعهم وضلالهم وهو من أعظم ما يدخل في القول على الله بلا علم"٢. وهذا النوع الأخير تقدم معنا في كلام شيخ الإسلام أن عامته باطل؛ لذلك فإن هناك شروطاً لمن ادعى هذا النوع من التأويل إن توفرت في تأويله كان صحيحاً وإلا فهو من التأويل الباطل. وهي أربعة شروط ذكرها الشيخ ابن سعدي في توضيح الكافية الشافية: (أحدها) : أن يأتي بدليل يدل على قوله؛ لأنه خلاف الأصل فإن الأصل حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته فمن ادعى خلاف ذلك فعليه البرهان، فإذا أتى بدليل طولب بأمر (ثاني) : وهو أن ذلك الذي تأوله إلى ذلك المعنى يحتمله؛ لأنه لا بد أن يكون بين الألفاظ والمعاني ارتباط وتناسب؛ لأنه باللسان العربي أنزله الله ليعقله العباد إذا تدبروا ألفاظه فهل يمكن أن يعقلوا أو يفهموا ما ليس له ارتباط ودلالة على المعاني من ذات اللفظ ونفس العبارة بحيث لا يحتاجون إلى أمور خارجية فإذا أتى بما يدل ويحتمل ذلك المعنى الذي عينه وهيهات له ذلك طولب بأمر (ثالث) : وهو تعيينه المعنى الذي تأول اللفظ له فهب أن ظاهره غير مراد فلا بد من دليل يعين المعنى الذي صرفه إليه ويخصصه به فإن التخصيص من دون دليل من باب التكهن والتخرص؛ لأن اللفظ

стр. 106

لا يدل عليه بخصوصه، فقد يكون القصد به معنى غير الذي عينوه، وقد يكون اللفظ متعبداً بتلاوته ولفظه مجرداً عن المعاني وهو أولى من تحريفهم أو إتيانهم بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، وإن كان الأمران ينافيان حكمة الباري لكن التعبد أهون من التحريف. فإن فرض أنه تأول على غير ظاهره وأتى بدليل على الاحتمال وعلى التعين طولب بأمر (رابع) وهو الجواب عن المعارض؛ لأن الدعوى لا تتم إلا بذلك. والمعارض للنفي هو جميع الأدلة النقلية من الكتاب والسنة والأدلة العقلية والفطرة"١. ويلاحظ أن هذه الشروط عسيرة ولا يمكن توفرها في تأويلاتهم الباطلة وبهذا يفهم قول شيخ الإسلام المتقدم عن هذه التأويلات أن عامتها باطلة. والمقصود أن الشيخ ابن سعدي كغيره من علماء أهل السنة يرى فساد هذا النوع من التأويل وبطلانه، وأما النوعان الأولان فقد بين أنهما صحيحان وأنهما متعارف عليهما عند السلف الصالح. ولذلك قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢. " التأويل يطلق بمعنى التفسير والعلم به، ويطلق بمعنى بيان الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، فإن كان الأول فيكون قوله (والراسخون) معطوفاً على قوله (إلا الله) وعلى هذا فإن معناه أن المتشابه هو ضد المحكم. وهو الذي فيه احتمالات، فالرسخون في العلم يفهمونه ويرجعونه إلى المحكم، فالنص الصريح يقضي على النص الذي فيه عدة احتمالات. وإن كان الثاني: فالتأويل الذي هو بمعنى نفس حقيقة المخبر عنه من صفات اليوم الآخر لا يعلم كنه ذلك وكيفيته إلا الله تعالى، فيكون الوقوف على (إلا الله) ويكون معنى قوله (والراسخون في العلم) بمعنى أنهم يفوضون معرفة الكنه والكيفية

стр. 107

إلى الله، ويقولون (آمنا به كل من عند ربنا) أي: وما كان من عند ربنا فهو حق، سواء عرفنا كنهه أم لا. وكلا القولين صحيح، وقد قال بكل منهما طائفة من السلف، والجمع بينهما على ما ذكرنا من اختلاف معنى التأويل أولى وأحسن"١. كلامه في ذم الإلحاد في أسماء الله:- إن النوع الباطل من التأويل يعد من الإلحاد في أسماء الله ومن الميل والعدول بها عن مرادها، وقد حذر الله في كتابه من الإلحاد في أسمائه أشد التحذير، بعد أن بين أن له الأسماء الحسنى، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. فالواجب على كل مسلم أن يقر ويعترف بجميع ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من صفات الكمال وأن ينفي عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله من صفات النقص من غير إلحاد فيها وذلك بأن يحرفها أو يعطلها عن معانيها أو يشبهها بأوصاف المخلوقين أو يكيفها أو غير ذلك من أنواع الإلحاد. بل الواجب أن يثبتها على مراد الله وأن يحذر غاية الحذر من الإلحاد فيها. والإلحادُ في أسماء الله له أنواع متعددة: أـ أن يسمى بها من لا يستحقها مثل تسمية المشركين أصنامهم بأسماء الله فسموا العزى من العزيز واللات من إله وهكذا. ب ـ أن تعطل عن معانيها كقول المعتزلة سميع بلا سمع بصير بلا بصر. جـ ـ أن يشبه بها غيره؛ كقول المشبهة يد كأيدينا. د ـ أن يحاول تكييفها ومعرفة كنهها. وكل هذه الأنواع ترجع إلى الميل بها عن مراد الله منها، وقد ذم الشيخ ابن سعدي الإلحاد في أسماء الله وصفاته وحذر منه بجميع أنواعه، وبين أن نفي الإلحاد عن أسماء الله وصفاته من تمام الإيمان بها. فقال ﵀ (ونفي الإلحاد في أسماء الله وصفاته من تمام إثبات صفات الكمال

