وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﷺ : " ... ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة عليها خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، يمر المؤمن عليها كالطرف وكالبرق والريح وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم، وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبا" ١ الحديث.
يقول ابن سعدي: "وفي ذلك الموطن ما ثم إلا النار قد برزت وليس لأحد نجاة إلا بالعبور على الصراط وهذا لا يستطيعه إلا أهل الإيمان الذين يمشون في نورهم، وأما غير المؤمنين فليس لهم عند الله عهد في النجاة من النار"٢.
ويقول في وصف الناس حال عبورهم الصراط: "ويمرون على الصراط على قدر أعمالهم كلمح البصر وكالبرق الخاطف وكأجاويد الخيل والإبل وكسعي الرجال وكمشيهم ودون ذلك ... "٣.
كلامه في الشفاعة:
قال ابن تيمية ﵀: "وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته.
وله ﷺ في يوم القيامة ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضي بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم حتى تنتهي الشفاعة إليه.
وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.
ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة بل بفضله ورحمته ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة"٤.
стр. 282
وهذا الكلام الجامع في الشفاعة الذي ذكره شيخ الإسلام دلت عليه نصوص كثيرة في الكتاب والسنة.
منها: قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٣.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٤.
ومن أدلة السنة حديث أنس بن مالك الطويل " في ذكر الشفاعة وفيه أن الناس يأتون آدم ليشفع لهم فيعتذر ويأتون إبراهيم فيعتذر ويأتون موسى فيعتذر ويأتون عيسى فيعتذر ثم يأتون محمداً ﷺ فيقول "أنا لها".قال ﷺ : "فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليه إلا أن يلهمنيه الله، ثم أخر له ساجداً فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمد بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول أمتي أمتي فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل"٥.
وعلى هذا فإن الشفاعة حق، وهي ثابتة للرسول صلى لله عليه وسلم، ولمن يأذن الله من النبيين والصديقين والملائكة.
قال ابن سعدي: "وأما الشفاعة عنده بإذنه من الأنبياء والأصفياء لأهل الجرائم فإنها ثابتة كما أثبتها في عدة مواضع من كتابه؛ وذلك لأنها دالة على كمال رحمته وعموم إحسانه فإنها من رحمته بالشافع والمشفوع له، فالشافع ينال بها الأجر والثناء من الله ومن خلقه، والمشفوع له يرحمه الله على يد من أذن له بالشفاعة فيه، ومع هذا فلا يأذن لأحد
стр. 283
أن يشفع إلا فيمن رضي قوله وعمله وهو من كان مخلصاً متابعاً لرسول الله"١.
وقد أكد ﵀ ونبه كثيراً على أن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد وأما من سواهم فلا تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال في خلاصة التفسير: "....ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، ولا يرضى إلا عمن قام بتوحيده واتباع رسله، فمن لم يتصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب، وأسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه"٢.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣ "والله لا يأذن لأحد أن يشفع إلا فيمن ارتضى ولا يرتضي إلا توحيده، واتباع رسله فمن لم يتصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٥.
"فلا يقدم أحد على الشفاعة، ولو كان أفضل الخلق حتى يأذن الله، ولا يأذن إلا لمن ارتضى. ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له"٦.
كلامه في الجنة:
إن الجنة هي دار كرامة الله لأوليائه المؤمنين، وهي مثوى عباده الطائعين، وقد أعد الله فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"٧ قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ٨.
وقد تحدث ابن سعدي عن الجنة كثيراً ولا سيما في تفسيره للقرآن وتناول وصف الجنة وما فيها من أنواع النعم وصنوف المنن، بأسلوب جامع بليغ.
стр. 284
قال ﵀ في وصف الجنة من حين دخولها إلى ما يلقاه المؤمنون فيها من النعم: "حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها بشفاعة محمد ﷺ فتلقاهم خزنة الجنة يسلمون عليهم، ويهنئونهم بالنجاة من العذاب وحصول الخير والثواب والخلود الأبدي بسبب طيبهم، فيقولون لهم سلام عليكم طبتم: أي طابت قلوبكم بالعقائد الصحيحة الصادقة، والأخلاق الجميلة وألسنتكم بذكر الله والثناء عليه، وجوارحكم بخدمته والقيام بطاعته، فادخلوها خالدين.
فإذا دخلوها ورأوا ما فيها من النعيم المقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، حمدوا الله على منته عليهم بالسوابق والإيمان والأعمال الصالحة وبإنجاز ما وعدهم به على ألسنة رسله، وعلى أن الله أورثهم الجنة يتبوؤون من خيراتها حيث يشاؤون وأنى يشاؤون مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من نعيم القلوب والأرواح، ومن نعيم الأبدان والأجسام ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ. مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ خيرات الأخلاق حسان الوجوه، قد جمع الله لهن حسن البواطن والظواهر فهن سرور وقرة النواظر.
وتمام ذلك أن الله يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً، وأنه يقال لهم أن لكم أن تشبوا فلا تهرموا، وإن لكم أن تصحوا فلا تموتوا أبداً، فلهم كل ما يشاءون فيها وتتعلق به أمانيهم، ولهم فوق ذلك مما تبلغه أمانيهم، ولهم نعيم أعلى من ذلك كله وهو التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم، وسماع خطابه والابتهاج برضاه وقربه، والسرور بمحبته وذكره وحمده والثناء عليه وشكره، مما يشاهدون من كثرة الخيرات، وسوابغ النعم والهبات، وزيادة النعيم وتواصله، ومما يزدادون من معرفته والأنس به، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام"١.
وله ﵀ خطبة بليغة ذكر فيها جملة كبيرة من أوصاف الجنة ونعيمها ضمن مجموعة خطبه "الفواكه الشهية في الخطب المنبرية" قال في آخرها بعد تعداد جملة من أوصاف الجنة " ... لمثل هذه الدار فليعمل العاملون وفي أعمالها الموصلة إليها فليتنافس المتنافسون فواعجباً كيف نام طالبها، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها، وكيف طاب القرار في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف للمشتاقين القرار دون معانقة
стр. 285
أبكارها، طريقها يسير على من يسره الله عليه، وهو امتثال الأوامر واجتناب النواهي والتوبة والإنابة إليه"١.
كلامه في الرؤية:
وأما أعظم نعيم يناله المؤمنون في الجنة فهو رؤية الله والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٤.
