بعد سنة ستين وسبعمائة, فاستمر إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ومتولي الأمر بديار مصر منطاش القائم بدولة الملك الصالح المنصور أمير حاج المعروف بحاج ابن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون, فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله ﷺ في ليلة جمعة, وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه, فقال لهم أتحبون أن يكون هذا السلام في كل أذان, قالوا نعم, فبات تلك الليلة وأصبح متواجدا يزعم أنه رأى رسول الله ﷺ في منامه, وأنه أمره أن يذهب إلى المحتسب, ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله ﷺ في كل أذان، "فمضى" إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدي وكان شيخا جهولا سيء السيرة في الحسبة والقضاء، متهافتا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء، لا يحتشم من أخذ البرطيل والرشوة، ولا يراعي في مؤمن إلا ولا ذمة, قد ضرى على الآثام وتجسد في أكل الحرام, يرى أن العلم إرخاء العذبة ولبس الجبة, ويحسب أن رضاء الله "سبحانه" في ضرب العباد بالدرة وولاية الحسبة, لم تحمد الناس قط أياديه, ولا شكرت أبدا مساعيه, بل جهالاته شائعة, وقبائح أفعاله ذائعة.. وقال له: رسول الله ﷺ يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين, بأن يزيدوا في كل أذان قولهم الصلاة والسلام عليك يا رسول الله, كما يفعل في كل ليالي الجمع.
فأعجب الجاهل هذا المقول, وجهل أن رسول الله ﷺ لا يأمر بعد وفاته إلا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته, وقد نهى الله في كتابه العزيز عن الزيادة في شرعه حيث يقول "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" وقال رسول الله ﷺ "إياكم ومحدثات الأمور" , فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة, وتمت هذه البدعة واستمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام, وصارت العامة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحل تركه, وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل
стр. 37
الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا, فلا حول ولا قوة إلا بالله, إنا لله وإنا إليه راجعون أ. هـ. باختصار.
فنقول لا كلام في أن الصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان مطلوبان شرعا, لورود الأحاديث الصحيحة بطلبهما من كل من سمع الأذان, لا فرق بين مؤذن وغيره كما في صحيح مسلم, عن عبد الله بن عمر بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي, فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا, ثم سلوا الله لي الوسيلة, فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله, وأرجو أن أكون أنا هو, فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" لكن لا مع الجهر بل بأن يسمع نفسه أو من كان قريبا منه, إنما الخلاف في الجهر بهما على الكيفية المعروفة, والصواب أنها بدعة مذمومة بهذه الكيفية التي جرت بها عادة المؤذنين من رفع الصوت بهما, كالأذان والتمطيط والتغني, فإن ذلك إحداث شعار ديني على خلاف ما عهد عن رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح من أئمة المسلمين, وليس لأحد بعدهم ذلك فإن العبادة مقصورة على الوارد عنه ﷺ بإجماع الأئمة, فلا تثبت باستحسان أحد من غير هؤلاء ولا بإحداث سلطان عادل أو جائر.
قف على كلام الشيخ ابن حجر الهيتمي والشيخ محمد عبده وابن الحاج المالكي في بدعة الجهر بالصلاة على النبي بعد الأذان
قال العلامة ابن حجر في الفتاوي الكبرى: وقد استفتي مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام عليه ﷺ بعد الأذان على الكيفية التي يفعلها المؤذنون فأفتوا بأن الأصل سنة والكيفية بدعة. وقال الإمام الشعراني نقلا عن شيخه: لم يكن التسليم الذي يفعله المؤذنون في أيامه ﷺ ولا الخلفاء
стр. 38
الراشدين, بل كان في أيام الروافض العبيدين بمصر. أهـ.
"وقد سئل" الأستاذ الإمام شيخنا المرحوم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية بإفادة من مديرية المنوفية في ٢٤ مايو سنة ١٩٠٤ نمرة ٧٦٥ عن مسائل "منها" ما اشتهر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ وعلى آله وصحبه عقب الأذان في الأوقات الخمس إلا المغرب "فأجاب" بقوله: أما الأذان فقد جاء في الخانية أنه ليس لغير المكتوبات, وأنه خمس عشرة كلمة, وآخره عندنا لا إله إلا الله, وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة, ابتدعت للتلحين لا لشيء آخر, ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين، ولا عبرة بقول من قال إن شيئا من ذلك بدعة حسنة, لأن كل بدعة في العبادات على هذا النحو فهي سيئة, ومن ادعى أن ذلك ليس فيه تلحين فهو كاذب أ. هـ.
وقال في المدخل: عطس رجل بجانب سيدنا عبد الله بن سيدنا عمر فقال "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله" قال ما هكذا علمنا رسول الله أن نقول إذا عطسنا, بل علمنا أن نقول الحمد لله رب العالمين أ. هـ, فهذا الصحابي الكبير أنكر على من صلى وسلم على النبي ﷺ عقب العطاس, لعدم وروده عن رسول الله ﷺ "ومن ثم" قال العلامة ابن حجر في فتاويه الكبرى: من صلى على النبي ﷺ قبل الأذان, أو قال محمد رسول الله بعده معتقدا سنيته في ذلك المحل, ينهى ويمنع منه لأنه تشريع بغير دليل, ومن شرع بغير دليل يزجر ويمنع أ. هـ.
فهذا العلامة ابن حجر حكم على من صلى على النبي ﷺ قبل الأذان, أو قال محمد رسول الله بعده, بأنه شرع في دين الله تعالى, وأنه يمنع من ذلك ويزجر, وما ذاك إلا لقبح ما فعل وأن الوقوف عندما ورد به الشرع أولى, وواجب المرشد في مثل هذه البدعة الإضافية أن يكون حكيما, فينبه الناس إليها بالرفق واللين كي لا يكون مثيرا للفتن "وبهذا" ظهر لك أمر ما يقع من كثير من المؤذنين عقب أذان الفجر, من قولهم ورضي الله ﵎ عنك يا شيخ العرب, ونحو ذلك من الألفاظ "بأعلى صوت" وأنها بدعة
стр. 39
مذمومة لم تعرف من طريق مشروع, اللهم وفقنا جميعا لما تحبه وترضاه وقنا شر الابتداع.
ومن البدع المكروهة تحريما التلحين في الأذان وهو التطرب, أي التغني به بحيث يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان وكيفياتها بالحركات والسكنات ونقص بعض حروفها, أو زيادة فيها محافظة على توقيع الألحان, فهذا لا يحل إجماعا في الأذان كما لا يحل في قراءة القرآن, ولا يحل أيضا سماعه لأن فيه تشبها بفعل الفسقة في حال فسقهم فإنهم يترنمون, وخروجا عن المعروف شرعا في الأذان والقرآن أ. هـ.
وفيما أوردته من الصلاة والسلام على النبي بعد الأذان جهرا, وإنهما من البدع من كلام أولئك العلماء الأجلاء, فيه مقنع وكفاية لم تحلى بحلة الإنصاف, وعرف أن ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن ما يفعله المؤذنون بعد الأذان بالجهر بالصلاة على النبي والتسليم عليه بدعة ليس لها أصل في القرآن ولا في السنة المطهرة, ولا في سنة الخلفاء الراشدين ولا مذاهب العلماء المعتبرين.
стр. 40
الشبهة الثانية: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه منعوا من قراءة كتاب دلائل الخيرات
...
