← Тараджим

Тараджим · id 7654

الشيخ محمد بن عبد الوهاب المجدد المفترى عليه

أحمد بن حجر آل بوطامي

Полный текст (249 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... تقديم لله الحمد مخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي والصلاة والسلام على من أرسله الله نورا يهدي به من ضل عن الرشد. أما بعد: فالأمم العظيمة تقدر عظمتها بعدد الرجال الكمل فيها, الذين يتركون أثرا يمتد فيصبحوا بحق من مجددي العصر. ومن هؤلاء إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأسكنه فسيح جناته. فقد كانت الحالة في نجد في عصره لا تختلف كثيرا عن الحالة في مصر والهند وغيرها الآن, حيث الجهل منتشر والقبور ينذر لها والأشجار يتبرك فيها ... إلى أنواع من الشرك تمارس, وطقوس وعبادات تصرف لغير الله سبحانه. فقام ﵀ بما وضحه مؤلفنا فضيلة الشيخ أحمد بن حجر الذي قام بتوضيح الدور العظيم الذي قام به إمام الدعوة ومجدد عصره. لكن الذي أريد أن ألفت الانتباه إليه هو: ما هو السلاح السحري الذي كان لدى الشيخ حيث استطاع تحويل هذه الأمة التي تغلب العامية عليها وانتشار الجهل فيها إلى أمة متعلمة موحدة مدركة مجاهدة؟ والذي استقر عندي بالتتبع أن الشيخ أحسن استخدام النص القرآني والنبوي والذي به الحياة لقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ.﴾ .الآية وقوله جل شأنه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ..﴾ الآية فالإمام ﵀ أحسن الاستدلال بالنصوص وربط القلوب بكلام خالقها فأثر فيها وغيرها.

стр. 2

فالقلوب تحييها النصوص. ولعل قارئ ينظر إلى مفكري وساسة الجماعات الدعوية على كثرة ما كتبوا وهي أطنان من الورق لم تعمل في شعوبها العمل الذي عملته الرسائل الصغيرة الحجم القوية المعنى للإمام ﵀. فإذن على الدعاة والمصلحين ربط الأمة بالقرآن والسنة فإن في ذلك الحياة, وترك الفلسفات الكثيرة التي درج عليها مفكرو هذا العصر. إن أعداء الدعوة, وهذا شأنهم في كل عصر, ومع كل مصلح صادق لا يستطيعون الإقناع والحجة يلجؤون للشبهات والتهم. فما من تهمة إلا وألصقت بالشيخ ﵀ ولكن الله سبحانه أظهر الحق ونصر دينه. وهذا فيه مواساة لأهل التوحيد, أن اصبروا فالله مظهر دينه ولو كره المنحرفون. واليوم ونحن نرى الشبهات منها يكررها أعداء الدعوة في كل مكان نرى لزاما علينا أن نعيد ترجمة هذا الإمام خاصة وقد تطاول عليه في عصرنا هذا بعض سفلة العصر وجهلته. فرحم الله الإمام ووفق السائرين على دربه. كتبه: عبد الله السبت

стр. 3

مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله الذي أمر بالعدل في جميع الأمور, ونهى عن الجور والظلم فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ١, والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد الذي حث على اتباع كتاب الله, والتمسك بسنته, وحذر من البدع والضلالات, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, شهادة تنجي قائلها يوم الدين, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد جرت سنة الله في خلقه, أنه ما أتى من رسول أو مصلح يدعو إلى توحيد الله, وإفراده بالعبادة, والائتمار بأوامره, والانتهاء عن نواهيه, إلا وقد قابله الجاهلون المقلدون, والرؤساء المترفون, بالصد والتكذيب والاستهزاء والسب الشنيع, فلا يخضع لدعوة ذلك الرسول أو ذلك المصلح إلا القليل, حتى ورد: أنه يبعث ومعه الرجل والرجلان, يعني لم يستجب من قومه له إلا الرجل أو الرجلان, وقد قال الله ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ ومن أولئك المصلحين الحريصين على نشر التوحيد, وإقامة شرائع الله, وإخراج الناس من ظلمات الشرك والبدع إلى نور توحيد, الشيخ محمد بن عبد الوهاب –﵀ وأجزل له الأجر والثواب- فقد قام بالدعوة خير قيام, وجاهد في الله حق جهاده, فكان جزاؤه أن يشكر

стр. 4

وأن يمجد ويدعى له بالخير, ولكن ما كان من أكثر المدعوين إلا الإعراض والاستكبار والاستهزاء وتلقيبه بالساحر والكاهن والكذاب, ولم يكتفوا بذلك حتى أقاموا عليه الحرب باللسان والحسام, وأشاعوا عنه الدعايات الضالة والأكاذيب الملفقة, ونسجوا حوله الشبهات الواهية, والأقاويل الساقطة, والعقائد الزائفة، كقولهم: إنه لا يحب الرسول ﷺ , ويمنع من زيارة قبره, ويكفر المسلمين الذين يفعلون ذلك, ونحو ذلك من الأكاذيب والافتراءات والبهتان العظيم. وكتب في المأجورون تنفيرا للناس من الشيخ الجليل, وصدا عن سلوك طريقه المستقيم, فراجت هذه الفكرة السيئة عن الشيخ الجليل في كثير من البلدان, فإنهم رأووا كتبا بتوقيع الشيخ الفلاني أو العلامة الفلاني الشافعي أو الحنفي أو المالكي, وظن الجهال أن العلماء لا يكذبون, وأنهم لم يكتبوا إلا ما حققوه, وليس الأمر كذلك, بل ما كتبوه في ذم الشيخ كله كذب مختلق, لا نصيب له من الصحة, ولا سند له من الواقع, إنما دفعهم إلى الكتابة التقرب إلى الأتراك أو الأشراف, أو الإبقاء على الرياسة لدى العوام وجمع الحطام من أشباه الأنعام, وما راقبوا الله فيما كتبوا, ولم يمنعهم الحياء من أن يختلقوا ويفتروا ما كذبوا, وأكثرهم كتب مما يسمع ولم يقرآ كتب الشيخ وأولاده وأحفاده وأئمة الدعوة السلفية النجدية, حتى يعرف الحق من الباطل, والهدي من الضلال. وبناء على النصيحة للمسلمين, وحبا في شريعة سيد المرسلين, وصيانة لتوحيد رب العالمين, ودفاعا عن شيخ الإسلام, ومجدد الدين في القرن الثاني عشر الشيخ محمد بن عبد الوهاب –﵀ – كتبت هذا الكتاب المعنون: الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر المفترى عليه ودحض تلك المفتريات, وطبعته في رمضان ١٤٠٧هـ.

стр. 5

وقد نفدت نسخه, ولما كانت الحاجة إليه ماسة, فقد استعنت بالله العظيم أعدت طبعه للمرة الثانية, سائلا رب العرش العظيم, أن ينتفع بهذا الكتاب عباده المؤمنين, وأن يجعله أداة إنقاذ من ظلمات الجهالة, وأن ينور بصائر القارئين, ليعرفوا حقيقة الشيخ الجليل, ولا تروج عليهم دعاية أهل الضلال, والله من وراء القصد, وحسبنا الله ونعم الوكيل, ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم, وصلى الله على سيد الأنام وعلى آله وأصحابه الكرام وسلم. الدوحة في ١٣/ شوال/ ١٤١٢هـ ـ ١٥/٤/١٩٩٢م أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي رئيس قضاة المحكمة الشرعية بدولة قطر

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله وحده والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد. فبالرغم من انتشار العلم وتنور الأذهان وتقلص ظل الأمية الجهالة من المجتمعات الإسلامية, فلا زال الكثيرون قد علق بأذنانهم فكرة سيئة ورأي غير سديد حول الإمام المصلح الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀, وذلك من جراء تلك الافتراءات والأكاذيب التي نسجتها أيدي المغرضين وخصوم الدعاة المخلصين فتكونت شبهات حول الشيخ وهي في الحقيقة كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء فإذا جاءه لم يجده شيئا, ومن أجل كثرة ما سمعت من تلك الدعايات المضلة والأقاويل المزورة بدا لي أن أكتب في هذا الموضوع في بيان تلك الأقاويل والشبهات وبطلانها بالدلائل الواضحة التي إذا قرأها القارئ وكان يملك شيئا من العقل والإنصاف يخرج منها نقيا من أرجاس تلك الأقاويل والافتراءات مسلحا بسلاح الإيمان والتصديق والإذعان بأن ما سمعه أو قرأه عن الشيخ المذكور لا صحة له, وعلى الفرض أن يصح بعض ما نسب إليه يكون مؤيدا بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال محققي علماء الأمة. ولو تتبعنا مقالاتهم الواهية لتطلب مجلدا ضخما, ولكن اعتمدنا على الشبهات الكبيرة التي نسجوها حول الشيخ ﵀, وعند التأمل ترجع تلك الشبهات إلى الشبهة حول توحيد الألوهية الذي يتفرع منها الاستغاثة واللياذ بغير الله والنذر والذبح والحلف بغير الله تعالى إلى آخر أنواع العبادة,

