وحديث جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة"١.
وحديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق"٢.
وحديث أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" ثلاثاً: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وكان رسول الله ﷺ متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت"٣.
وغيرها من الأحاديث.
ولقد اهتم سعدي ببيان خطورة الإشراك بالله وشناعته، وقبح فاعله وضلاله، وبين أن الله وملائكته ورسله قد حذروا من هذا العمل وبين أن ما عبد من دون الله لا يملك لنفسه ضراً ولا رشداً وأن النافع الضار هو الله إلى غير ذلك من الجوانب التي تناولها في سبيل بيان قبح الشرك.
قال ﵀: "فالله وملائكته ورسله قد نهوا عن الشرك، وذموا من عمله أشد الذم، ورتبوا عليه من الأسماء المذمومة والأوصاف المقبوحة ما كان به متعاطية أشنع الخلق وصفاً وأقبحهم نعتاً، وله في الخذلان في أمر دينه ودنياه بحسب ما تركه من التعلق بربه.
فمن تعلق بغيره فهو مخذول، قد وكل إلى من تعلق به، ولا أحد من الخلق ينفع أحداً إلا بإذن الله"٤.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ ٥.
"فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلاً وشرعاً، ودل تنبيهه وإشارته أن الذي يجب ويحسن عبادته من له الكمال الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو الله تعالى"٦.
стр. 177
وقال عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١: ".. فالمخلوقات كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه حتى ينتهي القهر للواحد القهار، فالقهر والتوحيد متلازمان متبينان لله وحده.
فتبين بالدليل العقلي القاهر أن ما يدعى من دون الله ليس له شيء من خلق المخلوقات وبذلك كانت عبادته باطلة"٢.
وقال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... ﴾ ٣.
".... الشرك لا يغفره الله لتضمنه القدح في رب العالمين، ووحدانيته وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه والغني التام بجميع وجوه الاعتبارات.
فمن أعظم الظلم، وأبعد الضلال، عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق الذي ليس له من صفات الكمال شيء ولا له من صفات الغني شيء بل ليس له إلا لعدم، عدم الوجود، وعدم الكمال وعدم الغنى من جميع الوجوه"٤.
وقال في بيان وجه كون الشرك ظلماً عظيماً، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
"ووجه كونه ظلماً عظيماً، أنه لا أفظع ولا أبشع ممن سوّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسوّى الذي لا يملك من الأمر شيئاً بمالك الأمر كله وسوى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوى من لا يستطيع أن ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه ولا يصرف السوء إلا هو. فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟
وهل أعظم ظلماً ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة فجعلها في أخس المراتب؟ جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئاً"٦.
стр. 178
وبين أن كل من عبد أحداً غير الله وأشركه معه في العبادة يكون بعمله هذا طائعاً عابداً للشيطان؛ لأنه امتثل أمره وحقق مراده ومقصوده.
فقال عند قوله تعالى: ﴿لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ١ أي لا تطيعوه، وهذا التوبيخ يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي؛ لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له"٢.
ويكفي في بيان ذم الشرك وخطره قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣.
فهو الذنب الوحيد المتميز عن بقية الذنوب بعدم المغفرة لصاحبه إذا مات ولم يتب منه، وأما بقية الذنوب فإن صاحبها إن مات ولم يتب منها فإنه تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
قال ﵀: "فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسباباً كثيرة كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين، بعضهم لبعض وشفاعة الشافعين، ومن دون ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد.
وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئاً"٤.
كلامه عن سبب أول شرك حصل في بني آدم:
بين الشيخ ابن سعدي عند تفسيره لسورة نوح ما قرره ابن عباس وغيره من أئمة السلف أن أول شرك حصل من بني آدم سببه هو تعظيم الصالحين وقبورهم، ورفعهم فوق منزلتهم حيث بين أن الناس مكثوا بعد آدم على ملة الإسلام يعبدون الله وحده
стр. 179
فأفسد الشيطان عليهم دينهم بأن أملى لهم تعظيم الصالحين ثم ترقى بهم إلى أن جعلهم يعبدونهم من دون الله.
قال في خلاصة التفسير: "مكث البشر بعد آدم قروناً طويلة وهم أمة واحدة على الهدى، ثم اختلفوا وأدخلت عليهم الشياطين والشرور المتنوعة بطرق كثيرة فكان قوم نوح قد مات منهم أناس صالحون فحزنوا عليهم فجاءهم الشيطان فأمرهم أن يصوروا تماثيلهم ليتسلوا بهم وليتذكروا بها أحوالهم، فكان هذا مبتدأ الشر.
فلما هلك الذين صوروهم لهذا المعنى جاء من بعدهم وقد اضمحل العلم فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً قد كانوا أولوكم يدعونهم ويستشفعون بهم، وبهم يسقون الغيث وتزول الأمراض، فلم يزل بهم حتى انهمكوا في عبادتهم على رغم نصح الناصحين.
ثم بعث الله فيهم نوحاً ﵇ يعرفونه ويعرفون صدقه وأمانته وكمال أخلاقه فقال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١ " ٢.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ٣.
"وهذه أسماء رجال صالحين لما ماتوا زين الشيطان لقومهم أن يصوروا صورهم لينشطوا بزعمهم على الطاعة إذا رأوها.
ثم طال الأمد وجاء غير أولئك فقال لهم الشيطان إن أسلافكم كانوا يعبدونهم ويتوسلون بهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم"٤.
كلامه عن فطرية التوحيد وأن الشرك طارئ على البشرية:
هذه المسألة للناس فيها قولان:
القول الأول: هو أن الله خلق الناس حنفاء على عقيدة واحدة وهي عقيدة التوحيد ثم عرضت لهذه العقيدة انحرافات فمال الناس وانحرفوا إلى الوثنية والشرك بالله وهذا القول هو القول الحق، الذي لا شك فيه والذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، ولا يعرف أحد من العلماء المعتبرين قال بخلافه.
стр. 180
أما القول الثاني: فهو أن التدين بدأ بالخرافة والشرك وعبادة غير الله ثم أخذ يتطور إلى أن أفرد الله وحده بالعبادة١.
ولا شك أن هذا القول باطل فاسد يخالف نصوص الكتاب والسنة، بل إن نصوص الكتاب والسنة تدل على بطلانه٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٤. وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥.
وقال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٦.
وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم"٧.
وقال ﷺ : "كل مولود يولد على الفطر فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"٨.
وغيرها من النصوص، وهي كلها تدل على بطلان القول الثاني، وأن الصواب الموافق للكتاب والسنة وهو القول الأول، من أن الأصل في الناس التوحيد والشرك طارئ وحادث فيهم.
وقد بين ابن سعدي أن الأصل في الناس التوحيد وأنهم مفطورون على العقيدة، وأن الشرك والانحراف عن هذه العقيدة طارئ على البشرية.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٩.
"متفقين على الدين الصحيح، ولكنهم اختلفوا فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين"١٠
стр. 181
وقال: "مكث البشر بعد آدم قرونا وهم أمة واحدة على الهدى ثم اختلفوا"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٢ بعد أن بين أن الناس جميعا مفطورون على التوحيد وأن هذا الأصل في جميع الناس قال: "ومن خرج عن هذا الأصل فعارض عرض لفطرته أفسدها كما قال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو نصرانه أو مجسانه"٣ ٤.
تنبيه:
قال الشيخ ابن سعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٥.
قال: "أي كان الناس مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء ليس لهم نور ولا إيمان فرحمهم الله تعالى بإرسال الرسل إليهم"٦.
وهذه الآية ذكر ابن كثير فيها قولين عن السلف وكلاهما ينسب إلى ابن عباس
أحدهما: أنهم كانوا على الهدى جميعهم.
