← Акыда

Акыда · id 7651

الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في تو ضيح العقيدة

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (317 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ ١. فقالوا المراد بالرحمة في الآية رحمة النبوة. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ ٢. فقالوا هذا العلم هو ما يوحيه الله إليه عن طريق الوحي. واستدلوا بأفعال الخضر من قتل الغلام وخرق السفينة وبناء الجدار ثم قوله بعد ذلك ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٣. فقالوا هذا الأمر أوحى الله به إلى الخضر، ولم يفعله من تلقاء نفسه، وكل ذلك يدل على نبوته٤. وذهب بعض العلماء إلى أن الخضر عبد صالح وليس نبي؛ وذلك لأن الله سبحانه لم ينص على نبوته، وإنما وصفه بالعبودية، فذلك يوقف عند نص الآية. ومن هؤلاء الشيخ ابن سعدي فقد ذهب إلى أن الخضر ﵇ عبد صالح وليس بنبي، اكتفاء بما نصت عليه الآية من وصفه بالعبودية وعدم وصفه بالنبوة. فقال بعد تفسيره للآيات المتعلقة بنبأ موسى مع الخضر: "وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله.... ثم قال: ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبياً، بل عبداً صالحاً لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منّة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبياً لذكر ذلك كما ذكر غيره. وأما قوله في آخر القصة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٥. فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث كما يكون لغير الأنبياء. كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ٦. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾ ٧ " ٨.

стр. 212

وقال في خلاصة التفسير: " ... ذلك العبد الذي لقياه ليس نبياً، بل هو عبد صالح ملهم؛ لأن الله ذكره بالعلم والعبودية الخاصة والأوصاف الجميلة، ولم يذكر معها أنه نبي أو رسول"١. فائدة تتعلق بالخضر: قال ابن سعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ٢. "وهذه الآية تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر، وأنه مخلد في الدنيا فهو قول لا دليل عليه، ومناقض للأدلة الشرعية"٣

стр. 213

الإيمان بنبوة محمد ﷺ هذا أصل عظيم من أصول الإيمان التي ينبني عليها، بل لا يحصل الإيمان لأحد حتى يؤمن بمحمد ﷺ رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين. وقد اهتم ابن سعدي ببيان هذا الأصل العظيم في مواضع متعددة من مؤلفاته، وتناوله من جوانب متعددة. فبين أن محمدً ﷺ أفضل النبيين، وأن الأنبياء جميعهم مقرون بدعوته وبين وجوب الإيمان به وتصديقه ومحبته وأن ذلك من موجبات الإيمان، وبين أن الله قرر نبوته في القرآن الكريم بأساليب مختلفة. وبين دعوة الرسول ﷺ واهتمامه بالتوحيد وتحذيره من الشرك، وغير ذلك من الجوانب الهامة المتعلقة بنبوته ﷺ على ما سيأتي تفصيله وبيانه إن شاء الله. وسنبدأ الحديث أولاً عن فضل النبي ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين وبيان ابن سعدي ذلك. بيانه أن محمداً أفضل الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام: قال ابن سعدي في بيان فضل النبي محمد ﷺ على سائر الأنبياء "فضل نبينا محمد ﷺ بفضائل كثيرة فاق بها جميع الأنبياء، فكل خصلة حميدة ترجع إلى العلوم النافعة والمعارف الصحيحة، والعمل الصالح فلنبينا منها أعلاها وأفضلها وأكملها. ولهذا لما ذكر الله أعيان الأنبياء الكرام قال لنبيه. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١. وهداهم هو ما كانوا عليه من الفضائل الظاهرة والباطنة، وقد تمم ﷺ ما أمر به وفاق جميع الخلق؛ ولذلك خص الله نبينا بخصائص لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء منها: هذه الخمسة التي عادت على أمته بكل خير وبركة ونفع"٢.

стр. 214

وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١. "أي: امش أيها الرسول الكريم خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار واتبع ملتهم وقد امتثل ﷺ ، فاهتدى بهدى الرسل قبله وجمع كل كمال فيهم. فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وبهذا الملحظ استدل بهذا من استدل من الصحابة أن الرسول ﷺ أفضل الرسل كلهم٢. وأعظم بيان لذلك وأوضح دليل عليه قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع"٣. بيانه أن الأنبياء جميعهم مقرون بنبوته: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٤. قال ابن سعدي في تفسير هذه الآية: "هذا إخبار منه تعالى أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم، بسبب ما أعطاهم ومن به عليهم من الكتاب والحكمة، والمقتضي للقيام التام بحق الله وتوفيقه أنه أن جاءهم رسول مصدق لما معهم، بما بعثوا به من التوحيد والحق والقسط والأصول التي اتفقت عليها شرائع أنهم يؤمنون به وينصرونه. فأقروا على ذلك واعترفوا والتزموا وأشهدهم وشهد عليهم وتوعد من خالف هذا الميثاق، وهذا أمر عام بين الأنبياء جميعهم طريقهم واحد، وأن دعوة كل واحد منهم قد اتفقوا وتعاقدوا عليها. وعموم ذلك، أنه أخذ على جميعهم الميثاق بالإيمان والنصرة لمحمد ﷺ ... "٥.

стр. 215

كلامه في وجوب الإيمان به ومحبته وطاعته: قال ابن سعدي في بيان وجوب الإيمان بالرسل ﷺ والتزام طاعته وتصديقه. "يجب معرفة جميع ما جاء به من الشرع جملة وتفصيلاً، بحسب الاستطاعة والإيمان بذلك والتزامه والتزام طاعته في كل شيء بتصديق خبره؛ وامتثال أمره واجتناب نهيه"١. وقد بين ابن سعدي أن معرفة الرسول صلى الله عليه وما هو عليه من صفات أكبر دافع لتقوية الإيمان وزيادته، وأن ذلك من أعظم موجبات الإيمان، فبعد أن ذكر جملة من الأمور التي يحصل ويقوى بها الإيمان، قال: "ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه معرفة النبي ﷺ ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه، وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة والدين الحق. كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ٢. أي فمعرفته ﷺ توجب للعبد المبادرة إلى الإيمان ممن [لم] يؤمن وزيادة الإيمان ممن آمن به"٣. وبين أن طاعة الرسول ﷺ واجبة وأنها من طاعة الله فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٤. وقال: "طاعةُ الله وطاعة رسوله واجبة، فمن أطاع الله فقد أطاع الرسول ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله"٥. وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ٦. "وكل من أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه فقد أطاع الله تعالى لكونه لا يأمر إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله"٧.

стр. 216

وبين ﵀ أن طاعة الرسول ﷺ هي العلامة الواضحة على صدق محبته، فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ١. "هذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة ومن ادعى ذلك دعوى، فعلامة محبة الله اتباع محمد ﷺ ، الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه طريقاً إلى محبته ورضوانه، فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما فمن فعل ذلك أحبه الله وجازاه جزاء المحبين، وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه. فكأنه قيل ومع ذلك فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها؟ فأجاب بقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ٢. بامتثال الأمر واجتناب النهي وتصديق الخبر: "فإن تولوا" عن ذلك فهذا هو الكفر والله لا يحب الكافرين"٣. وبين ﵀ أن طاعة الرسول ﷺ ومحبته من تمام النصيحة له فقال في بيان معنى النصحية للرسول ﷺ : "والنصحية للرسول: هي كمال الإيمان به ومحبته وطاعته واتباعه، وتقديم قوله وهديه وسيرته على كل قول وهدى وسيرة ونصر ما جاء به"٤. بيانه أن نبوة محمد ﷺ مقررة في القرآن بطريق متعددة ذكر ابن سعدي في كتابه القواعد الحسان جملة من القواعد المتعلقة بتفسير القرآن الكريم، وذكر من جملة هذه القواعد قاعدة جليلة تتعلق بالأساليب المختلفة والطرق المتنوعة التي ذكرها الله في كتابه لتقرير نبوة محمد ﷺ . قال ﵀: "هذا الأصل الكبيير قرره الله في كتابه بالطرق المتنوعة التي يعرف بها كمال صدقه ﷺ فأخبر أنه صدق المرسلين، ودعا إلى ما دعوا إليه، وأن جميع المحاسن التي في الأنبياء في نبينا محمد ﷺ ، وما نزهوا عنه من النقائص والعيوب فرسولنا محمد أولاهم وأحقهم بهذا التنزيه. وأن شريعته مهيمنة على جميع الشرائع، وكتابه مهيمن على كل الكتب، فجميع