الشبهة الثانية
إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه, منعوا من قراءة كتاب دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار, وهو كتاب جامع لفضائل الصلوات على الرسول ﷺ وصيغ الصلوات, وقد اعتنى به العلماء في أكثر الجهات الإسلامية وعدوه من الكتب المهمة في الصلاة على الرسول, ونهيهم عن هذا الكتاب, وعدم اعتبارهم للعلماء وسائر المسلمين في الاعتناء به, لدليل على ما نقول إنهم لا يحبون الرسول الكريم, وإلا فأي محب للرسول يمنع من قراءة هذا الكتاب الجليل؟
الجواب عن الشبهة الثانية
والجواب ومن الله استمد الصواب: هذا الكتاب المذكور جمع فيه مؤلفه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة الشيء الكثير، بل واخترع صيغ صلوات على الرسول ﷺ ما أنزل الله بها من سلطان وسيرى القارئ فيما يأتي نماذج من ذلك.
الأمر الثاني: إنه جعله أحزابا, حزب ليوم الجمعة وحزب ليوم السبت وهكذا على سائر أيام الأسبوع ورحم الله ملا عمران حيث قال:
أما الدلائل فهو لم ينكر بها ... صلوات أزكى العالمين الأمجد
إلا التظاهر والغلو وجعلها ... درسا يكرر في كتاب مفرد
ويقصد الشيخ أنه لم ينكر صلوات أزكى العالمين الواردة في السنة لا المخترعة والمبتدعة.
ومن المعلوم أن تجزئة الصلوات وجعلها مقسمة على الأيام بدعة, لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا التابعين ولا الأئمة المعتبرين ولا العلماء
стр. 41
المحققين ﵃ أجمعين شيء منه, والصلوات والسلام على الرسول ﷺ مطلقة, وينبغي للمسلم أن يصلي على الرسول الكريم في أي وقت شاء, لا سيما في ليلة الجمعة, ويوم الجمعة آكد وعند ذكر اسمه ﷺ , وتجب الصلاة عليه في التشهد كما سبق ذكره.
الأمر الثالث: إن الصلاة على النبي عبادة وقربة, والعبادة والقربة مبنية على التوقيف, والمؤلف عفا الله عنه اخترع صيغا من عند نفسه, ورتب عليها أجورا ليس لها مستند من الرسول العظيم ولا من أصحابه ﵃.
وهاك بعض صيغه الموضوعة من العبارات المخالفة للكتاب والسنة:
وروي عنه ﷺ أنه قال: "من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشر مرات, ومن صلى علي عشر مرات صلى الله عليه مائة مرة, ومن صلى علي مائة مرة صلى الله عليه ألف مرة،, ومن صلى علي ألف مرة حرم الله جسده من النار, وثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة عند المسألة, وأدخله الجنة وجاءت صلواته علي نورا له يوم القيامة على الصراط مسيرة خمسمائة عام, وأعطاه الله لكل صلاة صلاها قصرا في الجنة قل ذلك أو كثر,
ولتعلم أيها القارئ أنه لم يثبت من ذلك شيء إلا من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا, والباقي مما أورده مؤلف الدلائل موضوع, وهاك أيضا بعض صيغه المخترعة:
قال النبي ﷺ : ما من عبد صلى علي إلا خرجت الصلاة مسرعة من فيه, فلا يبقى بر ولا بحر ولا شرق ولا غرب إلا وتمربه وتقول: أنا صلاة فلان ابن فلان, صلى على محمد المختار, خير خلق الله فلا يبقى شيء إلا وصلى عليه, ويخلق من تلك الصلاة طائر له سبعون ألف جناح, في كل جناح سبعون ألف ريشة في كل ريشة سبعون ألف وجه, في كل وجه سبعون ألف فم, في كل فم سبعون ألف لسان, كل لسان يسبح الله تعالى بسبعين ألف "لغات"١ ويكتب الله ثواب ذلك كله, وعن علي بن أبي طالب رضي
стр. 42
الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى علي يوم الجمعة مائة مرة, جاء يوم القيامة ومعه نور, لو قسم ذلك النور بين الخلق لوسعهم.
ومن هذه المخترعات: اللهم صل على محمد, حتى لا يبقى من صلواتك شيء, وبارك على محمد, حتى لا يبقى من بركاتك شيء, وارحم محمدا حتى لا يبقى من الرحمة شيء.
فيا أيها القارئ الكريم: تأمل في الصيغتين الأولى والثانية, ستجد إنه اختراع سامج, يدل على سخافة وغلو وجهل بالشريعة الغراء، وخصوصا بسنة الرسول ﷺ , وأي داع يدعو المسلم أن يخترع تلك الصيغة الأولى: أن الله يخلق من تلك الصلاة طائرا له سبعون ألف ريشة..الخ هذا الهذيان فما هذه السماجة الباردة والأقوال السخيفة التي تسيء إلى الرسول الكريم, وتجعل شريعتنا وسنة نبينا هدفا لأغراض الأعداء والطعن في الرسول العظيم وفي الشريعة الغراء, ومحلا لاستهزاء الكفرة١.
стр. 43
وقال: اللهم صل على محمد وآله, بحر أنوارك ومعدن أسرارك ولسان حجتك وعروس مملكتك وإمام حضرتك, وطراز ملكك وخزائن رحمتك, إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود.
وقال: اللهم صل على محمد مجلي الظلمة, مولي النعمة, مؤتي الرحمة, كاشف الغمة, فماذا ترك لله ؟
وقال: اللهم صل على محمد الذي هو قطب الجلالة وشمس النبوة والرسالة.
وقال: اللهم اجعل شرائف صلواتك على محمد الفاتح لما أغلق, فهو أمينك المأمون, وخازن علمك المخزون.
ثم ذكر من أسماء النبي ﷺ من مائتي اسم منها هذه الأسماء, ومعظمها ويا للهول والمصيبة من أسماء الله الحسنى التي يكفر من نسبها لغيره : محيي, منج, مدعو, مجيب, غوث, غياث, جبار, مهيمن, بر, كفيل, شاف, كاشف الكرب, رافع الرتب, صاحب الفرج.
ولم يكتف بذلك بل أضاف أسماء مخترعة منها: يس, طه, واصل, موصول, صاحب الإزار, صاحب الرداء, صاحب التاج, صاحب المغفر, صاحب القضيب, وغيرها من الصفات والأسماء المهلهلة.
ولو ذهبنا نورد كل ما قال من الصيغ الموضوعة, وبعض الصيغ المشتملة على الضلال, لطال بنا المقال وخرجنا عن حد الاعتدال, ومن شك في ذلك فليقرأ هذا الكتاب بتدبر وإمعان, ناظرا بمنظار الكتاب والسنة, لا بمنظار المبتدعين الضالين, ولا بمنظار العاطفة والوجدان, ليرى كيف تجاسر مؤلف دلائل الخيرات على النبي الكريم ﷺ ونسب إليه ما لم يقل, ورتب الأجور المخالفة للعقل والشرع كما مضى بعضها على تلك الصلوات, اقرأ ما سماه المؤلف حزب الجمعة وسائر الأحزاب الأخرى لترى العجب العجاب, وترى مصداق ما نقول.