والثاني: أنهم كانوا كفاراً.
ثم قال بعد ذكر هذين القولين: "والقول الأول عن ابن عباس أصح سنداً، ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحاً ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"٧.
ولا ريب أن قول ابن سعدي المذكور آخراً يتعارض مع أقواله المتقدمة إلا إذا حمل على أن المراد بالناس في الآية الأقوام التي كفرت بالله بعد أن فطرت على التوحيد، وهذا له وجه من الصحة.
ومن أمعن النظر في أقواله المتقدمة التي ذكر فيها أن الناس كانوا على التوحيد ثم حصل منهم الكفر، عرف صحة هذا المحمل.
والمقصود أن ابن سعدي يرى أن الشرك طارئ على الناس بعد أن خلقوا حنفاء موحدين.
стр. 182
كلامه في الفرق بين الكفر والشرك:
ذكر الشيخ ابن سعدي فارقاً بين الكفر والشرك وهو أن الكفر أشمل من الشرك بحيث أنه كل شرك كفر وليس كل كفر شركاً.
ومثال ذلك الاستهزاء برسول الله ﷺ أو القرآن كفر وليس شركاً.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١.
فهذا العمل كفر وليس بشرك، أما الأمور الشركية كعبادة غير الله من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم ودعائهم من دون الله، وطلب الحوائج منهم، وغير ذلك من الشركيات، فإنها كلها كفرية.
قال ابن سعدي في بيان هذا الفارق بين الكفر والشرك: "الكفر أعم من الشرك فمن جحد ما جاء به الرسول أو جحد بعضه بلا تأويل فهو كافر من أي دين يكون سواء كان صاحبه معانداً أو جاهلاً ضالاً ... "٢.
وبين أن الكفر نوعان كفر أكبر مخرج من الدين كالتكذيب لله ورسوله، وكفر أصغر كالاقتتال بين المسلمين والنياحة والتبرؤ من النسب٣
كلامه في أنواع الشرك:
قسم ابن سعدي الشرك إلى نوعين: شرك أكبر مخرج من الملة، وشرك أصغر. وبين أن العبد لا يتم له توحيد العبادة حتى يتبرأ من الشرك بنوعيه.
فقال: "الشرك المناقض لتوحيد الألوهية نوعان:
جلي ظاهر مخرج من دائرة الإسلام وهو الشرك الأكبر، وهذا النوع لا يقبل الغفران. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤.
وتفسيره: أن يتخذ العبد لله نداً يحبه كمحبة الله أو يرجوه أو يخافه كخوفه من الله
стр. 183
أو يدعوه أو يصرف له نوعاً من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة. وفي هذا المقام لا فرق بين الملائكة والأنبياء والأولياء الصالحين والطالحين والأشجار والأحجار وغيرها.
فمن صرف لشيء منها نوعاً من العبادة فهو مشرك كافر قد سواها بربه في هذا الحق الذي يختص به، فإن العبودية لا حق فيها لملك مقرب ولا نبي مرسل ولا غيرهما، بل هم مفتقرون غاية الافتقار إلى تألههم وتعبدهم لله.
وأما الشرك الأصغر: فهو كل وسيلة يتوسل بها ويتطرق إلى الشرك الأكبر بشرط أن لا يبلغ مرتبة العبادة كالحلف بغير الله وكالرياء والتصنع للمخلوقين ونحو ذلك من الأقوال المؤدية إلى الشرك.
فلا يتم للعبد توحيد حتى يتبرأ من الشرك كله جليه وخفيه ظاهره وباطنه الأقوال منه والأفعال، وتكون أعماله كلها خالصة. متبعا سنة رسول الله ﷺ "١.
الفوارق بين الشرك الأكبر والأصغر:
وقد ذكر ابن سعدي جملة من الفوارق بين الشرك الأكبر والأصغر، وهي فوارق هامة.
قال ﵀: "اعلم أن الشرك الأكبر، والشرك الأصغر يفترقان في أحكام كثيرة دل عليها الكتاب والسنة والإجماع: يفترقان في حدهما: أما الشرك الأكبر فهو: صرف نوع من العبادة لغير الله تعالى فكل ما ثبت في الكتاب والسنة من العبادات إذا صرف العبد منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر.
وأما حد الشرك الأصغر فهو كل وسيلة يخشى أن توصل صاحبها إلى الشرك الأكبر كالحلف بغير الله، وكالرياء والسمعة وكالغلو في المخلوق الذي لا يصل إلى رتبة عبادته، فهذا هو أصل الفروق بينهما.
الفرق الثاني، والثالث: أن الشرك الأكبر محكوم على صاحبه بالكفر والخروج من الإسلام، ومحكوم عليه أيضاً بالخلود في النار، وتحريم دخول الجنة.
وأما الشرك الأصغر فهو بخلاف ذلك في الحكمين فإنه لا يحكم على صاحبه بالكفر ولا الخروج من الإسلام، ولا يخلد في النار إذا لم يفعل مكفراً آخر.
стр. 184
فهذه الأحكام الثلاثة وما يترتب عليها من التفريعات المبنية عليها لم يختلف فيها أهل العلم لأن نصوص الكتاب والسنة فيها كثيرة قاطعة صريحة"١.
هل الشرك الأصغر تحت المشيئة مثل الكبائر أم هو مثل الشرك الأكبر:
تقدم معنا من النصوص ما يدل على أن ذنب الشرك لا يغفره الله إذا مات صاحبه وهو لم يتب منه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
وهنا يرد سؤال هل الشرك الأصغر داخل في عموم هذه الآية بحيث أن فاعله إذا مات عليه يكون معاقباً بإدخاله نار جهنم أم أنه كبقية الذنوب التي دون الشرك.
هذه المسألة بحثها الشيخ ابن سعدي وذكر فيها كلاماً نفيساً. حيث يقول: "من لحظ إلى عموم الآية، وأنه لم يخص شركاً دون شرك أدخل فيها الشرك الأصغر وقال إنه لا يغفر بل لا بد أن يعذب صاحبه، لأن من لم يغفر له لا بد أن يعاقب، ولكن القائلين بهذا لا يحكمون بكفره ولا بخلوده في النار وأنه يعذب عذاباً أبديا ـ لأن هذا مذهب الخوارج المنحرفين ـ وإنما يقولون يعذب عذاباً بقدر شركه ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة.
وأما من قال إن الشرك الأصغر لا يدخل في الشرك المذكور في هذه الآية، وإنما هو تحت المشيئة فإنهم يحتجون بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣. فيقولون كما أن بإجماع الأئمة أن الشرك الأصغر لا يدخل تحت هذه الآية التي حكم الله بها للمشرك بتحريم الجنة والخلود في النار فلا يدخل في تلك الآية وكذلك لا يدخل في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٤، لأن العمل هنا مفرد مضاف ويشمل الأعمال كلها، ولا يحبط الأعمال الصالحة كلها إلا الشرك الأكبر.
قالوا وإذا فارق الشرك الأكبر في تلك الأحكام السابقة بأنه لا يحكم عليه بالكفر والخروج من الإسلام ولا بالخلود في النار، فارقه في كونه مثل الذنوب التي دون الشرك وأنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه؛ ولأن مشاركته للكبائر في أحكامها الدنيوية والأخروية أكثر من مشاركته للشرك الأكبر.
стр. 185
ويؤيد قولهم أن الموازنة واقعة بين الحسنات وبين السيئات التي هي دون الشرك الأكبر لأن الشرك الأكبر؛ لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع.