والمراد بالمزيد والزيادة هنا، رؤية الله في الجنة، قال ابن كثير في تفسيره:
"وقد رُوي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء بن والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ "٥.
ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث صهيب الرومي ﵁ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون وما هو ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار؟ قال فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم"٦.
قال ابن سعدي: "......إن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات ويبتهجون بخطابه ويفرحون بقربه كما ذكر الله ذلك في عدة آيات من القرآن وتواتر فيه النقل عن رسول الله"٧.
стр. 286
وقد استدل على ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الجنة بأدلة كثيرة من القرآن الكريم.
فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١ "أي: ينظرون إلى ربهم على حسب مراتبهم فمنهم من ينظر كل يوم بكرة وعشياً، ومنهم من ينظر كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالاً إلى جمالهم"٢.
وقال عند قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٣. ".....وأعظم ذلك وأجله وأفضله النظر إلى وجهه الكريم والتمتع بسماع كلامه والتنعم بقربه"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ٥.
"إلى ما أعد الله لهم من النعيم وينظرون إلى وجه ربهم الكريم"٦.
وقال عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٧.
"......ودل مفهوم هذه الآية على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة"٨.
والمقصود أن الرؤية ثابتة للمؤمنين فسيرونه عياناً كما أخبر بذلك وكما أخبر رسوله ﷺ ، ولا ينكر ذلك إلا المعطلة من الجهمية وغيرهم.
وقد استدل هؤلاء المعطلة على عدم إمكان الرؤية بآيتين من القرآن وهما قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٩. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ١٠.
стр. 287
وليس في الآيتين دليل لما ذهبوا إليه، إذا فهمتاًُ فهماً صافياً خالياً من التحريف والتأويل.
وقد رد ابن سعدي عليهم في استدلالهم هذا عند تفسيره لهاتين الآيتين، وبين أنه ليس فيهما دلالة لما ذهبوا إليه.
فقال عند الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
"أي لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه في الآخرة، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم.
فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم، فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة. بل فيها ما يدل على نقيض قولهم"٢.
وقال عند الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
"أي لن تقدر الآن على رؤيتي فإن الله ﵎ أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة.
فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم ﵎، ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم وأنه ينشئهم نشأة كاملة يقدرون معها على رؤية الله تعالى؛ ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل فقال مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَه﴾ إذا تجلى الله له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ . ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ الأصم الغليظ ﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾ أي انهال مثل الرمال، انزعاجاً من رؤية الله وعدم ثبوته لها...."٤.
стр. 288
كلامه في النار:
وأما النار فهي دار أعدها الله لمن عصاه من الكفرة والمعرضين والمجانبين للصراط المستقيم، وجعل لهم فيها النكال والأغلال والويل والثبور، حتى ينالوا بذلك جزاء كفرهم وإعراضهم.
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ٣.
يقول ابن سعدي في وصف النار وأهلها المستحقين لدخولها:
".....فهي دار من طغى وبغى وتجبر على الخلق وآثر الحياة الدنيا، دار الشقاء الأبدي والعذاب الشديد السرمدي، دار جمع الله فيها للطاغين أصناف العذاب، وأحل على أهلها السخط والسعير والحجاب، دار اشتد غيظها وزفيرها، وتفاقمت فظاعتها وحمى سعيرها قعرها بعيد وعذابها شديد ولباس أهلها القطران والحديد وطعامهم الغسلين وشرابهم الصديد، ويتجرعه المجرم ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت فيستريح من التنكيد، يتردد أهلها بين الزمهرير والمفرط برده وبين السعير ويلاقون فيها العنا والشقا فيا بئس المثوى ويا بئس المصير ويلقى عليهم الجوع الشديد المفظع والعطش العظيم الموجع، فيستغيثون للطعام والشراب، فيغاثون من هذا العذاب بأفظع عذاب، يغاثون بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب، خبيث الطعم منتن الريح، حره قد تناها، إذا قرب من وجوههم أسقط جلدها ولحمها وشواها، وإذا وقع في بطونهم صهرها وقطع معاها، يغلي طعام الزقوم في بطونهم كغلي الحميم، فشاربون عليه من الحميم، فشاربون شرب الإبل العطاش الهيم، هذا نزلهم فبئس النزل غير الكريم"٤.
وقال أيضاً في تعداد صنوف العذاب وألوانه وأنواعه في جهنم:
стр. 289
" فتارة يعذبون بالسعير المحرق لظواهرهم وبواطنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها، وتارة بالزمهرير الذي قد بلغ برده أن يهرى اللحوم ويكسر العظام، وتارة بالجوع المفرط والعطش المفظع، وإذا استغاثوا لذلك أغيثوا بعذاب آخر، ولون من الشقاء ينسى ما سبقه فيغاثون بطعام ذي غصة، بشجرة الزقوم التي تخرج في الذي يوقد عليه النار، وإن يستغيثوا للشراب يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، إذا قرب إليها فلا يدعهم العطش مع ذلك أن يتناولها، فإذا وصلت إلى بطونهم قطعت أمعاءهم ولا يزالون في عذاب شديد لا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا يرجون رحمة ولا فرجا ... "١.
فنعوذ بالله من جهنم وما قرب إليها من قول أو عمل.
الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن:
وقد دل على وجودهما نصوص كثيرة في الكتاب والسنة:
قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
وقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٣.
وقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٤"٥.
وقال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً﴾ ٦.
وقد ورد في السنة أحاديث كثيرة تدل على ذلك:
منها: حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات أحدكم فإنه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار"٧.
ومنها: حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء"٨.
стр. 290
وقد أشار ابن سعدي في تفسيره إلى مسألة وجود الجنة والنار وأنهما معدتان الآن، وبين أن هذا هو الاعتقاد الصحيح الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، بخلاف ما ذهب إليه المعتزلة بأنهما تخلقان يوم القيامة.
فقال ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١.
"هذه الآية ونحوها من الآيات فيها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان، خلافاً للمعتزلة"٢.
وبهذا نصل إلى نهاية الفصل الثالث المتعلق بالإيمان باليوم الآخر، ويليه الفصل الرابع والأخير، وهو عن تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل.
стр. 291
الفصل الرابع
جهوده في توضيح تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل
стр. 292
الفصل الرابع: تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل
يشتمل هذا الفصل على أمور كثيرة تتعلق بالإيمان: تعريفه والعلاقة بينه وبين الإسلام، وزيادة الإيمان ونقصانه، وحكم الاستثناء في الإيمان، وحكم مرتكب الكبيرة.