стр. 7

وإلى توحيد الأسماء والصفات, فيستطيع الكاتب أن يحصر شبهاتهم حول ثلاث شبهات: أ- حول توحيد الألوهية ب- توحيد الأسماء والصفات ج– إنكار الشيخ للبدع كالموالد وطرق الصوفية والعادات المخترعة والمنحطة والبناء على القبور. فإذا أمعن القارئ النظر في هذه الشبهات وفي الأجوبة عنها, فقد تسلح بسلاح الحجج النقلية والعقلية, ويستطيع أن يرد على يوردونه في الاعتراض على الشيخ وينقض كلامهم. ويكفي للناقد البصير أن يفهم أن أكثر ما يوردونه لا يستندون فيه إلى آية أو حديث, إنما هو مجرد كلام واتهام بغير حجة سوى ما يوردونه في باب التوسل والاستغاثة من الأحاديث الضعيفة الواهية التي لا يتشبث بها ويستمسك بها إلا من كان مفلسا من الحجج الصحيحة القوية, فإذا تأمل الخبير البصير عرف وهن ما زعموه, إذ لو كان كل كلام وادعاء يقبل, لما كان للبينة والحجة حاجة, فإن مجرد الادعاء والكلام لا يعجز عنه أحد, وإنما الشأن فيمن يدعي ويقيم الحجة على دعواه بشرط أن تكون تلك الحجة من كتاب الله العظيم أو سنة رسوله ﷺ الصحيحة الحسنة, لا من أقاويل الرجال ولا من الكتب المحشوة بالترهات والضلالات, ومن كلام الكثيرين الذين ينتسبون إلى العلم وهم أفلس من إبليس في يوم الوقوف بعرفة من البراهين المؤيدة لدعواهم. هذا وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم, أحمد بن حجر ال بوطامي البنعلي رئيس قضاة المحكمة الشرعية بدولة قطر

стр. 8

وقبل الدخول في الموضوع رأيت أن أكتب نبذة١ عن حياة وحالة نجد إذ ذاك, وسائر الأقطار. ولادته ونشأته ورحلته لطلب العلم: ولادته سنة ١١٥هـ الموافق سنة ١٧٠٣م, وفاته سنة ١٣٠٦هـ. ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي في بلدة العيينة الواقعة شمال الرياض, ونشأ الشيخ في حجر أبيه عبد الوهاب في تلك البلدة في زمن إمارة عبد الله بن محمد بن حمد بن معمر. وكان ﵀ سباقا في عقله وفي جسمه فطنا ذكيا, فقد استظهر القرآن قبل بلوغه العشر, وبلغ الاحتلام قبل تمام الاثنتي عشرة سنة, قال أبوه رأيته أهلا للصلاة بالجماعة وزوجته في ذاك العام.

стр. 9

طلبه للعلم: درس على والده الفقه الحنبلي والتفسير والحديث, وكان في صغره مكبا على كتب التفسير والحديث والعقائد, وكان يعتني بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم رحمهما الله ويكثر من مطالعة كتبهما. رحلاته العلمية: ثم غادر البلاد قاصدا حج بيت الله الحرام, وبعد أدائه الفريضة أم المدينة المنورة وقصد المسجد النبوي وزار إمام المرسلين ﷺ وصحابته الأبرار المخلصين. وقرأ على بعض علماء المدينة, ومن مشايخه هناك الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف النجدي والشيخ علي أفندي الداغستاني والشيخ إسماعيل العجلوني, كما استفاد من الشيخ عبد اللطيف العفالقي الأحسائي والشيخ محمد العفالقي الأحسائي والشيخ محمد حياة السندي, ثم رجع إلى نجد وتوجه إلى البصرة فأقام مدة في البصرة ودرس العلم فيها على جماعة من العلماء, منهم الشيخ محمد المجموعي, وقد قرأ عليه الكثير من النحو واللغة والحديث وغيرها, وذكر المؤرخ ياسين بن خير الله الخطيب العمري الموصلي في كتابه (غرائب الأثر) أن الإمام محمد بن عبد الوهاب قدم الموصل وقرأ العلم على العلامة مولانا ملا حمد الجميلي وأخذ عنه الكثير, ويقال: أن المؤرخ العمري كان معاصرا للإمام١. ثم رجع إلى نجد, ومر في طريقه بالأحساء, وقرأ على الشيخ محمد بن عبد اللطيف الشافعي مدة من الزمن, ثم رجع إلى بلاده, وقد شاهد أحوال نجد والحرمين والعراق وغيرها من البلدان من المنكرات والشركيات والبدع والضلالات حتى عندما كان في المدينة المنورة يسمع الاستغاثات برسول الله ودعائه من دون الله, فقال للشيخ محمد حياة السندي: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟ فأجاب على الفور, إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون.

стр. 10

حالة نجد في عقائد أهلها الفاسدة قبل دعوة الشيخ رأى نجدا مرتعا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافى مع أصول الدين الصحيحة, فقد كان فيها كثير من القبور تنسب إلى بعض الصحابة, يحج الناس إليها ويطلبون منها حاجاتهم, ويستغيثون بها لدفع كروبهم, فقد كانوا في الجبيلة يؤمون قبر زيد بن الخطاب, يتضرعون لديه ويسألونه حاجاتهم, وكذلك في الدرعية كان قبر لبعض الصحابة كما يزعمون, وأغرب من ذلك توسلهم في بلد المنفوحة بفحل النخل, واعتقادهم أن من تؤمه من العوانس تتزوج, فكانت من تقصده تقول: "يا فحل الفحول, أريد زوجا قبل الحول" ورأى في الحجاز تقديس قبور الصحابة وأهل البيت والرسول ﷺ ما لا يسوغ إلا مع رب الأرباب. كما سمع عن العيدروس في "عدن" والزيلعي في اليمن الشيء الكثير, وعن البدوي والدسوقي والرفاعي والجيلاني وأمثالهم, ما يقوم به الأكثرون تجاه هؤلاء من العبادات التي لا تصلح إلا لله, كالنذور والطواف الذبح والاستغاثة إلى غير ذلك, وهكذا كان أهل نجد وسائر الأقطار لا يعرفون الله في الرخاء ولا في الشدة باستثناء قلة صالحة, فإذا حلت مصيبة بأحد أو مرض أو ظلم, أو يريد كشف الضر أو إعطاء ولد أو رزق أو نزول مطر, لاذ بقبر من القبور المعظمة وأخذ يصيح ويبكي ويصلي ويدعو ويستغيث بالولي المزعوم, ويطلب منه قضاء حاجته وكأنه لم يسمع قوله تعالى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١