стр. 44
جاء في حزب الجمعة من تلك الصيغ المخترعة من عنده ما يأتي:
اللهم وصل على محمد في الليل إذا يغشى, وصل على محمد في النهار إذا تجلى, وصل على محمد في الآخرة والأولى, وصل على محمد شابا زكيا, وصل على محمد كهلا مرضيا, وصل على محمد منذ كان في المهد صبيا, وصل على محمد حتى لا يبقى من الصلوات شيء, اللهم وأعط محمدا المقام المحمود الذي وعدته, الذي إذا قال صدقته, وإذا سأل أعطيته, اللهم وأعظم برهانه وشرف بنيانه.... إلى أن قال: من قرأ هذه الصلوات مرة واحدة كتب الله له ثواب حجة مقبولة, وثواب من أعتق رقبة من ولد إسماعيل ﵇, فيقول الله تعالى: يا ملائكتي هذا عبد من عبادي, أكثر الصلاة على حبيبي محمد, وعزتي وجلالي ووجودي ومجدي وارتفاعي لأعطينه بكل حرف قصرا في الجنة, وليأتني يوم القيامة تحت لواء الحمد نور وجهه كالقمر ليلة البدر, وكفه في كف حبيبي محمد, هذا لمن قالها كل يوم جمعة له هذا الفضل والله ذو الفضل العظيم.
ولا ريب أن هذه الصيغة المخترعة لم ترد, وأن هذا الأجر المرتب على هذه الصيغة لم يصح به حديث ولا قول صحابي أو تابعي أو أحد من الأئمة المهتدين, وإنما المؤلف هو الذي اخترع هذه الصيغ ولا ريب أنه اخترعا حبا في الرسول ﷺ , ولكن لا يجوز أن يخترع صيغا ويرتب عليها أجورا ما أنزل بها الله من سلطان.
وبالجملة فالكتاب مشتمل على أحاديث ضعيفة, وصيغ ضعيفة وموضوعة ومخترعة, وأحاديث موضوعة, ولا يصح من تلك الأحاديث ولا من صيغ تلك الصلوات إلا القليل جدا.
فإذا كان هذا الكتاب بهذه المثابة, وفيه من الضلال والشرك والوبال وصرف الناس عن كتاب ربهم وسنة نبيهم, والصلوات الواردة كصيغة الصلوات الإبراهيمية ونحوها, أفلا يحق للشيخ محمد بن عبد الوهاب
стр. 45
وأتباعه, بل ولكل مسلم أن ينهى عن قراءته امتثالا لقول الله تعالى, ولقول الرسول ﷺ , أما قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ , وما أتانا الرسول ﷺ بهذه الصيغ المخالفة والموضوعة, بل نهانا الرسول ﷺ عن المحدثات والبدع والضلالات فقال في حديث العرباض بن سارية: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار" , رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح, وورد في الحديث الصحيح عن عائشة أم المؤمنين ﵂: قالت: قال رسول الله ﷺ : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". "أي مردود عليه".
ومن أراد أن يعرف الصيغ الواردة في الصلاة على النبي ﷺ ما صح فيها وما كان ضعيفا, فليقرأ جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام للحافظ ابن القيم ﵀, أو كتب الأذكار المأثورة كالأذكار للنووي, ونزل الأبرار لصديق حسن خان وغيرها.
وأما قوله: اللهم صل على محمد حتى لا يبقى من صلواتك شيء ... الخ, فهذا أعظم وأطم, ومن كثرة اعتناء الكثيرين من الناس وبعض المنسبين إلى العلم, أنه أخبرني أحد شيوخنا قال: رفع إليه سؤال من بعض قضاة البحرين يسأل عن تفسير هذه الصيغة, وقال الشيخ فيما أظن أن المؤلف يقصد في هذا الدوام ... بمعنى أن تبقى الصلاة على النبي دائما, لأن صلوات الله عليه لا نفاد له.
فيا للعجب من السائل ومن المجيب, أهكذا يكون العالم؟ هكذا ينتصب مثل هؤلاء لإرشاد الناس ولهدايتهم, وهم لا يميزون بين السنة والبدعة.
стр. 46
وكم في دلائل الخيرات من الطامات الكبرى, والحق أن الناظر في هذا الكتاب يجد فيه من العبارات المخالفة للشرع الشيء الكثير, وفي بعضها شرك, ووحدة وجود والعياذ بالله, كقوله: اللهم جدد من صلواتك التامات وتحياتك الزاكيات على الذي أقمته لك ظلا, وجعلته لحوائج خلقك قبلة ومحلا, وأظهرته بصورتك واخترته مستوى لتجليك, ومنزلا لتنفيذ أوامرك ونواهيك, في أرضك وسماواتك وواسطة بينك وبين مكنوناتك.
стр. 47
الشبهة الثالثة: أن الشيخ وأتباعه يمنعون التوسل والإستغاثة بالأولياء والصالحين
...
الشبهة الثالثة
إن الشيخ محمدا وأتباعه يمنعون التوسل والاستغاثة بالألياء والصالحين, بل حتى بالأنبياء والمرسلين, ويكفرون المتوسل والمستغيث بالرسول وبالألياء, وقد ثبت بالدلائل الكثيرة ندب التوسل وجواز الاستغاثة, أما في التوسل فقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ .
كما وردت الأحاديث الكثير, ومن تلك الأحاديث: عن سهل بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادعو الله أن يعافيني, فقال "إن شئت أخرت وهو خير لك, وإن شئت دعوت, فقال ادعه, فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه, ويصلي ركعتين, ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة, يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى, اللهم فشفعه في" رواه ابن ماجه والترمذي والنسائي وغيرهم, وصححه الترمذي وأبو إسحاق وابن تيمية وآخرون.
وحديث توسل عمر بن الخطاب ﵁ بالعباس بن عبد المطلب ﵁, وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب, وكانت قد ربت النبي دخل عليها رسول الله في القبر وجلس عند رأسها ثم قال: "رحمك الله يا أمي بعد أمي إلى أن قال: "الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت, اغفر لأمي فاطمة بنت أسد, ووسع لها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي, فإنك أرحم الراحمين".
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي, فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك
стр. 48
ونفخت في من روحك رفعت رأسي, فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله, فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك, فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي –أدعني بحقه- فقد غفرت لك, ولولا محمد ما خلقتك" رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد, وهناك أحاديث كثيرة تثبت التوسل به ﷺ وبالصالحين.
الجواب عن الشبهة الثالثة
قبل الدخول في موضوع الجواب أحب أن أنبه القراء الفضلاء إلى أن هؤلاء الداعين إلى التوسل والاستغاثة بغير الله يعترفون على أنفسهم بأنهم مقلدون للأئمة, ومعنى التقليد الأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله, ليس من شأنهم الاستدلال بالكتاب والسنة, لأنهم إذا طولبوا بإقامة الدليل على مسألة من المسائل أجابوك لعلك تدعي الاجتهاد, وإقامة الدليل من شأن المجتهد لا من شأننا وشأنك, وقد أغلق باب الاجتهاد منذ قرون عديدة, فلا يوجد اليوم مجتهد مطلق أو مجتهد المذهب, ولكن عندما يريدون أن يثبتوا للعوام وأنصاف المتعلمين ما يدعون إليه من مثل هذه المطالب, استدلوا ببعض الآيات والأحاديث ونقول تأييدا لشبهاتهم السقيمة, فهل هذا إلا تناقض يربأ عنه كل عاقل فهيم, فإذا كنتم مقلدين فما لكم وإقامة الدليل؟
وإذ قدمت هذه المقدمة الوجيزة فأشرع الآن في الجواب.
والجواب وبالله أستعين, والكلام هنا يدور حول موضوعين: الأول: التوسل, والثاني: الاستغاثة.
