صحيح، لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس.
ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ الآية.
وهم في فراسخ قليلة من الأرض يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق، وعلى كل حال فربك فعال لما يريد"٢.
وقال الشيخ محمود التويجري في كتابه الاحتجاج بالأثر: "وأما كون السائحين في الأرض لم يروا يأجوج ومأجوج ولا سد ذي القرنين فلا يلزم منه عدم السد ويأجوج ومأجوج. فقد يصرف الله السائحين عن رؤيتهم ورؤية السد وقد يجعل الله فوق السد ثلوثاً متراكمة بحيث لا تمكن رؤية السد معها أو يجعل الله غير ذلك من الموانع التي تمنع من رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد. والواجب على المسلم الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج وما صح عن النبي ﷺ في ذلك، ولا يجوز للمسلم أن يتكلف ما لا علم له به ولا يقول بشيء من أقوال المتكلفين المتخرصين بل ينبذها وراء ظهره ولا يعبأ بشيء منه"٣.
ويقال أيضا جاء في حديث الجساسة أن بعض الصحابة رأوا الدجال مقيداً في إحدى الجزر وأخبروا الرسول ﷺ بذلك فلم ينكر عليهم ذلك، فهو بلا شك موجود في الجزيرة التي رؤي فيها إلى أن يأذن الله له بالخروج، فهل ينكر وجوده لعدم رؤيته من قبل السائحين؟
الواجب على المسلم أن يصدق بجميع الأخبار الواردة عن الصادق المصدوق فيؤمن بوجود الدجال ويأجوج ومأجوج وسواء رآهم الناس أم لم يروهم.
ومن أدلتهم:
تأويلهم لقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ٤ أن هذا قد حصل
стр. 247
حيث إن أمم الكفر حققوا ذلك بصعودهم إلى الفضاء بالطائرات والمراكب الفضائية وشقهم للبحار والأنهار بالسفن والبواخر، وغير ذلك من وسائل التنقل الحديثة.
والجواب عنه: أن هذا فهم للنص على خلاف مراده، واستدلال في غير محله؛ وذلك لأن هذا الأمر لا يحصل إلا في آخر الزمان عند اقتراب الساعة كما دل على ذلك الآية نفسها والتي تليها حيث يقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ .
فأخبر الله سبحانه في هذه الآية أن خروجهم من كل حدب ينسلون لا يحصل إلا عند اقتراب الوعد الحق وهو يوم القيامة.
وقد دل على ذلك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة منها حديث النواس بن سمعان وحديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي هريرة، وقد تقدم ذكرها قريباً، وفيها ذكر نزول عيسى وقتله الدجال وأن يأجوج ومأجوج لا يخرجون إلا بعد ذلك، وذلك كله لا يحصل إلا في آخر الزمان. ثم إن تفسير الآية بهذا المعنى تفسير محدث لم يسبق إليه أحد من أئمة التفسير، وكل خير في اتباع من سلف.
بل إن تفسيرهم هذا للآية يتعارض مع ما فسر به رسول الله ﷺ من أن ذلك يحصل في آخر الزمان فيعيثون في الأرض فساداً بعد خروجهم وينحاز الناس عنهم إتقاء شرهم.
وذلك كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج على الناس كما قال الله : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيعيثون في الأرض، وينحاز المسلمون عنهم....." الحديث.
ويقال أيضاً إن هذا التفسير يتعارض مع ما أخبر به الرسول ﷺ من أن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأرد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم.
وهذا لم يحصل من أمم الكفر بل هم يتنقلون متى شاءوا إلى أي مكان شاءوا، وليس هناك سد يمنعهم أو حاجز يعوقهم حتى ولو كان تنقلهم بواسطة الأقدام أو الحمير أو غيرها من الوسائل القديمة.
стр. 248
ومن أدلتهم:
قولهم إن النبي ﷺ أخبر عن بدأ انفتاح السد في زمانه حيث قال "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها"١. الحديث. ومعنى هذا أن السد كل يوم يزداد في الانفتاح حتى تلاشى في زماننا هذا.
والجواب عن هذا أن يقال: قد أخبر الله ورسوله عن خروج يأجوج ومأجوج وعن اندكاك السد، وأنه لا يتم إلا عند اقتراب الساعة، وبعد خروج الدجال ونزول عيسى ﵇.
دل على ذلك قول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ.) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ٢.
ودل عليه جملة من نصوص السنة منه حديث النواس بن سمعان وحديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري وقد تقدم ذكرها.
والمقصود أنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ ببعض النصوص ويترك بعضاًَ، ففي حديث زينب المتقدم أخبر الرسول ﷺ عن انفتاح السد قدر تحليقه إصبعيه، وفي حديث أبي هريرة أخبر أنهم كل يوم يفتحون من السد قليلاً ثم يبيتون فيعود السد كما كان، إلى أن يأذن الله لهم بالخروج في آخر الزمان، وهذا ظاهر الدلالة في أن اندكاك السد لا يكون إلا في آخر الزمان قبل قيام الساعة عندما يأذن الله لهم بالخروج.
ويضاف إلى ذلك أن حديث النواس بن سمعان دل على أن ذلك لا يكون إلا بعد خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، فيلزم من قولهم هذا أن يكون الدجال قد خرج وعيسى ﵇ قد نزل وهذا ظاهر البطلان.
ومن أدلتهم:
قولهم إن كثيراً من المعاصرين صرحوا بذلك في كتبهم كشكيب أرسلان ومحمد رشيد رضا وغيرهما.
والجواب عن هذا أن يقال: تصريح المتأخرين أو من هو أفضل منهم من المتقدمين بما يخالف النص، لا يلتفت إليه مهما كانت مكانة قائله العلمية.
وقد تقدم بيان بطلان هذا القول بما يكفي، فلا عبرة بهذه التصريحات، ولا يلتفت إليها
стр. 249
وقد استدلوا بغير هذه الأدلة، وأدلتهم كلها واهية لا تقوم بها حجة، ولا يصلح بها برهان، وفي النصوص الصحيحة الصريحة ما يدل على أمر يأجوج ومأجوج وأن خروجهم لا يحصل إلا في آخر الزمان بعد اندكاك السد، وبعد خروج المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇.
فالواجب على المسلم أن يؤمن بما صح به الخبر من أشراط الساعة، ولا يتأول النصوص بخلاف ما تدل عليه.
فالتمسك بالنصوص وعدم تأويلها هو المنهج الذي سار عليه الصحابة وتابعوهم بإحسان، وهو المنهج الحق الذي لا يجوز العدول عنه.