стр. 11

وكان للقلوب تعلق شديد بتلك القبور والأشجار والكهوف المعبودة لطول الأمد عليها, إذ نشأ عليها الصغير, وشاب عليها الكبير, وتلقاها الخالفون عن السالفين من آبائهم, وأخذوا بالوراثة التي امتزجت بنفوسهم في جميع أدوار حياتهم, وليس في الناس من يقوم بالإنكار على هذه المبتدعات, ولا من يرد الناس عنها إلى الدين الصحيح, إما لتعلق بها وحرص عليها لأنها مورد رزق, وسبيل رياسة وذلك شأن متصوفة الزمن, وسدنة المقابر, والموظفين في خدمتها وترويج عبادتها, وهؤلاء أضر خلق الله على الناس. وإما لجهل بحقيقة الإسلام, وما بعث به الرسول ﵊, وتعوضهم عن ذلك بما حفظوا أو قرأوا من بعض الكتب المحشوة بما يزيد هذه البلايا رواجا, والرؤساء والأمراء لا هم لهم إلا جمع الدنيا وتحصيل لذاتها ومتاعها من كل طريق وبكل وسيلة, فكان المسلم السليم القلب, العارف لربه وعبادته, ولنبيه وهديه وسنته, إذا تأمل في هذه الحال تفطر قلبه حسرة, بالإضافة إلى تهاونهم بالصلوات, ولا سيما في الجمع والجماعات, وارتكاب كثير من المنكرات, وإذا وجد من ينكر تلك الضلالات وعبادة الأموات, قاموا عليه قيامة رجل واحد, وكفروه وضللوه وضربوه وأخرجوه من البلد إن كان غريبا, وأذاعوا في الناس أن هذا الرجل ضال مضل, إياكم أن تصغوا لقوله وتتأثروا بإرشاده, كما في قصة الواعظ التركي الذي أتى مصر كما ذكره الجبرتي, وخلاصة قصته إنه أخذ يحذر الناس من الاستغاثات والطواف بالقبور والنذور والدعوات الشركية, فقاموا عليه آذوه وضربوه, وطلب الحكم بينه وبينهم أمام القاضي, وبالرغم من أن القاضي أيد جانب الواعظ, لكنهم لم يقتنعوا ووشوا به إلى الحاكم إنه مبتدع ضال, فأبعده الحكم من البلاد, مع العلم أن كثيرا من العوام أحبوه وعلموا أن ما يقوله ذلك الواعظ هو التوحيد الصحيح والإسلام المنيف, وهكذا في عصرنا في كثير من الأقطار بمجرد ما يسمعون منك كلمة تخالف ما هم عليه, من تلك الاعتقادات الباطلة والآراء الكاسدة صاحوا عليه وقالوا: إنه وهابي أخرجوه

стр. 12

من مسجدنا, وأخرجوه من قريتنا, وعند كثير من الهنود والباكستانيين المتأثرين بعاداتهم الموروثة وتقاليد مشايخهم الضالين, النفور عن هذه الدعوة السلفية الصحيحة بحجة أن هؤلاء السلفيين وهابيون. وازن الشيخ تلك الأفعال المنكرة بميزان الوحيين, كتاب الله المبين, وسنة الرسول الأمين ﷺ وأصحابه المتقين, فرآهم في بعد عن منهج الدين وروحه, ورآهم لا يعرفون للتوحيد معنى ولا يقيمون للدين الصحيح وزنا, وكل ما هنالك من دينهم هو مجموع طقوس توارثوها عن آبائهم وأشياخهم من بعض العبادات والدعوات الممزوجة بالشرك والضلال, ونداء غير ذي الجلال, وكان الشيخ ﵀ قد ألهمه الله تعالى فهما ثاقبا وإيمانا راسخا وعلما جما وأخلاقا كريمة, فصمم على إعلان الدعوة لتوحيد الله وإفراده بالعبادة وترك تلك المحدثات والبدع والضلالات وأنواع الشرك بالله, فأخذ يدعو الناس إلى العقيدة الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة وإلى الأعمال الصالحة المستمدة من الوحيين, وبين له أن توحيد الربوبية الذي يعترفون به لا يدخل الإنسان في دين الإسلام, ولا يعصم دمه وماله, ولا ينجيه في الآخرة من النار, إلا إذا أتى معه بتوحيد الألوهية, لأن الله أخبر عن المشركين أنهم يعتقدون بتوحيد الربوبية ولكن لم يفدهم, قال الله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١, وهناك آيات كثيرة في توحيد الربوبية واعتراف المشركين به. كقوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢

стр. 13

توحيد الألوهية أما توحيد الألوهية, ويقال له توحيد العبادة: وهو إفراد الله بالعبادة, لأنه المستحق لأن يعبد لا سواه مهما سمت درجته وعلت منزلته. توحيد الربوبية وتوحيد الربوبية هو أن تفرد الله بأفعاله كالاعتقاد بأنه الخالق الرازق المحيي المميت. وتوحيد الألوهية هو التوحيد الذي جاءت به الرسل إلى أممهم, لأن الرسل ﵈ جاؤوا بتقرير الربوبية الذي كانت أممهم تعتقده, ودعوتهم إلى توحيد الألوهية, كما أخبر الله عنهم في كتابه المجيد. قال الله تعالى مخبرا عن نوح ﵇ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ١ وقال عن هود ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ ٢, وقال عن صالح ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣, وقال الله عن شعيب ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤, وقال الله مخبرا عن موسى ﵇ في محاجاته مع فرعون ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ٥ الخ الآيات من سورة الشعراء.

стр. 14

ولما قام الشيخ بالدعوة برفق ولين متبعا قوله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ١ وكان ذاك في بلدة حريملاء, وبين لهم أن لا يدعى إلا الله, ولا يذبح إلا لله, وأن عقيدتهم في تلك القبور والأحجار والأشجار من الاستغاثة بها وصرف النذور إليها واعتقاد النفع والضر منها ضلال وزور, وعزز كلامه بآيات من كتاب الله المجيد وأقوال الرسول ﷺ وأفعاله وسيرة أصحابه. وقع بينه وبين الناس نزاع وجدال, فاستمر الشيخ يدعو بلسانه وقلمه وإرشاده, وتبعه ناس من أهل البلدة, وكان في تلك البلدة قبيلتان, وكل يدعي الزعامة, وليس هناك من يحكم الجميع ويأخذ حق الضعيف ويردع السفيه, وكان لإحدى القبيلتين عبيد يأتون بكل منكر وفساد, فصمم الشيخ على منعهم وردعهم, ولما أحس أولئك الأرقاء بما صمم عليه الشيخ, عزموا أن يفتكوا به خفية, فتسوروا عليه من وراء الجدار فشعر بهم بعض الناس فصاحوا بهم وهربوا.

стр. 15

انتقال الشيخ من العيينة إلى الدرعية عندما غادر الشيخ حريملاء إلى العيينة مسقط رأسه وموطن آبائه, ثم انتقل من العيينة إلى الدرعية عام ١١٥٨هـ, ونزل ضيفا على عبد الرحمن بن سويلم وابن عمه أحمد بن سويلم, وأخذ الشيخ يدعو إلى التوحيد, ويفد الناس عليه من القرى والبلدان, وكثر الوافدون ليرتووا من مناهله العلمية العذبة الصافية النقية, وذلك بعد أن اتفق الشيخ مع محمد بن سعود أمير الدرعية, وبايعه الأمير على الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله, والتمسك بسنة رسول الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وإقامة الشعائر الدينية والحدود الشرعية, ولما اشتهر الشيخ بدعوته الإصلاحية وكثر لديه طلاب العلوم من كثير من القرى المجاورة, أخذ الشيخ بعد ذلك يراسل رؤساء البلدان النجدية وقضاتهم ومن كان ينتسب إلى العلم منهم, ويطلب منهم الطاعة والانقياد ونبذ الشرك والعناد. فمنهم من أطاعه ومنهم من عصاه واتخذه سخريا واستهزأ به ونسبه إلى الجهل وعدم المعرفة, ومنهم من زعم أنه أتى بمذهب خامس جديد, ومن هنا ألصقوا به كثيرا من التهم التي هو بريء منها, ثم لم يأل جهدا العلماء المتجرون بالدين وخائنوا العلم أن زوروا عليه ما زوروا عليه من تلك الافتراءات الباطلة والمبادئ الضالة, لأسباب عديدة منها أن طفق بعض النجديين المخالفين للشيخ يكتب إلى الأتراك وإلى الأشراف في الحجاز, أن هذا الشيخ مبتدع وأتى بمذهب خامس, ولا يحب الرسول ولا الأولياء ويهدم قباب المشايخ والأولياء الكبار, تلك القباب التي أجمع على تعظيمها والتبرك بها المسلمون, وأن قعود الدولة عن رد هؤلاء المعتدين يذهب بهيبتها من نفوس المسلمين, ويحط من مكانتها عندهم, وما زالوا بالدولة العثمانية يستنصرون بقوتها وجيشها, ويستفزون ملوكها وعلماءها بأساليب الخداع وأنواع