стр. 217

محاسن الأديان والكتب قد جمعها الله في هذا الكتاب وهذا الدين، وفاق عليها بمحاسن وأوصاف لم توجد في غيره. وقرر نبوته بأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ ولا جالس أحداً من أهل العلم بالكتب السابقة. بل لم يفجأ الناس إلا وقد جاءهم بهذا الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما أتوا ولا قدروا ولا هو في استطاعتهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وأنه محال مع هذا أن يكون من تلقاء نفسه أو أن يكون قد تقول على ربه أو أن يكون على الغيب بظنين، وأعاد في القرآن وأبدى في هذا النوع"١. واستمر ابن سعدي في ذكر هذه الطرق والأساليب والواردة في القرآن المقررة لنبوة محمد ﷺ . ثم قال بعد أن ذكر جملة كبيرة من هذه الطرق: "فهذه الأمور والطرق قد أكثر الله من ذكرها في كتابه وقررها بعبارات متنوعة، ومعاني مفصلة وأساليب عجيبة وأمثلتها تفوق العد والإحصاء"٢. ثم إن القرآن الكريم أعظم دليل وأقوى برهان على صدق محمد ﷺ ، بل هو وحده يكفي لأن يكون دليلاً على صدق نبوة محمد ﷺ كما قرر الله ذلك في كتابه؛ لذلك يقول ابن سعدي: "والله تعالى يقرر أن القرآن كاف جداً أن يكون هو الدليل الوحيد على صدق رسوله ﷺ في مواضع عدة. منها قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣ "٤. هذا وقد جعل الله مع هذا البرهان الجلي والدليل القاطع جملة من البراهين فلا مجال للشك أو الريب بصدق نبوة محمد ﷺ . قال ابن سعدي: "قد أقام الله على صدق رسله من الآيات البينات والأدلة الواضحات، ما على مثله يؤمن البشر وخصوصاً إمامهم وسيدهم محمداً ﷺ فإن آيات نبوته وبراهين رسالته متنوعة. سيرته وأخلاقه وهديه، وما جاء به من الدين القويم، وحثه على كل خلق جميل وعمل صالح ونفع وإحسان إلى الخلق، ونهيه عند ضد ذلك.

стр. 218

كلها آيات وبراهين على رسالته وما جاء به من الوحي من الكتاب والسنة كله جملة وتفصيلاً أدلة وبراهين على رسالته مع ما أكرمه الله به من النصر العظيم وإظهار دينه على الأديان كلها، وإجابة الدعوات وحلول أنواع البركات التي لا تعد أنواعها فضلا عن أفرادها. هذا بقطع النظر عن شهادة الكتب السابقة له، وعن معارضة المكذبين له، وتحديه إياهم بكل طريق حتى عجزوا غاية العجز عن نصر باطلهم، ولا يزال الباطل بين يدي ما جاء به الرسول مخذولاً بحيث إن القائمين بما جاء به الرسول والقائمين بمعرفة دينه يتحدون جميع أهل الأرض أن يأتوا بصلاح أو فلاح أو رقي حقيقي أو سعادة حقيقية بجميع وجوهها فيتبين أنه محال أن يتوصل إلى شيء من ذلك بغير ما جاء به الرسول وأرشد إليه ودل عليه"١. وقال: "وأما ما آتى الله محمداً ﷺ من الآيات فهي لا تحد ولا تعد من كثرتها وقوتها ووضحها ولله الحمد، فلم يبق لأحد من الناس بعدها عذر"٢. بيانه لكمال دعوة الرسول ﷺ : بين ابن سعدي أن دعوة الرسول ﷺ في غاية الجودة والحسن وبين أن الرسول ﷺ فاق في دعوته جميع الأنبياء قال ﵀: "فانظر إلى دعوات الرسل صلوات الله وسلامه عليهم التي حكاها الله في كتابه مع أممهم المستجيبين والمعرضين والمعارضين تجدها محتوية على غاية الحسن في كل أحوالها. ثم انظر إلى دعوة سيدهم وإمامهم محمد ﷺ وما سلك من الطرق المتنوعة في دعاية الخلق عموماً وخصوصاً على اختلاف طبقاتهم، ومنازلهم وبحسب أحوالهم، وبحسب الأقوال والأحكام التي يدعو إليها، تجده قد فاق في ذلك الأولين والآخرين والآثار أكبر دليل على قوة المؤثر"٣. كما بين ﵀ أن زبدة دعوة الرسول ﷺ وخلاصة دعوته الدعوة إلى توحيد الله سبحانه والتحذير من الشرك كما كان سلفه في ذلك إخوانه الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤.

стр. 219

قال ابن سعدي مبيناً أعظم أمر دعا إليه الرسول ﷺ : "فكان أعظم مقامات دعوته: دعوته إلى التوحيد الخالص والنهي عن ضده، دعى الناس لهذا، وقرره الله في كتابه وصرفه بطرق كثيرة واضحة تبين وجوب التوحيد وحسنه وتعينه طريقاً إلى الله وإلى دار كرامته، وقرر إبطال الشرك والمذاهب الضارة بطرق كثيرة احتوى عليها القرآن، وهي أغلب السور المكية. فاستجاب له في هذا الواحد بعد الواحد على شدة عظيمة من قومه، وقاومه قومه وغيرهم وبغوا له الغوائل، وحرصوا على إطفاء دعوته بجدهم وقولهم وفعلهم وهو يجادلهم ويتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهم يعلمون أنه الصادق الأمين، ولكنهم يكابرون ويجحدون آيات الله"١. وقال ﵀ في بيان إتمام الرسول ﷺ لهذه الدعوة وإبلاغه لها غاية البلاغ: " ... بل هو ﷺ أمين أهل السماء أمين أهل الأرض الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين. فلم يشحْ بشيء منه عن غني ولا فقير ولا رئيس ولا مرؤوس ولا ذكر ولا أنثى ولا حضري ولا بدوي؛ ولذلك بعثه الله في أمة أمية جاهلة جهلاء. فلم يمت ﷺ ، حتى كانوا علماء ربانيين، وأحباراً متفرسين، إليهم الغاية في العلوم، وإليهم المنتهى في استخراج الدقائق والمفهوم، وهم الأساتذة وغيرهم قصاراه أن يكون من تلاميذهم"٢. بيانه لكمال الرسول ﷺ البشري: تناول ابن سعدي في مؤلفاته عدة جوانب تتعلق بالرسول ﷺ وبين تحقيقه لها، وكماله لقيامه بها. فذكر منها تحقيق الرسول ﷺ للعبودية، واتصافه بأحسن الأخلاق وعصمته وكمال عقله وكثرة علمه إلى غير ذلك من الجوانب الكثيرة التي كمل فيها الرسول ﷺ لإكماله إياها ولكثرتها فسأقتصر على ذلك طرف منها: تحقيق للعبودية: وهذا أعظم الأمور التي يجب تحقيقها وقد بين الله سبحانه أن رسوله محمداً ﷺ قد حقق العبودية لله وحده؛ لذلك فإنه عند ذكره لرسوله في المقامات العظيمة يذكره بوصف العبودية وفي ذلك إشارة لتحقيق الرسول ﷺ لها وإتمامه إياها.

стр. 220

قال ابن سعدي عند قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ١. "وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن ومقام التحدي بصفة العبودية؛ لأنه نال هذه المقامات الكبار بتكميله لعبوديته لربه"٢. وقال عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ ٣. "....وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم، دليل على أن أعظم أوصافه ﷺ قيامه بالعبودية التي لا يلحقه فيها أحد من الأولين والآخرين"٤. كمال أخلاقه: إن الله سبحانه لما امتن على المؤمنين بهذا الرسول الكريم جمع له من صفات الكمال وأفضل الخصال ما لم يكن لغيره من البشر فجمع له جميع الخصال الموجودة في الرسل وغيرهم، وما من خصلة حميدة وصفة طيبة دعا إليها شرعنا الحكيم إلا ورسولنا ﷺ متصف بها، فبهذا كان ﵊ أكمل الخلق أخلاقا وأحسنهم أوصافاً. يقول ابن سعدي في بيان ذلك: " ... فعلا ﷺ بخلقه العظيم على جميع الخلق وفاق الأولين والآخرين، وكان خلقه العظيم كما فسرته به عائشة ﵂ هذا القرآن الكريم"٥. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٦. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٧ ... الآية وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٨.