وقبل الشروع في تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل، أرى من المناسب أن أتكلم باختصار عن أهميته فأقول:
لا يخفى أن للإيمان أهمية بالغة إذ هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة وأهل النار، وهو الذي إذا كان مع العبد قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل ولا فرض ولا نفل فالإيمان الصحيح المقرون بالعمل الصالح عنوان على سعادة صاحبه وأنه من أهل الرحمن ومن الصالحين من عباد الله.
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٢.
وأهمية الشيء تظهر بمعرفة فوائده وثماره، وقد عقد ابن سعدي في خلاصة التفسير فصلاً خاصاً بثمرات الإيمان ـ ذكر تحته جملة كبيرة من ثمرات الإيمان وفوائده.
قال فيه "اعلم أن خير الدنيا والآخرة من ثمرات الإيمان الصحيح، وبه يحي العبد حياة طيبة في الدارين، وبه ينجو من المكاره والشرور، وبه تخف الشدائد وتدرك جميع المطالب، ولنشر إلى هذه الثمرات على وجه التفصيل فإن معرفة فوائد الإيمان وثمراته من أكبر الدواعي إلى التزود منه.
стр. 293
ثم شرع ﵀ في ذكر تفاصيل ثمرات الإيمان وفوائده وإليك ملخصها:
فمن ثمرات الإيمان وفوائده:
(١) أنه سبب رضا الله الذي هو أكبر شيء.
(٢) أن ثواب الآخرة ودخول الجنة والتنعم بنعيمها، والنجاة من النار وعقابها إنما يكون بالإيمان.
(٣) أن الله يدفع ويدافع عن الذين آمنوا شرور الدنيا والآخرة.
(٤) أن الله وعد المؤمنين القائمين بالإيمان حقيقة بالنصر والتأييد.
(٥) أن الهداية من الله للعلم والعمل ولمعرفة الحق وسلوكه هي بحسب الإيمان والقيام بحقوقه.
(٦) أن الإيمان يدعو إلى الزيادة من علومه وأعماله الظاهرة والباطنة.
(٧) أن المؤمنين بالله وبكماله وعظمته وكبريائه ومجده أعظم الناس يقيناً وطمأنينة وتوكلاً على الله وثقة به.
(٨) أنه لا يمكن العبد أن يقوم بالإخلاص لله ولعباد الله ونصيحتهم على وجه الكمال إلا بالإيمان.
(٩) أن المعاملات بين الخلق لا تتم وتقوم إلا على الصدق والنصح وعدم الغش ولا يقوم بذلك حقيقة إلا المؤمنون.
(١٠) أن الإيمان أكبر عون على تحمل المشقات، والقيام بأعباء الطاعات وترك الفواحش التي في النفوس داع قوي إلى فعلها، فلا تتم هذه الأمور إلا بقوة الإيمان.
(١١) أن العبد لا بد أن يصاب بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات والإيمان أكبر عون على تحمل هذه المصائب.
(١٢) أن الإيمان يوجب للعبد قوة التوكل على الله لعلمه وإيمانه أن الأمور كلها راجعة إلى الله ومندرجة في قضائه وقدره.
(١٣) أن الإيمان يشجع العبد ويزيد الشجاع شجاعة فإن لاعتماده على الله العزيز الحكيم ولقوة رجائه وطمعه فيما عنده تهون عليه المشقات ويقدم على المخاوف واثقاً بربه راجياً له راهباً من نزوله من عينه لخوفه من المخلوقين.
(١٤) أن الإيمان هو السبب الأعظم لتعلق القلب بالله في جميع مطالب الدينية والدنيوية.
(١٥) أن الإيمان يدعو إلى حسن الخلق مع جميع طبقات الناس، وإذا ضعف الإيمان أو نقص أو انحرف، أثر ذلك في أخلاق العبد انحرافا بحسب بعده عن الإيمان.
стр. 294
(١) أن الإيمان الكامل يمنع من دخول النار بالكلية كما يمنع صاحبه في الدنيا من فعل المعاصي والإيمان الناقص يمنع الخلود في النار.
(٢) أن الإيمان يوجب لصاحبه أن يكون معتبراً عند الخلق أميناً. ويوجب للعبد العفة عن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.
(٣) أن قويّ الإيمان يجد في قلبه من ذوق حلاوته ولذة طعمه واستحلاء آثاره. والتللذ بخدمة ربه وأداء حقوقه وحقوق عباده التي هي موجب الإيمان وأثره. فالمؤمن يتقلب في لذات الإيمان وحلاوته المتنوعة.
(٤) أن الإيمان هو السبب الوحيد للقيام بذروة سنام الدين، وهو الجهاد البدني والمالي والقولي في سبيل الله.
ثم قال ﵀ بعد ذكره لهذه الجملة الكبيرة النافعة من ثمرات الإيمان: "وهذا كله من ثمرات الإيمان ومن تمامه وكماله. وبالجملة فخير الدنيا والآخرة كله فرع عن الإيمان ومترتب عليه، والهلاك والنقص إنما يكون بفقد الإيمان أو نقصه"١.
وبعد هذا البيان الموجز لأهمية الإيمان وما يترتب عليه من فوائد وثمار نشرع في تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل.
تعريف الإيمان:
أن من أصول أهل السنة والجماعة: أن الإيمانَ قول وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ وعملُ القلبِ واللسانِ والجوارح٢.
وقد دل على ذلك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة:
أما أدلة قول القلب وهو تصديقه وإيقانه:
فمنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٥. وغيرها من الآيات.
стр. 295
وأما أدلة اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والإقرار بلوازمها.
فمنها:
قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ ٣.
وقوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله...."٤ الحديث.
وغيرها من النصوص.
وأما أدلة عمل القلب وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد والإقبال على الله والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه.
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ٥.
وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى. إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (الليل: ١٩-٢٠)
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٦.
وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"٧.
стр. 296
وقوله ﷺ : "قال الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"١.
وغيرها من النصوص.
وأما أدلة عمل اللسان والجوارح فكثيرة جداً: وعمل اللسان هو ما لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك، وعمل الجوارح هو ما لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله والخطا إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، ومن أدلة عمل اللسان والجوارح:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ ٤.