وأما السيئات التي دونه فيقع بينها الموازنة من رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة بلا عذاب، ومن رجحت سيآته على حسناته، استحق دخول النار بقدر ذنوبه، ومن تساوت حسناته وسيآته فهو من أهل الأعراف الذين مآلهم إلى دخول الجنة، ولكن الأولون قد يجيبون عن هذا بأنه قد يعذب صاحب الشرك الأصغر قبل الموازنة، إما في البرزخ، وإما قبل ذلك أو بعده في عرصات القيامة، فيقول الآخرون: وكذلك الكبائر قد يعذب صاحبها قبل الموازنة فتسقط الموازنة بها فلا يختص بذلك الشرك الأصغر، ومن تأمل الأدلة من الكتاب والسنة أمكنه أن يعرف الراجح من القولين"١.
وتقدم عند كلامه عن الفروق بين الشرك الأكبر والأصغر قوله: "وأما الشرك الأصغر فهو بخلاف ذلك في الحكمين فإنه لا يحكم على صاحبه بالكفر ولا الخروج من الإسلام ولا يخلد في النار إذا لم يفعل مكفراً آخر".
وهذا يبين أنه يرى أن الشرك الأصغر مثل الكبائر داخل تحت مشيئة الله إن شاء عذب فاعله وإن شاء عفى عنه.
ذكر جملة من أنواع الشرك وكلام السعدي عنها:
من أنواع الشرك دعاء غير الله:
قال ﵀: "ومن دعا غيره من نبي أو ملك أو ولي أو غيرهم أو استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر"٢.
ومنها الذبح لغير الله:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَه﴾ ٣.
وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٤.
وقال ﷺ : "لعن الله من ذبح لغير الله"٥.
стр. 186
قال ابن سعدي بعد أن ذكر جملة من النصوص في ذلك: "وإذا ثبت أن الذبح لله من أجل العبادات وأكبر الطاعات، فالذبح لغير الله شرك أكبر مخرج عن دائرة الإسلام"١.
ومنها الاستعاذة والاستغاثة بغير الله:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ٣.
وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ ٤.
قال ابن سعدي في بيان وجوب إخلاص هاتين العبادتين لله، وأن صرفهما لغير الله شرك "أمر الله بالاستعاذة به وحده من الشرور كلها، وبالاستغاثة به في كل شدة فهذه إخلاصها لله إيمان وتوحيد وصرفها لغير الله شرك وتنديد"٥.
كلامه في لبس الحلقة والخيط:
بين ابن سعدي أن الحكم في هذه المسألة يتوقف على معرفة الأسباب التي دعت إلى لبسها، إذ إنه باختلاف الأسباب الجائزة لا تخرج عن ثلاثة أمور:
" أحدها: أن لا يجعل منها سبباً إلا ما ثبت إنه سبب شرعاً وقدراً. ثانيها: أن لا يعتمد العبد عليها بل يعتمد على مسببها، ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها.
ثالثها: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه"٦.
والذي يلبس الحلقة أو الخيط أو غيرهما لا يخرج عن أمرين إما أن يعتقد في الذي لبس أنه قادر على رفع الضر وكشف البلاء عنه، أو يعتقد أن هذا مجرد سبب وأن النافع
стр. 187
الضار هو الله، وعلى هذا الضوء حكم ابن سعدي، فقال: "من لبس الحلقة والخيط أو نحوهما قاصداً بذلك رفع البلاء بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله فقد أشرك، لأنه اعتقد أنها هي الدافعة الرافعة فهذا الشرك الأكبر ...
وإن اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببا يستدفع بها البلاء فقد جعل ما ليس سبباً شرعياً ولا قدرياً سبباً، وهذا محرم وكذب على الشرع والقدر"١.
كلامه في زيارة القبور:
قسم ابن سعدي زيارة القبور إلى نوعين: نوع مشروع، ونوع ممنوع، قال: "أما المشروع فهو ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي من غير شد رحل، ويزورها المسلم متبعا للسنة فيدعو لأهلها عموماً ولأقاربه ومعارفه خصوصاً، فيكون محسناً إليهم بالدعاء لهم وطلب العفو والمغفرة والرحمة لهم، ومحسناً إلى نفسه باتباع السنة وتذكرة الآخرة والاعتبار بها والاتعاظ.
وأما الممنوع فإنه نوعان:
أحدهما: محرم ووسيلة للشرك كالتمسح بها والتوسل إلى الله بأهلها، والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها، والغلو فيها وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة.
والنوع الثاني: شرك أكبر كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شرك أكبر، وهو عين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم"٢.
وهذا آخر ما يتعلق بموضوع الشرك وأسبابه وأنواعه، وقد تبين شدة خطره وضرره.
فالواجب على المسلم أن يحذر منه أشد الحذر وأن يبذل وسعه في سبيل تحقيق التوحيد، ولا يكون ذلك إلا بالسلامة من الشرك بنوعيه والسلامة من البدع والخرفات.
قال ابن سعدي: "إن تحقيق التوحيد تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع القولية والاعتقادية، والبدع الفعلية العملية، ومن المعاصي وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات، وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله وبالسلامة من البدع"٣.
стр. 188
كلامه عن البدعة وأقسامها:
إن من شروط قبول العبادة أن تكون مطابقة لسنة رسول الله ﷺ ولا يجوز أن يتعبد الله بعبادة لم يشرعها رسول الله ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١.
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٢.
وقد دلت النصوص على أن كل عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله فهي بدعة محدثة في الدين مردودة على صاحبها غير مقبولة منه.
ففي صحيحين من حديث عائشة قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"٣.
وفي رواية "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"٤.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ : "إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"٥.
وهنا تظهر خطورة الإحداث في دين الله؛ لما يترتب على هذا العمل المحدث من عدم قبوله ورده على صاحبه ووصفه بأنه ضلالة وشر، وأنه في النار، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٦، وقد بين ابن كثير في تفسيره أن هذه الآية "عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود"٧.
وقد اعتنى ابن سعدي بهذا الموضوع في مؤلفاته، وبين خطورة الابتداع في دين الله وأضرارٌ وأنه عناء ومشقة على صاحبه دون فائدة بل إنه يترتب عليه أضرارٌ كثيرة.
стр. 189
قال عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ١: "دل تقييد التطوع بالخير، أن من تطوع بالبدع التي لم يشرعها الله ولا رسوله، أنه لا يحصل له إلا العناء وليس بخير له بل قد يكون شراً له إن كان متعمداً عالماً بعدم مشروعية العمل"٢.
وهذا شامل لجميع البدع لا فرق بينها، فليس هناك بدعة حسنة وبدعة ضلالة بل جميع البدع ضلالة مردودة على أصحابها.
وقد أشار ابن سعدي إلى هذا الجانب الهام الذي غلط فيه كثير من الناس في مواضع متعددة.
فقال: "وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله فهو متعبد ببدعة"٣.
وقال في شرحه لحديث عائشة المتقدم: "وأما حديث عائشة....فإنه يدل على أن كل بدعة أحدثت في الدين ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة، سواء كانت من البدع القولية الكلامية كالتجهم والرفض والاعتزال وغيرها، أو من البدع العملية كالتعبد لله بعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله، فإن ذلك كله مردود على أصحابه، وأهله مذمومون بحسب بدعهم وبعدها عن الدين فمن أخبر بغير ما أخبر الله به ورسوله، أو تعبد بشيء لم يأذن الله به ورسوله، ولم يشرعه فهو مبتدع، ومن حرم المباحات أو تبعد بغير المشروعات فهو مبتدع"٤.
وكما تناول جانب البدعة وخطرها وأنها بجميع أنواعها ضلالة، فقد تناول جانب السنة وبين أن الدين كامل وأن الرسول ﷺ ما مات حتى أتم الله الدين وأكمله، وبين أن الرسول ﷺ ما ترك خيراً إلا دل أمته عليه ولا شراً إلا حذرهم منه.
فقال عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ....﴾ ٥. " ... فبلغ ﷺ أكمل تبليغ ودعا وأنذر وبشر وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله. فلم يبق خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها عنه.