стр. 49
معنى التوسل والوسيلة
أما التوسل: فقال في لسان العرب: الوسيلة المنزلة عند الملك والدرجة والقربة ووسل فلان إلى الله وسيلة, إذا عمل عملا تقرب به إليه, والواسل كالراغب إلى الله قال لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى, كل ذي رأي إلى الله واسل
وتوسل إليه بوسيلة, إذا تقرب إليه بعمل, وتوسل إليه بكذا, تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه والوسيلة الوصلة والقربى, وجمعه الوسائل, قال الله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال الجوهري: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير, والجمع الوسل والوسائل والتوسيل والتوسل واحد. أ. هـ. وكل هذه المعاني تدور حول التقرب إلى الله بالعمل الصالح.
التوسل المشروع والتوسل الممنوع
ثم اعلم أيها القارئ أن التوسل قسمان:
١- مشروع ٢- ممنوع
والمشروع أنواع: الأول: التوسل إليه بأسمائه وصفاته, قال الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
الثاني: التوسل بالصلاة لكي تقبل الدعوة, كصلاة الاستسقاء, وصلاة الاستخارة, ومنه حديث الأعمى, ففيه أنه قال النبي للأعمى: "اذهب وتوضأ وصل ركعتين ثم ادع" إن صح حديثه وسيأتي بيانه, ولعل من ذلك قول الله تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾
الثالث: التوسل بالتوحيد والإيمان قال الله ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً
стр. 50
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
الرابع: التوسل بذكر الأعمال الصالحة السالفة عند نزول الضر لكشفه كما في قصة أصحاب الغار لما أووا إلى غار فانطبق عليهم صخرة, فتوسل أحدهم بعفته من الزنا, فانفرجت من الصخرة ثلثها, وتوسل الثاني ببره لوالديه فانفرج الثلث الثاني, وتوسل الثالث بتنمية أجر الأجير الذي كان أجيرا عنده فذهب وترك أجرته, ثم جاء وأخذ الأجرة ونماها, فانفرجت الصخرة جميعها فخرجوا يمشون, وهذه القصة وردت في البخاري ومسلم.
الخامس: التوسل بدعاء الصالحين الأحياء كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أن الصحابة كانوا إذا أجدبوا توسلوا العباس بن عبد المطلب, وقال عمر في عام الرمادة: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا.
ومن المعلوم الثابت أن النبي ﷺ كان يدعو على المنبر طالبا من الله أن يسقيهم, واستسقاء النبي لما جاءه الأعرابي يشكو الجدب مشهور في الأحاديث, وهو من الأحاديث المتفق عليها, والصحابة حينما أجدبوا طلبوا من العباس بن عبد المطلب أن يدعو لهم, وباب الاستسقاء في كتب الأحاديث والفقهاء وكيفية الصلاة وإلقاء الخطبة التي هي عبارة عن دعاء من المسلمين الحاضرين لرب العالمين, أن يسقيهم ويرفع عنهم الجدب والقحط, يعرف هذا أدنى طالب علم مبتدئ, وصلاة الاستسقاء هي توسل بها وبالأدعية التي يدعون بها لكي يغيثهم الله, وكذلك صلاة الجنازة توسل بها وبالأدعية التي بها لكي يغفر الله للميت.
وهناك أنواع أخرى من التوسلات المندوبة وكلها تدور حول التوسل بالإيمان والعمل الصالح, وهذه التوسلات لم يختلف فيها اثنان ولم يقل الشيخ محمد وأتباعه بمنعها, بل يأمرون بها ويرونها من القرب التي تقرب العبد إلى مولاه وينال بها رضاه.
стр. 51
ومن خلط بين التوسل المندوب والممنوع فقد أخطأ خطأ كبيرا وأبان عن جهل عظيم.
أما التوسل الممنوع, فهو التوسل بذوات المخلوقين أو بجاههم أو بمنزلتهم عند الله كأن يقول: "اللهم إني أسألك بالنبي أو بجاه النبي أو بالشيخ الفلاني والولي الفلاني أو بجاههم أو منزلتهم".
وكأن يقول: اللهم إني أسألك بحق فلان, فهذا هو التوسل الممنوع الذي يقول الشيخ وأتباعه وسائر السلفيين أنه من البدع, إذ لم يرد في الكتاب ولا في السنة الصحيحة أو الحسنة ما يدل على ندب هذا التوسل أو جوازه.
وحقيقة التوسل دعاء, والدعاء هو العبادة والعبادة مبنية على التوقيف, وأعني ورودها في القرآن أو في الأحاديث الصحيحة أو الحسنة.
ولم يرد لا في القرآن ولا في الحديث الصحيح أو الحسن كما سلف بنانه, وكل ما يحتجون به على ندب التوسل فهو إما ضعيف أو موضوع ولا يحتج بهما في العمليات فضلا عن الاعتقاديات إلا من كانت بضاعته مزجاة من الأدلة والبراهين.
الجواب عن قولهم إن الشيخ وأتباعه يكفرون المتوسلين والمسلمين
وقول المعترضين أن الشيخ وأتباعه يكفرون المتوسل بالنبي أو بالولي كذب لا يخفى إلا على أعمى البصيرة, وهذه كتبهم تنادي ببطلان هذا القول الزائف, لكن بلاء هؤلاء المبتدعين أنهم يخلطون بين التوسل والاستغاثة, وكثير منهم يرى أنهما مترادفان, وهذا جهل وغباء فاضح, بل بينهما أبعد مما بين الغبراء والخضراء, إذ المتوسل يقدم الله في دعائه قائلا: اللهم إني أسألك بجاه الرسول أو بحرمة الرسول, بينما المستغيث يدعو الميت
стр. 52
مباشرة داعيا يا رسول الله أغثني, أشف مرضي, يا حسين بن على أنقذني, يا عبد القادر الجيلاني المدد وهكذا, فهذا ولا شك ولا ريب أنه شرك وضلال وكفر بالله ذي الجلال.
وإذ قدمت بيان معنى التوسل, وبيان التوسل المشروع والممنوع فإليك الآن الجواب عما تمسكوا به من الأدلة حسب رأيهم.
كلام المفسرين عن معنى التوسل والوسيلة
أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال المفسرون كافة: معنى الوسيلة, التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة والقرب الرابحة, وفي مقدمة المفسرين الحافظ ابن جرير: قال ﵀: في تفسير ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: اطلبوا إليه القربة بالعمل بما يرضيه. والوسيلة هي الفعيلة من قول القائل: توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه, ومعنى قول عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة ... أن يأخذوك تكحلي وتخضبي
وقال الحافظ ابن كثير بحت قوله تعالى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس أي القربة, وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وغير واحد وقال قتادة أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه أ. هـ.
قال في روح المعاني: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي اطلبوا لأنفسكم ثوابه والزلفى منه "الوسيلة" هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا "أي تقرب إليه بشيء" الظرف ويقصد الجار والمجرور متعلق بها "أي بالوسيلة" قدم عليها للاهتمام.
وقال العلامة القاسمي في محاسن التأويل في تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 53
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي القربة كذا فسره ابن عباس, وذكر ما ذكره ابن كثير, وذكر عن القاموس وشرحه معنى الوسيلة والواسلة: المنزلة عند الملك والدرجة والقربة والوصلة. وهكذا سائر المفسرين على هذا المنوال.
الجواب عن تمسكهم بالتوسل بحديث الأعمى
وأما الجواب عن حديث الأعمى فهاك بيانه:
هذا الحديث تكلم به علماء الحديث والجرح والتعديل كلاما طويلا من حيث إسناده, فمنهم من ضعفه ومنهم من حسنه كالترمذي وقال بعض الفضلاء في رواة الحديث أبو جعفر المدني عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب الأنصاري, إن كان هو الخطمي, فالحديث في درجة متوسطة من الصحة والجودة, ولا يبلغ مكانة أحاديث البخاري ومسلم, ولا ينزل أن يكون حديثا باطلا مردودا, وإنما هو كالأحاديث التي يصححها أمثال الترمذي وابن خزيمة والحاكم وابن حبان وغيرهم, ممن عندهم نوع التساهل وإغماض التصحيح ونقد الأخبار, وإن كان غير الخطمي فهو أبو جعفر عيسى بن ماهان الرازي التميمي الذي ضعفه قوم ووثقه قوم آخرون.