ومنها قوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"٥.
وغيرها من نصوص الكتاب والسنة٦.
وقد بين ابن سعدي هذا الأصل العظيم وأوضحه في كثير من مؤلفاته وأشار إلى كثرة أدلته واستدل له بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة٧.
قال ﵀: "الإيمان اسم جامع لعقائد القلب وأعماله وأعمال الجوارح وأقوال اللسان فجميع الدين أصوله وفروعه داخل في الإيمان"٨
стр. 297
وقال: "الإيمان الشرعي عند السلف شامل للعقائد الدينية وأعمال القلوب وأعمال الجوارح وفي هذا من النصوص ما لا يعد ولا يحصى"١.
وقال: " أهل السنة والجماعة يعتقدون ما جاء به الكتاب والسنة من أن الإيمان: تصديق القلب المتضمن لأعمال الجوارح.
فيقولون: الإيمان اعتقادات القلوب وأعمالها، وأعمال الجوارح وأقوال اللسان وأنها كلها من الإيمان، وأن من أكملها ظاهراً وباطنا فقد أكمل الإيمان ومن انتقص شيئاً منها فقد نقص إيمانه"٢.
العلامة بين مسمى الإيمان والإسلام:
إن اسم الإيمان تارة يذكر مفرداً غير مقرون باسم الإسلام. وتارة يذكر مقروناً به. فمن أمثلة ذكره مقرونا بالإسلام:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٥.
وقول جبريل ﵇ في حديث عمر بن الخطاب: "ما الإسلام وما الإيمان"٦.
ومن أمثلة ذكر الإيمان مفرداً:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٧.
وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ. وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٨.
стр. 298
وقوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق"١.
وقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"٢.
ومن أمثلة ذكر الإسلام مفرداً:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٤.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٥.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ ٦.
وعلى هذا فإن الإسلام والإيمان إذا أطلق أحدهما شمل الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله.
وأما إذا قرن بينهما وذكرا معا فعند ذلك يفترقان فيراد بالإسلام حينئذ الأعمال والأقوال الظاهرة، ويراد بالإيمان الاعتقادات الباطنة.
ومن تأمل حديث جبريل والنصوص المتقدمة وغيرها من النصوص عرف ذلك.
وقد أوضح ابن سعدي هذه العلامة بين هذين المسميين فقال: "اعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام، وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان وأثر من آثاره.
فحيث أطلق الإيمان دخل فيه ما ذكر، وكذلك الإسلام إذا أطلق دخل فيه
стр. 299
الإيمان، فإذا قرن بينهما كان الإيمان اسماً لما في القلب من الإقرار والتصديق والإسلام اسما للأعمال الظاهرة"١.
وقال في موضع آخر: "أما الإسلام فهو استسلام القلب لله وإنابته، والقيام بالشرائع الظاهرة والباطنة، وأما الإيمان فهو التصديق التام والاعتراف بأصوله التي أمر الله بالإيمان بها، ولا يتم ذلك إلا بالقيام بأعمال القلوب وأعمال الجوارح. ولهذا سمى الله كثيراً من الشرائع الظاهرة والباطنة إيماناً، وبعض الآيات يذكر أنها من لوازم الإيمان فعلى هذا الإيمان عند الإطلاق يدخل فيه الإسلام، وكذلك بالعكس، وإذا جمع بين الإيمان والإسلام فسر الإيمان بما في القلب من التصديق والاعتراف وما يتبع ذلك، وفسر الإسلام بالقيام بعبودية الله كلها الظاهرة والباطنة"٢.
زيادة الإيمان ونقصانه:
ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بفعل الطاعات وينقص بارتكاب المحرمات.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٦.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﷺ : "يا معشر النساء تصدقن ... وفي الحديث: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"٧.
وفي صحيح مسلم من حديث حنظلة الأسيدي قال: لقيني أبو بكر ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة، قال سبحان الله ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا
стр. 300
من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد الصغار فنسينا كثيراً قال أبو بكر ﵁: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة "ثلاث مرات"١.
فهذه النصوص ظاهرة الدلالة في أن الإيمان يزيد وينقص إذ هي صريحة بذلك.
وقد تناول ابن سعدي هذه المسألة وبين أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بقوة الاعتقاد وكثرته وحسن الأعمال والأقوال وكثرتها وينقص بضد ذلك٢.
واستدل على ذلك بأدلة كثيرة أذكر بعضها:
قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ. أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٣.
"....وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ٥. ".....وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه كما قاله السلف الصالح ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ ٦، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٧.
ويدل عليه أيضاً الواقع فإن الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان
стр. 301
والجوارح والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور أعظم تفاوت"١.
وقال في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير...."٢.
".....وهذا من أدلة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، وذلك بحسب علوم الإيمان ومعارفه وبحسب أعماله.
وهذا الأصل قد دل عليه الكتاب والسنة في مواضيع كثيرة"٣.
مسألة الاستثناء في الإيمان:
وهذه المسألة مترتبة على ما سبق بيانه من أن الإيمان قول وعمل واعتقاد وأنه يزيد وينقص فإذا ثبت ذلك. فإنه ينبغي للإنسان إذا قال أنا مؤمن أن يستثني؛ لأنه لا يستطيع أن يجزم بأنه كمّل الأعمال، وإن جزم بذلك فقد زكى نفسه.
قال ابن سعدي بعد أن عرف الإيمان وبين أنه أصل عظيم وأن أهل السنة والجماعة يعتقدون أنه قول وعمل واعتقاد "........ويرتبون على هذا الأصل صحة الاستثناء في الإيمان.
فيصح أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه يرجو من الله تكميل إيمانه فيستثني من غير شك منه بحصول الإيمان"٤.
وقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا....﴾ ٥ "....وفيه دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان على وجه التقييد بأن يقول أنا مؤمن بالله، كما يقول آمنت بالله بل هذا الأخير من أوجب الواجبات، كما أمر الله به أمراً حتماً بخلاف قول العبد: أنا مؤمن ونحوه فإنه لا يقال إلا مقروناً بالمشيئة لما فيه من تزكية النفس؛ لأن الإيمان المطلق يشمل القيام بالواجبات وترك المحرمات، فهو كقوله أنا متقي أو ولي أو من أهل الجنة، وهذا التفريق هو مذهب محققي أهل السنة والجماعة"٦.