стр. 221

وما أشبهها من الآيات الدالات على اتصافه ﷺ بمكارم الأخلاق، والآيات التي فيها الحث على كل خلق جميل فكان أول الخلق امتثالاً لها وسبقاً إليها وإلى تكميلها، فكان له منها أكملها وأجلها وأعلاها، وهو في كل خصلة منها في الذروة العليا، فكان سهلاً ليناً قريباً من الناس مجيباً لدعوة من دعاه قاضياً لحاجة من استقضاه، جابراً لقلب من سأله لا يحرمه ولا يرده خائبا، وإذا أراد أصحابه أمراً وافقهم عليه وتابعهم فيه إذا لم يكن في ذلك محذور، وإن عزم على أمر لم يستبده به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم. ولم يكن يعاشر جليساً إلا أتم عشرة وأحسنها فكان لا يعبس في وجهه ولا يغلظ له في كلامه ولا يطوي عنه بشره ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة بل يحسن إليه غاية الإحسان ويحتمله غاية الاحتمال ﷺ "١. وقال في موضع آخر: " فهو ﷺ أعظم الخلق حلماً وصبراً، وأكثرهم عفواً عن الخلق وصفحاً وأجمعهم لجميع المحاسن والكمالات وأكرمهم في الخير والمعروف وبذل الهبات وهو الذي جمع الكرم والإحسان بعمله وعلمه وحاله وماله"٢. عصمته فيما يبلغ عن ربه: وهذا مما يدل على كمال الرسول ﷺ البشري، فهو في ألفاظه وأقواله التي يبلغ فيها رسالة ربه، ما يتكلم بشيء منها إلا عن وحي من الله سبحانه، فقد عصمه الله من الخطأ في تبليغ الرسالة. وأدل شيء على ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣. لذلك يقول ابن سعدي عن هذه الآية: "....ودل هذا على أن السنة وحي من الله ولرسوله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ٤ وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه؛ لأن كلامه لا يصدر عن هوى وإنما يصدر عن وحي يوحى"٥.

стр. 222

سعة علمه: وهذه من نعم الله على رسوله ﷺ حيث امتن عليه بأن أعطاه علماً واسعاً وعقلاً راجحاً، لا يماثله في ذلك أحد من البشر يقول ابن سعدي ﵀: "ورسول الله ﷺ هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يطلع عليه أحد من الخلق"١. أما عن كمال عقل الرسول ﷺ فيقول ابن سعدي "محال أن توجد عقول تقارب عقل النبي ﷺ الذي تستمد منه العقول والآراء.... حسب العقول الكاملة أن تستمد من عقل النبي ﷺ وآرائه وتستنير بنور هديه وتوجيهه وإرشاده"٢. هذه إشارة وقليل من كثير مما امتن الله به على رسوله ﷺ من صفات الكمال وطيب الخصال، وحسب المسلم أن يعرف أن أكمل الخلق وأفضلهم وسيدهم هو رسول الله ﷺ . الإيمان بالكتب المنزلة على الرسل ﵈: وهذا من المباحث الهامة إذ هو من أركان الإيمان الستة، وهو داخل في الإيمان بالنبوات؛ لأنه لا يتم الإيمان بالأنبياء إلا مع الإيمان بالكتب المنزلة عليهم. لذا يقول ابن سعدي بعد أن ذكر أهمية الإيمان بالأنبياء ﵈ ووجوب الإيمان بهم جملة وتفصيلاً: "ويدخل في الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب، فالإيمان بمحمد ﷺ يقتضي الإيمان بكل ما جاء به من الكتاب والسنة ألفاظها ومعانيها، فلا يتم الإيمان إلا بذلك، وكل من كان أعظم علماً بذلك وتصديقاً واعترافاً وعملاً كان أكمل إيماناً"٣. وقد سبق أن تحدثنا عن الكتب في مبحث الأسماء والصفات، من حيث كونها من كلام الله، والكلام صفة من صفاته سبحانه. وأما حديثناً عن الكتب هنا، فعن أهمية الإيمان بها جملة وتفصيلاً، وأن فيها الهداية والتوفيق على من أنزلت إليهم من ذكر أسماء بعضها مما ورد ذكره في القرآن ومن أنزلت عليه، ثم بيان أهمها وأعظمها والمهيمن عليها وهو القرآن الكريم. وهذه النقاط الهامة تكلم عنها الشيخ ابن سعدي في مؤلفاته ولا سيما في كتابه

стр. 223

التفسير، فبين ﵀ وجوب الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين وأن ذلك من تمام الإيمان بهم وقد تقدم النقل عنه أنها داخلة في الإيمان بالنبوات، ومعنى ذلك أن من آمن بأنبياء الله ورسله فإن الواجب عليه أن يؤمن بما أنزل عليهم من كتب. وقد أخبر الله سبحانه في كتابه الكريم أن الرسول ﷺ والمؤمنين آمنوا بما أنزل الله على رسوله ﷺ وأنهم آمنوا بالملائكة والكتب والرسل حيث يقول سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ١ إلى آخر الآية من سورة البقرة. قال ابن سعدي عند تفسيره لهذه الآية: "فإن الله أمر في أول هذه السورة الناس بالإيمان بجميع أصوله في قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ٢ الآية. وأخبر في هذه الآية أن الرسول ﷺ ومن معه من المؤمنين آمنوا بهذه الأصول العظيمة وبجميع الرسل وجميع الكتب، ولم يصنعوا صنيع من آمن ببعض وكفر ببعض كحالة المنحرفين من أهل الأديان المنحرفة"٣. لذا فإن الواجب على المسلم أن يؤمن بهذه الكتب جملة وتفصيلاً. فيؤمن جملة بجميع ما أنزل الله من الكتب، ويوقن أن في هذه الكتب الهداية للبشر، وأنها منزلة من عند الله، ويؤمن تفصيلاً بما ورد ذكره في القرآن الكريم من هذه الكتب فيؤمن بالتوراة والإنجيل والزبور، ويؤمن بالقرآن الكريم وأنه أفضلها والمهيمن عليها. وهذه النقاط المتقدمة تناولها ابن سعدي مفصلة في تفسيره. كلامه في التوراة: قال ابن سعدي في وصف التوراة، وبيان ما اشتملت عليه من النور والهداية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّه....﴾ ٤. قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ على موسى بن عمران ﵊ ﴿فِيهَا هُدىً﴾ يهدي إلى الإيمان والحق ويعصم من الضلالة، ﴿وَنُورٌ﴾ يستضاء به في ظلم الجهل والحيرة والشكوك والشبهات والشهوات.

стр. 224

كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١. ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ بين الذين هادوا، أي اليهود في القضايا والفتاوى. ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ لله وانقادوا لأوامره الذين إسلامهم أعظم من إسلام غيرهم صفوة الله من العباد"٢. وقد بين ابن سعدي أن الله سبحانه كثيراً ما يقرن بين القرآن والتوراة؛ وذلك لأنهما أفضل كتابين أنزلهما الله على خلقه، فقال: "كثيراً ما يجمع تعالى بين هذين الكتابين الجليلين اللذين لم يطرق العالم أفضل منهما ولا أعظم ذكراً ولا أبرك ولا أعظم هدى وبياناً وهما التوراة والقرآن"٣. وقال في موضع آخر: "كثيراً ما يقرن الباري بين نبوة محمد ﷺ ونبوة موسى ﵇، وبين كتابيهما وشريعتهما؛ لأن كتابيهما أفضل الكتب وشريعتهما أكمل الشرائع ونبوتيهما أعلى النبوات وأتباعهما أكثر المؤمنين"٤. كلامه في الإنجيل: قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٥. قال ابن سعدي في تفسيره لهذه الآية: "أي واتبعنا هؤلاء الأنبياء والمرسلين الذين يحكمون بالتوراة، بعبدنا ورسولنا عيسى بن مريم، روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم. بعثه الله مصدقاً لما بين يديه من التوراة، ومؤيداً لدعوته وحاكما بشريعته وموافقا له في أكثر الأمور الشرعية. وقد يكون عيسى ﵇ أخف في بعض الأحكام كما قال تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم﴾ ٦