стр. 190
وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة، فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٢، "ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين وأصوله وفروعه.
فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم غير علم الكتاب والسنة من علم الكلام وغيره فهو جاهل مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله"٣.
والمقصود أن الدين كامل بأخباره وبأوامره ونواهيه وفرائضه وسننه وجميع أحكامه فما ترك الرسول الكريم من خير إلا دل أمته عليه ورغبها في العمل به، وما ترك من شر إلا ودل أمته عليه وحذرها منه، وإن من أعظم الشرور التي حذر الرسول الأمة منها الإحداث والابتداع في الدين.
تعريفه للبدعة:
ذكر ابن سعدي تعريفاً جامعاً للبدعة فقال: "البدعة هي الابتداع في الدين فإن الدين: هو ما جاء به النبي ﷺ في الكتاب والسنة وما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة فهو من الدين وما خالف ذلك فهو البدعة، هذا هو الضابط الجامع"٤.
وقال: "البدعة هي خلاف السنة"٥.
تقسيمه للبدعة:
قسم ابن سعدي كغيره من العلماء البدعة إلى قسمين:-
بدعة قولية، وبدعة عملية.
فقال: "تنقسم البدعة بحسب حالها إلى قسمين: بدع اعتقاد ويقال لها البدع القولية، وميزانها قوله ﷺ في الحديث الذي في السنن "ستفترق هذه الأمة على ثلاث
стр. 191
وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"١ فأهل السنة المحضة السالمون من البدع الذين تمسكوا بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في الأصول كلها أصول التوحيد والرسالة والقدر ومسائل الإيمان وغيرها، وغيرهم من خوارج ومعتزلة وجهمية وقدرية ورافضة ومرجئة ومن تفرع عنهم كلهم من أهل البدع الاعتقادية وأحكامهم متفاوتة بحسب بعدهم عن أصول الدين وقربهم، وبحسب عقائدهم أو تأويلهم، وبحسب سلامة أهل السنة من شرهم في الأقوال والأفعال وعدمه وتفصيل هذه الجملة يطول جداً.
والنوع الثاني: بدعة عملية وهو: أن يشرع في الدين عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، وكل عبادة لم يأمر بها الشارع أمر إيجاب أو استحباب فإنها من البدع العملية وهي داخلة في قوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"٢.
ولهذا كان من أصول الأئمة الإمام أحمد وغيره: أن الأصل في العبادات الحظر والمنع فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في المعاملات والعادات الإباحة فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله.
ولهذا نقول من قصور العلم: جعل بعض العادات التي ليست عبادات بدعاً ولا تجوز مع أن الأمر بالعكس، فإن الذي يحكم بالمنع منها وتحريمها هو المبتدع فلا يحرم من العادات إلا ما حرمه الله ورسوله بل العادات تنقسم إلى أقسام ما أعان منها على الخير والطاعة فهو من القرب، وما أعان على الإثم والعدوان فهو من المحرمات. وما ليس فيه هذا ولا هذا فهو من المباحات"٣.
وهذا النوع الأخير قسمه ابن سعدي إلى قسمين:
فقال: " البدعة نوعان:
ونوع يتعبد لله بعبادة لم يشرعها أصلاً.
ونوع يتعبد له بعبادة شرعها على صفة مخصوصة فتفعل على غير تلك الصفة"٤.
стр. 192
هذا وإن البدع بجميع أنواعها مردودة لا يقبل منها شيء، وكلها قبيحة ليس فيها حسن، وكلها ضلالة ليس فيها هدى، وكلها أوزار ليس فيها أجر وكلها باطلة ليس فيها حق.
وما على المسلم إلا أن يتمسك بسنة الرسول ﷺ ويعض عليها بنواجذه، ففي ذلك السلامة من البدع، والبعد من الشرور، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ١.
وقال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ ٢.
ويمكن أن نصل إلى نهاية هذا المبحث إلى خلاصة جامعة:
وهي أن توحيد الألوهية أعظم المطالب على الإطلاق فمن أجل تحقيقه خلق الله الخلق، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، ومن أجل تحقيقه حارب الرسل أقوامهم وعادوهم.
ولا يتحقق هذا التوحيد إلا بأمور:
أولا: السلامة من الشرك وذلك بتحقيق العبادة لله وحده بجميع أنواعها.
ثانيا: السلامة من البدع وهذا يتحقق بمتابعة الرسول ﷺ .
ثالثا: السلامة من الذنوب والمعاصي بالبعد عنها، وعدم اقترافها، وبالتوبة منها عند اقترافها. ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٣.
стр. 193
الفصل الثاني
جهوده في توضيح الإيمان بالنبوات
стр. 194
الفصل الثاني: الإيمان بالنبوات
إن الرابطة بين هذا الفصل وبي الذي قبله وثيقة جداً، إذ أن الفصل الأول في الحديث عن معرفة الله ووجوب إفراده بالعبادة والحذر من الشرك والبدع.
وهذا لا يكون ولا يحصل إلا بإرسال هداة للناس يبينون لهم هذا الأمر العظيم ويوضحونه لهم ويرشدونهم إليه.
"ومن هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيد الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم، توزن الأقوال والأخلاق والأعمال.
وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها والروح إلى حياتها.
فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديُه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، "وما لجرح بميت إيلام١"٢.
وهذا يبين لنا أهمية الإيمان بالأنبياء، وشدة الحاجة إليهم إذ أن السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة لا يحصل إلا عن طريقهم وبإرشادهم وهدايتهم.
стр. 195
لذا فإن ورثة الأنبياء، وهم العلماء الصالحون السائرون على منهج الأنبياء، قد اهتموا غاية الاهتمام ببيان هذا النوع من الإيمان وبينوا أهميته وشدة الحاجة إليه.
وممن سار في هذا الراكب وسلك هذا المنهج الصالح الشيخ ابن سعدي فقد اهتم ﵀ ببيان هذا النوع اهتماما عظيماً وتناوله من جميع جوانبه في أكثر مؤلفاته.
فتناول الإيمان بنبوة جميع الأنبياء جملة وتفصيلا وخص بالذكر خاتمهم وسيدهم محمد ﷺ .
وتناول كل ما يتعلق بالإيمان بالنبوات من جميع الجوانب على ما سيأتي بيانه في هذا الفصل.
كلامه في أهمية الإيمان بالنبوات:
إن من نظر وتأمل في الفوائد التي تحصل لمن آمن بالنبوات جميعها على الوجه المطلوب، عرف أهمية ذلك وتبين له شدة الحاجة إليه.
وقد عدد ابن سعدي جملة من الفوائد تحصل بسبب معرفة الأنبياء والإيمان بهم.
فبعد أن بين جملة من العلوم التي اشتمل عليه القرآن الكريم قال: "ومنها ـ أي هذه العلوم ـ ذكر الأنبياء وما أرسلوا به وما جرى لهم مع أممهم وفي ذلك فوائد:
ـ منها أن من تمام الإيمان بهم معرفتهم بصفاتهم وسيرهم وأحوالهم وكلما كان المؤمن بذلك أعرف كان أعظم إيماناً بهم ومحبة لهم وتعظيماً لهم وتعزيراً وتوقيراً.
ـ ومنها: أن من بعض حقوقهم علينا خصوصاً النبي ﷺ معرفتهم ومحبتهم محبة صادقة ولا سبيل لذلك إلا بمعرفة أحوالهم.
ومنها: أن معرفة الأنبياء موجبة لشكر الله تعالى على ما من به على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة بعد أن كانوا في ضلال مبين.