على أنه لو كان حسنا فلا يدل على ما ادعاه المحسنون للتوسل والاستغاثة, وكل ما فيه أنه توسل بدعاء النبي, لأن الضرير أتى النبي فقال: ادعو الله أن يعافيني, قال إن شئت دعوت, وإن شئت صبرت فهو خير لك, قال الأعمى يخاطب الرسول فادع, ثم علمه الرسول كيف يدعو وفي نهاية الدعاء علمه أن يقول اللهم شفعه في, فطلب الدعاء من الأحياء والتوسل بدعائهم لا شبهة في جوازه, ليس مما نحن فيه ولم يقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بمنع هذا.
ومما يؤيد حجة المانعين من التوسل بالأموات والاستغاثة بغير الله, أن
стр. 54
سؤال الله بالخلق والعباد, وبحقهم وجاههم ونحوه, لم يرد مثله ولا دليل في آية, ولا في حديث صحيح ولا في كلام صاحب من أصحاب النبي, ولا عن إمام من أئمة الدين المقتدى بهم فما جاء في البخاري ولا في مسلم أصح كتب الإسلام بعد الكتاب شيء من هذا النوع, خلا حديث أنس بن مالك في الاستسقاء بالعباس وهو ليس من هذا القبيل, ولا جاء في خبر صحيح سليم من القدح والطعن والضعف والاختلاف.
وأبواب الدين: أصوله وفروعه كلها جاءت فيها الآيات والأحاديث الصحيحة أو الحسنة وفيها من الأحاديث المتواترة, التي لا يختلف المسلمون في صحتها وصحة نسبتها إلى النبي ﵇ إلا هذا الباب, باب سؤال الله بالمخلوق وبجاهه وذاته وحرمته, فما جاء فيه حديث أجمع على صحته وثبوته عن النبي ﷺ , أو سلم من النقد والضعف, ودين الله لا يثبت إلا بالنقل الصحيح, والنقل الصحيح لا يكون سوى الكتاب والسنة الصحيحة السليمة من الضعف وأعراضه, وخلاف هذا لا تثبت به قاعدة من قواعد اللغة ولا قواعد النحو, ولا مسألة من مسائل الحيض والطهارات, فضلا عن أن يثبت به حكم من هذه الأحكام وشريعة من هذه الشرائع.
والتوسل والاستغاثة من العقائد, والعقائد عند هؤلاء القوم لا تؤخذ من أحاديث الآحاد ولو كانت صحيحة ولا يعتمد عليها, فكيف الآن يحتجون بأحاديث ليست بصحيحة على مطالبهم.
لكن الهوى والتعصب الأعمى يفعل بأهله العجائب, فعندما تورد عليهم حديثا من الصحيحين في عقيدة من العقائد, قالوا: هذا الحديث من أحاديث الآحاد, لا نعتمد على أحاديث الآحاد في عقائدنا لأنه لا يفيد إلا الظن, والظن لا يغني من الحق شيئا, وإذا أرادوا أن يحتجوا لمبدئهم وعقائدهم احتجوا بما هب ودب من الأحاديث الضعيفة والموضوعة, والحكايات والمنامات وما أشبه ذلك مما هو أوهى من بيت العنكبوت, فيا سبحان الله ما يفعل الهوى بأهله والتقليد بذويه.
стр. 55
وأما احتجاجهم بحديث توسل عمر بالعباس بن عبد المطلب فهاك نص الحديث: عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا "فيسقون". رواه البخاري في صحيحه فتعلقوا بقوله: إنا كنا نتوسل بنبينا, هذا الأمر الأول, والثاني قوله: إنا نتوسل إليك بعم نبينا, ففهم أنصار البدع والمبشرون بدعاء الأموات والتوسل والاستغاثة بهم على جواز الأمرين بل على الندب.
والجواب: إن قولهم توسلوا بالنبي لا يصح, بل كانوا يتوسلون بدعائه ﷺ في حال حياته, والدليل عليه أمور:
الأول: ما ثبت في الأحاديث حين كان حيا أنهم كانوا يأتون إليه في الجدب فيذكرون له ذلك ويسألونه, فيدعو الله لهم ويقول: "اللهم أغثنا" في أحاديث كثيرة, وما ورد قط أنهم توسلوا واستسقوا بذاته حيا, والتوسل بدعائه ﷺ مذكور في صلاة الاستسقاء من كتب السنة, فعن أنس ﵁ "أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ قائم يخطب, فقال يا رسول الله هلكت الأموال, وانقطعت السبل, فادع الله يغيثنا فرفع يديه" زاد البخاري في رواية "ورفع الناس أيديهم" ثم قال "اللهم أغثنا" وفي البخاري أسقنا "اللهم أعثنا" فهذا الحديث صريح أنهم كانوا يطلبون من الرسول ﷺ دعاءه, ولا شك أن دعاءه مستجاب.
فقد تبين مما أوردته أن توسلهم بالرسول ﷺ كان بدعائه لا بذاته, لأنه لو كان التوسل بذاته لما كانت هناك حاجة لأن يأتوا إلى النبي ﷺ ويطلبوا منه أن يستسقي لهم, ولتوسلوا وهم في أماكنهم فطلب من الرسول ﷺ حينما أجدبوا, كما قال الأعرابي: والرسول يخطب هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعوا الله يغيثنا, فذلك الأعرابي كان أعرف بالتوحيد من أولئك الذين يدعون العلم, ويموهون على الناس بأنهم من الناصرين لدين الله,
стр. 56
ويدعونهم إلى صراط معوج غير مستقيم, لأنه قال لرسول الله ﷺ ادع الله يغيثنا, ثم ماذا قال رسول الله عندما سأله الأعرابي: قال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا الخ الحديث.
وفي الجمعة الثانية لما استمر المطر دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة الماضية ورسول الله ﷺ يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل, فادع الله أن يمسكها عنا, فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا. .الخ الحديث.
فمن هنا نعلم أن توسل المسلمين بالنبي ﷺ هو طلب المسلمين منه ﷺ أن يدعو لهم, ولم يقولوا نتوسل إلى الله بذاتك أو بجاهك أو بمقامك يا رسول الله.
ثم إن عدول عمر عن النبي ﷺ من أن نتوسل به بعد موته إلى عمه العباس, لدليل واضح أنه لا يجوز طلب الدعاء من الميت ولو كان رسولا كسيدنا محمد ﷺ .
وهنا قد يقول قائل: عدلوا عن الرسول ﷺ إلى العباس بن عبد المطلب لبيان جواز التوسل بغير النبي ﷺ .
ونجيبهم بأمرين: الأول: إن كان قصدهم بغير النبي بدعائه كأن يطلبوا من رجل صالح في علم وتقى أن يدعو لهم للاستسقاء أو لغيره, فنحن قائلون به ولا خلاف بيننا إذن.
الثاني: وإن كان يريدون لبيان جواز التوسل بذات المخلوق الصالح غير رسول الله ﷺ بذوات الأنبياء والرسل والملائكة.
فالجواب: أن التوسل بهم ممنوع فضلا عن غيرهم, وإن كانوا يريدون بالدعاء فقد سبق البيان.