أما الشيخ ابن سعدي فقد أخطأ في ما ذهب إليه في رسالتيه المشار إليهما آنفا، وجانبه الصواب في ذلك وليس هو بالمعصوم. ثم إنه قد ظهر في بعض مؤلفاته كما تقدم الإشارة إلى ذلك ما يفيد احتمال تراجعه عن هذا القول حيث إنه طبع كتابه التفسير في آخر عمره وقرر فيه عند تفسيره لسورة الكهف وسورة الأنبياء خلاف هذا القول الباطل.
فبين في كتابه التفسير أن الخروج واندكاك السد لا يتم إلا في آخر الزمان وهذا القول هو الصواب الموافق لأقوال السلف المطابق لمفهوم نصوص الكتاب والسنة.
فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ١.
"هذا تحذير من الله للناس أن يقيموا على الكفر والمعاصي، وأنه قد قرب انفتاح يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان من بني آدم، وقد سد عليهم ذو القرنين، لما شكى إليه إفسادهم في الأرض.
وفي آخر الزمان ينفتح السد عنهم، فيخرجون إلى الناس وفي هذه الحالة والوصف الذي ذكره الله من كل مكان مرتفع، وهو الحدب ينسلون أي يسرعون.
وفي هذه الآية دلالة على كثرتهم الباهرة، وإسراعهم في الأرض، إما بذواتهم وإما بما خلق الله لهم من الأسباب التي تقرب لهم البعيد وتسهل عليهم الصعب. وأنهم يقهرون الناس، ويعلون عليهم في الدنيا، وأنه لا يد لأحد بقتالهم ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقّ﴾ أي يوم القيامة الذي وعد الله بإتيانه، ووعده حق وصدق"٢.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ
стр. 250
مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ ١.
قال: "قال المفسرون ذهب متوجهاً من المشرق قاصداً للشمال، فوصل إلى ما بين السدين وهما سدان كانا معروفين في ذلك الزمان.
سدان من سلاسل الجبال المتصلة يمنة ويسرة حتى تتصل بالبحار بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وجد من دون السدين قوماً لا يكادون يفقهون قولاً لعجمة ألسنتهم واستعجام أذهانهم وقلوبهم.
وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم وراجعهم وراجعوه. فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج وهما: أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ أي جعلاً ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ .
ودل ذلك على عدم افتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه فبذلوا له أجره ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي وهو إفسادهم في الأرض.
فلم يكن ذو القرنين ذا طمع ولا رغبة في الدنيا ولا تاركاً لإصلاح أحوال الرعية بل قصده الإصلاح فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة ولم يأخذ منهم أجرة وشكر ربه على تمكينه واقتداره فقال لهم: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي مما تبذلون لي وتعطوني وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ أي: مانعا من عبورهم عليكم، ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي قطع الحديد فأعطوه ذلك ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي الجبلين اللذين بنى بينهما السد ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ أي أوقدوها إيقاداً عظيماً واستعملوا لها المنافيخ لتشتد فتذيب النحاس.
فلما ذاب النحاس الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ أي نحاساً مذاباً.
فأفرغ عليه القطر فاستحكم السد استحكاماً هائلاً، وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج.
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ أي فما لهم استطاعة ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه ولا على نقبه لإحكامه وقوته، فلما فعل هذا الفعل الجميل
стр. 251
والأثر الجليل أضاف النعمة إلى موليها وقال: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي من فضله وإحسانه عليّ وهذه حال الخلفاء الصالحين، إذا منَّ الله عليهم بالنعم الجليلة، ازداد شكرهم وإقرارهم واعترافهم بنعمة الله كما قال سليمان ﵇ لما حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم قال: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ ١.
بخلاف أهل التجبر والتكبر والعلو في الأرض فإن النعم الكبار تزيدهم أشراً وبطراً، كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٢.
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي لخروج يأجوج ومأجوج ﴿جَعَلَهُ﴾ أي السد المحكم المتقن ﴿دَكَّاءَ﴾ أي دكه فانهدم واستوى هو والأرض وكان وعد ربي حقا"٣. أ. هـ كلامه.
وكلامه في هذين الموضعين هو الصواب الموافق لما عليه السلف الصالح في أمر يأجوج ومأجوج، وفي كلامه هذا أبلغ رد على ما قاله في رسالتيه المتقدمتين، وفيه أيضاً احتمال كبير لرجوعه عما قاله فيهما؛ لأنه طبعه في آخر حياته.
لذا يقول الشيخ حمود التويجري بعد أن ذكر كلام ابن سعدي عند تفسيره لسورة الأنبياء: "وهذا صريح في رجوعه عما كان يقوله في يأجوج ومأجوج أنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم"٤.
ثم أشار التويجري إلى أن الشيخ ابن سعدي طبع تفسيره في سنة ١٣٧٥هـ في المطبعة السلفية أي قبل وفاته بسنة٥، وأرسل منه نسخة للشيخ حمود التويجري.
وكان هذا بعد إخراجه للرسالة التي غلط فيها في أمر يأجوج ومأجوج بنحو سبع عشرة سنة، وهذا فيه احتمال كبير لتراجع الشيخ عن قوله المذكور في يأجوج ومأجوج، وإن لم يكن قد رجع فكلامه فيهم متناقض. لذا يقول الشيخ التويجري حفظه الله: "ولم يخرج تفسير الآيات من سورة الكهف ومن سورة الأنبياء عما ذكره المفسرون في أمر يأجوج ومأجوج، فيحتمل أنه قد رجع عما قرره في رسالته وإن لم يكن رجع عن ذلك
стр. 252
فكلامه في يأجوج ومأجوج متناقض فيؤخذ بما كان منه موافقا لأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين ويرد ما خالفهم فيه"١.
وقد أثنى الشيخ التويجري على الشيخ ابن سعدي ثناءً طيباً بعد أن نبه على خطئه المتقدم وأشار إلى علمه وفضله.
فقال: "ليعلم المطلع على كتابي هذا أن إنكاري لما توهمه ابن سعدي في أمر السد ويأجوج ومأجوج وما كتبته في التنبيه على أخطائه لا يمنعني من الثناء عليه والدعاء له بالمغفرة والرحمة فقد خلف رحمه الله تعالى علماً كثيراً في مؤلفاته وعند تلاميذه، فأما ما كتبه في رسالته في السد ويأجوج ومأجوج فهو من الزلات المغمورة في جنب فضائله ومحاسنه وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال:
ومن ذا ترضى سجاياه كلها
كفى المرء نبلا أن تعد معائبه٢
وثمة موضع آخر خطأ الشيخ ابن سعدي في تأويله يتعلق بأشراط الساعة حيث أول حديث أبي سعيد الخدري في قصة الراعي الذي كلمه الذئب فأخبر النبي ﷺ بذلك.