стр. 16

الإغراء, بأنها حامية الحرمين الشريفين وحامية الإسلام, وأوغروا صدر الدولة على دعوة الشيخ, وشوهوا وجهها الجميل, حتى بلغ به الوقاحة وقلة الحياء والإيمان, إلى حد أن زعموا أن السعوديين النجديين لا يقولون في الأذان "أشهد أن محمدا رسول الله" بل يقولون "محد رسول الله" بحذف الميم, تنفيرا للأتراك من خصومهم, وإنهم يعلمون حق العلم أن هذا كذب وزور. وأخيرا انخدعت الدولة العثمانية بأولئك المفترين, ولا سيما عندما رأت أن الدولة السعودية بسطت نفوذها على نجد وامتد إلى عمان, وأخذت تغزو العراق بعد فتح آل سعود مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ, فعندئذ أمرت الدولة محمد علي باشا والي مصر أن يحارب النجديين, فنفذ ما أمره السلطان وجرى ما جرى مما قصه التاريخ وأوعزوا إلى بعض العلماء من الأكالين باسم الدين أن يؤلفوا ضد الشيخ وأتباعه. أو تبرعوا بتلك الكتابات إرضاء لنفوسهم الأمارة بالسوء وإبقاء لرئاستهم على العوام. هكذا فعلت الأشراف بعد أن اندحروا ودخل السعوديون مكة المكرمة, فألف مأجورو الترك والأشراف كتبا, شحنوها بالأكاذيب والترهات وحشوها بالأحاديث الموضوعة والضعيفة, والحكايات السمجة ضد الدعوة السلفية, وزعموا أن الشيخ مبتدع خارجي, حتى أن "زيني دحلان" نزل الأحاديث الواردة في الخوارج على الشيخ وأتباعه في كتابه "الدرر السنية" وفي "الفتوحات الإسلامية"١ فعلوا كل ذلك تنفيرا للناس, كيلا يتبعوا الشيخ الجليل, ويعتنقوا مبدأه الصحيح.

стр. 17

ومن الأسباب أيضا أن الكثيرين من أولئك الذين سموهم العلماء زورا وبهتانا, كانوا يترأسون على العوام ويأكلون منهم الحطام, ويروجون بين الأنام الدعاية الضالة لتلك القبور المشيدة والقباب المزخرفة من الكرامات المختلقة والدرجات العالية, وخافوا من انتشار هذه الدعوة السلفية الصحيحة أن يفهم الناس حقائق الدين والتوحيد, وأن تكون النتيجة زوال رئاستهم وما كانوا يأكلون من تلك النذور والأوقاف, وما يتقرب به الجهلة العوام إلى تلك القبور, وأولئك كانوا يأكلونها باسم السدانة والمحافظة على القبور المقببة, وتفهيم الزوار آداب الزيارة وكيف يدعون الولي, وكيف يطلبون منه قضاء حوائجهم, وكيف يطوفون حوله وكيف يدخلون ويخرجون, وعندما علموا أن هذه الدعوة مآلها إن انتشرت, وفهم الناس حقيقتها القضاء على رئاستهم وظهور جهلهم للناس، وأنهم كانوا ضالين ومضلين. أخذوا عند ذاك يذيعون وينشرون بين الناس, ويختلقون مثالب وقوادح في الشيخ وأتباعه, بل وقد يكتبون تنفيرا للناس عن الدخول في هذا التوحيد الذي كاد أن يقضي عليه علماء السوء وجهل أكثر العوام. ومن الأسباب: أن بعض العلماء لم يعرف حقيقة ما جاء به الشيخ محمد بن عبد الوهاب, وإنما قلد بعض من سمع منه أو قرأ له كتابا في الانتقاد على الشيخ, أو سمع من بعض العوام أنه لا ينتفي لعالم أن يكتب عن عالم, أو ينسب إليه مذهبا أو قولا قبل أن يتحقق لديه ذلك القول المنسوب بالوقوف على كتابه الذي فيه ذلك القول المضاف إليه ومنها داء الحسد. وإذ فهم القارئ أو السامع ما ذكرته عن دعوة الشيخ وموقف خصومه وإلصاقه بتلك التهم التي لا نصيب لها من الصحة, فمن الجدير بي أن أنقل للقارئ عقيدة الشيخ وأتباعه كما كان عليه السلف الصالح فهاكم البيان:

стр. 18

عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجميع النجديين عقيدته كعقيدة السلف الصالح, على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المهتدون, كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسفيان الثوري وابن عيينة وابن المبارك والبخاري ومسلم وأبي داود, وسائر أهل السنن وأمثالهم ممن تبعهم من أهل الفقه والأثر كالأشعري وابن خزيمة وتقي الدين بن تيمية وابن القيم والذهبي ﵏. يعتقد أن الله واحد أحد, فرد صمد, لا شريك له ولا مثيل ولا وزير ولا مشير, لم يتخذ صاحبة ولا ولدا, عالم بكل شيء ما كان وما يكون وما لم يكن, لو كان كيف يكون, قادر على كل شيء, لا يعجزه شيء بل هو الفعال لما يريد, ويثبت جميع صفات الله العليا, وأسمائه الحسنى, كما نطق الكتاب, وجاءت به السنة الصحيحة من صحة العلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة, والكلام والاستواء على العرش, والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا, وسائر الصفات الذاتية والفعلية والخبرية. يؤمن بها, ويمرها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. توحيد العبادة والربوبية: يعتقد بأن الله هو القوي القادر الخالق الرازق المحيي المميت. يؤمن بأن يفرد ربنا بالعبادة, ولا يشرك به أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. ويبرأ من عبادة ما سواه كائنا ما كان, وهذه هي الحكمة: التي خلق الله لأجلها الجن والإنس وأرسلت لها الرسل وأنزلت بها الكتب. ويبرأ من عبادة الأحجار والأشجار والصالحين الأخيار.

стр. 19

ويبرأ من عابديها, ويقيم الحجج العقلية والنقلية على أنها شرك وضلال, وكفر بالله ذي الجلال كقوله تعالى حكاية عن قول الرسل لأقوامهم ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١, وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢. وكقوله تعالى ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٣. الإيمان بالرسل والأنبياء والملائكة والكتب واليوم الآخر: يؤمن بجميع أنبياء الله ورسله, لا يفرق بين أحد منهم, ويعتقد أن محمدا أفضلهم, أرسله الله بالآيات الباهرة, والمعجزات الظاهرة, وكرمه بطهارة الأعراق, وحباه محاسن الأخلاق, فمن تبعه صار من المفلحين ومن عصاه صار من الأشقياء الخاسرين. ويؤمن باليوم الآخر, وبالبعث بعد الموت, وحساب الله للعباد, والميزان والصراط, والجنة والنار. مسائل القدر والجبر والإرجاء والإمامة: يؤمن بالقدر خيره وشره, ويبرأ مما قالته القدرية النفاة, والمجبرة والمرجئة, ويوالي جميع أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بيته الطاهرين, ويكف عما شجر بينهم, ويعتقد بأفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃.

стр. 20

عقيدته في العلماء: يوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم, من أهل الحديث والفقه والتفسير, وأهل الزهد والعبادة, ولا سيما الأئمة الأربعة, ويرى فضلهم وإمامتهم, وأنهم من الفضل والفضائل في غاية ورتبة, يقصر عنها المتطاول ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد إلا بالدليل تقوم به الحجة من الكتاب والسنة, خلافا لغلاة المقلدين وعلى هذا القول أجمعت الأئمة الأربعة وغيرهم, كما حكاه ابن عبد البر ﵀. وإتماما للفائدة أقدم للسائل عقيدة موجزة كتبها الشيخ رحمه الله تعالى: قال ﵀ بعد البسملة: أشهد الله ومن حضرني من الملائكة, وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقده أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته, وكتبه, ورسله, والبعث بعد الموت, والإيمان بالقدر خيره وشره. ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه, وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل, بل أعتقد أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . فلا أنفي عنه ما وصفه به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه, ولا ألحد في أسمائه وآياته, ولا أكيف ولا أمثل صفاته بصفات خلقه, لأنه تعالى لا سمي له ولا كفء ولا ند له, ولا يقاس بخلقه, فإنه أعلم بنفسه وبغيره, وأصدق قيلا, وأحسن حديثا. فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل, وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل, فقال تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . فالفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية.