стр. 225

﴿وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ﴾ الكتاب العظيم المتمم للتوراة ﴿فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ يهدي إلى الصراط المستقيم ويبين الحق من الباطل. ﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ بتثبيتها والشهادة لها والموافقة. ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١. فإنهم الذين ينتفعون بالهدى، ويتعظون بالمواعظ ويرتدعون عما لا يليق"٢. كلامه في الزبور: قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ ٣ ".... وهو الكتاب المعروف المزبور الذي خص الله به داود ﵇ لفضله وشرفه"٤. كلامه في القرآن الكريم: وهو أفضل الكتب السماوية وخاتمها والمهيمن عليها والمصدق لها أنزله الله على صفيه وخليله محمد بن عبد الله ﷺ . وقد تناول ابن سعدي فضل القرآن الكريم، وبين أنه أفضل الكتب السماوية، وأنه المصدق لها والمهيمن عليها فقال في وصف القرآن الكريم فهو: "مشتمل على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه ومصدق لما بين يديه من الكتب؛ لأنه شهد للكتب السالفة ووافقها وطابقت أخباره أخبارها وشرائعه الكبار شرائعها وأخبرت به فصار وجودها مصداقا لخبرها. وهو مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية، فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين. وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة والإحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول وما شهد له بالرد فهو مردود قد دخله التحريف والتبديل وإلا فلو كان من عند الله لم يخالفه"٥. وقال: "وأكمل الرسالة وختمها بمحمد ﷺ وكتابه العظيم الذي هدى الله به

стр. 226

الخلق من الضلالات واستنقذهم به من الجهالات وفرق به بين الحق والباطل والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم وطرق الجحيم فالذين آمنوا به واهتدوا حصل لهم به الخير الكثير والثواب العاجل والآجل"١. وقال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ ٢. "يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته وأنه يهدي للتي هي أقوم أي: أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع الأمور.. إلى أن قال فالقرآن مشتمل على البشارة والنذارة، وذكر الأسباب التي تنال بها البشارة وهو الإيمان والعمل الصالح والتي تستحق بها النذارة وهو ضد ذلك"٣. وقد عدد ﵀ جملة من أوصاف القرآن الكريم وذلك في مقدمة كتابه خلاصة تفسير القرآن فقال: "قد وصف الله كتابه بأوصاف جليلة تنطبق على جميعه وتدل أكبر دلالة على أنه الأصل والأساس لجميع العلوم النافعة، والفنون المرشدة لخبر الدنيا والآخرة. وصفه بالهدى والرشد والفرقان، وأنه مبين وتبيان لكل شيء فهو في نفسه هدى ويهدي الخلق لجميع ما يحتاجونه من أمور دينهم ودنياهم، ويرشدهم إلى كل طريق نافع، ويفرق لهم بين الحق والباطل والهدى والضلال وبين أهل السعادة والشقاوة بذكر أوصاف الفريقين، وفيه بيان الأصول والفروع ... ووصفه بأن رحمة ... ووصفه بأن نور.... ووصفه بأنه شفاء لما في الصدور"٤. إلى غير ذلك من الأوصاف العظيمة لهذا الكتاب والعظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وبهذه الأوصاف الجليلة والنعوت الجميلة يظهر لنا أهمية العناية بهذا القرآن؛ لما يترتب على ذلك من حصول السعادة والهداية والفلاح في الدنيا والآخرة.

стр. 227

الإيمان بالملائكة: وهذا المبحث له صلة عميقة بالإيمان بالنبوات، إذ أن الملائكة هم الذين يبلغون وحي الله إلى خلقه، ولا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة، وقد أشار ابن سعدي إلى أن الإيمان بالملائكة داخل في الإيمان بالنبوات حيث قال: "والإيمان بالملائكة مع القدر داخل في هذا الأصل العظيم"١ يعني الإيمان بالنبوات؛ لذا فقد رأيت أن أجعل هذا المبحث ضمن الكلام على النبوات. هذا وقد تناول ابن سعدي هذا الأصل العظيم في مؤلفاته وبين وجوب الإيمان به وأنه أحد أصول الإيمان. وبين أن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالملائكة، كما تناول ذكر أوصافهم وأعمالهم. قال ﵀: "الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان ولا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة وقد وصفهم الله بأكمل الصفات وأنهم في غاية القوة على عبادة الله، والرغبة العظيمة فيها، وأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأنهم لا يستكبرون عن عبادته بل يرونها من أعظم نعمه عليهم وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ففي هذا بيان كمال محبتهم لربهم وقوة إنابتهم إليه ونشاطهم التام في طاعته وأنهم لا يعصونه طرفة عين. وهم وسائط بينه وبين رسله، لا سيما جبريل أفضلهم وأعظمهم وأقواهم وأرفعهم عند الله منزلة، فإنه ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما هو على الغيب بضنين ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ٢. وكما أنهم الوسائط بينه وبين عباده في تبليغ الوحي والشرائع إلى الأنبياء، فهم الوسائط في التدبيرات القدرية، فإن الله وصفهم بأنهم المدبرات أمراً فكل طائفة منهم قد وكله على عمل هو قائم به بإذن الله، فمنهم الموكلون بالغيث والنبات والموكلون بحفظ العباد مما يضرهم ويحفظ أعمالهم وكتابتهم والموكلون بقبض الأرواح وبتصوير الأجنة في الأرحام وكتابة ما يجري عليها في الحال والمآل، والموكلون على الجنة والنار، ومنهم حملة العرش ومن حوله من الملائكة المقربين، إلى غير ذلك مما وصفوا به في الكتاب والسنة"٣.

стр. 228

ثم قال ﵀ بعد ذكر هذه الجملة النافعة من أوصف هؤلاء الكرام البررة ومن نعوت هؤلاء الأطهار. مبينا الواجب نحوهم، وأنه يجب الإيمان بهم "فيجب الإيمان بهم إجمالا وتفصيلاً، وكثير من سور القرآن فيها ذكر الملائكة، والخبر عنهم فعلينا أن نؤمن بذلك كله"١. كما بين ﵀ أن الإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب الذي هو صفة من صفات المؤمنين المتقين كما قال سبحانه: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٢. فبين أنه لا يتم الإيمان بالغيب إلا بالإيمان بالملائكة، قال: "ومن الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة الكرام الذين جعلهم الله عباداً مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأنه تعالى جعلهم يدبرون بأمره وإذنه أمور الدنيا والآخرة فهم أكثر جنود الله وهم رسله في أحكامه الدينية وأحكامه القدرية وأن الله جعل للعبد منهم معقبات يحفظونه من أمر الله ويحفظون عليه أعماله ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ. وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَاماً كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ، ولهم صفات وأفعال مذكورة في الكتاب والسنة لا يتم الإيمان بالغيب إلا بالإيمان بها"٣. كلامه عن منكري وجود الملائكة: بين ابن سعدي أن الإيمان بالملائكة وأوصافهم ونعوتهم عقيدة راسخة في نفوس المسلمين، ولا ينكر ذلك أحد إلا الزنادقة المنكرين لوجود الله سبحانه. قال ﵀: "ولا تكاد تجد أحداً ينكر وجود الملائكة إلا الزنادقة المنكرين لوجود ربهم ومن تستر بالإسلام منهم فإنه ينكر الملائكة حقيقة وينكر خبر الله ورسوله عنهم، ويفسر الملائكة تفسيراً وتحريفاً خبيثاً فيزعم أن الملائكة هي القوى الخيرية والصفات الحسنة الموجودة في الإنسان، وأن الشياطين هي القوى الشريرة فيه وغرضهم من هذا التحريف دفع الشنعة عنهم، وقد ازدادوا بهذا التحريف شراً إلى شرهم، وراج هذا