ولفظ حديث أبي سعيد: عن النبي ﷺ قال بينما أعرابي في بعض نواحي المدينة في غنم له عدا عليه الذئب فأخذ شاة من غنمه فأدركه الأعرابي فاستنقذها منه وهجهجه فعانده الذئب ثم أقعى مستذفراً بذنبه يخاطبه فقال أخذت رزقاً رزقنيه الله قال واعجباً من ذئب مقع مستذفر بذنبه يخاطبني فقال الله إنك لتترك أعجب من ذلك قال وما أعجب من ذلك فقال رسول الله ﷺ في النخلتين بين الحرتين يحدث الناس عن نبأ ما قد سبق، وما يكون بعد ذلك قال فنعق الأعرابي بغنمه حتى ألجأها إلى بعض المدينة ثم مشى إلى النبي ﷺ حتى ضرب عليه فلما صلى النبي ﷺ قال أين الأعرابي صاحب الغنم فقام الأعرابي فقال له النبي ﷺ حدث الناس بما سمعت وما أريت فحدث الأعرابي الناس بما رأى من الذئب وسمع منه فقال النبي ﷺ عند ذلك صَدَقَ، آياتٌ تكون قبل الساعة. والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده"٣.
стр. 253
فهذ الحديث ظاهر في أن التكليم حصل حقيقة من الذئب للراعي، وأنه كذلك يحصل حقيقة من السوط والنعل والعصا قبل قيام الساعة، إلا أن الشيخ ابن سعدي تأول هذا الحديث بما قد حصل في هذه الأزمان من الاتصالات التليفونية والهوائية والإذاعات وغيرها.
فقال: ".....وإخباره أنه لا بد أن يكلم الرجل عذبه وسوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما فعله أهله بعده، ومصداقه ما ظهر من الأعمال الكهربائية والمخاطبات التليفونية والهوائية والراديات المتنوعة التي لا تزال في نمو وازدياد"١.
ولا ريب أن تأويل ابن سعدي هذا ظاهر البطلان، ويتنافى مع ما سبق أن قرره من وجوب فهم النصوص على ظاهرها من غير تكليف لتأويلها.
ويكفي في بيان بطلان هذا التأويل صدر الحديث حيث أن الراعي أخبر النبي ﷺ أن الذئب كلمه فقال النبي ﷺ "لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده"٢.
فهنا حصل تكليم حقيقي من الذئب للراعي وكذلك يحصل في آخر الزمان تكلم السباع الآدميين ويكلم السوط والنعل والعصا صاحبه بما أحدث أهله.
كل ذلك حق على حقيقته ويجري على ظاهره ولا يتكلف تأويله بما حصل من المخترعات الحديثة.
ومثله ما أخبر النبي ﷺ من أن حجراً في مكة كان يسلم عليه٣، وهذا حق على حقيقته، وكما يقال في هذا الحديث يقال في الحديث الذي قبله.
ومثله أيضاً ما أخبر به النبي ﷺ من أن المسلمين يقاتلون اليهود في آخر الزمان فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله٤، وهذا أيضاً حق على
стр. 254
حقيقته وسيكلم الحجر والشجر وسيقع طبقاً لما أخبر به الصادق المصدوق ﵊.
والمقصود أن هذه النصوص وأمثالها لا يجوز تأويلها وصرفها عن ظاهرها بل الواجب أن تمر كما جاءت مع تيقن حصول ما أخبر به الرسول ﷺ من غير تكلف لتأويلها، أو صرف لها عن ظاهرها.
وبهذا يتبين لنا أن تأويل ابن سعدي للحديث المتقدم بما حصل من المخترعات العصرية خطأ واضح يتنافى مع منهجه السليم من الأخذ بالظاهر وترك التأويل، والكمال لله والعمصة لرسوله ﷺ .
خروج الدابة:
ومن أمارات الساعة الدالة على قرب وقتها خروج دابة الأرض على الناس ضحى تكلمهم وتسميهم مؤمناً وكافراً، كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ١.
وقال ﷺ : "لن تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات وذكر منها الدابة"٢.
وقال ﷺ : "إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريباً"٣.
وقد أشار ابن سعدي إلى هذه الأمارة وكثرة الأحاديث فيها، وذلك عند تفسيره للآية المتقدمة فقال: "وهذه الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان، تكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث، لم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة وإنما ذكر أثرها والمقصود منها، وأنها من آيات الله تكلم الناس كلاماً خارقاً للعادة حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين وحجة على المعاندين"٤.
طلوع الشمس من مغربها:
ومن أمارات الساعة طلوع الشمس من مغربها كما تواترت بذلك نصوص الكتاب والسنة.
стр. 255
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ١.
قال البخاري في تفسير هذه الآية حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا عمارة حدثنا أبو زرعة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس أمن من عليها"٢ فذلك حين ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ٣.
وقد ورد في السنة أحاديث كثيرة عن طلوع الشمس من مغربها. منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستاً طلوع السمش من مغربها والدجال والدخان والدابة وخاصة أحدكم وأمر العامة"٤.
ومنها ما رواه مسلم أيضاً عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها والدجال، ودابة الأرض"٥.
ورواه الإمام أحمد وذكر "الدخان" بدل "الدجال"٦.
وقد أشار ابن سعدي عند تفسير الآية المتقدمة إلى كثرة النصوص وتضافرها في طلوع الشمس من مغربها وأن الإيمان لا ينفع عند طلوعها فقال: "وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن المراد ببعض آيات الله طلوع الشمس من مغربها، وأن الناس إذا رأوها آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم ويغلق حينئذ باب التوبة"٧.
وقال في المواهب الربانية: "فسر النبي ﷺ ذلك بطلوع الشمس من مغربها فالأحاديث الصحيحة دلت على أن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها. والآية دلت على أن أي آية من آيات الله التي هي مقدمات الساعة وبها يكون الإيمان اضطرارياً أتت
стр. 256
فإنه لا ينفع الإيمان؛ لأنه إنما ينفع إيمان الاخيتار وإيمان الغيب وإذا أتى بعض الآيات صار الإيمان بشهادة واضطرار فلا ينفع فالآية دلت على التعليل والأحاديث دلت على الأولية"١.
وهذا آخر ما يتعلق بمبحث أشراط الساعة ويليه المبحث الثاني وهو الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه وبالله التوفيق.
стр. 257
المبحث الثاني
الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه
стр. 258
المبحث الثاني: الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه
لقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على إثبات فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وأجمع على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة.