стр. 21

وهم وسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية. وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية. وهم وسط في باب أصحاب النبي ﷺ بين الروافض والخوارج. وأعتقد أن القرآن كلام الله, منزل غير مخلوق, منه بدأ وإليه يعود, وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ . وأومن بأن الله فعال لما يريد, ولا يكون شيء إلا بإرادته, ولا يخرج عن مشيئته, وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره, ولا يصدر إلا عن تدبيره, ولا محيد لأحد عن القدر المحدود،, ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. وأومن بفتنة القبر ونعيمه, وبإعادة الأرواح إلى الأجساد, فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا وتدنو منهم الشمس, وتنصب الموازين, وتوزن به أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ . وتنشر الدواوين, فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله. وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة, ماؤه أشد بياضا من اللبن, وأحلى من العسل, آنيته عدد نجوم السماء, من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم, وأومن بشفاعة النبي ﷺ , وأنه أول شافع وأول مشفع. ولا ينكر شفاعة النبي إلا أهل البدع والضلال. ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا, كما قال الله تعالى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ وقال تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ .

стр. 22

وهو لا يرضى إلا بالتوحيد, ولا يأذن إلا لأهله. وأما المشركون فليس لهم في الشفاعة نصيب, كما قال تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ . وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان, وأنهما –اليوم- موجودتان وأنهما لا يفنيان. وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة, كما يرون القمر ليلة البدر, لا يضامون في رؤيته. وأومن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين, ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته, ويشهد بنبوته. وأفضل أمته أبو بكر, ثم عمر الفاروق, ثم عثمان ذو النورين, ثم علي المرتضى, ثم بقية العشر ثم أهل بدر, ثم أهل الشجرة –أهل بيعة الرضوان- ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولى أصحاب رسول الله, وأذكر محاسنهم, وأستغفر لهم, وأكف عن مساوئهم, وأسكت عما شجر بينهم. وأعتقد فضلهم عملا بقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء. وأقر بكرامات الأولياء, إلا أنهم لا يستحقون من حق الله شيئا, ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار, إلا من شهد له الرسول ﷺ , ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء. ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنبه ولا أخرجه من دائرة الإسلام. وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا, وصلاة الجماعة خلفهم جائزة. والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.

стр. 23

وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين, برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله. ومن ولى الخلافة, واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه. وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله. وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة. وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان, يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. وأرى وجوب الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة. فهذه عقيدة وجيزة, حررتها وأنا مشتغل البال, لتطلعوا على ما عندي والله على كل ما نقول وكيل. فليتأمل السائل في هذا الجواب المختصر, وفي هذه العقيدة الوجيزة ليعلم حقيقة الشيخ إنه على الحق والصواب, والمخالفون هم أهل الضلال والارتياب. وبعد أن قدمت للقارئ هذه المقدمة التي فيها كثير من الحقائق عن الشيخ الجليل, تلك الحقائق التي ينبغي أن يعرفها القارئ, ومن يريد أن يعرف حقيقة تلك الدعوة الإصلاحية السلفية لكي لا ينخدع ويتأثر بما يسمعه من أفواه الجهلاء وخصوم الدعوة ومن قراءة بعض الكتب التي أخذ مؤلفوها على عاتقهم أن يصدوا الناس عن صراط التوحيد, ويغمسوهم في حمأة الشرك والتنديد. وهاك الآن بيان الشبهات التي هي حقيقة افتراءات نسبوها إلى الشيخ وأتباعه وهم برآء كبراءة الذئب من دم يوسف.

стр. 24

الشبهة الأولى: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكرهون النبي ﷺ ويحطون من شأنه وشأن الأنبياء ... الشبهة الأولى: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكرهون النبي ﷺ , ويحطون من شأنه وشأن سائر الأنبياء, واختلقوا أكاذيب لتأييد شبهتهم فقالوا: إن الشيخ كان يقول عن النبي ﷺ , إن غاية أمره كالطارش الذي يرسل إلى أناس في أمر فيبلغهم إياه ثم ينصرف. وقولهم: عصاي خير من محمد لأنها ينتفع بها بقتل الحية ونحوها, ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلا, هكذا زعم علوي الحداد في كتابه "مصباح الأنام". وزعم السيد أحمد زيني دحلان: أن أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب يمنعون من الصلاة على النبي بعد الأذان على المنائر, حتى أن رجلا صالحا كان أعمى وكان مؤذنا وصلى على النبي بعد الأذان فأتوا به إلى ابن عبد الوهاب, فأمر به أن يقتل فقتل, وما ادخروا وسعا في صنعة الأكاذيب على الشيخ تنفيرا للناس عن دعوة التوحيد وإبقاء على رئاستهم على الجهلة والعوام. قال الشيخ يوسف النبهاني: أعجب شيء مسلم في حسابه ... غدا قلبه من حب خير الورى صفرا أولئك وهابية ضل سعيهم ... فظنوا الردى خيرا وظنوا الهدى شرا والجواب من وجوه: ١-إن هذه التهم الباطلة المنسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لا تصدر عمن يملك شيئا ولو قليلا من الحياء فضلا أن يكون مؤمنا, إذ كراهية الرسول لا تصدر إلا من ملحد أو يهودي أو نصراني, وإلا فإن

стр. 25

مفتاح الدخول في الإسلام هو قول العبد "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" وإقراره برسالة رسول الله مع التصديق الباطني, ومن موجبها أن يكون محبا لرسول الله ﷺ . كيف يكون المرء مسلما ومتبعا لرسول الله ﷺ وهو يكرهه ويبغضه, وإذا كان الله يقول مخاطبا لنبيه الكريم ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وفي الآية شرط على العبد إن ادعى أنه يحب الله فليتبع رسوله, ومن لازم الاتباع الصحيح حب الرسول ﷺ , وكيف يصح إيمان المرء وهو لا يحب الرسول, وفي الحديث الشريف عن النبي ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" وفي حديث آخر "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" , وفي الحديث الصحيح "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان, من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, ومن كان يحب المرء, لا يحبه إلا الله, ومن كان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله, كما يكره أن يلقى في النار". ٢- ليعلم هؤلاء المفترون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد ألف كتابا في سيرة رسول الله ﷺ , ولو لم يكن محبا له لما ألف في سيرته ﷺ , وبيان شمائله وأخلاقه ومعجزاته وجهاده, كما ألف ابنه الشيخ عبد الله كتابا في سيرة الرسول ﷺ . ٣- إن الشيخ حنبلي المذهب والحنابلة يرون أن الصلاة على النبي في التشهد الأخير فرض من فروض الصلاة, لا تصح الصلاة إلا بالصلاة عليه ﷺ كالقول الثاني للإمام الشافعي ﵀, بينما يقول الحنفية والمالكية بسنية الصلاة على النبي في التشهد الأخير كما هو قول آخر للإمام الشافعي. فقل لي بربك من يرى فرضية الصلاة عليه في الصلوات المفروضات

стр. 26

والمسنونات أجدر بالحب والتعظيم للرسول العظيم أم من لا يرى ذلك؟ ولكن كما قيل: فقل هل ترى فيما نقول ملامة ... ولكن أعمى العين لا يبصر البدرا ٤- هل نسي هؤلاء أن الصلاة على الرسول هي أمر من الله لنا قبل أن تكون من الرسول, قال الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . ولا يستطيع مسلم أن ينكر ما جاء به القرآن, ووردت به السنة في فضل الصلاة عليه, وأن تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي الأعلى وتسليمه وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم, وهل جهل الشيخ وأتباعه هذه الآية الشريفة؟ وتلك الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على الرسول ﷺ ؟ كحديث "من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا" وحديث "رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصل علي" إلى غير ذلك من الأحاديث التي دونتها كتب السنة. وهل يصدق هذا الافتراء الصريح إلا مختل العقل, أو جاهل متأثر بما سمع من أمثال هؤلاء المشايخ الذين باعوا آخرتهم بدنياهم, وقل نصيبهم من الحياء والعلم والإيمان, وأخذوا يكيلون التهم من غير حساب وبلا تفكير, إن هذه التهم الشنيعة لا تليق بأن تنسب إلى أقل مسلم جاهل فضلا أن تنسب إلى عالم جليل يدعو إلى الكتاب والسنة, فيا سبحان الله العظيم ما أجهل هؤلاء وأجرأهم على الكذب وخلق التهم, وإلا فلو فكروا قليلا فيما يدعوا هذا الشيخ وينكر على الناس تلك الضلالات, لعلموا أنه ما كان يدعو إلا إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله, وترك تلك العادات السافلة والعقائد الوثنية الممقوتة, وهل يدعو إلى سنة رسول الله وتحكيمها وهو يبغضه, اللهم إن هذا ظلم وجور لا يقبلها العقل الصحيح ولا الذوق السليم, ورحم الله الشيخ عمران حيث قال في شأن الشيخ:

стр. 27

هل قال إلا وحدوا رب السما ... وذروا عبادة ما سوى المتفرد وتمسكوا بالسنة البيضا ولا ... تتنطعوا بزيادة وتردد هذا الذي جعلوه غشا وهو قد ... بعثت به الرسل الكرام لمن هدي من عهد آدم ثم نوح هكذا ... تترى إلى عهد النبي محمد وكذلك الخلفاء بعد نبيهم ... والتابعون وكل حبر مهتدي الأجوبة عن قولهم النبي كالطارش وعصاي خير من محمد أما قولهم: أن الشيخ كان يقول إن غاية أمر النبي كالطارش, وعصاي خير من محمد. فالجواب: فهذا والله العظيم من الكذب والبهتان الذي لا يختلف فيه عاقلان, وفي الحديث الشريف " إذا لم تستح فاصنع ما شئت" , وقد قال الشاعر قديما: لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة أما قرأ هؤلاء قول الله ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ وفي الحديث عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: "يطبع المؤمن على كل خلة, غير الخيانة والكذب" "رواه البزار, وأبو يعلى. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" فهؤلاء المنتقدون على الشيخ لم يقولوا خيرا ولم يكفوا عن شرهم.

стр. 28

والجواب الثاني أن يقال: وكل ادعا قرين افترا ... سوى من إذا ما ادعى أشهدا فأين البينة التي تؤيد دعواهم, فهاهي كتب الشيخ ﵀ وأبنائه وذويه وأتباعه موجودة ومطبوعة ومنتشرة في كثير من البلدان فليأتوا بحرف واحد يثبت ما يدعونه, وهيهات أن يأتوا بذلك ولو صعدوا إلى السموات ونزلوا إلى أعماق الأرضين, واستعانوا بالإنس والجان لما استطاعوا أن يأتوا بكلمة من كتب الشيخ وأبنائه وأتباعه بل ولا حرف واحد, أما النقل عن الشيخ الفلاني والكتاب الفلاني, فلا يثبت بذلك النقل دعوى المدعي, لأن تلك الكتب ككتاب الحداد وزيني دحلان والنبهاني والعاملي الشيعي وأمثالهم من خصوم الدعوة السلفية, محشوة بالأكاذيب والترهات والحكايات والأحاديث الضعيفة والموضوعة واختلاق الكرامات لمن يزعمونه من الأولياء, فلا ينبغي لمسلم أن يقرأ تلك الكتب إلا للاطلاع على ما فيها من الكذب والزور, لا أن يحتج بها. وليعلم من لم يكن يعلم أن الشيخ محمدا ﵀ وأتباعه وسائر السلفيين من أهل السنة والجماعة, وعقيدة أهل السنة أن الرسول ﷺ أفضل الخلائق أجمعين, فإذا كان الرسول ﷺ في اعتقادهم مفضلا على الأنبياء والملائكة, فكيف يقول الشيخ: إن عصاي خير من محمد, لأن هذه اللفظة فيها تنقيص, ولا يجوز لمسلم أن ينتقص من مقام الرسول ﷺ ما هذا إلا كذب واختلاق, قصدوا بهذا الكذب تنفير الناس عن الدخول في دعوته الصحيحة, المبنية –كما قلنا غير مرة- على الكتاب والسنة الصحيحة والحسنة حتى لو قال مسلم عالما أو غير عالم أن غير الرسول ﷺ أفضل من الرسول ﷺ لحكمنا بخطئه للأدلة العديدة على تفضيله ﷺ على غيره, ولا يصدق هذا الافتراء إلا من كان جاهلا أو مختلا.

стр. 29

واجب العالم إذا أراد أن يكتب عن مذهب أو فرقة أما علم هؤلاء الناسبون إلى الشيخ الجليل محمد بن عبد الوهاب ﵀ تلك التهم الملفقة, والكاتبون في كتبهم زاعمين أنهم منتقدون على الشيخ وناصرون الحق, أن الواجب على العالم إذا سمع عن فرقة أو مذهب أو عالم ما يخالف الشرع, وأقصد به الكتاب والسنة الصحيحة أو الحسنة, أن نتثبت ويتأنى ويبحث عما سمعه أو قرأه امتثالا لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ , ويقرأ كتب تلك الفرقة أو المذهب أو العالم, ويتأكد من صحة نسبتها إلى المنسوب إليه وإليهم, ويقارن بين أدلة الرادين وبين أدلة المردود عليه أو عليها, فإذا ثبت لديه بالدلائل الصحيحة, أن تلك الأقاويل المنسوبة إلى ذلك العالم أو الفرقة صحيح, فعند ذلك يحتسب الأجر ويكتب بقصد إظهار الحق وتحذير الناس عن الباطل, ويأتي بالأدلة في رده حتى يعرف القارئ من المحق ومن المبطل؟ أما مجرد السماع من أفواه العوام أو قراءة بعض الكتب المملوءة بأكاذيب وافتراءات, وقال العلامة فلان والحبر الفلاني وفي الكتاب المرسوم بكذا, من غير أن يكون قول العلامة أو ما في ذلك الكتاب مويدا بالدليل الصحيح, فلا ينبغي التعويل عليه ويصبح كحاطب ليل وأضحوكة بين العالمين، كمؤلفي تلك الكتب السالفة الذكر. والجواب عن حكاية الأعمى الذي صلى على النبي بعد الأذان وأنهم قتلوه, فلا أظن أن يصدق هذا الافتراء إلا من يكون كسائمة الأنعام, كيف يصدق عاقل أن يقتل مسلم بالصلاة على الرسول بعد الأذان, وقد قال الله العظيم: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ١. وفي الحديث الصحيح "لا يحل دم

стр. 30

امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة" فلو لم يكن الشيخ عالما بل كان أميا لما لخفي عليه أن قتل المسلم من الكبائر المهلكة, بل ألف الشيخ كتابا في الكبائر ومن أبوابه "باب تعظيم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق". فهؤلاء الكاذبون على الشيخ لعلهم لم يكونوا على شيء من الحياء وبصيص من العقل, وإلا لما فاهوا بهذا الكذب والبهتان. أما كانوا يؤمنون بيوم الجزاء يوم يقول الله ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ أما قرأوا قول الله ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ أما سمعوا الوعيد الشديد والتنفير الأكيد في الكذب والافتراء من الآيات والأحاديث النبوية, ولكن كما قال الله تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ وقد قدمت أن الشيخ حنبلي المذهب, وأهل نجد كلهم حنابلة, وهم يرون الصلاة على النبي في الصلاة الفريضة فرض وفي سائر الأوقات مسنونة مؤكدة, والصلاة على النبي ﷺ مسنونة بعد الأذان أيضا سرا لحديث "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي" , أما الجهر بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان فوق المساجد والمنائر فهذا محدث لم يأت به قرآن ولا سنة. تاريخ حدوث بدعة الصلاة على النبي جهرا بعد الأذان حدثت هذه البدعة سنة ٧٨١ من الهجرة النبوية, فالشيخ ﵀ وأتباعه وكل سلفي متمسك بالوحيين, يرون أن الصلاة على الرسول ﷺ من العبادات والقربات التي يتقرب بها العبد إلى الله لينال رضوانه وجزاءه الأوفى, ولكن هذه الصلاة التي يصلونها بعد الأذان جهرا بدعة باتفاق جميع

стр. 31

علماء المسلمين, وإذ لم تكن معروفة في زمن الرسول, ولا زمن خلفائه الراشدين, ولا زمن الأئمة المتبوعين كالأئمة الأربعة ﵏, بل حدثت في القرن الثامن من الهجرة. والدعوى بأن هذه الصلاة على النبي جهرا بعد الأذان من البدع الحسنة لا ينبغي الإنكار عليها. فالجواب: ليس في الدين بدعة حسنة, والحديث الشريف يقول "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي رواية "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" أي مردود على صاحبه. وفي حديث العرباض بن سارية " إياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". لا أصل لتقسيم البدع إلى خمسة أقسام وتقسيم البدع إلى خمسة أقسام ليس له دليل صحيح بل مجرد رأي من قائله, وأما قول الإمام الشافعي: البدعة بدعتان, بدعة محمودة, وبدعة مذمومة, فما وافق السنة فهو محمود, وما خالف السنة فهو مذموم, فالمقصود من البدعة المحمودة هي ما ابتدع للمصالح النافعة الدنيوية المعاشية, كاستعمال اللاسلكي والبرق وركوب الطائرات والسيارات واستعمال الهاتف ونحو ذلك من المخترعات الصالحة النافعة، لأنها ليست بضارة ولا جارة إلى شر يعود على الناس, ولا ارتكاب محرم أو هدم أصل من أصول الدين, فالله تعالى أباح لعباده أن يخترعوا لمصالح دنياهم ما شاؤوا قال تعالى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ , والبدعة المذمومة كمثل ابتداع المآتم والأحزان وقراءة القرآن على القبور وفي السرادق وأخذ المكس من أموال المسلمين.