стр. 302
حكم مرتكب الكبيرة:
قبل معرفة حكم الكبيرة أذكر تعريف الكبيرة، فأقول:
اختلف السلف في تعريف الكبيرة إلى أقوال متعددة:
فقيل: هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب.
وقيل: هي ما أوعد الله عليه حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة.
وقيل: هي ما كانت المظالم فيه بين العباد أنفسهم.
وقل: هي ما سماه الله في القرآن كبيراً أو عظيماً.
وقيل: غير ذلك١.
ومن أجمع التعاريف للكبيرة: أنها كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما٢.
أما حكم مرتكب الكبيرة:
فإن نصوص الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يخرج من الدين بسبب ارتكابه للكبيرة، وإنما ينقص إيمانه فلا يذهب عنه الإيمان بالكلية بل يبقى معه مطلق الإيمان.
وارتكاب الكبيرة ليس سبباً للخلود في النار فلا يخلد أحد في النار بسبب ارتكاب الكبيرة؛ لأنه لا يوجب الخلود في النار إلا الإشراك بالله.
وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، وأدلة الكتاب والسنة جمعيها متضافرة على تقريره وتأصيله والرد على من خالفه.
أما الخوارج: فقد كفروا مرتكب الكبيرة وأخرجوه من الدين بالكلية وأوجبوا له الخلود في النار.
وأما المعتزلة فقد وافقوا الخوارج في خلود مرتكب الكبيرة في النار، وأما في الدنيا فهو عندهم ليس مؤمناً ولا كافراً، وإنما في منزلة بين المنزلتين.
وأما المرجئة الخالصة: فقالوا: "إنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة". فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار.
وهذه الفرق كلها جانبت الصواب، وخالفت نصوص الكتاب والسنة والمذهب الحق في ذلك هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لدلالة نصوص الكتاب والسنة عليه وهو
стр. 303
وسط بين هذه المذاهب الضالة، فمن مات على كبيرة فأمره مفوض إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه، وإذا عاقبه بها فإنه لا يخلد خلود الكفار بل يخرج من النار ويدخل الجنة١.
وقد اهتم ابن سعدي ببيان هذا الحكم والرد على من خالفه، وذكر له أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
قال ﵀: "كبائر الذنوب وصغائرها لا تصل بصاحبها إلى الكفر ولكنها تنقص الإيمان من غير أن تخرجه من دائرة الإسلام، ولا يخلد صاحبها في النار.
ولا يطلقون عليه اسم الكفر كما تقوله الخوارج، أو ينفون عنه الإيمان كما تقول المعتزلة، بل يقولون هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فمعه مطلق الإيمان، أما الإيمان المطلق فينفى عنه"٢.
وقد استدل ابن سعدي على أن الكبائر لا يكفر صاحبها، ولا توجب الخلود في النار بأدلة كثيرة.
منها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣.
قال ابن سعدي: "في قوله ﴿أَخِيهِ﴾ دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا الأخوة الإيمانية فلم يخرج بالقتل منها.
ومن باب أولى سائر المعاصي التي هي دون القتل، ولا يكفر بها فاعلها وإنما ينقص بذلك إيمانه"٤.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا....﴾ ٥.
قال ابن سعدي: "....الإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب والكبائر التي دون الشرك، وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة"٦.
وقد استدل الخوارج والمعتزلة على مذهبهم الباطل بنصوص من القرآن، من تأملها وجد أنها حجة عليهم لا لهم.
стр. 304
يقول ابن سعدي: "وكل مبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه"١، ولذلك كان في تفسيره للقرآن إذا مر بآية استدل بها الخوارج والمعتزلة على مذهبم الباطل، بين أن في الآية المستدل بها حجة عليهم لا لهم٢.
ومن أمثلة ذلك استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣.
قال ابن سعدي: "ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب، ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه دخل النار وخلد فيها.
ومن اجتمع فيه معصية وطاعة كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية.
وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد غير مخلدين في النار"٤.
ومن أمثلة ذلك أيضاً استدلالهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٥.
قال ابن سعدي: "في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته، ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان.
وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها وليس فيها
стр. 305
حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص، من خروج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان من النار"١.
وانظر بقية الأمثلة على ذلك في الصفحات المشار إليها آنفا بالهامش، تجد أن كل مبطل إذا استدل بنص صحيح على باطله يكون فيما استدل به حجة عليه.
وإنما هدى الله أهل السنة والجماعة للحق في ذلك لجمعهم بين النصوص وتوفيقهم بينها، لا كما يفعله المبطلة من الأخذ بطرف من النصوص وتركهم طرفاً آخر لاشتماله على رد عليهم.
الجمع بين النصوص الواردة في خلود مرتكب الكبيرة في النار، وبين النصوص التي تدل على أنه لا يخلد في النار إلا المشرك:
قد يشكل على بعض ورود كثير من الآيات فيها ذكر خلود مرتكب الكبيرة في النار، وآيات أخرى فيها أنه لا يخلد في النار إلا المشرك.
وقد أورد ابن سعدي هذا الإشكال وأجاب عنه جواباً شافياً فقال: "ورد في القرآن عدة آيات فيها ذكر الخلود في النار على ذنوب كبائر ليست بكفر مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣.
وقوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤.
فما الجمع بينها وبين النصوص المتواترة من الكتاب والسنة أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وأن جميع المؤمنين مهما عملوا من المعاصي التي دون الكفر فإنهم لا بد أن يخرجوا منها؟
стр. 306
فهذه الآيات قد اتفق السلف على تأويلها وردها إلى هذا الأصل المجمع عليه بين سلف الأمة.
وأحسن ما يقال فيها أن ذكر الخلود على بعض الذنوب التي دون الشرك والكفر أنها من باب ذكر السبب، وأنها سبب للخلود في النار لشناعتها، وأنها بذاتها توجب الخلود إذا لم يمنع من الخلود مانع.
ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الإيمان مانع من الخلود، فتنزل هذه النصوص على الأصل المشهور وهو أنه لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وأسبابها وانتفاع موانعها، وهذا واضح ولله الحمد مع أن بعض الآيات المذكورة فيها ما يدل على أن الخطيئة المراد بها الكفر، لأن قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ دليل على ذلك، لأن المعاصي التي دون الكفر لا تحيط بصاحبها، بل لا بد أن يكون معه إيمان يمنع من إحاطتها، وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ ١ فالمعصية تطلق على الكفر وعلى الكبائر وعلى الصغائر ومن المعلوم أنه إذا دخل فيها الكفر زال الإشكال"٢.