وقد دل على ما قلناه من طلب الدعاء أن عمر بن الخطاب قال للعباس بعد ما قال ما سلف في الحديث: ادع يا عباس, فرفع العباس يديه وقال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذهب, ولم يكشف إلا بتوبة, وقد توجه القوم بي
стр. 57
إليك لمكاني من نبيك, وهذه أيدينا إليك بالذنوب, ونواصينا إليك بالتوبة, فاسقنا الغيث "فأرخت كالجبال"
وتعلم علما لا يرقى إليه شك أنه كان قصدهم التوسل بدعاء العباس لا بذاته, إذ لو كان قصدهم ذات العباس, لكان ذات النبي ﷺ أفضل وأعظم وأقرب إلى الله من ذات العباس بلا شك ولا ريب.
فنستفيد من الأحاديث المارة في الاستسقاء أن عملية الاستسقاء مؤلفة من عنصرين:
طلب الدعاء من النبي ﷺ أو من غيره ممن يتوسم معه الصلاح.
الدعاء: ولعلك تقول لم وقع اختيار عمر والصحابة على العباس مع أن في الصحابة من يفوق العباس سابقة وفضلا وصلاحا؟
فالجواب: كان اختيارهم له لكونه أقرب الصحابة نسبا إلى رسول الله, ولهذا قال العباس في دعائه: وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك.
قف على حديث الجارية التي كانت تصرع
في صحيح البخاري أن امرأة كانت صرع فتتكشف فأتت النبي تسأله يدعو الله لشفائها, فنصحها بالبقاء على حالها فقالت إذا: ادع الله أن لا اتكشف فدعا لها, ولو كان التوسل به جائزا لأرشدها إلى أن تتوسل به, كأن تدعو "اللهم إني أسألك بجاه محمد أو بجاه الرسول أن تعافيني من الصرع" وحيث لم يرشدها إلى ذلك دل على عدم جواز التوسل, وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وما عهد من الرسول ولا من الرسل أن يقولوا للناس اسألونا نسأل الله لكم كشف عاهاتكم, بل كان ﵇ لا يرضى من كثرة السؤال ويرغب في الصبر من جاء من أهل الاعتلال يسأله كشف دائه, وينصح له أن يحتسب
стр. 58
مرضه كحديث الجارية السالف, ويزيد هذا توضيحا أن الذين كانوا يعذبون بأيدي المشركين في مكة المكرمة كبلال وعمار بن ياسر وأمثالهم لم يرشدهم النبي إلى التوسل أو الاستغاثة به بل كان بلال يقول: أحد, أحد.
ولا زال السلفيون يقولون يندب طلب الدعاء من المسلم, ولا سيما إن كان رجلا صالحا, أو امرأة صالحة, وإنما الكلام في التوسل بالأموات وطلب الدعاء منهم.
والثاني: لو كان توسلا بالذات لكان في الحياة والممات سواء, وما كانوا يعدلون عن ذاته إلى غيرها.
الثالث: لو كان ذلك بالذات لورد ذلك عنه ﷺ بنبي من الأنبياء, أو بالكعبة مثلا أو بالعرش أو بالسماء أو بالجنة, ولجاز ذلك لنا وهذا معروف بطلانه بالاضطرار من الدين.
الرابع: أن يقال: ما معنى سؤال الله بالمخلوق, وما فائدته, وما وجه اقتضائه لأن يجاب الدعاء؟ وهل معناه أنه إذا قال: أسألك بفلان, أي بخلقك له وإيجاده وتصويره التصوير البديع؟ فإن كان ذلك فهو توسل بغير الخلق, وأما أن يكون معناه أسألك به, أي بسببه يعني أنه هو الذي حملني على أن أسألك, وشرع لي ذلك, والمراد أن تسأل له وهذه المعاني كلها ليست صحيحة.
الخامس: لو كان التوسل بذات النبي ﷺ جائزا, لما كانت حاجة أن يأتوا إليه ويطلبون منه, بل يتوسلون به في أماكنهم وبيوتهم, ولم يأتوا يطلبون منه إلا قصدهم الدعاء, وهذا واضح لم ترك العناد واتبع سبيل الرشاد, وقد سبق بيان ذلك.
стр. 59
الجواب عن تمسكهم بحديث فاطمة بنت أسد
وأما احتجاجهم بحديث فاطمة بنت أسد, والذي جاء في آخره: اغفر لأمي فاطمة بنت أسد, ووسع لها مدخلها بحق نبيك والأنبياء من قبلي.
فالجواب: هذا الحديث غير صحيح, فإن فيه روح بن صالح المصري وهو ضعيف ولا حجة في ضعيف ولا موضوع.
الجواب عن تمسكهم بحديث توسل آدم بالنبي
وأما احتجاجهم بحديث توسل آدم بالنبي ﷺ لما اقترف آدم الخطيئة, فقال يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي....الخ.
فالجواب: أن الحديث ليس ثابتا بل وكذب, قال الإمام الذهبي في تعليقه على المستدرك الجزء الثاني إنه حديث موضوع, وقد نعى على الحاكم كثير من تصحيحه الموضوعات والضعيف والمنكر حتى أتهم بسوء العقيدة, وقد وقع وقعات وزل زلات لا يطال غبارها, حتى أنه صحح أحاديث يعلم كل إنسان ببديهة العقل وإن لم يطلع على شيء من الحديث ولا العلم أنها لم تخرج من في نبي ولا عاقل, مثل قوله في آخر الحديث: ولولا محمد ما خلقتك. وهذا من الكذب المباين للقرآن كلفظ آخر: لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك, فالقرآن المجيد بين الحكمة من خلق الله الخلق حيث قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ١.
وقال في سورة النجم ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٢
стр. 60
وما أدري كيف يحتج هؤلاء المبتدعون بأحاديث ضعيفة وأحيانا بموضوعة على أمور اعتقادية وهنا لا بد من أمرين لا محيص لهم عنهما:
الأول: إما أن يكونوا عارفين بأن أكثر هذه الأحاديث التي يحتجون بها على مطالبهم ضعيفة وبعضها موضوعة, فإن كان الأمر كذلك فهل هذا إلا غش لأمة محمد ﷺ , وتضليل للمسلمين وإيقاعهم في شرك البدع والشرك المبين, وإن كانوا غير عارفين بصحة تلك الأحاديث أو ضعفها أو كونها موضوعة, فكان من الجدير بهم أن يبحثوا عنها ويتأكدوا من صحتها أو حسنها فإذا ثبت لديهم أحد الأمرين استندوا إلى الحديث أو إلى الأحاديث, وأما إيرادهم وهم غير عارفين بأحوال تلك الأحاديث, أو عارفون وتجاهلوا, فإن كانوا غير عارفين فيدل احتجاجهم على أنهم ليسوا من العلماء بل من الجهلاء, وإن كانوا عارفين فيدل تمسكهم بتلك الأحاديث, أنهم من المدلسين والغشاشين للمسلمين, وليسوا من الناصحين لدين الله ولا لعباد الله, ومخالفين للحديث الصحيح الدين النصيحة.... الخ.
نهى الشيخ عن الاستغاثة بغير الله
وأما نهي الشيخ وأتباعه عن الاستغاثة بغير الله وأنه من الشرك الجلي, فهذا صحيح والشيخ لم يبتدع في هذا القول بل اتبع القرآن والسنة.
فالقرآن بجملته نهى عن دعاء غير الله من الجن والإنس وسائر الخلائق, ودعاء عام شامل إلى دعاء الله والرغبة فيه, والانقطاع إليه وحده لا شريك له, وأن لا يدعوا إلا الله ولا يسألوا سواه لا في السراء ولا في الضراء.