وقد ورد في القرآن الكريم عدة آيات تثبت عذاب القبر ونعيمه وفتنته، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ ٤، وقال ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ ٥.
وقال: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٦.
كما ورد في السنة أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ في إثبات فتنة القبر وعذابه ونعيمه منها:
стр. 259
حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال" ١.
ومنها: حديثها أيضاً ﵂ "أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال نعم عذاب القبر قالت عائشة ﵂ فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر"٢.
ومنها حديث ابن عباس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال "أما إنهما ليعذبان وما يعذبان من كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله" قال فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا"٣.
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم "قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ " قال: "فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله" قال: "فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة" قال نبي الله ﷺ "فيراهما جميعاً"٤.
وغيرها من الأحاديث، والمقصود أن نصوص الكتاب والسنة متضافرة على إثبات فتنة القبر وعذابه ونعيمه؛ لذا فقد تناول ابن سعدي إثبات عذاب القبر ونعيمه في مؤلفاته وبين أن ذلك من عقائد المسلمين الواجب اعتقادها.
قال: "أما أحوال القبر وفتنته وعذابه ونعيمه وتفاصيل ذلك فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة والحسنة عن رسول الله ﷺ كما هو معروف، والقرآن أشار إليه في عدة آيات"٥.
وقال: "كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان
стр. 260
باليوم الآخر كأحوال القبر والبرزخ ونعيمه وعذابه......"١.
وقال: "ومن أنواع الإيمان بالغيب الإيمان باليوم الآخر وبما وعد الله العباد من الجزاء فدخل في هذا الإيمان بجميع ما يكون بعد الموت من فتنة القبر وأحواله...."٢.
ولذلك فإن ابن سعدي في تفسيره إذا مر بآية فيها دلالة أو إشارة إلى عذاب القبر بين ذلك وأوضحه.
قال عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ٣.
"....وفي هذه الآية دلالة على فتنة القبر وعذابه ونعيمه كما تواترت بذلك النصوص عن النبي ﷺ في الفتنة وصفتها ونعيم القبر وعذابه"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٥.
"......وهذه الآية من الأدلة على إثبات عذاب القبر ودلالتها ظاهرة فإنه قال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ أي بعض وجزء منه فدل على أن ثم عذاباً أدنى قبل العذاب الأكبر وهو عذاب النار"٦.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٧.
".....وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه، فإن هذا الخطاب والعذاب الموجه إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده"٨.
وهذا يظهر لنا مدى اهتمام ابن سعدي في تفسيره للقرآن بالجوانب العقدية فهو عند
стр. 261
كل آية تتعلق ببيان أمر عقدي أورد شبه أو تأصيل قاعدة أو غير ذلك فإنه يقف عندها مبينا ما فيها من هذه الجوانب الهامة. فمسألة فتنة القبر وعذابه ونعيمه كلما مر بآية تتعلق بهذا الجانب بينه وأظهره وربما ذكر في بعض المواضع الآيات الدالة على ذلك كما فعل عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ ١.
قال: "وهذه إحدى الآيات الدالة على عذاب القبر والثانية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ ٢. والثالثة قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ ٣ والرابعة: قوله عن آل فرعون ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ ٤.
وهذا كله المقصود منه بيان هذه العقيدة وتقريرها وترسيخها في الأذهان.
وكما اهتم ابن سعدي بتقرير هذه العقيدة فقد عُني أيضاً ببيان صفتها وكيفية الافتتان وصفة النعيم وصفة العذاب وغير ذلك من الأمور التي تحصل عند دخول الميت في قبره مما دل عليه الكتاب والسنة.
قال ﵀: "فأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل من ربك وما دينك وما نبيك فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن الله ربي والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي، وأما المرتاب فيقول هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق.
وهذا الابتلاء والامتحان لكل عبد فأما من كان مؤمناً إيمانا صحيحاً ثبته الله ولقنه الجواب الصحيح للملكين كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فذكر أن تثبيته لهم جزاء لهم على إيمانهم في الدنيا فالمؤمن يجيب الجواب الصحيح وإن كان عامياً أو أعجمياً وأما الكافر والمنافق ممن كان في الدنيا غير مؤمن بما جاء به الرسول فإنه يستعجم عليه الجواب ولو كان من أعلم الناس وأفصحهم
стр. 262
كما قال تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ ومن حكمة الله أن نعيم البرزخ وعذابه لا يحس به الإنس والجن بمشاعرهم؛ لأن الله تعالى جعله من الغيب ولو أظهره لفاتت الحكمة المطلوبة.
ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى فتعاد الأرواح إلى الأجساد وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، وأجمع عليها المسلمون فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين...."١.
كما بين ﵀ أن دار البرزخ وما فيها من نعيم أو عذاب ليس المقصود منه الخلود والبقاء وإنما هي دار فاصلة بين الدنيا والآخرة ينتقل الناس بعد الدخول إليها إلى دار الخلود والبقاء وهي الدار الآخرة فقال عند تفسيره لسورة التكاثر:
"ودل قوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أن البرزخ دار المقصود منها النفوذ إلى دار الآخرة؛ لأن الله سماهم زائرين ولم يسمهم مقيمين"٢.
وإلى هنا أكتفي بما يتعلق بمبحث فتنة القبر وعذابه ونعيمه لأنتقل للمبحث الذي يليه وسيكون الحديث فيه عن النفخ في الصور.
стр. 263
المبحث الثالث
الإيمان بالنفخ في الصور
стр. 264
المبحث الثالث: الإيمان بالنفخ في الصور
لقد أخبر الله في كتابه بثلاث نفخات:
نفخة الفزع في سورة النمل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ٢ " ٣.
فالنفخة الأولى هي التي يتغير بها هذا العالم ويفسد نظامه، ويحصل الفزع فيها لشدة ما يقع من هول تلك النفخة.
والنفخة الثانية وهي التي فيها هلاك كل شيء ودماره إلا من استثناه الله كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
وأما النفخة الثالثة فهي التي يبعث الناس فيها من قبورهم ويقومون لرب العالمين٤.
وقد ذكر ابن سعدي هذه النفخات بأنواعها، وذكر معنى الصور ومن الموكل بالنفخ فيه، وما يحدث عقب هذه النفخات من هلاك أو دمار أو فزع أو شدة.
قال في تعريف الصور والنافخ فيه: "وهو قرن عظيم لا يعلم عظمته إلا خالقه ومن اطلعه الله على علمه من خلقه، ينفخ فيه إسرافيل ﵇ أحد الملائكة المقربين وأحد حملة عرش الرحمن"٥.