ـ ومنها: أن الرسل هم المربون للمؤمنين الذين ما نال المؤمنون مثقال ذرة من الخير، واندفع عنهم مثقال ذرة من الشر إلا على أيديهم وبسببهم، فقبيح بالمؤمن أن يجهل حالة مربيه ومزكيه ومعلمه، وإذا كان المستنكر جهل الإنسان بحال أبويه ومباعدته لذلك فكيف بحالة الرسول الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم الحقيقي الذي حقه مقدم على سائر الحقوق بعد حق الله تعالى.
ـ ومنها: أن في معرفة ما جرى لهم وما جرى عليهم تحصل للمؤمنين الأسوة والقدرة ويخف عنهم كثير من المقلقات والمزعجات؛ لأنها مهما بلغت من الثقل والشدة فلا تصل
стр. 196
إلى ما جرى على الأنبياء. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١ ومن أعظم الاقتداء بهم، الاقتداء بتعليماتهم وكيفية إلقاء العلم على حسب مراتب الخلق والصبر على التعليم والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن؛ وبهذا وأمثاله كان العلماء ورثة الأنبياء.
ومن فوائد معرفة الرسل ﷺ معرفة الآيات القرآنية المنزلة عليه، وفهم المعنى والمراد منها موقوف على معرفة أحوال الرسول وسيرته مع قومه وأصحابه وغيرهم من الناس، فإن الأزمنة والأمكنة والأشخاص تختلف اختلافاً كثيراً، فلو أراد الإنسان أن يصرف همه لمعرفة معاني القرآن من دون معرفة منه لذلك لحصل من الغلط على الله وعلى رسوله وعلى مراد الله من كلامه شيء كثير، وهذا إنما يعرف من عرف كيف كثر حمل مراد الله ورسوله على العرف الحادث فوقع الخلل الكثير.
ولغير ذلك من الفوائد المفيدة والنتائج السديدة"٢.
وذكر هذه الجملة من الفوائد الحاصلة لمن عرف الرسل وآمن بهم يشعر بأهمية الإيمان بهم وشدة الحاجة إليهم.
كلامه في الإيمان بالنبوات على وجه الإجمال:
قبل الشروع في تفاصيل موضوع النبوات أرى من المناسب أن أذكر كلام الشيخ ابن سعدي عن الإيمان بالأنبياء على وجه الإجمال.
قال ابن سعدي في بيان هذا الأصل وما ينبغي للمسلم أن يقوم به نحوه إجمالاً:
"وهذا الأصل مبناه على أن يعترف ويعتقد بأن جميع الأنبياء قد اختصهم الله بوحيه وإرساله، وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغ شرعه ودينه وأن الله أيدهم بالبراهين الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به، وأنهم أكمل الخلق علماً وعملاً، وأصدقهم وأبرهم، وأكملهم أخلاقا وأعمالاً، وأن الله خصهم بخصائص وفضلهم بفضائل، لا يلحقهم فيها أحد.
وأن الله برأهم من كل خلق دنيء ورذيل، وأنهم معصومون في كل ما يبلغونه عن الله، وأنه لا يستقر في خبرهم وتبليغهم إلا الحق والصواب. وأنه يجب الإيمان بهم وبكل ما أتوه من الله ومحبتهم وتعظيمهم"٣.
стр. 197
ثم أشار إلى أهمية الإيمان بهم وأن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بهم فقال: " ... فلا يتم الإيمان إلا بذلك، وكل من كان أعظم علماً بذلك وتصديقاً واعترافاً وعملاً، كان أكمل إيماناً"١.
وبين أن الإيمان بالأنبياء على هذه الصفة يُعدُ من الإيمان بالغيب فقال: "ومن الإيمان بالغيب الإيمان بجميع رسل الله الذين أرسلهم الله على وجه الإجمال والتفصيل لأشخاصهم ولدعواتهم وشرعهم.... إلى أن قال: فتمام الإيمان بالغيب أن يؤمن العبد بجميع رسل الله، ويعرف من صفاتهم ومن دعوتهم ما يحقق به هذا الأمر"٢.
كلامه في الفرق بين النبوة والرسالة:
النبي لغة: مشتق من النبأ وهو الخبر، وقيل النبوة مشتقة من النبوة وهي ما ارتفع من الأرض٣.
والرسول لغة: مشتق من رسل التي تدل على الانبعاث والامتداد فيقال أرسلت فلاناً في رسالة أي بعثته فهو مرسل ورسول ويجمع على رُسُل ورسْل٤.
وهذا من حيث اللغة، أما تعريف النبي وتعريف الرسول من حيث الاصطلاح فللعلماء فيها أقوال عديدة:
فقيل: النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه٥.
وهذا التعريف عليه مآخذ إذ فيه إشارة إلى أن النبي غير مأمور بالإبلاغ، وهذا فيه كتمان للعلم.
والله يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ٦.
стр. 198
إضافة إلى هذا فهو يتعارض مع نصوص كثيرة تفيد أن النبي مأمور بالإبلاغ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ١، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... ﴾ ٢.
وقول الرسول ﷺ : "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل أو الرجلان والنبي ليس معه أحد....." ٣. وهؤلاء إنما حصل لهم اتباع بسبب إبلاغهم وحي الله إلى الناس.
إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن النبي مأمور بالإبلاغ.
وهذا التعريف هو الشائع عند العلماء٤. وعليه يكون بين الرسول والنبي عموم وخصوص مطلق. فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فالأنبياء أعم والنبوة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة٥.
وقيل: الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله٦.
وهذا أيضاً يرد عليه اعتراض، وهو أن النبي ﷺ مكث أعواما بعد النبوة لم يؤمر فيها بالتبليغ، حتى نزلت عليه سورة المدثر. وأصبح رسولاً فأخذ يبلغ٧.
ومن خلال تتبعي لمؤلفات السعدي، لم أره تعرض لهذه المسألة إلا في موضع واحد، مال فيه إلى القول الأول.
فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ ٨.
"....فالرسالة تقتضي تبليغ كلام المرسل، وتبليغ جميع ما جاء به من الشرع
стр. 199
دقه وجله، والنبوة تقتضي إيحاء الله إليه وتخصيصه بإنزال الوحي إليه، فالنبوة بينه وبين ربه، والرسالة بينه وبين الخلق"١.
وقد تقدم معنا ما يرد على هذا التعريف من مآخذ واعتراضات؛ لذا فإني أرى أن أسلم تعريف للنبوة والرسالة.
هو ما ذكره شيخ الإسلام في كتاب النبوات حيث قال في بيان الفرق بين النبوة والرسالة: "والمقصود هنا الكلام على النبوة فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو نبيئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول"٢. والله أعلم.
كلامه عن التفاضل بين الأنبياء وأن بعضهم أفضل من بعض:
لقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على أن الأنبياء متفاضلون، وأن بعضهم أفضل من بعض.
قال رحمه الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ ٤. فالآية الأولى تدل على أن هناك مفاضلة بين الرسل وأن بعض الرسل أفضل من بعض، والآية الثانية تدل أيضاً على أن هناك مفاضلة بين الأنبياء وأن بعضهم أفضل من بعض.
وقد أجمعت الأمة على أن الرسل أفضل من الأنبياء؛ لأنه كما تقدم الرسول أشمل وأعم من النبي إذ كل رسول نبي وليس كل نبي رسول.
وهذه المسألة "مسألة المفاضلة بين الرسل" تناولها ابن سعدي في مؤلفاته وبين أن هناك مفاضلة بين الرسل والأنبياء، كما بين من هو أفضلهم ومنهم أولو العزم من الرسل.
فقال عند تفسير لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٥. "يخبر الباري أنه فاوت بين الرسل في الفضائل الجليلة والتخصصات الجميلة بحسب ما من
стр. 200
الله به عليهم، وقاموا به من الإيمان الكامل واليقين الراسخ والأخلاق العالية والآداب السامية والدعوة والتعليم والنفع العميم. فمنهم من اتخذه خليلاً ومنهم من رفعه فوق الخلائق درجات ... "١.
وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢
قال: "فيعطى كلا منهم ما يستحقه وتقتضيه حكمته، ويفضل بعضهم على بعض في جميع الخصال الحسية والمعنوية، كما فضل بعض النبيين المشتركين بوحيه على بعض بالفضائل والخصائص الراجعة إلى ما من به عليهم، من الأوصاف الممدوحة، والأخلاق المرضية، والأعمال الصالحة وكثرة الأتباع ونزول الكتب على بعضهم المشتملة على الأحكام الشرعية والعقائد المرضية"٣.
وبين ﵀ أن الرسل الذين قصهم الله في كتابه وذكر شيئاً من خبرهم أفضل ممن لم يقصص، كما قال تعالى:
﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ... ﴾ ٤. قال ابن سعدي: "....فالرسل الذين قصهم الله في كتابه، أفضل ممن لم يقصص علينا نبأهم بلا شك"٥.
أولو العزم من الرسل:
وكما تناول ابن سعدي مسألة المفاضلة بين الرسل والأنبياء فقد تناول المفاضلة بين الرسل وبين أولى العزم منهم.
قال ﵀ "أفضل أنبياء الله المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولوا العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم"٦.
وهؤلاء الخمسة أولو العزم من الرسل خصهم الله بالذكر مجتمعين في بعض الآيات.
стр. 201
فقال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١.
وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ٢.
وأمر رسوله أن يصبر ويتحمل من أذية قومه له، كما صبر إخوانه، أولو العزم من الرسل فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُم﴾ ٣.
قال ابن سعدي: "أمر تعالى رسوله، أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وأن لا يزال داعياً لهم إلى الله، وأن يقتدى بصبر أولي العزم من المرسلين سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم وتم يقينهم. فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم"٤.
كلامه في بعض صفات أولي العزم من الرسل:
هؤلاء الخمسة أولو العزم من الرسل اختص الله كل واحد منهم ببعض الخصال العظيمة والمناقب الحميدة، امتازوا بها عن غيرهم من الأنبياء.
وقد ذكر سعدي بعض ما امتاز به أفراد هؤلاء الرسل من الخصال فذكر أن نوحاً امتاز بأنه أول رسول أرسله الله، وأنه الأب الثاني للبشرية وجميع الأنبياء الذين جاءوا من بعده كلهم من ذريته٥.
وذكر أن إبراهيم ﵇ امتاز بأنه خليل الرحمن، وأن الله أكرمه بالكرامات المتنوعة فجعل في ذريته النبوة والكتاب وأخرج من صلبه أمتين هما أفضل الأمم العرب وبنو إسرائيل، واختاره الله لبناء بيته الذي هو أشرف بيت وأول بيت وضع للناس، ووهب له الأولاد بعد الكبر واليأس وملأ بذكره ما بين الخافقين، وامتلأ قلوب الخلق من محبته وألسنتهم من الثناء عليه٦.
стр. 202
وذكر أن موسى ﵇ امتاز بأنه كليم الله، وأنه أعظم أنبياء بني إسرائيل وأن شريعته وكتابه التوارة مرجع أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم، وأن أتباعه أكثر أتباع الأنبياء غير أمة محمد ﷺ ، وأن له من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه والغيرة العظيمة ما ليس لغيره١.
وذكر أن عيسى ﵇ امتاز بأن الله سبحانه آتاه من البينات الدالة على صدقه، وأنه رسول الله حقاً، فجعله يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله، وكلم الناس في المهد صبياً، وأيده بروح القدس.٢.
وذكر أن محمداً ﷺ أفضل الرسل على الإطلاق، وأنه خاتم النبيين، وإمام المتقين وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وصاحب لواء الحمد والحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم، وهم آخر الأمم خلقاً وأولهم بعثا٣.
كلامه في أن الرسل أفضل الخلق وأكملهم:
اقتضت حكمة الله تعالى أن لا يصطفي لإبلاغ دينه، ولتحمل رسالته إلا صفوة الخلق وأفضلهم.
إذ أن كمال الرسل واختصاصهم بالفضل يوجب على الأمم تصديقهم والانقياد لهم، والسير على نهجهم وهذا من رحمة الله بعباده ولطفه بهم.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
قال ابن سعدي: "فالرسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واجتباهم ليس جاهلاً بحقائق الأشياء فاختياره إياهم عن علم منه أنهم أهل
стр. 203
لذلك، وأن الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ١" ٢.
لذلك فإن الأنبياء لا يدعون إلا للخير والإصلاح ولا ينهون الناس إلا عن الشر والفساد.
قال ابن سعدي: "الأنبياء جميعهم بعثوا بالإصلاح، والصلاح، ونهوا عن الشرور والفساد، فكل صلاح وإصلاح ديني ودنيوي فهو من دين الأنبياء وخصوصاً إمامهم وخاتمهم فإنه أبدى وأعاد في هذا الأصل ووضح للخلق الأصول النافعة التي يجرون عليها في الأمور العادية والدنيوية كما وضع لهم الأصول في الأمور الدينية"٣.
ولا ريب أن معرفة هذه الصفات التي توفرت في الأنبياء وفي دعوتهم، دافع عظيم لمن سمع بها وعرفها وحافز له لأن يتأسى بهم ويترسم خطاهم، وهذه هي الفائدة والثمرة من معرفة الأنبياء وأحوالهم.
قال ابن سعدي: "لما أخبر الله عن كمال الرسل وما أعطاهم من الفضل والخصائص وأن دينهم واحد ودعوتهم إلى الخير واحدة كان موجب ذلك ومقتضاه أن تجتمع الأمم على تصديقهم والانقياد لهم لما آتاهم من البينات التي على مثلها يؤمن البشر، لكن أكثرهم انحرفوا عن الصراط المستقيم، ووقع الاختلاف بين الأمم فمنهم من آمن ومنهم من كفر"٤.
بيانه أن الكفر بنبي واحد كفر بجميع الأنبياء:
لما كان الأنبياء بهذه المثابة وعلى هذه الصفات وغايتهم واحدة وهدفهم واحد وجب على كل مسلم أن يؤمن بجميع الأنبياء دون تفريق بينهم، وصار الكفر بنبي واحد كفر بجيمع الأنبياء.
قال ابن سعدي: " الواجب في الأنبياء، أن يؤمن بهم على وجه العموم والشمول، ثم ما عرف منهم بالتفصيل وجب الإيمان به مفصلاً"٥.
وبين أن الكفر بنبي واحد كفر بجميع الأنبياء فقال: "من عادى أحداً من رسله فقد عادى الله وعادى جميع رسله كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ
стр. 204
وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١ وكذلك من كفر برسول فقد كفر بجميع الرسل بل بالرسول الذي يزعم أنه مؤمن به"٢.
وقال: "جميع الأنبياء دعوتهم واحدة، من كذب واحداًُ منهم فقد كذب الجميع؛ لأنه يكذب الحق الذي جاء به كل واحد منهم"٣.
وهذا الذي ذكره ابن سعدي دلت عليه نصوص كثيرة:
منها قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ٤.
وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٥.
وقوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٦.
وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٧.
وغيرها من الآيات، فمن كذب برسالة أحد الرسل أو نفاها، فقد نفى أعظم منة امتن الله بها على عباده، إذ أن العبادَ لا طريق لهم إلى نيل السعادة والكرامة والفلاح إلا عن طريق الرسلِ، ويكون بذلك قد كذب بالرسولِ الذي يزعم أنه آمن به وبغيره من الرسل.
كلامه في خلاصة دعوة الرسل:
تقدم معنا في توحيد الألوهية أن الله سبحانه ما خلق الخلق إلا لعبادته وما أوجدهم إلا لتحقيق توحيده وطاعته، كما قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٨.