стр. 108

وتفرد الرب بنعوت العظمة والجلال، فعلى العبد المؤمن أن يحققها علماً وتعبداً لله بها ونفياً للإلحاد فيها"١. وقال: " فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها ويحذر الملحدون فيها"٢. وقال في بيان حقيقة الإلحاد وأنواعه "وحقيقة الإلحاد في أسماء الله وصفاته الميل بها عما جعلت له. إما بأن يسم بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله وإما أن يشبه بها غيرها"٣. فالواجب إذاً على المسلم أن يسلك في أسماء الله وصفاته ما سلكه السلف الصالح من صحابة وتابعين من فهم لها على مراد الله منها ومراد رسوله ﷺ . وقد وضع لهذا المنهج قواعد مبينة له وبها يسهل معرفته. قواعد في الأسماء والصفات:- بيان أهمية القواعد واهتمام السعدي بها: إن معرفة القواعد وإتقانها من أهم العلوم وأعظمها فائدة؛ وذلك أن القواعد يسهل حفظها فإذا حفظت وفهمت يمكن التفريع عليها؛ لذلك اعتنى العلماء بوضع القواعد في جميع الفنون، وليس هناك فن إلا وتجد له قواعد وأصولاً كثيرة تنتهج. وقد اعتنى ابن سعدي بتدوين القواعد الكلية وأشار إلى أهميتها وفوائدها في غير موضع، ومن ذلك قوله: "ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان والأصول للأشجار لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطرداً، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيراً كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها ولها من الفوائد الكثيرة غير ما ذكرنا"٤.

стр. 109

ومما يؤكد اهتمام الشيخ واعتناءه بها أنه أفرد ثلاثة كتب من مؤلفاته خصها بذكر القواعد الكلية الجامعة. وهي: كتاب طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول وكتاب القواعد والأصول الجامعة، والفروع والتقاسيم والبديعة النافعة، وكتاب القواعد الحسان لتفسير القرآن، وله منظومة في القواعد الفقهية. لهذا سأذكر جملة من القواعد في الأسماء والصفات التي اختارها ابن سعدي وتعرض لها في مؤلفاته. وهي جملة من القواعد انتقاها الشيخ واختارها من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية. وأذكر بيانه لها؛ وذلك لأن تقرير القواعد وتأصيلها من منهجه كما تبين، ولا سيما في مجال العقيدة. وهذه القواعد الآتية وإن كانت ليست من استنتاج الشيخ إلا أن ذكره لها وعنايته بشرحها وتوضيحها يدل على شدة اهتمامه بالقواعد. القاعدة الأولى: (أسماء الله كلها حسنى) . هذه القاعدة من القواعد الثابتة المتقررة في الشريعة المتفق عليها عند السلف الصالح، وقد ورود في القرآن الكريم عدة نصوص تدل على هذه القاعدة، منها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢. وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣. وهذه القاعدة من القواعد التي اهتم بها ابن سعدي وتناولها بالشرح والإيضاح.

стр. 110

قال ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١ "هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى"٢. وقال عند قوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ "أي له الأسماء الكثيرة جداً، التي لا يحصيها ولا يعلمها أحد إلا هو ومع ذلك فكلها حسنى"٤. وقال في بيان وجه كونها حسنى هو "أن كل اسم دل على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى. فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علماً محضاً لم تكن حسنى، وكذلك لو دلت على صفة، ليست بصفة كمال بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح لم تكن حسنى. فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتق منها مستغرق لجميع معناها، وذلك نحو "العليم" الدال على أن له علماً محيطاً عاماً لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء"٥. وقال: "ومن حسنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها، لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب من يحبها ويحب من يحفظها، ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها"٦. القاعدة الثانية:- (أسماء الله كلها توقيفية) . ومعنى ذلك أنه ليس هناك وسيلة لمعرفة أسماء الله وصفاته إلا عن طريق الرسل الذين يبلغون عن الله. وذلك أن الإيمان بالله وصفاته من الإيمان بالغيب، ولا يمكن معرفة الغيب إلا عن طريق الوحي وقد أثنى الله على المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب وبين أن الإيمان بالغيب من صفات المتقين، فقال سبحانه: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٧.
следующие страницы →