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وقد
стр. 265
التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ. قال المسلمون: فكيف تقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا" ١.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال ما الصور؟ فقال قرن ينفخ فيه"٢.
وتحدث ابن سعدي عن النفخات الثلاث في تفسيره.
فقال عن نفخ الفزع عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ٣.
"بسبب النفخ في الصور أفزع الناس وارتاعوا وماج بعضهم ببعض خوفاً مما هو مقدمة له إلا من شاء الله ممن أكرمه الله وثبته وحفظه من الفزع"٤.
وقال عن نفخة الصعق والموت عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ ٥.
"وهي نفخة الصور تأخذهم وهم لاهون عنها لم تخطر على قلوبهم في حال خصومتهم وتشاجرهم فيما بينهم الذي لا يوجد في الغالب إلا وقت الغفلة، وإذا أخذتهم وقت غفلتهم فإنهم لا ينظرون ولا يمهلون"٦.
وقال عن نفخة البعث والنشور:
عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ ٧.
"أي إذا نفخ إسرافيل الصور أعاد الله الأرواح إلى الأجسام ثم حشرهم وجمعهم
стр. 266
لموقف القيامة، الأولين منهم والآخرين والكافرين والمؤمنين ليسألوا ويحاسبوا ويجازوا بأعمالهم"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ٢..
"فإذا نفخ في الصور خرجوا من الأجداث والقبور ينسلون إلى ربهم أي: يسرعون للحضور بين يديه لا يتمكنون من التأني والتأخر"٣.
стр. 267
المبحث الرابع
الإيمان بالبعث والنشور
стр. 268
المبحث الرابع: الإيمان بالبعث والنشور
وبعد المكث في دار البرزخ يبعث الله من في القبور ويعيدهم معاداً جسمانياً، فيجمع الله أجزاءهم الأصلية ويعيد تركيبها كما كانت وإن تفرقت وبليت وتحرقت، ويعيد الأرواح إليها.
فقد دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة. فالله سبحانه أخبر في كتابه عن هذا المعاد ورد على من أنكره بأنواع الردود. وكذلك رسوله ﷺ أخبر في عدة أحاديث صحيحة عن المعاد والبعث والنشور، واتفق علماء المسلمين على ذلك بل إن البعث والمعاد متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى، ولم ينكره إلا الدهرية والمشركون.
قال العلامة المحقق ابن القيم في كتابه الروح: "معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى"١.
أما أدلة الكتاب على ذلك فكثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٢.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٣.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٤.
وقوله: ﴿اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٥.
стр. 269
وقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ١.
وقوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٢.
وغيرها من النصوص وهي كثيرة جداً بل القرآن كله من فاتحته إلى خاتمته مملوء بذكر أحوال البعث والنشور وما بعده، وأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جداً.
منها حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله: "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة ولا ولدا"٣.
ومنها حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة، قالوا أي عظم هو يا رسول الله قال: عجب الذنب"٤.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر. فوالله لإن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً. قال ففعلوا ذلك به فقال للأرض أدي ما أخذت فإذا هو قائم فقال له ما حملك على ما صنعت؟ فقال خشيتك يا رب أو قال مخافتك، فغفر له بذلك"٥.
والنصوص في ذلك كثيرة بل إن هذا الأمر محل اتفاق الرسل، والكتب مطبقة على حصول ذلك، فالواجب الإيمان بذلك إذ هو من الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان.
وقد كفر الله من أنكره بقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٦.
وقد اعتنى ابن سعدي بتقرير هذا الأمر، وبيان شواهده وأدلته الحسية والمعنوية
стр. 270
قال: "اتفقت الكتب السماوية والرسل العظام وأتباعهم على اختلاف طبقاتهم وتباين أقطارهم وأزمانهم وأحوالهم على الإيمان به والاعتراف به وكم أقام الله عليه من الأدلة الحسية والمشاهدة ما يدل أكبر الدلالة عليه وكم أشهد عباده في هذا الدار نماذج من الثواب والعقاب وأراهم حلول المثلات بالمكذبين وأنواع العقوبات الدنيوية بالمجرمين، كما أراهم نجاة الرسل وأتباعهم المؤمنين وأكرمهم في الدنيا قبل الآخرة وكم أبطل الله شبهة يقدح بها في المعاد...."١.
وقد قرر الله البعث والنشور في كتابه العزيز بصيغ متعددة وأساليب متنوعة.
فتارة يخبر سبحانه عن قدرته المطلقة في الخلق والإيجاد وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وتارة يبين أن إيجاده للناس من العدم وخلقهم لهم ابتداء يدل أكبر دلالة على قدرته على إعادتهم بعد موتهم وفنائهم وهذا الأخير أهون. وتارة يخبر أن الذي قدر على إيجاد السموات والأرض وما فيهما من صنع الله، لأكبر دليل على قدرة الله على البعث بعد الموت.
وتارة يبين أن إحياءه الأرض الهامدة الميتة الخالية من الماء والزروع يدل أكبر دلالة على قدرته على خلق الناس وأن الذي أحياها سيحي الموتى.
وتارة يضرب الأمثلة الحسية المشاهدة في بعض الناس فيميتهم ويحييهم ليبين لهم قدرته على ذلك وليعتبر غيرهم وهذا كثير في القرآن كما أخبر الله عن صاحب البقرة، والذي مر على القرية الخاوية وقصة الألوف من بني إسرائيل، وقصة أصحاب الكهف وغيرها من أنواع الأدلة التي لا تدع مجالا للشك ولا سبيلا للتردد.
ومن نصوص القرآن المبينة لذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ
وغيرها من الآيات القرآنية المقررة للمعاد والنشور، وبالأساليب المتعددة والطرق المتنوعة.
وقد قعَّد ابن سعدي في كتابه القواعد الحسان قاعدة ذكر تحتها جملة من هذه الأساليب المتنوعة في تقرير المعاد. وهي "القاعدة الثامنة" طريقة القرآن في تقرير المعاد" بين تحت هذه القاعدة أن المعاد أحد الأصول المتفق عليها بين الرسل والشرائع كالتوحيد والنبوات.
ثم قال: "وهذا قد أكثر الله من ذكره في كتابه الكريم. وقرره بطريق متنوعة:
منها: إخباره وهو أصدق القائلين عنه وعما يكون فيه من الجزاء الأوفى، مع إكثار الله من ذكره، فقد أقسم عليه في ثلاثة مواضع من كتابه، كقوله ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
ومنها: الإخبار بكمال قدرة الله تعالى، ونفوذ مشيئته، وأنه لا يعجزه شيء، فإعادة العباد بعد موتهم فرد من أفراد آثار قدرته.