وبهذا التوفيق الذي ذكره ابن سعدي يزول هذا الإشكال ثم إن القاعدة في الذنوب عند السلف:
أنها إن كانت دون الشرك فهي تحت مشيئة الله إن شاء عذب فاعلها وإن شاء عفا عنه وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار.
وأما إن كان في الذنوب إشراك بالله فصاحبها خالد مخلد في نار جهنم، دل على هذه القاعدة العظيمة قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣.
وهذا آخر الحديث عن الإيمان وما يتعلق به، وبه نهاية الفصل الرابع من الباب الثاني والأخير ...
والحمد لله رب العالمين..
стр. 307
الخاتمة
стр. 308
الخاتمة
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، أحمده على توفيقه، وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.
وبعد: فقد تمت هذه الرسالة بحمد الله تعالى، وقد عنيت فيها ببيان جهود العلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي العقدية، والتي تنمي عن حرصه الشديد وجهوده المكثفة لنصرة هذه العقيدة.
وعرضنا هذا لجهوده يبين لنا شدة عنايته بالعقيدة بجميع جوانبها، فكما تقدم في الرسالة كان حديثه عن العقيدة شاملاً لجوانب كثيرة وجزئيات متنوعة ونقاط متعددة من جوانب العقيدة، شاملاً أيضاً للردود على كل من خالف هذه العقيدة الصافية المأخوذة من الكتاب والسنة، والتي لا فلاح ولا نجاح ولا سعادة إلا بتحقيقها.
وكلامه في هذا كله مدعم بالأدلة النقلية، أدلة الكتاب والسنة، فهو في كل مسألة يبينها وينصرها، وفي كل شبهة يدحضها ويبين بطلانها وزيفها، يستدل على ذلك بأدلة صحيحة صريحة واضحة في الدلالة على المقصود، لا لبس فيها ولا غموض، بعيدة عن تكلفات الفلاسفة والمؤولة والمعطلة وغيرهم، فهو ينهج في تقريراته وردوده منهج السلف الصالح، يرتسم خطاهم ويسير على نهجهم ويقتفي آثارهم، وقد استفاد كثيراً من كتب المتقدمين من علماء السلف وذلك لعنايته الشديدة بها.
كما تأثر ﵀ بالعالمين الجليلين الذين خدما العقيدة خدمة جليلة، وهما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم الجوزية، فقد استفاد ﵀ كثيراً من كتبهما واعتنى بها عناية شديدة فشرح بعضها واختصر بعضها واستخرج قواعد وضوابط من أكثرها، وكان يثني عليها ويحث طلابه على قراءتها وقد ظهر تأثره بهما في تقريراته وردوده في مؤلفاته.
كما عنيت في هذه الرسالة بدارسة شاملة لحياة ابن سعدي تناولت فيها جانبي حياته الشخصي والعلمي، وقد ظهر لنا فيها حرص الشيخ منذ نشأته على طلب العلم وتحصيله فقد أمضى حياته وأفنى جميع أوقاته في العلم حفظاً ودارسة وتحصيلاً وعملاً وتطبيقاً وتدريساً ولا يصرفه عنه أي أمر من الأمور.
стр. 309
وفي الحقيقة إن الشيخ ابن سعدي يعد شخصية علمية بارزة، جديرة بالاهتمام من الباحثين، فقد أدى ﵀ دوراً كبيراً في خدمة هذا الدين ونصرته، عن طريق المواعظ والخطب والدروس العلمية والمؤلفات النافعة وغير ذلك، فقد جلس للتدريس والتعليم أكثر من المؤلفات العلمية القيمة النافعة ما يربو على أربعين مؤلفاً تناول فيها العقيدة والتفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك، ومؤلفاته جميعها تمتاز بسهولة العبارة، وقرب المأخذ، والبعد عن التكليف وهي جديرة بالعناية من طلبة العلم.
وقد كان ﵀ في حياته متصفاً بجملة من الصفات الكريمة، فكان متواضعاً كريماً بشوشاً، عطوفاً على الفقراء مساعداً لهم، محباً للخير مقدماً عليه، وكان محل إعجاب الناس وثنائهم، فلا يذكر إلا بكل خير ولا يوصف إلا بكل حميد، وكان محل ثناء العلماء، فحمدوا فيه سعة علمه وحسن خلقه، فرحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.
هذا والله الكريم أسأل أن أكون قد وفقت فيما أردت بيانه في هذه الرسالة، وأن يقيل عثراتي ويجنبني الزلل، فهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 310
مصادر ومراجع
...
فهرس المراجع
стр. 311
فهرس المراجع
مؤلفات ابن سعدي
١- الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين، ط المعارف، الرياض، ١٤٠٢هـ
٢- انتصار الحق، ط الأولى، دار الثقافة، القاهرة، ١٣٩٨هـ.
٣- الإرشاد إلى معرفة الأحكام، ط، المعارف، الرياض، ١٤٠٠هـ.
٤- إرشاد أولي البصائر والألباب، المعارف، الرياض، ١٤٠٠هـ (وهو نفس الكتاب الذي قبله) .
٥- بهجة قلوب الأبرار، ط مطبعة الكيلاني، القاهرة، الناشر، السعيدية، الرياض.
٦- التعليق وكشف النقاب على نظم قواعد الإعراب، مخطوطة.
٧- توضيح الكافية الشافية، ط المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٦٨هـ.
٨- التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، ط مطبعة المشهد الحسيني، القاهرة.
٩- التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنفية، ط مطبعة البيان، بيروت.
١٠- تنزيه الدين وحملته ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله، ط دار إحياء الكتب العريبة.
١١- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ط مطابع الدجوي: القاهرة الناشر المؤسسة السعيدية بالرياض.
١٢- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ط، المعارف، الرياض ١٤٠٠هـ
١٣- الحق الواضح المبين، ط المطبعة السلفية القاهرة.
١٤- حكم شرب الدخان، ط، المعارف، الرياض، ١٤٠٤هـ.
١٥- الخطب المنبرية على المناسبات، ط، المدني، القاهرة ١٣٧٥هـ.
١٦- الدرة البهية شرح القصيدة التائية، ط، مطبعة المشهد الحسيني القاهرة، ١٣٧٦هـ.