стр. 229

التحريف الخبيث على بعض الذين يحسنون الظن بهؤلاء الزنادقة، وليس عندهم بصيرة في أديان الرسل وإن أظهروا تعظيمهم، فإن زنادقة الفلاسفة أعظم في قلوبهم من الرسل وكفى بالعبد ضلالاً وغياً أن يصل إلى هذه الحال، نعوذ بالله من مضلات الفتن"١. ومن هؤلاء البعض الذين ساروا في ركب الزنادقة وترسموا خطاهم القصيمي الملحد صاحب الأغلال وإليه وأمثاله يشير السعدي بقوله: "وراج هذا التحريف الخبيث على بعض الذين يحسنون الظن بهؤلاء الزنادقة، وليس عندهم بصيرة في أديان الرسل"٢. وقد أنكر هذا القصيمي في كتابه "الأغلال" وجود الملائكة وسخر ممن يثبت وجودهم وتهكم منه وقرر أن هذه خرافات لا حقيقة لها، وهذا غاية البهت والضلال. قال ابن سعدي ﵀: "ومن فروع نبذه ـ أي القصيمي ـ الإيمان بالله وبما أخبر به على ألسنة رسله، إنكاره الملائكة والجن والأرواح وسياقه لهذا الإنكار بأساليب تهكمية وعبارات سخرية بما أخبر الله به وأخبرت به رسله ونطقت به الكتب واعترف به علية الخلق وسائر أهل الأديان السماوية وجاءت به نصوص الكتاب والسنة في نصوص كثيرة زادت على التواتر فأقر بها المسلمون واعترفوا بها وبكل ما أخبر الله به ورسله عن الملائكة والجن وعن أحوال البرزخ وغيره ولم ينكر ذلك إلا جاحد ملحد مكذب لله ورسله"٣. والمقصود أن الملائكة لهم وجود حقيقي خلقهم الله وأمرهم بأوامر متنوعة من حفظ للكائنات وإنزال للمطر وكتابة للإعمال وغير ذلك من الصفات والأعمال الواردة عنهم في الكتاب والسنة. فواجب المسلم أن يؤمن بكل ما ورد في الكتاب والسنة عنهم من غير شك ولا ريب وأن يصدق بذلك تمام التصديق فالإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة. ولا يتم الإيمان لأحد حتى يؤمن بالملائكة على الإجمال والتفصيل. والله أعلم. وهذا آخر ما يتعلق بالفصل الثاني، ويليه الفصل الثالث وفيه الإيمان باليوم الآخر. وبالله التوفيق.

стр. 230

الفصل الثالث جهوده في توضيح الإيمان باليوم الآخر

стр. 231

الفصل الثالث: الإيمان باليوم الآخر تمهيد: إن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، ولا يصح إيمان أحد إن لم يؤمن باليوم الآخر. قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ١. وقال في وصف الكافرين: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ٢. وقد بين النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور أهمية الإيمان باليوم الآخر حيث جعله أحد أركان الإيمان. فقال ﷺ في تعريفه للإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره"٣. هذا وإن الحديث عن الإيمان باليوم الآخر يشتمل على أمور كثيرة: فكل ما أخبر به الله ورسوله مما يكون بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه وما يكون من النفخ في الصور. وما يكون من البعث والنشور، وما يكون يوم القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار. وما يكون قبل ذلك كله من علامات وأشراط كل ذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر. وعلى هذا فإن الحديث في هذا الفصل يشتمل على خمسة مباحث هامة: أولها: الإيمان بأشراط الساعة. والثاني: الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه.

стр. 232

الثالث: الإيمان بالنفخ في الصور. الرابع: الإيمان باليوم الآخر بعد البعث. وقبل الشروع في هذه المباحث على وجه التفصيل، يجدر التنبيه على اهتمام السعدي بهذا الموضوع. حيث إنه ﵀ تناول الحديث عن الإيمان باليوم الآخر جملة وتفصيلاً فتحدث بالجملة عن أهمية ووجوب الإيمان به، وما يترتب على الإيمان به من فوائد عديدة في الدنيا والآخرة. فقال ﵀ في بيان أهميته ووجوب الإيمان به جملة وتفصيلاً، وأن ذلك أحد أركان الإيمان: "......من أصول الإيمان: الإيمانُ باليوم الآخر، وهو الإيمان بكل ما أخبر الله ورسوله به بعد الموت من فتنة القبر ونعيمه وعذابه وأحوال يوم القيامة وما يكون فيه ومن صفات الجنة والنار وصفات أهليهما، فالإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بذلك جملة وتفصيلاً"١. وبين ﵀ أن الإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب الذي أثنى الله على المؤمنين به. وأخبر عن سعادتهم وفلاحهم واستحقاقهم النعيم المقيم. فقال: "ومن أنواع الإيمان بالغيب الإيمان باليوم الآخر وما وعد الله العباد من الجزاء، فدخل في هذا الإيمان بجميع ما يكون بعد الموت من فتنة القبر وأهواله، ومن صفات النار وأهلها وما أعد الله لهم فيها، ومن صفات الجنة وأهلها وما أعد الله فيها لأهلها فيفهمها فهماً صحيحاً مأخوذاً من الكتاب ودلالته ومن السنة الصحيحة ودلالتها، فبحسب ما يصل إلى العبد من نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب وفهمها على وجهها يكون إيمان العبد بالغيب ... "٢. وفي كلامه هذا إشارة إلى أهمية الاعتناء بهذا الموضوع على نحو ما ورد في الكتاب والسنة من تفاصيل لذلك ـ وأنه كلما ازداد الإنسان فهماً لتفاصيل هذا الموضوع زاد إيمانه بالغيب.

стр. 233

وقد ذكر ﵀ جملة من الفوائد تحصل لمن آمن باليوم الآخر وأهواله وما يكون فيه من نعيم وعذاب. فقال: "وفي العلم بذلك فوائد كثيرة: منها: أن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح الإيمان بدونها، وكلما ازدادت معرفته بتفاصيله ازداد إيمان العبد به. ومنها: أن معرفة ذلك حقيقة المعرفة يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء اللذين إن خلا القلب منهما خرب كل الخراب، وإن عمر بهما أوجب له الخوف والانكفاف عن المعاصي، والرجاء تيسير الطاعة وتسهيلها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة تفاصيل الأمور التي يخاف منها وتحذر. كأهوال القبر وشدته وأهوال الموقف وصفات النار المفظعة، وبمعرفة تفاصيل الجنة وما فيها من النعيم المقيم والحبرة والسرور ونعيم القلب والروح والبدن فيحدث بسبب ذلك الاشتياق الداعي للاجتهاد في السعي للمحبوب والمطلوب بكل ما يقدر عليه. ومنها: أن يعرف بذلك فضل الله وعدله في المجازاة على الأعمال الصالحة والسيئة الموجب لكمال حمده والثناء عليه بما هو أهله. وعلى قدر علم العبد بتفاصيل الثواب والعقاب يعرف بذلك فضل الله وعدله وحكمته"١. وقال في موضع آخر: "إن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلوب، وأصل الرغبة في الخير والرهبة من الشر اللذين هما أساس الخيرات"٢. وهذا ما يتعلق بحديثه عن الإيمان باليوم الآخر من حيث الجملة، وأما تفاصيله ذلك فسنتناوله في الخمسة المباحث الآتية.

стр. 234

المبحث الأول الإيمان بأشراط الساعة

стр. 235

المبحث الأول: الإيمان بأشراط الساعة ورد في الكتاب والسنة ما يدل على أن للساعة علامات تدل على قرب وقتها ودنوه فالواجب على كل مسلم أن يصدق بكل ما ورد في ذلك وأن يؤمن بأنه كله حق وأنه سيقع طبقا لما أخبر الله ورسوله ﷺ . قال السفاريني في درته المضيئة: وما أتى في النص من أشطراط فكله حق بلا شطاط١ فمن أدلة الكتاب على أمارات الساعة: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ ٢. وقد ورد في القرآن الكريم ذكر جملة من أشراط الساعة، سيأتي ذكر بعضها قريباً. أما أدلة السنة على أشراط الساعة فكثيرة متواترة: منها: حديث جبريل المشهور حيث سئل النبي ﷺ عن أمارات الساعة: "قال أخبرني عن أماراتها، فقال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان" ٣ ومنها: حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: "طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال ما تذاكرون؟ قالوا نذكر الساعة قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج ـ ثلاثة خسوف خسف بالمشرق،