ومنها: إحياؤه الأرض الهامدة الميتة، بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحيى الموتى، وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك وهو خلق السموات والأرض والمخلوقات العظيمة، فمتى أثبت المفكرون ذلك ولن يقدروا على إنكاره، فلأي شيء يستبعدون إحياء الموتى.
وقرر ذلك بسعة علمه وكمال حكمته، وأنه لا يليق به، ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون وهذا الطريق قرر به النبوة وأمر المعاد.
ومما قرر به البعث ومجازاة المحسنين بإحسانهم، والمسيئين بإساءتهم ما أخبر به من أيامه وسننه سبحانه في الأمم الماضية والقرون الغابرة، وكيف نجى الأنبياء وأتباعهم، وأهلك المكذبين لهم والمنكرين للبعث، ونوع عليهم العقوبات وأحل بهم المثلات، فهذا جزاء معجل ونموذج من جزاء الآخرة أراه الله عباده، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
стр. 273
ومن ذلك: ما أرى الله عباده من إحيائه الأموات في الدنيا كما ذكر الله عن صاحب البقرة والألوف من بني إسرائيل، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم الخليل والطيور وإحياء عيسى ابن مريم للأموات وغيرها مما أراه الله عباده في هذه الدار؛ ليعلموا أنه قوي ذو اقتدار، وأن العباد لا بد أن يردوا دار القرار، إما الجنة أو النار.
وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في محال كثيرة. والله أعلم"١.
وقد جمع الله أكثر هذه الأساليب المتنوعة في أواخر سورة "يس" حيث قال سبحانه:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢.
فهذه الآيات جمع الله فيها أدلة كثيرة على المعاد، وفيها أبلغ رد على من ينكره.
قال ابن سعدي عند تفسيره لها: "وهذه الآيات الكريمات فيها ذكر شبهة منكري البعث، والجواب عنها بأتم جواب وأحسنه وأوضحه".
ثم ذكر شبهة المنكر للبعث أو الشاك فيه، وهي قوله من يحي العظام وهي رميم حيث قاس قدرة الخالق على المخلوق وهذا الأمر عنده مستبعد على ما يعهد من عادة البشر.
ثم استخلص ابن سعدي من هذه الآيات ستة أدلة فيها أبلغ رد على هذا المنكر٣.
قال: "فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد بجواب شاف كاف فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا بمجرد تصوره يعلم به علماً يقيناً لا شبهة فيه أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ هذا أيضاً دليل ثان من صفات الله تعالى وهو أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها في جميع الأوقات.
стр. 274
ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى ويعلم الغيب والشهادة فإذا أقر العبد بهذا العلم العظيم علم أنه أعظم وأجل من إحياء الله الموتى من قبورهم.
ثم ذكر دليلاً ثالثاً فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ فإذا أخرج النار اليابسة من الشجر الأخضر الذي هو غاية الرطوبة مع تضادهما وشدة تخالفهما، فإخراجه الموتى من قبورهم مثل ذلك.
ثم ذكر دليلاً رابعاً فقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: أن يعيدهم بأعيانهم ﴿بَلَى﴾ قادر على ذلك فإن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس.
﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ وهذا دليل خامس فإنه تعالى الخلاف الذي جميع المخلوقات متقدمها ومتأخرها صغيرها وكبيرها كلها أثر من آثار خلقه وقدرته وأنه لا يستعصى عليه مخلوق أراد خلقه فإعادته للأموات فرد من أفراد آثار خلقه ولهذا قال:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم كل شيء ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي في الحال من غير تمانع.
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وهذا دليل سادس، فإنه تعالى هو الملك المالك لكل شيء الذي جميع ما سكن في العالم العلوي والسفلي ملك له وعبيد مسخرون مدبرون يتصرف فيهم بأقداره الحكمية وأحكامه الشرعية وأحكامه الجزئية، فإعادته إياهم بعد موتهم لينفذ فيهم حكم الجزاء من تمام ملكه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ من غير امتراء ولا شك لتواتر البراهين القاطعة والأدلة الساطعة على ذلك فتبارك الذي جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور"١. أ. هـ.
ثم إن الناس بعد المعاد والنشور يواجهون أهوالاً عظيمة وشدائد مخيفة، ينقسم الناس بعدها إلى قسمين أو فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير.
وهذا ما سيدور عليه حديثنا في المبحث التالي:
стр. 275
المبحث الخامس
الإيمان باليوم الآخر بعد البعث
стр. 276
المبحث الخامس: الإيمان باليوم الآخر بعد البعث
تقدم معنا في مطلع هذا الفصل حديثٌ مجملٌ عن وجوب الإيمان باليوم الآخر وأنه أحد أركان الإيمان الستة، وأنه من الإيمان بالغيب، وتحدثنا عن الفوائد العظيمة الحاصلة لمن آمن به.
وأما حديثنا هنا فسيكون عن بعض تفاصيل أحوال اليوم الآخر بعد النفخ في الصور والبعث والنشور، مما يكون في ذلك اليوم من أهوال وشدائد، وما فيه من حشر للخلائق وعرض للأعمال، وعن الميزان والصراط والحوض والشفاعة، وعن الجنة وما فيها من النعيم المقيم، وعن النار وما فيها من العذاب الأليم.
وغير ذلك من أحوال ذلك اليوم، مما تواترت به النصوص، ووجب الإيمان به.
وهذه الأمور المتقدمة تناولها ابن سعدي في مؤلفاته، وبين أنها حق، وأن الإيمان بها واجب، وأنها داخلة في الإيمان باليوم الآخر، إذ كل من ورد ذكره في القرآن الكريم أو في السنة المطهرة من أحوال ذلك اليوم كله داخل في الإيمان باليوم الآخر.
قال ابن سعدي في إحدى خطبه مبينا ما ينبغي للمسلمين اعتقاده في اليوم الآخر:
"ونؤمن بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من أحوال اليوم الآخر والشفاعة والحوض والميزان والصراط وصحائف الأعمال، وما ذكر من صفات الجنة والنار وصفات أهلهما، وكل ذلك حق لا ريب فيه وكله داخل في الإيمان باليوم الآخر"١.