١٧- الدرة المختصرة في محاسن الدين، ط مطبعة أنصار السنة المحمدية، القاهرة ١٣٦٦هـ.
стр. 312
١- الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال العصرية داخلة في الدين الإسلامي، ط، مطابع الرياض، ١٣٧٦هـ.
٢- الدين الصحيح يحل جميع المشاكل، ط مطبعة المدني، القاهرة.
٣- رسالة في القواعد الفقهية ـ ضمن المجموع لمؤلفاته ـ ط، مطابع الدجوي، القاهرة، الناشر: السعيدية.
٤- رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه ـ ضمن المختارات الجلية ـ، ط، الأولى، مطبعة المدني، القاهرة ١٣٧٨هـ.
٥- الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، ط الكيلاني، القاهرة، الناشر السعيدية.
٦- سؤال وجواب في أهم المهمات، ط، مطبعة دمشق، ١٣٧٢هـ.
٧- طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول، الكيلاني، القاهرة، الناشر السعيدية.
٨- الفتاوى السعيدية، ط مطبعة الكيلاني، الناشر السعيدية الرياض.
٩- فوائد قرآنية، ط الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت ١٣٩٤هـ
١٠- فوائد مستنبطة من قصة يوسف ﵇ ، ط مطبعة العلم، القاهرة، ١٣٧٥هـ.
١١- الفواكه الشهية في الخطب المنبرية، ط، مطبعة دمشق ١٣٧٢هـ.
١٢- القواعد الحسان لتفسير القرآن، ط المعارف، الرياض ١٤٠٠هـ.
١٣- القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة، طبعة، المدني القاهرة، ١٣٧٥هـ.
١٤- القول السديد في مقاصد التوحيد، ط الثالثة، مؤسسة النور الرياض، ١٣٩٠هـ.
١٥- مجموع الخطب في المواضيع النافعة، ط مطبعة أنصار السنة المحمدية، القاهرة، ١٣٦٦هـ.
١٦- المختارات الجلية من المسائل الفقهية، ط مطابع الدجوي، القاهرة الناشر السعيدية.
١٧- مختارات من الفتاوى ـ ضمن المختارات الجلية، ط مطابع الدجوي، القاهرة، الناشر السعيدية.
١٨- المواهب الربانية من الآيات القرآنية، ط، المعارف الرياض، ١٤٠٢هـ.
стр. 313
١- المناظرات الفقهية ـ ضمن المختارات الجلية ـ ط مطابع الدجوي، القاهرة، الناشر السعيدية.
٢- منظومة في أحكام الفقه ـ ضمن المجموع لمؤلفاته ـ، ط مطابع الدجوي القاهرة، الناشر السعيدية.
٣- منظومة في السير إلى الله والدار الآخرة ـ ضمن المجموع لمؤلفاته ـ، ط مطابع الدجوي، القاهرة، الناشر السعيدية.
٤- منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين ـ ضمن المختارات الجلية، ط ١ مطبعة المدني، القاهرة ١٣٧٨هـ.
٥- واجب المسلمين، ط، الثانية، مؤسسة النور، الرياض، ١٣٨٩هـ.
٦- وجوب التعاون بين المسلمين، ط، المعارف، الرياض ١٤٠٢هـ.
٧- الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، ط مؤسسة النور، الرياض.
مؤلفات أخرى
٤٣- الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، ط الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٩٧٥م.
٤٤- أبو الحسن الأشعري للشيخ حماد الأنصاري، طبع مؤسسة النور، بالرياض.
٤٥- إتحاف الجماعة للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، ط، الأولى، مطابع الرياض ١٣٩٤هـ.
٤٦- إجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، ط مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.
٤٧- الاحتجاج بالأثر للشيخ حمود التويجري، ط الأولى الرياسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ١٤٠٣هـ.
٤٨- الآداب الشرعية، لابن مفلح، ط مطبعة المنار، ١٣٤٨هـ.
٤٩- الاستقامة لابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، ط الأولى، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٤هـ.
٥٠- أضواء البيان، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ط عالم الكتب، بيروت.
٥١- الأعلام ـ لخير الدين الزركلي، ط السادسة، دار عالم للملايين بيروت. ١٩٨٤م.
٥٢- الإكليل في المتشابه التأويل ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية، ط، دار إحياء التراث بيروت.
стр. 314
٤٣- الإمام ابن تيمية وقضية التأويل. للدكتور محمد السيد الجليند، ط الثالثة طبع شركة عكاظ للنشر والتوزيع، السعودية ١٤٠٣هـ.
٤٤- الإيمان لابن تيمية، ط الثالثة، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٩هـ.
٤٥- بصائر ذوي التمييز للفيروز أبادي، ط المكتبة العلمية، بيروت.
٤٦- بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال للشيخ السويح، ط المطبعة السلفية ـ القاهرة ١٣٦٩هـ.
٤٧- تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، للصنعاني، ط، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٩٧٥م.
٤٨- تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ط، دار المعرفة، بيروت ١٣٨٨هـ.
٤٩- التلخيص الحبير لابن حجر، ط المطبعة العربية باكستان، الناشر: إدارة البحوث الإسلامية. فيصل آباد.
٥٠- تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ط الثالثة، المكتب الإسلامي، بيروت ١٣٩٧هـ.
٥١- جامع البيان للطبري، ط دار المعارف بمصر.
٥٢- حلية الأولياء لأبي نعيم، ط الثانية دار الكتب العربي، بيروت. ١٣٨٧هـ.
٥٣- درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، ط الأولى، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٤هـ.
٥٤- الدين ـ للدكتور محمد عبد الله، دار القلم الكويت، ١٤٠٠هـ.
٥٥- الرد القويم على ملحد القصيم للشيخ عبد الله بن علي بن يابس، ط، الأولى، مطبعة الإمام، مصر.
٥٦- الرسالة التدمرية، لابن تيمية، ط الثالثة، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٤٠٠هـ.
٥٧- رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري، لأبي القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس. تحقيق د/ علي ناصر فقيهي، ط الأولى ١٤٠٤هـ.
٥٨- الرسل والرسالات للدكتور عمر الأشقر، ط الثانية، مكتبة الفلاح، الكويت، ١٤٠٣هـ.
٥٩- الروح لابن القيم، ط، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٩هـ.
٦٠- روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين، للشيخ محمد بن عثمان القاضي، ط الأولى، مطبعة الحلبي، القاهرة، ١٤٠٠هـ.