стр. 61
عناية القرآن بالمعاد والحساب والنهي عن الدعاء لغير الله
لقد عني القرآن بإثبات المعاد والحساب والعقاب, وبإثبات النبوات والوحي واتصال الملأ الأعلى بالبشر, وعني بغير ذلك من أصول الأديان والإيمان, كما قد عني بالنهي عن دعاء غير الله, وبالأمر بدعائه وحده أكثر, كما سوف نعرض على القارئ لأجوبتنا, ففي كل سورة تجد الله تعالى ينهى عن دعاء غيره ويأمر بدعائه وحده, ويندد عن دعاء سواه من خلقه, وفي كل آية تنهى عن ذلك تجد النهي فيها شديدا والتأثيم عظيما, والأمر أوضح وأظهر.
قال الله تعالى في سورة الحج ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . وهذه الآية لو لم ينزل الله غيرها على البشر كافة لكانت حجة قائمة عليهم جميعا في بطلان الشرك وبطلان دعاء غير الله وهدم أركانه, وتنديد بمن دعوا مخلوقا يقصر القول عن نعته وصفته وقد وجه الله هذا المثل إلى الناس أجمعين في كل زمان ومكان, وآذنتهم أن الذين يدعون من دونه من العقلاء وغير العقلاء من الجن والإنس, من الصالحين والطالحين, عاجزون عن نفعهم وعن ضرهم وعن كل ما يرجى منهم من خير وشر, فهم لا يستطيعون أن يخلقوا أحقر مخلوق في هذا الوجود, ولا أن يستردوا ما أخذه منهم هذا الأحقر.
وهذه الآية كما ترى قطعت جذور الشك والوثنية, ومما لا شك فيه أن الاستغاثة دعاء غير الله ونداؤه طالبا منه جلب نفع أو دفع ضر, والقرآن صريح بأن دعاء غير الله كفر وضلال, وأنه غير مجد ونافع, قال الله ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال الله ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال الله تعالى
стр. 62
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ , والقرآن مملوء من الآيات المصرحة بأن دعاء غير الله شرك وكفر لا ريب فيه, ولما كانت الاستغاثة دعاء غير الله كانت شركا أكبر, ولهذا حكم الشيخ بشرك المستغيث وكفره إذا دعا غير الله, وطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله, كشفاء المرضى وإتيان المطر وإعطائه الولد, ونحو ذلك, وقد سبق الشيخ علماء أجلاء قبله وبعده بأن هذه الأمور من الشرك, وأن صاحبه مخلد في النار إن لم يتب, ومن أولئك العلماء السالفين ابن عقيل الحنبلي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والمقريزي ومن المتأخرين الصنعاني والشوكاني وأكثر أهل الحديث.
عدم مبادرة الشيخ وأتباعه بتكفير من يعبد غير الله قبل إقامة الحجة عليه
ومما ينبغي ذكره أن يعلم أن الشيخ وأتباعه السلفيين لا يبادرون بتكفير من يرونه مستغيثا بغير الله أو طائفا بالقبر أو ناذرا له حتى يقيموا عليه الحجة من كتاب الله وسنة نبيه, فإن أصر بعد ذلك على هذه الأمور الشركية, ولم يستجب للحجة التي أقيمت عليه عند ذلك يكفروه.
فإطلاق القول بأن الشيخ وأتباعه يكفرون المتوسلين والمستغيثين بغير الله ويلزم منه تكفير المسلمين الذين يأتون بهذه الأعمال, إطلاق غير صحيح:
أولا: إنهم لا يكفرون المتوسلين مطلقا كما سبق بيانه.
ثانيا: إنهم لا يكفرون الجاهل قبل إقامة الحجة عليه.
стр. 63
اشتباه بعض الحقائق على الكثيرين حتى على بعض المنتسبين إلى العلم وبيانها
ثالثا: لا يلزم منه تكفير جمهور المسلمين, لأن الأكثرية من المسلمين جاهلون, بل وكثير من المنتسبين إلى العلم يجهلون هذه الحقائق وتشتبه عليهم, فمنهم من لا يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية, ومنهم من لا يفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي, فيجعل دعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذور لهم والطواف حول قبورهم والاستنجاد بهم والحلف بهم وطلب قضاء الحوائج منهم, يجعلون هذه الأمور من الكفر العملي بمنزلة تارك الصلاة عند من لا يقول بكفره بل يقول فاسق وبمنزلة كفر تارك الحج, ومن أتى امرأة حائضا أو امرأة في دبرها أو أتى كاهنا أو عرافا أو قال لأخيه كافر, فهذه الأنواع من الكفر العملي قد أطلقها الشارع على فعل هذه الكبائر بأنه من الكفر, لكنه كفر عملي لا يخرج به العبد عن الإيمان, ومنهم من لا يميز ويفرق بين التوسل والاستغاثة, ومنهم من يقول إن الآيات الواردة في عبادة غير الله وأنها من الشرك الأكبر يقصد بها عبادة الأوثان والأصنام والأشجار التي كانت تعبدها الجاهلية, ولا يقولون لا إله إلا الله, ومن أجل هذه الأمور اشتبهت هذه الحقائق على مدعي العلم, وقد يكون مدرسا أو مؤلفا فضلا عن العوام, فلهذه الأسباب لم يقولوا بشرك من يستغيث بغير الله أو ينذر لغير الله أو يطوف بقبور الصالحين لظنهم أنه من الكفر العملي لا من الشرك الأكبر.
وحيث ذكرت هذه الحقائق فمن الجدير أن أذكر التفرقة بين تلك الأمور السابقة المشتبهة على الكثيرين:
أما الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فقد سبق بيانه, وأن المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ولم يدخلهم في دين الإسلام, وتوحيد
стр. 64
الربوبية: هو اعتقاد أن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت, وأما توحيد الألوهية: فهو إفراد الله بالعبادة بدون أن يشرك معه غيره لا ملك مقرب ولا نبي مرسل, قال الله مخبرا عن نوح ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ . وهكذا سائر الأنبياء.
وقال الله مخاطبا نبيه محمدا ﵊ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ .
وبلاء القوم أنهم فسروا الإله بمعنى القادر على الاختراع والخالق أو المالك, ولم يفسروا الإله بالمعبود بحق, ولم يتأملوا في الآيات الآمرة, بإفراد الله بالعبادة فجاءهم الاشتباه من هذه الناحية, وأما شبهتهم بأن المشركين كانوا لا ينطقون بلا إله إلا الله ولا يقرون بالنبوة للنبي ﷺ فكيف يساوي المسلمون الذين يفعلون ما تنكره الوهابية من أجل محبتهم للرسول وللصالحين لأن لهم جاها ومقاما عظيما عند الله رب العالمين ولم يقولوا بأن الأنبياء والأولياء خلقوا شيئا من الكائنات وأنهم يضرون وينفعون. فالجواب:
أولا: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, وعموم اللفظ يدخل فيه غير الله كائنا من كان وما كان.