وقال في موضع آخر من مؤلفاته: "فكل ما جاء به الكتاب والسنة، مما يكون بعد الموت فإنه من الإيمان باليوم الآخر كأحوال البرزخ وأحوال يوم القيامة وما فيه من الحساب والثواب والعقاب والشفاعة والميزان والصحف المأخوذة باليمين والشمال، وأحوال الجنة والنار، وصفات أهلهما، وأنواع ما أعده الله فيهما لأهلهما إجمالاً وتفصيلاٍ، وكل ذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر"٢
стр. 277
وقد كان ابن سعدي يعنى في مؤلفاته ببيان ما ورد ذكره في القرآن والسنة مما يتعلق باليوم الآخر، فتحدث عن الحشر ووزن الأعمال والشفاعة والحوض والصراط والجنة والنار وغيرها.
وفيما يلي أذكر منها وكلام ابن سعدي فيها:
كلامه في الحشر والموازين:
بعد بعث الناس وخروجهم من قبورهم، يقفون في المحشر أمام ربهم، لينالوا جزاء أعمالهم في الدنيا، وهو يوم عصيب لا يعلم هَوْلَه وعِظمه إلا الله، يجمع الله فيه الأولين والآخرين من الخلق إنسهم وجنهم وصغيرهم وكبيرهم حتى الوحوش فإنها تحشر، وذلك كله من كمال عدله سبحانه ولطفه وإحسانه.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ٤.
وقال ابن سعدي في وصف ذلك اليوم: "إذا نفخ في الصور نفخة البعث يقوم الناس من أجداثهم كاملي الخلقة ينظرون ما يستقبلهم من هذه الحياة الأخروية التي يجازي فيها العباد بأعمالهم حسنها وسيئها.
أما المؤمنون الطائعون فيقفون مطمئنين طامعين في فضل ربهم ورحمته مستبشرين بثوابه وعفوه ومغفرته، وأما المجرمون فيقفون فزعين خائفين متحسرين يدعون بالويل والثبور، يقولون: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ فيساقون إلى جهنم ورداً فحينئذ تكثر القلاقل والأهوال ويشيب الولدان من هول ذلك اليوم وفظاعته ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ٥.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ
стр. 278
يُغْنِيهِ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ. ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ. تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ. أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ ١، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾ ٢.، وتكور الشمس والقمر وتنتشر النجوم فتذهب هذه الأنوار المشاهدة وتشرق الأرض بنور ربها، وينزل الله لفصل القضاء بين عباده ومحاسبتهم على أعمالهم، أما المؤمنون فيحاسبون حساباً يسيراً يقررهم بذنوبهم ثم يغفرها ويسترها عن الخلائق. ويضاعف لهم الحسنات ويعطيهم من فضله وإحسانه ما لا تبلغه أعمالهم، ويعطون كتبهم بأيمانهم إكراماً واحتراما كما تبيض وجوههم وتثقل موازينهم. ويغتبطون بذلك ويستبشرون به فيقولون لإخوانهم ومعارفهم ومجيبهم هاؤم اقرؤوا كتابية إني ظننت ـ أي: أيقنت ـ أني ملاق حسابية فهو في عيشة راضية ... الآيات٣، ويساقون إلى الجنة زمراً كل طائفة منهم مع نظرائهم في الخير بحسب طبقاتهم وسبقهم....
ثم قال: وأما الكافرون المجرمون فيحاسبهم الله على ما أسلفوه من الجرائم ويقرعهم ويخزيهم بين الخلائق، ويعطون كتبهم من وراء ظهورهم بشمائلهم، وتسود منهم الوجوه، وتخفف موازينهم، ويساقون إلى جهنم جياعاً عطاشاً منزعجين مرعوبين زمراً، كل طائفة تحشر مع نظيرها من أهل الشر...."٤.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ ٥.
"ويحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض فلا يغادر منهم أحداً بل يجمع الأولين والآخرين، من بطون الفلوات، وفغور البحار ويجمعهم بعد ما تفرقوا ويعيدهم بعد ما تمزقوا خلقاً جديداً.
فيعرضون عليه صفاً ليستعرضهم وينظر في أعمالهم ويحكم فيهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا ظلم، ويقول لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٦ أي بلا مال ولا أهل ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال والمكاسب في الخير والشر التي كسبوها
стр. 279
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ ١. ... "٢.
ثم بعد ذلك تنشر الدواوين وتوزن الأعمال فآخذ كتابه باليمين، وآخذ كتابه بالشمال.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ. خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ ٣.
قال ابن سعدي: "وحينئذ تحضر الأعمال التي كتبها الملائكة الأبرار فتطير لها القلوب وتعظم من وقعها الكروب وتكاد لها الصم الصلاب تذوب"٤.
وقال: "وفي يوم القيامة مواضع يشتد كربها ويعظم وقعها كالميزان الذي يميز به أعمال العباد وينظر فيه بالعدل ماله وما عليه، وتبين فيه مثاقيل الذر من الخير والشر.
فمن ثقلت موازينه بأن رجحت حسناته على سيئاته فأولئك هم المفلحون لنجاتهم من النار واستحقاقهم الجنة وفوزهم بالثناء الجميل.
ومن خفت موازينه بأن رجحت سيئاته على حسناته وأحاطت به خطيئته فأولئك الذين خسروا أنفسهم خسارة أبدية وشقاوة سرمدية في جهنم خالدون لا يخرجون منها أبدا الآبدين"٥.
كلامه في الحوض المورود:
لقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في ثبوت الحوض المورود في عرصات القيامة لمحمد ﷺ ، وقد ورد في السنة أوصاف كثيرة لهذا الحوض.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي
стр. 280
مسيرة شهر وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبداً"١.
وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية. آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيله ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل"٢.
يقول ابن سعدي: "وفي عرصات القيامة الحوض المورود لمحمد ﷺ ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم السماء طوله شهر وعرضه شهر من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً"٣.
ويقول أيضاً معدداً ما يناله المؤمنون يوم القيامة من الخير العظيم "....كما يردون في عرصات القيامة حوض نبيهم فيشربون منه شربة هنيئة لا يظمؤون بعدها"٤.
كلامه في الصراط:
الصراط جسر ينصب على متن جهنم ليعبر الناس من فوقه إلى الجنة، فمنهم من يتمكن من العبور بسرعة، ومنهم من لا يعبر إلا ببطأ، ومنهم من لا يتمكن من العبور فيسقط في جهنم.
وقد ورد في ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه أحاديث كثيرة:
منها: حديث الشفاعة الطويل المتفق على صحته وفيه يقول الرسول ﷺ : "....ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان؟ قالوا نعم يا رسول الله. قال فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله وتخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموقن بعمله والموثق بعمله ومنهم المخردل أو المجازى أو نحوه"٥ الحديث.
стр. 281
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﷺ : " ... ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة عليها خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، يمر المؤمن عليها كالطرف وكالبرق والريح وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم، وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبا" ١ الحديث.