стр. 236

وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"١. ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بادروا بالأعمال ستاً طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة"٢. وغيرها من الأحاديث، والمقصود أن الأحاديث الدالة على أمارات الساعة كثيرة جداً. وهذه الأشراط منها ما هو قريب من قيام الساعة مثل نزول عيسى ﵇ وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وغيرها. ومنها ما يكون قبل ذلك كالأمارات التي جاءت في حديث جبريل وغيرها. وقد تناول ابن سعدي جملة من أشراط الساعة في ثنايا مؤلفاته وسأقتصر فيما يلي على ذكر كلامه في جملة من أشراط الساعة العظام: وهي: ـ فتنة الدجال. ـ نزول عيسى ﵇. ـ خروج يأجوج ومأجوج. ـ طلوع الشمس من مغربها. ـ خروج الدابة. فتنة الدجال: لقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ في خروج المسيح الدجال في آخر الزمان، ونعت لهم صفاته وما يحصل عند خروجه من مصائب وفتن. وقد كان ﷺ يكثر من تحذير الصحابة من فتنته، كما بين أن سلفه من الأنبياء كانوا يحذرون أقوامهم منه. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اله ﷺ : "ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعورر وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر"٣. وعن ابن عمر ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله

стр. 237

بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه إنه أعور، وإن الله ليس بأعور"١. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم عن الدجال حديثاً ما حدثه نبي قومه إنه أعورر، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه"٢. والأحاديث في ذلك كثيرة؛ ولهذا فقد اهتم علماء المسلمين بالتحذير من فتنة الدجال حتى قال بعض السلف إن الحديث الذي فيه ذكر الدجال ينبغي أن يدفع إلى معلم الصبيان ليحذرهم في صغرهم من فتنته، قال ابن ماجه في سننه بعد إيراده حديث أبي أمامة الباهلي الطويل في ذكر الدجال ـ سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول "ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب"٣. وقد وقفت على كلام الشيخ ابن سعدي في التحذير من هذه الفتنة حيث إن أحد طلبة العلم سأله أن يذكر له وصية نافعة في التحذير من الفتن، ولا سيما فتنة الدجال. فتحدث ﵀ عن الفتن وكثرتها في هذه الأزمان، ثم تعرض لفتنة المسيح الدجال وأنها من أعظم الفتن وأشدها، لما يحصل عند خروجه من بلاء وأذية للمسلمين، ونبه على أهمية الاستعاذة من فتنته، وأنه ينبغي للإنسان أن لا يغتر بمعرفته لبعض أوصاف الدجال بأن ذلك يمنعه من اتباعه والافتتان به، بل ينبغي للمسلم أن يكثر من الاستعاذة من الفتن عموماً ومن فتنة المسيح الدجال على وجه الخصوص. قال ﵀: "....إن كفره وكفر أتباعه أظهر كل شيء، ومع ذلك معه من أسباب الفتن ما أوجب أن يحذر النبي ﷺ منه أمته وينذرهم إياه، ويأمرهم بالاستعاذة من فتنته في كل صلاة وخصها بعد التعميم فعمم بقوله من فتنة المحيا والممات الشاملة لكل الفتن وخصص فتنة الدجال لعظمها وشدة ضررها. فهو مع عظم فتنته وقوة شبهته قد كشف الله حاله للمؤمنين فبين عينيه مكتوب "ك ف ر" يعرف ذلك منه"٤.

стр. 238

ثم بين أن فتنة الدجال على نوعين فتنة جنس وفتنة شخص، فقال: " وفتنة الدجال نوعان: فتنة جنس وفتنة شخص، فتنة الجنس كل فتنة يقارنها تمويهات ويقترن بها شبهات فإنها من جنس فتنة الدجال. وفتنة الشخص خروج الدجال الذي صحت فيه الأحاديث التي لا ريب فيها وبهذا التقسيم الذي ذكره شيخ الإسلام في التسعينية يفهم فائدة الاستعاذة بالله من فتنته؛ لأن الذي يدرك شخصه من الأمة قليل جداً بالنسبة إلى من لم يدرك شخصه. ولهذا قال ﷺ : "من سمع بالدجال فلينأ عنه "١ أي يبعد ليسلم من فتنته. ثم ساق عبارة شيخ الإسلام في السبعينية وهي قوله: "وفتنة الدجال لا تختص بالموجودين في زمانه بل حقيقة فتنته الباطل المخالف للشريعة المقرون بالخوارق فمن أقر بما يخالف الشريعة لخارق فقد أصابه نوع من هذه الفتنة، وهذا كثير في كل زمان ومكان. لكن هذا المعين فتنته أعظم الفتن فإذا عصم الله عبده منها سواء أدركه أو لم يدركه كان معصوماً مما هو دون هذه الفتنة. إلى أن قال: "ومعلوم أن ما ذكر معه من التعوذ من عذاب جهنم والقبر وفتنة المحيا والممات أمر به كل مصل إذ هذه الفتن جارية على كل أحد ولا نجاة إلا بالنجاة منها فدل على أن فتنة الدجال كذلك. ولو لم تصب فتنته إلا مجرد الذين يدركونه لم يؤمن بذلك كل الخلق مع العلم بأن جماهير الخلق لا يدركونه، ولا يدركه إلا أقل القليل من الناس المأمورين بهذا الدعاء. وهكذا إنذار الرسل إياه أممهم يقتضي تخويف عموم فتنته، وأن تأخر وجود شخصه حتى يقتله المسيح. وكثيرا ما وقع بقلبي أن هؤلاء الاتحادية أحق الناس باتباع الدجال ومع هذا فقد جرى للمؤمنين مع أتباعهم من المحنة الواقعة في الإسلام. ومعلوم أن هذه الفتنة هي نتيجة محنة الدجال، بل هذه النتيجة أقرب إلى محنة الدجال من غيرها"٢ انتهى كلام الشيخ.

стр. 239

قلت١: هؤلاء الملحدون العصريون الذين ذكر الشيخ أشباههم هم أعظم الناس قياماً بفتنته دعوة واستجابة"٢. نزول عيسى ﵇: ومن أمارات الساعة التي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة نزول عيسى ﵇ قبل قيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويضع الجزية حكماً عدلاً مقسطاً. وقد أخبر الله عن نزوله في آيتين من القرآن الكريم. الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه﴾ ٣ أي قبل موت عيسى ﵇، كما ذهب إلى ذلك ابن كثير في تفسيره وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم٤. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ٥. قال البغوي في تفسيره: "يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها"٦. وقد روى ذلك ابن جرير الطبري: عن ابن عباس من طرق متعددة وعن الحسن ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم٧. وقد أشار ابن سعدي إلى هذين القولين عند تفسيره للآيتين المتقدمتين فقال عند الآية الأولى: "ويحتمل أن الضمير في قوله "قبل موته" راجع إلى عيسى ﵇، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح ﵇ قبل موته، وذلك عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار"٨. وقال عند تفسير الآية الثانية: "أي وإن عيسى ﵇ لدليل على الساعة، وأن القادر على إيجاده من أم

стр. 240

بلا أب قادر على بعث الموتى من قبورهم. أو وأن عيسى ﵇ سينزل في آخر الزمان ويكون نزوله علامة من علامات الساعة"١. أما نصوص السنة الدالة على نزول عيسى ﵇ فكثيرة جداً تبلغ حد التواتر. منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ". ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ٢ أخرجاه٣. ومنها حديث أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم" أخرجه مسلم٤. ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول النبي ﷺ يقول: "لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال، فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم تعال صل لنا، فيقول لا: إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة" أخرجه مسلم٥. وغيرها من الأحاديث، وقد أشار ابن سعدي إلى كثرة الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ فقال: "فإنها تكاثرت الأحاديث في نزوله ﵇ في آخر هذه الأمة فيقتل الدجال ويضع الجزية ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين"٦.