стр. 205
ولتحقيق هذا الأمر العظيم جعل الله بينه وبين خلقه وسائط في تبليغ الرسالة فاصطفى لهذا الأمر العظيم أفضل الملائكة وأفضل الرسل، وأمرهم بتبليغ وحيه وإيصاله إلى الناس.
فقاموا بذلك أتم القيام وأكمله، وعصمهم الله من الخطأ في تبليغ هذا الوحي.
فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى؛ لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك١.
ومقصود الرسالة الأعظم وأهم أمر بعثوا من أجله، وهو الدعوة إلى عبادة الله حده، وإفراده بجميع أنواع العبادة، والتحذير من الشرك والبدع وجميع الأنبياء متفقون على هذا المبدأ، سائرون على هذا المنهج، فما من نبي أرسله الله إلا وكان أول ما يدعو قومه إليه عبادة الله وحده وعدم الإشراك به.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
وقد اهتم ابن سعدي ببيان هذه المسألة أعظم اهتمام إذ هي أفضل وسيلة إلى التوحيد الخالص والنهي عن الشرك فنوح وغيره أول ما يقولون لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
ويكررون هذا الأصل بطرق كثيرة"٤.
وقال: "زبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ أي على معرفة الله وتوحيده في صفات العظمة التي هي الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعوا إليها وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها"٥.
стр. 206
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .
"فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم زبدة رسالتهم وأصلها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وبيان أنه الإله الحق المعبود وأن عبادة ما سواه باطلة"١.
وتناول ﵀ في تفسيره للقرآن وفي خلاصة تفسير القرآن دعوة كل نبي، وبين أنها كلها تدور حول تحقيق هذا الأصل العظيم.
فبين أن دعوة نوح٢، وإبراهيم٣ وموسى٤ وهود٥، وصالح٦ وشعيب٧ ولوط٨ وخاتمهم محمد٩ ﷺ وغيرهم من الأنبياء، تدور حول الأمر بعبادة الله والتحذير من الشرك.
وبين ﵀ أن ضد التوحيد هو الشرك محبط للعمل في نبوة جميع الأنبياء.
فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١٠.
قال: "ففي نبوة جميع الأنبياء أن الشرك محبط لجميع الأعمال كما قال الله تعالى في سورة الأنعام لما عد كثيراً من أنبيائه ورسله، قال عنهم: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١١ "١٢.
وقال عند تفسيره هذه الآية: "فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار لو أشركوا وحاشاهم لحبطت أعمالهم، فغيرهم من باب أولى"١٣.
стр. 207
هذا وقد تعرضنا لتفاصيل هذا الموضوع عند الحديث عن توحيد الألوهية وإنما هذه إشارة ناسب المقام ذكرها عند الحديث عن النبوات.
موقف طوائف الضلال من الأنبياء:
يتمثل قول جميع طوائف الضلال في الأنبياء ﵈ في طرفين كلاهما ذميم، الغلو والجفاء، أو الإفراط والتفريط.
ويتمثل جانب الغلو من الأمم السابقة في النصارى، وجانب الجفاء يتمثل في اليهود.
ومن أوضح الأمثلة المبينة لذلك: "موقف هاتين الطائفتين من عيسى ﵇".
فالنصارى غلو فيه ﵇ فجعلوه تارة إلهاً وتارة ابن الإله، وثالث ثلاثة، وأما اليهود فقد جفوا في حقه ﵇ فقالوا ـ وقبح الله قولهم ـ إنه ابن بغي.
قال ابن سعدي: "اختلفت فرق الضلال في عيسى ﵇ من اليهود والنصارى وغيرهم، فمن غال فيه وجاف.
فمنهم من قال إنه الله، ومنهم من قال إنه ابن الله، ومنهم من قال إنه ثالث ثلاثة.
ومنهم من لم يجعله رسولاً بل رماه بأنه ولد بغي كاليهود. وكل هؤلاء مستحقون للوعيد الشديد"١.
وموقف أهل السنة هو التوسط بين جانبي الغلو والجفاء فيقولون إن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهكذا موقفهم مع جميع أنبياء الله ورسله ويؤمنون بهم جملة، ويؤمن بهم تفصيلاً وفقا لما ورد في الكتاب والسنة.
كلامه في مدعي النبوة:
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ ٢.
هذه الآية دليل على أنه لا نبي بعد محمد ﷺ ، فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى؛ لأنه كما تقدم مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فإن كل رسول نبي ولا عكس.
وقد ورد في السنة أحاديث كثيرة تدل على أن الرسالات ختمت برسالة محمد ﷺ فلا نبي بعده ولا رسول.
стр. 208
قال ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فكان من دخلها فنظر إليها قال ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة فأنا موضع اللبنة ختم بي الأنبياء ﵈"١.
وقال ﷺ : "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون"٢.
وقال ﷺ : "إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي"٣.
وغيرها من الأحاديث، قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر جملة من هذه الأحاديث الدالة على أن محمداً ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده.
قال: "والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك ودجال ضال مضل، ولو تحرق وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرانيجات فكلها محال وضلال عند أولي الألباب"٤.
هذا وقد أخبر الرسول الكريم ﷺ أنه سيخرج في أمته دجالون كذابون، كلهم يزعمون كذباً وزوراً أنهم مرسلون من عند الله.
ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله"٥.
"وقد ظهر بعد بعثة الرسول ﷺ مجموعة من أدعياء النبوة كمسيلمة والأسود العنسي وسجاح، ولا يزال يظهر بين الفينة والفينة دَعِيٌّ من أمثال هؤلاء.
وقد ظهر في القرن الماضي على محمد الشيرازي (ولد سنة ١٨١٩م) ولقب بالباب
стр. 209
وأتباعه يدعون البابية، وادعى النبوة حيناً والألوهية حيناً، وسار على نهجه تلميذه الذي لقب (ببهاء الله) وأتباعه يدعون البهائية.
ومن هؤلاء الأدعياء غلام أحمد القادياني، وله أتباع منتشرون في الهند وألمانيا وأنكلترا وأمريكيا، ولهم فيها مساجد يضللون بها المسلمين، وكانوا يسمون بالقاديانية، وهم يسمون اليوم أنفسهم بالأحمدية إمعانا في تضليل عباد الله.
وآخر هؤلاء الأدعياء رجل ظهر في السودان يدعي أنه نبي وقد تكفل الله لفضح كل من ادعى هذه الدعوى وهتك ستره"١.
وقد اهتم علماء المسلمين قديماً وحديثاً بكشف كذب هؤلاء وبيان زيغهم وضلالهم وفجورهم وكفرهم، وبعدهم عن الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وقد أشار ابن سعدي إلى مسألة ادعاء النبوة في بعض مؤلفاته وبين أن محمداً ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده، وبين أن ادعاء النبوة من أظلم الظلم وأعظم الكذب على الله.
فقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٢.
"ويدخل في ذلك ادعاء النبوة وأن الله يوحي إليه وهو كاذب في ذلك فإنه مع كذبه على الله وجرأته على عظمته وسلطانه يوجب على الخلق أن يتبعوه ويجاهدهم على ذلك ويستحل دماء من خالفه وأموالهم.
ويدخل في هذه الآية كل من ادعى النبوة كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي والمختار وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف"٣.
وقد أشار في خلاصة التفسير إلى بعض الفوارق بين الأنبياء حقاً، وبين أدعياء النبوة فقال:
"فإن الأنبياء يصدق بعضهم بعضاً ويشهد بعضهم لبعض، ويكون كما جاءوا به متفقاً لا يتناقض؛ لأنه من عند الله محكم منتظم.
стр. 210
وأما الكذبة فإنهم لا بد أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم ويعلم كذبهم بمخالفته لما يدعو إليه الأنبياء الصادقون"١.