стр. 32

الرد على النبهاني في أبياته وأما ما زعمه النبهاني في ذينك البيتين من رائيته الصغرى التي رد بها على أتباع الشيخ قوله: وأعجب شيء مسلم في حسابه ... غدا قلبه من حب خير الوورى صفرا الخ وأما قول النبهاني وأعجب شيء.. إلخ فهاك جوابه من قول الشيخ سليمان بن سحمان ﵀: فمن لم يكن في قلبه حب أحمد ... أعز الورى فخرا وأعظمهم قدرا فليس لعمري مؤمنا بمحمد ... وما نال إلا الخزي من ذاك والخسرا ومن أشرك المعصوم في حق ربه ... وأسهب في منظومه المدح بالأطرا فذا كافر بالله ﷻ ... كهذا الذي أبدى بمنظومه الكفرا والخلاصة أن ما نسب إلى الشيخ ﵀ وأتباعه من الكراهية للرسول، أو ما يخدش مقامه العظيم ﷺ ، فهو من الكذب الصريح والإفك القبيح، الذي لا يصدر عمن يؤمن بالله ورسوله، ويؤمن بيوم الجزاء والحساب. واعتقاد الشيخ وأتباعه في النبي لأنه أفضل المخلوقين، وهاك ما قاله الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرد على من زعم أن المنكر على الجهر بالصلاة على الرسول ﷺ بعد الأذان هو غير محب للرسول. والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق وأنه حي في قبره حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع كلام المسلم عليه تسن

стр. 33

زيارته, إلا أنه لا تشد الرحال إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه, وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس, ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة ﵊ الواردة عنه, فقد فاز بسعادة الدارين, وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه. أ. هـ. ونحن نتحدى القائلين بأن الصلاة على النبي ﷺ جهرا بعد الأذان لها أصل من الدين, أن يأتوا بدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة أو الحسنة, فإن أتوا به فعلى الرأس والعين وإلا فكلامهم مردود عليهم, وكيف يستطيعون أن يأتوا بدليل والحال أن هذا الأمر محدث باتفاق المانعين والمحسنين لهذه البدعة, ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا وقد أكمل الله الدين, وأتم به النعمة على العالمين بقوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ . فإذا كانت هذه البدعة وسائر المبتدعات حسنة, يتقرب بها العبد إلى الله ويثاب عليها, فلماذا لم يأمر بها الرسول ﷺ ؟ تفنيد قول القائلين باستحباب الجهر بالصلاة على النبي بعد الأذان فقد علم بالضرورة والتواتر أن المؤذنين في زمنه ﷺ وزمن خلفائه كانوا قادرين على الصلاة عليه بعد الأذان إعلانا, وإنه لا مانع يمنعهم منها إلا أن يكون شرعيا دينيا. ويوقن العاقلون أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلينا وغيرهم من الصحابة والتابعين والأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وابن المبارك والليث بن سعد والأوزاعي وغيرهم, أن هؤلاء لو كانوا يعرفون أن الصلاة على النبي ﷺ بطريقة اليوم بعد الأذان تقرب إلى الجنة وتزيد في الأجر لما

стр. 34

اتفقوا على تركها, وإهمال أجرها مع قدرتها على الإتيان بها، واجتهادهم في العبادات, ومسارعتهم في الطاعات واستكمال الخيرات. نعرف بداهة أن رسول الله ﷺ , لو علم في الصلاة عليه بعد الأذان جهرا مصلحة لأمته دنيوية أو أخروية, لما نسي أن يرشدهم إليها وإلى فعلها في حياته كلها, مع علمه أنهم تاركون لها ناسون للعمل بها, ونحن نوقن أنه ﷺ أحرص على مصالح المسلمين من آبائهم وأمهاتهم بل من أنفسهم, وأنصح لهم منها, وقد قال: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا أرشدكم إليه, ولا شيئا يبعدكم عن النار إلا نهيتكم عنه". من هذه الأمور السالفة يعلم العقلاء أن الصلاة عليه ﷺ بعد الأذان بالصفة المعهودة الآن ليست من الدين في شيء، ولا من الأمور الجائزة, بل محرمة ممنوعة كما يعلمون أن صلاة الظهر أربع ركعات لا تجوز الزيادة عليها وهكذا سائر الصلوات, كما يعلمون أن لا تجوز قراءة القرآن في الركوع والسجود وبين السجدتين, وكما يعلمون أنه لا تجوز قراءة القرآن ولا غيره جهرا بين كلمات الأذان, ولا تجوز الصلاة على الرسول ﷺ في أثناء الأذان بالجهر. هذه أمور من أوليات الدين وضروراته لا تحل المخالفة في شيء منها. وهاأنذا أنقل للقراء من كلام الشيخ على محفوظ المصري, وقد نقل في كلامه عن العلامة ابن حجر الهيتمي وعن الإمام الشيخ محمد عبده ما يؤيد ما أسفلت ذكره, وأن العلماء المحققين من سائر المذاهب ينكرون هذه البدعات السيئة، حتى يعلم القراء المنصفون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يأت بما يخالف القرآن والسنة, ولم يبتدع, بل المنتقدون عليه هم المبتدعون الخارجون عن دائرة السنة.

стр. 35

قف على كلام الشيخ محفوظ المصري في الكلام على الصلاة على النبي ﷺ من البدع المختلف في حسنها وذمها الصلاة والسلام على النبي عقب الأذان جهرا ما عدا الصبح والجمعة, اكتفاء بما يقع قبلهما, ما عدا المغرب لضيق وقتها١, والذي أحدث ذلك هو محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله البرلسي, وأمر به في مصر وأعمالها ليلة الجمعة فقط, ثم صار ذلك عاما على يد نجم الدين الطنبدي لسبب مذكور في كتب التاريخ, ففي خطط المقريزي, وأما مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم "الفاطميين" إلى أن استبد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر, وأزال الدولة الفاطمية في سنة سبع وستين وخمسمائة, وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي ﵁, وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀, فأبطل من الأذان قول حي على خير العمل, وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة, وفيه تربيع التكبير وترجيع الشهادين, فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر, وانتشر مذهب أبي حنيفة ﵁ في مصر, فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنفية بأذان أهل الكوفة, وتقام الصلاة أيضا على رأيهم, وما عدا ذلك فعلى ما قلنا, إلا أنه في الجمعة إذا فرغ المؤذنون من التأذين سلموا على رسول الله ﷺ , وهو شيء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدين بن عبد الله البرلسي