стр. 241

خروج يأجوج ومأجوج: قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ٢. فهذان الموضوعان من كتاب الله فيهما الدلالة الواضحة على خروج يأجوج ومأجوج قبل يوم القيامة، وأن خروجهم أحد علامات الساعة التي تكون قبل قيامها وقد ورد في السنة عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة تدل على ذلك وتوضحه وتبينه. منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: "طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاركرون قالوا: نذكر الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"٣. ومنها حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: أن قد أخرجت عباداً لي، لا يَدَان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد

стр. 242

كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكون منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك...."١. ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم إلى الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم...."٢. ومنها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيعثون في الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسا حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول لقد كان ههنا ماء مره ... "٣. وعقيدة السلف في يأجوج ومأجوج كما دل على ذلك الكتاب والسنة: الإيمان بخروج هاتين القبيلتين من بني آدم قبل قيام الساعة، وبعد نزول عيسى ﵇ وقتل الدجال، وذلك بعد اندكاك السد الذي هم منحازون وراءه منذ بناه ذو القرنين. فإذا خرجوا يحصل على أيديهم أذى وفتنة وشر عظيم، وهم جموع كثيرة حتى إنهم لكثرتهم إذا مر أولهم على بحيرة طبرية عند خروجهم شربوا الماء الذي فيها جميعه، فإذا

стр. 243

مر آخرهم قالوا قد كان في هذه البحيرة ماء ثم يستمر أذاهم ويزداد إفسادهم فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الله، فتكون نهايتهم بأن يرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيموتون جميعاً. وإليك أقوال العلماء في ذلك: قال البغوي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ١ الآية "أي يريد فتح السد عن يأجوج ومأجوج ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني القيامة. قال الفراء وجماعة: الواو في قوله واقترب مقحمة فمعناه حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج افترب الوعد الحق......"٢. وقال ابن العربي: "وأما خروج يأجوج ومأجوج فإنه يكون بعد نزول عيسى ﵇ وهما أمتان مضرتان مفسدتان كافرتان"٣. وقال ابن كثير: "....قد كانوا يعيثون في الأرض ويؤذون فحصرهم ذو القرنين في مكانهم داخل السد حتى يأذن الله بخروجهم على الناس"٤. وقال ابن قدامة المقدسي: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج..... إلى أن قال ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج...."٥. وقال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: "وأحاديث الدجال وعيسى بن مريم ﵇ ينزل من السماء ويقتله ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم يضيق هذا المختصر عن بسطها"٦. وقال السفاريني في لوامع الأنوار البهية: "..... خروجهم من وراء السد على الناس حق ثابت لوروده في الذكر وثبوته عن سيد البشر ولم يحله عقل فوجب اعتقاده"٧. وقد جاء عن ابن سعدي القول بأن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر الموجودة الآن

стр. 244

من الروس والصين والأمريكان واليابان وغيرهم. وألف في ذلك رسالتين نصر فيهما قوله المذكور، واستدل على ذلك ببعض الأدلة والصواب خلاف ذلك. إذ أن قوله هذا مخالف لنصوص الكتاب والسنة وما عليه العلماء المحققون كما تقدم النقل عن بعضهم، وكما سيأتي مزيد إيضاح ذلك. ولكننا نجده في آخر حياته طبع كتابه التفسير وذلك بعد تأليف الرسالتين المتقدمتين بسبع عشرة سنة، وسلك في تفسيره للآيات المتعلقة بيأجوج ومأجوج مسلك أهل التحقيق من العلماء، حيث ذكر فيه أن يأجوج ومأجوج يخرجون في آخر الزمان قبل قيام الساعة، وبعد اندكاك السد. وفي هذا احتمال كبير لتراجعه عن هذا القول، إذ لو كان باقيا عليه لأشار إليه في تفسير الآيات المتعلقة به ومما يقوي هذا الاحتمال أنه لم يطبع رسالتيه المتقدمتين ولم يشتهرا عنه، إلا عند القليل من طلبة العلم، حتى جاء الشيخ عبد الله ابن محمود فألف رسالته "لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر"!! ١. وغلط فيها أغلاطا فاحشة، وخالف ما عليه المحققون من العلماء، وأنكر فيها الأحاديث الواردة في المهدي. وكان مما أثاره في رسالته تلك القضية التي ذكرها ابن سعدي عن يأجوج ومأجوج وأنهم دول الكفر، فأظهر هذا القول بعد اندثاره وأشهره. وقد قام فضيلة الشيخ محمود التويجري حفظه الله بالرد على ابن محمود، وبين خطأه وألف في ذلك كتابه: "الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر". فأفاد فيه وأجاد، وقد استفدت منه كثيراً في هذا الموضوع. وأما القول بأن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر فبطلانه ظاهر من وجوه متعددة: أحدها: أنه مخالف لما ثبت في النصوص من أن خروج يأجوج ومأجوج لا يكون إلا بعد نزول عيسى ﵇ وقتل الدجال. والثاني: أنه ثبت في النصوص أنهم لا يمكثون بعد خروجهم إلا فترة يسيرة من الزمان، وأمم الكفر موجودون على هذه الحالة من أزمان طويلة. والثالث: أنه ثبت في القرآن والسنة أن السد الذي هم منحازون وراءه لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة. الرابع: أن هذا القول يخالف ما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه جعل بين الناس

стр. 245

وبين يأجوج ومأجوج سداً كبيراً من حديد وأنهم لا يتسطيعون نقبه إلا عند اقتراب الساعة. الخامس: أنه ثبت في النصوص أنه إذا خرجت إحدى الآيات العظام، تتابعت على إثرها باقي الآيات كما يتتابع الخرز في النظام، وأمم الكفر لهم أمد طويلة على هذه الحال، ومع ذلك لم يخرج شيء من الآيات العظام. السادس: أن أمم الكفر على اختلاف أجناسهم وأوطانهم كانوا موجودين في جميع الجهات في زمان الرسول ﷺ وقبل زمانه وبعد زمانه ولم يؤثر عنه أنه قال إنهم هم يأجوج ومأجوج، ولم يؤثر ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين ولا من جاء بعدهم من العلماء المتقدمين. السابع: أنه ثبت عن النبي ﷺ أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا يمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، وأمم الكفر المياه عندهم متوفرة فضلاً عن أن يشربوا بحيرة طبرية١. هذه بعض الأوجه التي يتبين بطلان قول من قال إن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر الموجودة الآن. وفيما يلي أعرض جملة من أدلة القائلين بهذا القول مع بيان عدم دلالتها على ما ذهبوا إليه. فمن أدلتهم قولهم: إن يأجوج ومأجوج من بني آدم وليسوا من الجن ولا من عالم غيبي آخر، وهم على سطح الأرض، ومع ذلك لم يرهم أحد من السائحين في الأرض؟ والجواب عن ذلك أن يقال: لا شك أن يأجوج ومأجوج من بني آدم، وأنهم على سطح الأرض كما دل على ذلك الكتاب والسنة، ولكن لا يلزم من كونهم كذلك أن يراهم أحد؛ لأن الله سبحانه قادر على كل شيء، ومن ذلك أن يمنع الناس من رؤيتهم ويحجب أبصارهم عن مشاهدتهم. وقد أجاب عن هذه الشبهة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه أضواء البيان بعد أن ذكر أن هذه الشبهة هي عمدة القائلين بهذا القول: فقال: "فقولكم لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لاطلع عليهم الناس، غير

стр. 246

صحيح، لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس. ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ الآية. وهم في فراسخ قليلة من الأرض يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق، وعلى كل حال فربك فعال لما يريد"٢. وقال الشيخ محمود التويجري في كتابه الاحتجاج بالأثر: "وأما كون السائحين في الأرض لم يروا يأجوج ومأجوج ولا سد ذي القرنين فلا يلزم منه عدم السد ويأجوج ومأجوج. فقد يصرف الله السائحين عن رؤيتهم ورؤية السد وقد يجعل الله فوق السد ثلوثاً متراكمة بحيث لا تمكن رؤية السد معها أو يجعل الله غير ذلك من الموانع التي تمنع من رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد. والواجب على المسلم الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج وما صح عن النبي ﷺ في ذلك، ولا يجوز للمسلم أن يتكلف ما لا علم له به ولا يقول بشيء من أقوال المتكلفين المتخرصين بل ينبذها وراء ظهره ولا يعبأ بشيء منه"٣. ويقال أيضا جاء في حديث الجساسة أن بعض الصحابة رأوا الدجال مقيداً في إحدى الجزر وأخبروا الرسول ﷺ بذلك فلم ينكر عليهم ذلك، فهو بلا شك موجود في الجزيرة التي رؤي فيها إلى أن يأذن الله له بالخروج، فهل ينكر وجوده لعدم رؤيته من قبل السائحين؟ الواجب على المسلم أن يصدق بجميع الأخبار الواردة عن الصادق المصدوق فيؤمن بوجود الدجال ويأجوج ومأجوج وسواء رآهم الناس أم لم يروهم. ومن أدلتهم: تأويلهم لقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ٤ أن هذا قد حصل