بيانه أن الأنبياء ليس منهم نساء:
ذهب بعض العلماء إلى أن من النساء نبية. منهم:
القرطبي وابن حزم وغيرهما.
والذي عليه جمهور العلماء، وهو أن الذكورية شرط في الرسالة والنبوة، وعليه فإنه ليس من النساء نبيه٢.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ٣.
وقد تناول ابن سعدي هذه المسألة وبين أن النساء ليس منهن نبية فقال عند قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ٤.
"....وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية بل أعلى أحوالها الصديقية وكفى بذلك فضلاً وشرفاً، وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبيه لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين في الرجال كما قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ٥"٦.
وقال عند تفسير هذه الآية: "أي لست ببدعٍ من الرسل، فلم نرسل قبلك ملائكة بل رجالاً كاملين لا نساء"٧.
بيانه أن الخضر ليس بنبي:
اختلف العلماء في الخضر هل هو نبي أو رسول أو ولي، كما قال الراجز:
واختلف في خضر أهل العقول
قيل نبي أو ولي أو رسول٨
فذهب بعضهم إلى أن الخضر نبي واستدلوا بسياق الآيات في سورة الكهف،
стр. 211
كقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ ١.
فقالوا المراد بالرحمة في الآية رحمة النبوة.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ ٢.
فقالوا هذا العلم هو ما يوحيه الله إليه عن طريق الوحي.
واستدلوا بأفعال الخضر من قتل الغلام وخرق السفينة وبناء الجدار ثم قوله بعد ذلك ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٣.
فقالوا هذا الأمر أوحى الله به إلى الخضر، ولم يفعله من تلقاء نفسه، وكل ذلك يدل على نبوته٤.
وذهب بعض العلماء إلى أن الخضر عبد صالح وليس نبي؛ وذلك لأن الله سبحانه لم ينص على نبوته، وإنما وصفه بالعبودية، فذلك يوقف عند نص الآية.
ومن هؤلاء الشيخ ابن سعدي فقد ذهب إلى أن الخضر ﵇ عبد صالح وليس بنبي، اكتفاء بما نصت عليه الآية من وصفه بالعبودية وعدم وصفه بالنبوة.
فقال بعد تفسيره للآيات المتعلقة بنبأ موسى مع الخضر: "وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله.... ثم قال:
ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبياً، بل عبداً صالحاً لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منّة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبياً لذكر ذلك كما ذكر غيره.
وأما قوله في آخر القصة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٥. فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث كما يكون لغير الأنبياء.
كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ٦.
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾ ٧ " ٨.
стр. 212
وقال في خلاصة التفسير: " ... ذلك العبد الذي لقياه ليس نبياً، بل هو عبد صالح ملهم؛ لأن الله ذكره بالعلم والعبودية الخاصة والأوصاف الجميلة، ولم يذكر معها أنه نبي أو رسول"١.
فائدة تتعلق بالخضر:
قال ابن سعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ٢. "وهذه الآية تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر، وأنه مخلد في الدنيا فهو قول لا دليل عليه، ومناقض للأدلة الشرعية"٣
стр. 213
الإيمان بنبوة محمد ﷺ
هذا أصل عظيم من أصول الإيمان التي ينبني عليها، بل لا يحصل الإيمان لأحد حتى يؤمن بمحمد ﷺ رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين.
وقد اهتم ابن سعدي ببيان هذا الأصل العظيم في مواضع متعددة من مؤلفاته، وتناوله من جوانب متعددة.
فبين أن محمدً ﷺ أفضل النبيين، وأن الأنبياء جميعهم مقرون بدعوته وبين وجوب الإيمان به وتصديقه ومحبته وأن ذلك من موجبات الإيمان، وبين أن الله قرر نبوته في القرآن الكريم بأساليب مختلفة. وبين دعوة الرسول ﷺ واهتمامه بالتوحيد وتحذيره من الشرك، وغير ذلك من الجوانب الهامة المتعلقة بنبوته ﷺ على ما سيأتي تفصيله وبيانه إن شاء الله.
وسنبدأ الحديث أولاً عن فضل النبي ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين وبيان ابن سعدي ذلك.
بيانه أن محمداً أفضل الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام:
قال ابن سعدي في بيان فضل النبي محمد ﷺ على سائر الأنبياء "فضل نبينا محمد ﷺ بفضائل كثيرة فاق بها جميع الأنبياء، فكل خصلة حميدة ترجع إلى العلوم النافعة والمعارف الصحيحة، والعمل الصالح فلنبينا منها أعلاها وأفضلها وأكملها.
ولهذا لما ذكر الله أعيان الأنبياء الكرام قال لنبيه.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١.
وهداهم هو ما كانوا عليه من الفضائل الظاهرة والباطنة، وقد تمم ﷺ ما أمر به وفاق جميع الخلق؛ ولذلك خص الله نبينا بخصائص لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء منها:
هذه الخمسة التي عادت على أمته بكل خير وبركة ونفع"٢.
стр. 214
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١. "أي: امش أيها الرسول الكريم خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار واتبع ملتهم وقد امتثل ﷺ ، فاهتدى بهدى الرسل قبله وجمع كل كمال فيهم. فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وبهذا الملحظ استدل بهذا من استدل من الصحابة أن الرسول ﷺ أفضل الرسل كلهم٢.
وأعظم بيان لذلك وأوضح دليل عليه قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع"٣.
بيانه أن الأنبياء جميعهم مقرون بنبوته:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٤.
قال ابن سعدي في تفسير هذه الآية: "هذا إخبار منه تعالى أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم، بسبب ما أعطاهم ومن به عليهم من الكتاب والحكمة، والمقتضي للقيام التام بحق الله وتوفيقه أنه أن جاءهم رسول مصدق لما معهم، بما بعثوا به من التوحيد والحق والقسط والأصول التي اتفقت عليها شرائع أنهم يؤمنون به وينصرونه.
فأقروا على ذلك واعترفوا والتزموا وأشهدهم وشهد عليهم وتوعد من خالف هذا الميثاق، وهذا أمر عام بين الأنبياء جميعهم طريقهم واحد، وأن دعوة كل واحد منهم قد اتفقوا وتعاقدوا عليها.
وعموم ذلك، أنه أخذ على جميعهم الميثاق بالإيمان والنصرة لمحمد ﷺ ... "٥.
стр. 215
كلامه في وجوب الإيمان به ومحبته وطاعته:
قال ابن سعدي في بيان وجوب الإيمان بالرسل ﷺ والتزام طاعته وتصديقه.
"يجب معرفة جميع ما جاء به من الشرع جملة وتفصيلاً، بحسب الاستطاعة والإيمان بذلك والتزامه والتزام طاعته في كل شيء بتصديق خبره؛ وامتثال أمره واجتناب نهيه"١.
وقد بين ابن سعدي أن معرفة الرسول صلى الله عليه وما هو عليه من صفات أكبر دافع لتقوية الإيمان وزيادته، وأن ذلك من أعظم موجبات الإيمان، فبعد أن ذكر جملة من الأمور التي يحصل ويقوى بها الإيمان، قال: "ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه معرفة النبي ﷺ ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه، وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة والدين الحق.
كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ٢.
أي فمعرفته ﷺ توجب للعبد المبادرة إلى الإيمان ممن [لم] يؤمن وزيادة الإيمان ممن آمن به"٣.
وبين أن طاعة الرسول ﷺ واجبة وأنها من طاعة الله فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٤.
وقال: "طاعةُ الله وطاعة رسوله واجبة، فمن أطاع الله فقد أطاع الرسول ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله"٥.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ٦. "وكل من أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه فقد أطاع الله تعالى لكونه لا يأمر إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله"٧.