يقول ابن سعدي: "وفي ذلك الموطن ما ثم إلا النار قد برزت وليس لأحد نجاة إلا بالعبور على الصراط وهذا لا يستطيعه إلا أهل الإيمان الذين يمشون في نورهم، وأما غير المؤمنين فليس لهم عند الله عهد في النجاة من النار"٢.
ويقول في وصف الناس حال عبورهم الصراط: "ويمرون على الصراط على قدر أعمالهم كلمح البصر وكالبرق الخاطف وكأجاويد الخيل والإبل وكسعي الرجال وكمشيهم ودون ذلك ... "٣.
كلامه في الشفاعة:
قال ابن تيمية ﵀: "وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته.
وله ﷺ في يوم القيامة ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضي بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم حتى تنتهي الشفاعة إليه.
وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.
ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة بل بفضله ورحمته ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة"٤.
стр. 282
وهذا الكلام الجامع في الشفاعة الذي ذكره شيخ الإسلام دلت عليه نصوص كثيرة في الكتاب والسنة.
منها: قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٣.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٤.
ومن أدلة السنة حديث أنس بن مالك الطويل " في ذكر الشفاعة وفيه أن الناس يأتون آدم ليشفع لهم فيعتذر ويأتون إبراهيم فيعتذر ويأتون موسى فيعتذر ويأتون عيسى فيعتذر ثم يأتون محمداً ﷺ فيقول "أنا لها".قال ﷺ : "فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليه إلا أن يلهمنيه الله، ثم أخر له ساجداً فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمد بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول أمتي أمتي فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل"٥.
وعلى هذا فإن الشفاعة حق، وهي ثابتة للرسول صلى لله عليه وسلم، ولمن يأذن الله من النبيين والصديقين والملائكة.
قال ابن سعدي: "وأما الشفاعة عنده بإذنه من الأنبياء والأصفياء لأهل الجرائم فإنها ثابتة كما أثبتها في عدة مواضع من كتابه؛ وذلك لأنها دالة على كمال رحمته وعموم إحسانه فإنها من رحمته بالشافع والمشفوع له، فالشافع ينال بها الأجر والثناء من الله ومن خلقه، والمشفوع له يرحمه الله على يد من أذن له بالشفاعة فيه، ومع هذا فلا يأذن لأحد
стр. 283
أن يشفع إلا فيمن رضي قوله وعمله وهو من كان مخلصاً متابعاً لرسول الله"١.
وقد أكد ﵀ ونبه كثيراً على أن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد وأما من سواهم فلا تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال في خلاصة التفسير: "....ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، ولا يرضى إلا عمن قام بتوحيده واتباع رسله، فمن لم يتصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب، وأسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه"٢.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣ "والله لا يأذن لأحد أن يشفع إلا فيمن ارتضى ولا يرتضي إلا توحيده، واتباع رسله فمن لم يتصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٥.
"فلا يقدم أحد على الشفاعة، ولو كان أفضل الخلق حتى يأذن الله، ولا يأذن إلا لمن ارتضى. ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له"٦.
كلامه في الجنة:
إن الجنة هي دار كرامة الله لأوليائه المؤمنين، وهي مثوى عباده الطائعين، وقد أعد الله فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"٧ قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ٨.
وقد تحدث ابن سعدي عن الجنة كثيراً ولا سيما في تفسيره للقرآن وتناول وصف الجنة وما فيها من أنواع النعم وصنوف المنن، بأسلوب جامع بليغ.
стр. 284
قال ﵀ في وصف الجنة من حين دخولها إلى ما يلقاه المؤمنون فيها من النعم: "حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها بشفاعة محمد ﷺ فتلقاهم خزنة الجنة يسلمون عليهم، ويهنئونهم بالنجاة من العذاب وحصول الخير والثواب والخلود الأبدي بسبب طيبهم، فيقولون لهم سلام عليكم طبتم: أي طابت قلوبكم بالعقائد الصحيحة الصادقة، والأخلاق الجميلة وألسنتكم بذكر الله والثناء عليه، وجوارحكم بخدمته والقيام بطاعته، فادخلوها خالدين.
فإذا دخلوها ورأوا ما فيها من النعيم المقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، حمدوا الله على منته عليهم بالسوابق والإيمان والأعمال الصالحة وبإنجاز ما وعدهم به على ألسنة رسله، وعلى أن الله أورثهم الجنة يتبوؤون من خيراتها حيث يشاؤون وأنى يشاؤون مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من نعيم القلوب والأرواح، ومن نعيم الأبدان والأجسام ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ. مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ خيرات الأخلاق حسان الوجوه، قد جمع الله لهن حسن البواطن والظواهر فهن سرور وقرة النواظر.
وتمام ذلك أن الله يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً، وأنه يقال لهم أن لكم أن تشبوا فلا تهرموا، وإن لكم أن تصحوا فلا تموتوا أبداً، فلهم كل ما يشاءون فيها وتتعلق به أمانيهم، ولهم فوق ذلك مما تبلغه أمانيهم، ولهم نعيم أعلى من ذلك كله وهو التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم، وسماع خطابه والابتهاج برضاه وقربه، والسرور بمحبته وذكره وحمده والثناء عليه وشكره، مما يشاهدون من كثرة الخيرات، وسوابغ النعم والهبات، وزيادة النعيم وتواصله، ومما يزدادون من معرفته والأنس به، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام"١.
وله ﵀ خطبة بليغة ذكر فيها جملة كبيرة من أوصاف الجنة ونعيمها ضمن مجموعة خطبه "الفواكه الشهية في الخطب المنبرية" قال في آخرها بعد تعداد جملة من أوصاف الجنة " ... لمثل هذه الدار فليعمل العاملون وفي أعمالها الموصلة إليها فليتنافس المتنافسون فواعجباً كيف نام طالبها، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها، وكيف طاب القرار في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف للمشتاقين القرار دون معانقة
стр. 285
أبكارها، طريقها يسير على من يسره الله عليه، وهو امتثال الأوامر واجتناب النواهي والتوبة والإنابة إليه"١.
كلامه في الرؤية:
وأما أعظم نعيم يناله المؤمنون في الجنة فهو رؤية الله والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٤.
والمراد بالمزيد والزيادة هنا، رؤية الله في الجنة، قال ابن كثير في تفسيره:
"وقد رُوي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء بن والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ "٥.
ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث صهيب الرومي ﵁ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون وما هو ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار؟ قال فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم"٦.
قال ابن سعدي: "......إن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات ويبتهجون بخطابه ويفرحون بقربه كما ذكر الله ذلك في عدة آيات من القرآن وتواتر فيه النقل عن رسول الله"٧.