стр. 247

حيث إن أمم الكفر حققوا ذلك بصعودهم إلى الفضاء بالطائرات والمراكب الفضائية وشقهم للبحار والأنهار بالسفن والبواخر، وغير ذلك من وسائل التنقل الحديثة. والجواب عنه: أن هذا فهم للنص على خلاف مراده، واستدلال في غير محله؛ وذلك لأن هذا الأمر لا يحصل إلا في آخر الزمان عند اقتراب الساعة كما دل على ذلك الآية نفسها والتي تليها حيث يقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ . فأخبر الله سبحانه في هذه الآية أن خروجهم من كل حدب ينسلون لا يحصل إلا عند اقتراب الوعد الحق وهو يوم القيامة. وقد دل على ذلك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة منها حديث النواس بن سمعان وحديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي هريرة، وقد تقدم ذكرها قريباً، وفيها ذكر نزول عيسى وقتله الدجال وأن يأجوج ومأجوج لا يخرجون إلا بعد ذلك، وذلك كله لا يحصل إلا في آخر الزمان. ثم إن تفسير الآية بهذا المعنى تفسير محدث لم يسبق إليه أحد من أئمة التفسير، وكل خير في اتباع من سلف. بل إن تفسيرهم هذا للآية يتعارض مع ما فسر به رسول الله ﷺ من أن ذلك يحصل في آخر الزمان فيعيثون في الأرض فساداً بعد خروجهم وينحاز الناس عنهم إتقاء شرهم. وذلك كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج على الناس كما قال الله : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيعيثون في الأرض، وينحاز المسلمون عنهم....." الحديث. ويقال أيضاً إن هذا التفسير يتعارض مع ما أخبر به الرسول ﷺ من أن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأرد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم. وهذا لم يحصل من أمم الكفر بل هم يتنقلون متى شاءوا إلى أي مكان شاءوا، وليس هناك سد يمنعهم أو حاجز يعوقهم حتى ولو كان تنقلهم بواسطة الأقدام أو الحمير أو غيرها من الوسائل القديمة.

стр. 248

ومن أدلتهم: قولهم إن النبي ﷺ أخبر عن بدأ انفتاح السد في زمانه حيث قال "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها"١. الحديث. ومعنى هذا أن السد كل يوم يزداد في الانفتاح حتى تلاشى في زماننا هذا. والجواب عن هذا أن يقال: قد أخبر الله ورسوله عن خروج يأجوج ومأجوج وعن اندكاك السد، وأنه لا يتم إلا عند اقتراب الساعة، وبعد خروج الدجال ونزول عيسى ﵇. دل على ذلك قول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ.) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ٢. ودل عليه جملة من نصوص السنة منه حديث النواس بن سمعان وحديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري وقد تقدم ذكرها. والمقصود أنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ ببعض النصوص ويترك بعضاًَ، ففي حديث زينب المتقدم أخبر الرسول ﷺ عن انفتاح السد قدر تحليقه إصبعيه، وفي حديث أبي هريرة أخبر أنهم كل يوم يفتحون من السد قليلاً ثم يبيتون فيعود السد كما كان، إلى أن يأذن الله لهم بالخروج في آخر الزمان، وهذا ظاهر الدلالة في أن اندكاك السد لا يكون إلا في آخر الزمان قبل قيام الساعة عندما يأذن الله لهم بالخروج. ويضاف إلى ذلك أن حديث النواس بن سمعان دل على أن ذلك لا يكون إلا بعد خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، فيلزم من قولهم هذا أن يكون الدجال قد خرج وعيسى ﵇ قد نزل وهذا ظاهر البطلان. ومن أدلتهم: قولهم إن كثيراً من المعاصرين صرحوا بذلك في كتبهم كشكيب أرسلان ومحمد رشيد رضا وغيرهما. والجواب عن هذا أن يقال: تصريح المتأخرين أو من هو أفضل منهم من المتقدمين بما يخالف النص، لا يلتفت إليه مهما كانت مكانة قائله العلمية. وقد تقدم بيان بطلان هذا القول بما يكفي، فلا عبرة بهذه التصريحات، ولا يلتفت إليها

стр. 249

وقد استدلوا بغير هذه الأدلة، وأدلتهم كلها واهية لا تقوم بها حجة، ولا يصلح بها برهان، وفي النصوص الصحيحة الصريحة ما يدل على أمر يأجوج ومأجوج وأن خروجهم لا يحصل إلا في آخر الزمان بعد اندكاك السد، وبعد خروج المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇. فالواجب على المسلم أن يؤمن بما صح به الخبر من أشراط الساعة، ولا يتأول النصوص بخلاف ما تدل عليه. فالتمسك بالنصوص وعدم تأويلها هو المنهج الذي سار عليه الصحابة وتابعوهم بإحسان، وهو المنهج الحق الذي لا يجوز العدول عنه. أما الشيخ ابن سعدي فقد أخطأ في ما ذهب إليه في رسالتيه المشار إليهما آنفا، وجانبه الصواب في ذلك وليس هو بالمعصوم. ثم إنه قد ظهر في بعض مؤلفاته كما تقدم الإشارة إلى ذلك ما يفيد احتمال تراجعه عن هذا القول حيث إنه طبع كتابه التفسير في آخر عمره وقرر فيه عند تفسيره لسورة الكهف وسورة الأنبياء خلاف هذا القول الباطل. فبين في كتابه التفسير أن الخروج واندكاك السد لا يتم إلا في آخر الزمان وهذا القول هو الصواب الموافق لأقوال السلف المطابق لمفهوم نصوص الكتاب والسنة. فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ١. "هذا تحذير من الله للناس أن يقيموا على الكفر والمعاصي، وأنه قد قرب انفتاح يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان من بني آدم، وقد سد عليهم ذو القرنين، لما شكى إليه إفسادهم في الأرض. وفي آخر الزمان ينفتح السد عنهم، فيخرجون إلى الناس وفي هذه الحالة والوصف الذي ذكره الله من كل مكان مرتفع، وهو الحدب ينسلون أي يسرعون. وفي هذه الآية دلالة على كثرتهم الباهرة، وإسراعهم في الأرض، إما بذواتهم وإما بما خلق الله لهم من الأسباب التي تقرب لهم البعيد وتسهل عليهم الصعب. وأنهم يقهرون الناس، ويعلون عليهم في الدنيا، وأنه لا يد لأحد بقتالهم ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقّ﴾ أي يوم القيامة الذي وعد الله بإتيانه، ووعده حق وصدق"٢. وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ

стр. 250

مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ ١. قال: "قال المفسرون ذهب متوجهاً من المشرق قاصداً للشمال، فوصل إلى ما بين السدين وهما سدان كانا معروفين في ذلك الزمان. سدان من سلاسل الجبال المتصلة يمنة ويسرة حتى تتصل بالبحار بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وجد من دون السدين قوماً لا يكادون يفقهون قولاً لعجمة ألسنتهم واستعجام أذهانهم وقلوبهم. وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم وراجعهم وراجعوه. فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج وهما: أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ أي جعلاً ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ . ودل ذلك على عدم افتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه فبذلوا له أجره ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي وهو إفسادهم في الأرض. فلم يكن ذو القرنين ذا طمع ولا رغبة في الدنيا ولا تاركاً لإصلاح أحوال الرعية بل قصده الإصلاح فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة ولم يأخذ منهم أجرة وشكر ربه على تمكينه واقتداره فقال لهم: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي مما تبذلون لي وتعطوني وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ أي: مانعا من عبورهم عليكم، ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي قطع الحديد فأعطوه ذلك ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي الجبلين اللذين بنى بينهما السد ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ أي أوقدوها إيقاداً عظيماً واستعملوا لها المنافيخ لتشتد فتذيب النحاس. فلما ذاب النحاس الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ أي نحاساً مذاباً. فأفرغ عليه القطر فاستحكم السد استحكاماً هائلاً، وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج. ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ أي فما لهم استطاعة ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه ولا على نقبه لإحكامه وقوته، فلما فعل هذا الفعل الجميل
следующие страницы →