٦١- زاد المعاد لابن القيم، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط ط الثالثة مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٢هـ.
стр. 315
٤٣- الزهر النضر في نبأ الخضر، لابن حجر ضمن مجوعة الرسائل المنيرية. ط إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة.
٤٤- السبعينية لابن تيمية، ضمن مجموعة الفتاوى المصرية، ط مطبعة كردستان العلمية، القاهرة، ١٣٩٢هـ.
٤٥- سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، ط، الثالثة، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣هـ.
٤٦- سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار إحياء الكتب العربية، ١٣٧٢هـ.
٤٧- سنن أبي داود، ط دار إحياء السنة النبوية.
٤٨- سنن الدارمي، ط مطبعة الاعتدال، دمشق، ١٣٤٩هـ.
٤٩- سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط دار إحياء التراث الإسلامي بيروت.
٥٠- سنن النسائي، ط الأولى، المطبعة المصرية، القاهرة، ١٣٤٨هـ.
٥١- السنة للمروزي، ط دار الثقافة والنشر، الرياض.
٥٢- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للحافظ اللالكائي، ط الأولى. دار طيبة ـ الرياض.
٥٣- شرح السنة للبغوي، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد زهير الشاويش ط الأولى، المكتب الإسلامي، بيروت ١٣٩٠هـ.
٥٤- شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ط مكتبة الدعوة الإسلامية.
٥٥- شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد بن خليل الهراس، ط الرابعة، مؤسسة مكة للطباعة، توزيع الجامعة الإسلامية.
٥٦- الشريعة للآجري، تحقيق محمد حامد الفقي، ط الأولى، مطابع الأشراف، لاهور، باكستان، ١٤٠٣هـ.
٥٧- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم. ط، دار المعرفة، بيروت.
٥٨- الصحاح للجوهري، ط الثانية، القاهرة، ١٤٠٢هـ.
٥٩- صحيح البخاري، ط المكتبة الإسلامية، استانبول، تركيا.
٦٠- صحيح الجامع الصغير، للألباني، ط الثالثة، المكتب الإسلامي بيروت ١٤٠٢هـ.
٦١- صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار إحياء التراث العربي.
طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسن محمد بن أبي يعلى، ط مطبعة السنة المحمدية.
стр. 316
٤٣- عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي لابن العربي، ط الأولى المطبعة المصرية بالأزهر، ١٣٥٠هـ.
٤٤- العقيدة في الله، للدكتور عمر سليمان الأشقر، ط الخامسة، مكتبة الفلاح، الكويت، ١٩٨٤هـ.
٤٥- القعيدة الواسطية، لابن تيمية، ط الرابعة، طبعة الجامعة الإسلامية.
٤٦- علماء آل سليم وتلاميذهم للشيخ صالح السليمان العمري، ط الأولى مطابع الأشعاع، الرياض ١٤٠٥هـ.
٤٧- علماء نجد خلال ستة قرون للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، ط الأولى، مؤسسة الخدمة الطباعية، بيروت. ١٣٩٨هـ.
٤٨- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر ط دار المعرفة، بيروت.
٤٩- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ط، مطبعة المشهد الحسيني، القاهرة، ١٣٧٦هـ.
٥٠- فتح المعبود في الرد على بن محمود للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، ط الأولى، مطبعة المدينة ١٣٩٩هـ.
٥١- الكشاف للزمخشري، ط، دار المعرفة، بيروت.
٥٢- كشف الظنون لحاجي خليفة، ط دار الفكر، ١٤٠٢هـ.
٥٣- لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي، ط، الرابعة، المكتب الإسلامي، بيروت.
٥٤- لوامع الأنوار البهية للسفاريني، ط مطبعة المدني، القاهرة.
٥٥- مجمع الزوائد للهيثمي، ط الثالثة، بيروت، دار الكتاب العربي ١٤٠٢هـ
٥٦- مجموع الفتاوى لابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن محمد قاسم بمساعدة ابنه، ط مكتبة المعارف، المغرب.
٥٧- مختصر الصواعق المرسلة لمحمد بن الموصلي، ط دار الندوة الجديدة، بيروت ١٤٠٥هـ.
٥٨- مدارج السالكين لابن القيم، تحقيق محمد حامد الفقي، ط دار الكتاب العربي بيروت، ١٣٩٢هـ.
٥٩- معارج القبول للشيخ حافظ حكمي، ط المطبعة السلفية، القاهرة.
٦٠- معالم التنزيل للبغوي، ط الأولى دار المعرفة بيروت ١٤٠٦هـ.
٦١- المستدرك للحاكم، ط مطابع النصر الحديثة. الرياض.
المسند للإمام أحمد، ط الأولى، المكتب الإسلامي، بيروت ١٣٨٩هـ.
стр. 317
٤٣- مشاهير علماء نجد وغيرهم للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ ط الثانية، بإشراف دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، ١٣٩٤هـ.
٤٤- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين ط مكتبة بريل في مدينة ليدن.
٤٥- معجم مقاييس اللغة لابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، ط دار الكتب العلمية. إيران.
٤٦- معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، ط دار إحياء التراث، بيروت.
٤٧- مفتاح كنوز السنة، ط مطبعة معارف لاهور، باكستان، ١٣٩٧هـ.
٤٨- مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري، الطبعة الثالثة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٤٩- مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، تحقيق د. عبد الله التركي، ط الأولى، مكتبة الخانجي، مصر، ١٣٩٩هـ.
٥٠- النبوات لابن تيمية، ط دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٢هـ.
٥١- النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل، للشيخ محمد كمال الدين العامري، ط دار الفكر، دمشق ١٤٠٢هـ.
٥٢- نهاية البداية والنهاية، لابن كثير، ط الأولى، مكتبة النصر الحديثة، الرياض ١٩٨٦هـ.
المجلات
١٢٢- مجلة الجامعة الإسلامية، عدد ٤، السنة الحادية عشرة، ص ٢٠٥، مقال للدكتور عبد الرحمن العدوي.
١٢٣- مجلة الجامعة الإسلامية، عدد ٩٩ السنة الخامسة عشرة، مقال للشيخ عبد الكريم مراد.
١٢٤- مجلة العرب، عدد ربيع الأول /١٣٩٣هـ، السنة السابعة ص ٥٩٠ بعنوان: معجم المطبوعات العربية.