стр. 36

بعد سنة ستين وسبعمائة, فاستمر إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ومتولي الأمر بديار مصر منطاش القائم بدولة الملك الصالح المنصور أمير حاج المعروف بحاج ابن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون, فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله ﷺ في ليلة جمعة, وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه, فقال لهم أتحبون أن يكون هذا السلام في كل أذان, قالوا نعم, فبات تلك الليلة وأصبح متواجدا يزعم أنه رأى رسول الله ﷺ في منامه, وأنه أمره أن يذهب إلى المحتسب, ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله ﷺ في كل أذان، "فمضى" إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدي وكان شيخا جهولا سيء السيرة في الحسبة والقضاء، متهافتا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء، لا يحتشم من أخذ البرطيل والرشوة، ولا يراعي في مؤمن إلا ولا ذمة, قد ضرى على الآثام وتجسد في أكل الحرام, يرى أن العلم إرخاء العذبة ولبس الجبة, ويحسب أن رضاء الله "سبحانه" في ضرب العباد بالدرة وولاية الحسبة, لم تحمد الناس قط أياديه, ولا شكرت أبدا مساعيه, بل جهالاته شائعة, وقبائح أفعاله ذائعة.. وقال له: رسول الله ﷺ يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين, بأن يزيدوا في كل أذان قولهم الصلاة والسلام عليك يا رسول الله, كما يفعل في كل ليالي الجمع. فأعجب الجاهل هذا المقول, وجهل أن رسول الله ﷺ لا يأمر بعد وفاته إلا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته, وقد نهى الله في كتابه العزيز عن الزيادة في شرعه حيث يقول "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" وقال رسول الله ﷺ "إياكم ومحدثات الأمور" , فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة, وتمت هذه البدعة واستمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام, وصارت العامة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحل تركه, وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل

стр. 37

الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا, فلا حول ولا قوة إلا بالله, إنا لله وإنا إليه راجعون أ. هـ. باختصار. فنقول لا كلام في أن الصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان مطلوبان شرعا, لورود الأحاديث الصحيحة بطلبهما من كل من سمع الأذان, لا فرق بين مؤذن وغيره كما في صحيح مسلم, عن عبد الله بن عمر بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي, فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا, ثم سلوا الله لي الوسيلة, فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله, وأرجو أن أكون أنا هو, فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" لكن لا مع الجهر بل بأن يسمع نفسه أو من كان قريبا منه, إنما الخلاف في الجهر بهما على الكيفية المعروفة, والصواب أنها بدعة مذمومة بهذه الكيفية التي جرت بها عادة المؤذنين من رفع الصوت بهما, كالأذان والتمطيط والتغني, فإن ذلك إحداث شعار ديني على خلاف ما عهد عن رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح من أئمة المسلمين, وليس لأحد بعدهم ذلك فإن العبادة مقصورة على الوارد عنه ﷺ بإجماع الأئمة, فلا تثبت باستحسان أحد من غير هؤلاء ولا بإحداث سلطان عادل أو جائر. قف على كلام الشيخ ابن حجر الهيتمي والشيخ محمد عبده وابن الحاج المالكي في بدعة الجهر بالصلاة على النبي بعد الأذان قال العلامة ابن حجر في الفتاوي الكبرى: وقد استفتي مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام عليه ﷺ بعد الأذان على الكيفية التي يفعلها المؤذنون فأفتوا بأن الأصل سنة والكيفية بدعة. وقال الإمام الشعراني نقلا عن شيخه: لم يكن التسليم الذي يفعله المؤذنون في أيامه ﷺ ولا الخلفاء

стр. 38

الراشدين, بل كان في أيام الروافض العبيدين بمصر. أهـ. "وقد سئل" الأستاذ الإمام شيخنا المرحوم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية بإفادة من مديرية المنوفية في ٢٤ مايو سنة ١٩٠٤ نمرة ٧٦٥ عن مسائل "منها" ما اشتهر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ وعلى آله وصحبه عقب الأذان في الأوقات الخمس إلا المغرب "فأجاب" بقوله: أما الأذان فقد جاء في الخانية أنه ليس لغير المكتوبات, وأنه خمس عشرة كلمة, وآخره عندنا لا إله إلا الله, وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة, ابتدعت للتلحين لا لشيء آخر, ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين، ولا عبرة بقول من قال إن شيئا من ذلك بدعة حسنة, لأن كل بدعة في العبادات على هذا النحو فهي سيئة, ومن ادعى أن ذلك ليس فيه تلحين فهو كاذب أ. هـ. وقال في المدخل: عطس رجل بجانب سيدنا عبد الله بن سيدنا عمر فقال "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله" قال ما هكذا علمنا رسول الله أن نقول إذا عطسنا, بل علمنا أن نقول الحمد لله رب العالمين أ. هـ, فهذا الصحابي الكبير أنكر على من صلى وسلم على النبي ﷺ عقب العطاس, لعدم وروده عن رسول الله ﷺ "ومن ثم" قال العلامة ابن حجر في فتاويه الكبرى: من صلى على النبي ﷺ قبل الأذان, أو قال محمد رسول الله بعده معتقدا سنيته في ذلك المحل, ينهى ويمنع منه لأنه تشريع بغير دليل, ومن شرع بغير دليل يزجر ويمنع أ. هـ. فهذا العلامة ابن حجر حكم على من صلى على النبي ﷺ قبل الأذان, أو قال محمد رسول الله بعده, بأنه شرع في دين الله تعالى, وأنه يمنع من ذلك ويزجر, وما ذاك إلا لقبح ما فعل وأن الوقوف عندما ورد به الشرع أولى, وواجب المرشد في مثل هذه البدعة الإضافية أن يكون حكيما, فينبه الناس إليها بالرفق واللين كي لا يكون مثيرا للفتن "وبهذا" ظهر لك أمر ما يقع من كثير من المؤذنين عقب أذان الفجر, من قولهم ورضي الله ﵎ عنك يا شيخ العرب, ونحو ذلك من الألفاظ "بأعلى صوت" وأنها بدعة

стр. 39

مذمومة لم تعرف من طريق مشروع, اللهم وفقنا جميعا لما تحبه وترضاه وقنا شر الابتداع. ومن البدع المكروهة تحريما التلحين في الأذان وهو التطرب, أي التغني به بحيث يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان وكيفياتها بالحركات والسكنات ونقص بعض حروفها, أو زيادة فيها محافظة على توقيع الألحان, فهذا لا يحل إجماعا في الأذان كما لا يحل في قراءة القرآن, ولا يحل أيضا سماعه لأن فيه تشبها بفعل الفسقة في حال فسقهم فإنهم يترنمون, وخروجا عن المعروف شرعا في الأذان والقرآن أ. هـ. وفيما أوردته من الصلاة والسلام على النبي بعد الأذان جهرا, وإنهما من البدع من كلام أولئك العلماء الأجلاء, فيه مقنع وكفاية لم تحلى بحلة الإنصاف, وعرف أن ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن ما يفعله المؤذنون بعد الأذان بالجهر بالصلاة على النبي والتسليم عليه بدعة ليس لها أصل في القرآن ولا في السنة المطهرة, ولا في سنة الخلفاء الراشدين ولا مذاهب العلماء المعتبرين.

стр. 40

الشبهة الثانية: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه منعوا من قراءة كتاب دلائل الخيرات ... الشبهة الثانية إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه, منعوا من قراءة كتاب دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار, وهو كتاب جامع لفضائل الصلوات على الرسول ﷺ وصيغ الصلوات, وقد اعتنى به العلماء في أكثر الجهات الإسلامية وعدوه من الكتب المهمة في الصلاة على الرسول, ونهيهم عن هذا الكتاب, وعدم اعتبارهم للعلماء وسائر المسلمين في الاعتناء به, لدليل على ما نقول إنهم لا يحبون الرسول الكريم, وإلا فأي محب للرسول يمنع من قراءة هذا الكتاب الجليل؟ الجواب عن الشبهة الثانية والجواب ومن الله استمد الصواب: هذا الكتاب المذكور جمع فيه مؤلفه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة الشيء الكثير، بل واخترع صيغ صلوات على الرسول ﷺ ما أنزل الله بها من سلطان وسيرى القارئ فيما يأتي نماذج من ذلك. الأمر الثاني: إنه جعله أحزابا, حزب ليوم الجمعة وحزب ليوم السبت وهكذا على سائر أيام الأسبوع ورحم الله ملا عمران حيث قال: أما الدلائل فهو لم ينكر بها ... صلوات أزكى العالمين الأمجد إلا التظاهر والغلو وجعلها ... درسا يكرر في كتاب مفرد ويقصد الشيخ أنه لم ينكر صلوات أزكى العالمين الواردة في السنة لا المخترعة والمبتدعة. ومن المعلوم أن تجزئة الصلوات وجعلها مقسمة على الأيام بدعة, لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا التابعين ولا الأئمة المعتبرين ولا العلماء
следующие страницы →