اعتقاد المشركين الأولين بتوحيد الربوبية
ثانيا: إن الجاهلية كانت تعتقد أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت, الضار, النافع, وأن الخير والشر بيده , وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما قال الله عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ , وقال الله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
стр. 65
هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ , ولو كان هذا الاعتقاد الذي ذكره المبتدعون نافعا لما أباح الله دماء المشركين وأموالهم, وأمر نبيه بجهادهم, كل ذلك لتحقيق معنى كلمة لا إله إلا الله, وأما كون المشركين كانوا لا يقولون لا إله إلا الله, فلأنهم كانوا يعتقدون أن الآلهة كثيرة, تلك الآلهة الباطلة التي يعبدونها من دون الله, ولهذا لما قال النبي ﷺ : " قولوا لا إله إلا الله" , قالوا: "أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب" وأما كون القبوريين يشهدون أن لا إله إلا الله, وأن محمدا رسول الله فصحيح, ولكن لم يعملوا بمقتضى كلمة لا إله إلا الله, وذلك أن لا إله إلا الله معناها إفراد الله بالعبادة, وأن العبودية محصورة في الله, وأن الآلهة غير الله باطلة, فلم يحققوا معنى لا إله إلا الله, ولم يعملوا بمقتضاها لأنهم لم يقصروا العبادة على الله, وكذلك لم يعملوا بمقتضى محمد رسول الله, لأن من شهد أن محمدا رسول الله وجب عليه أن يتبعه فيما أمر وينتهي عما نهى عنه وزجر, ومن أوامره ﷺ , إذا سألت فاسأل الله ولم يقل اسأل نبيا أو وليا, وإذا استعنت فاستعن بالله, ولم يقل استعن بغير الله. لأن الله قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نخصك بالعبادة والاستعانة, ومن نواهيه لعن الله من ذبح لغير الله, والقبوريون يذبحون للأولياء وينذرون لهم, ولا شك أن النذر من العبادة والعبادة لا تصلح إلا لله, ومن إرشاداته ﷺ أنه لما قال بعض الصحابة قوموا بنا نستغيث برسول الله من منافق كان يؤذيهم فقال النبي لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله, ومن نواهيه ﷺ لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم, إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله, ولما قال بعضهم ما شاء الله وشاء محمد, قال أجعلتني لله ندا, قل ما شاء الله وحده.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لما نُزِلَ برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصه على وجهه, فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" , يحذر ما صنعوا, ولولا ذلك لأبرز قبره, غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.
стр. 66
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل, فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا, ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا, ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد, ألا فلا تتخذوا القبور مساجد, فإني أنهاكم عن ذلك.
وعن ابن عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم.
شبهته في عبادة المشركين للأصنام
وأما قولهم: إن المشركين كانوا يعبدون أصناما وأحجارا يعتقدون فيهما النفع والضر أو التأثير ونحن لا نقول بذلك، وكان المشركون يكذبون الرسول ﷺ منكرين جميع شرائعه ونحن نؤمن بجميع ما جاء به الرسول ﷺ .
الجواب: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما مر غير مرة ومن هنا نعلم أنه لا فرق بين من يدعو صنما أو يدعو نبيا أو وليا، لأن كلمة غير الله شاملة لكل مخلوق لأن الله يخبر عن رسله عندما جاؤوا يدعون أقوامهم ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.....﴾ الآية.
وإذا كان المشركون السالفون يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم من الجن والإنس والملائكة، إنهم يضرون أو ينفعون، وأنها تشفع عند الله ولا يرد شفاعتها وتعددت آلهتهم حتى قالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ فإن الإله في الوضع اللغوي يطلق على كل معبود بحق أو بباطل،
стр. 67
وغلب على الإله الحق، والمسلم إذا قال: لا إله إلا الله، معناها، أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله، وإن الآلهة غير الله التي عبدوها باطلة.
ومن هنا تعلم أيها المسلم أن المشركين تعددت آلهتهم مثل اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وعبد بعضهم الشعرى, بعضهم عبد النار، ومنهم من عبد الجن، فإن القبوريين بصرفهم العبادات أو كثيرا منها لغير الله من الأنبياء والأولياء الذين يعتقدون فيهم ذلك الاعتقاد الذي بموجبه أخذوا يشدون إليهم الرحال، وينادونهم في الشدائد بدعاء لا ينادى به إلا الله ذو الجلال، فقد تعددت الآلهة بذلك ولا تنفعهم كلمة الشهادتين، ولا الصلاة ولا الصيام، لأنه بمثابة من توضأ ثم أحدث، فنطقهم بالشهادتين، وإتيانههم بالعبادات كالصلاة والصيام والحج تطهير, ولكن إتيانهم بتلك الشركيات التي سبق بيانها مرارا قد أبطلت معنى الشهادتين, لأن تلك الشركيات بمنزلة النواقض, فافهم وتنبه لما يلقى إليك من الشبه, وسيأتي إن شاء الله ذلك مفصلا في شروط لا إله إلا الله ونواقضها.
وثانيا: إن عباد الأنبياء والصالحين لم يرغبوا إليهم ويقدموا النذور والقرابين إلى أوليائهم ويستغيثوا بهم إلا أنهم يعتقدون في قرار أنفسهم أنهم ينفعونهم أو يضرونهم أو يشفعون لهم عند الله, وإلا لما وجدتهم عاكفين عليهم باسطين أكفهم إليهم تغشى وجوهم الذلة والمسكنة وتضطرم في قلوبهم الرغبة وحب النفعة, ولما تحملوا المشاق وقطعوا الفيافي والقفار إليهم, أو قطعوا المسافات الطويلة في البحار إلا لما رسخ في قلوبهم ذلك الاعتقاد أنهم قادرون على كل ما يريدون من إعطاء ولد أو تيسير رزق أو شفاء مرض أو رفع ظلم ونحو ذلك, والأدلة على ذلك كثير منها:
أنهم يسمون سكان تلك القبور من الأولياء الكبار في زعمهم أهل التصرف, أي تصرف العالم ويسمونهم الأقطاب أي أقطاب الكون, ويدعون الواحد منهم بالمتولي أي متولي أمر الوجود, فهناك أقطاب وهناك قطب واحد وهناك غوث العالم إلى غير ذلك من المسميات, على أن هؤلاء
стр. 68
يصرفون الكون وأن الله فوض إليهم أمر العالم, وقد ألفوا كتبا في مناقب الأولياء وشحنوها بالأكاذيب, إن الأولياء قادرون على أشياء لا يقدر عليها إلا الله, فيحكون أن البدوي صنع كذا وأن الدسوقي صنع كذا وأن الجيلاني فعل كذا من غرائب الأفعال والحكايات, وقد يتشبثون بأفعالهم المنكرة واعتقاداتهم الباطلة في الأنبياء بأمثال قول الله تعالى ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ , وقوله تعالى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ , واحتجاجهم بهذه الآيات صريح في أنهم يرون من يدعونهم من دون الله من الأشياخ الموتى يفعلون كل ما يشاؤون وينالون ما يشاؤون، لأن لهم عند ربهم ما يشاؤون، وخفي عليهم أن لهم ما يشاؤون في الجنة مما وصفها الله من النعيم والسرور
غلو القبوريين في النبي ﷺ
حتى قال بعض غلاتهم وهو الشيخ إبراهيم بن يحيى العاملي في النبي صلى الله عيه وسلم - برأه الله تعالى مما قالوا- والعاملي هذا وإن كان شيعيا، فإن الشيعة والقبوريين من أهل السنة متفقون على صرف كثير من العبادات للأنبياء والأولياء كالنذر إليهم والطواف والاستغاثة بهم والاعتقاد بتصريفهم للكون وأن الله فوض إليهم تصريف العلم وتدبيره.
وإليك نص ما قاله إبراهيم بن يحيى:
ساد الورى بفضائل وفواضل ... وأقلها إيجاد هذا العالم
أنا عبدك الراجي الذي لا يبتغي ... إلا رضاك وأنت أرحم راحم
وقال بعض شعراء السنة في النبي ﷺ :
وإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
стр. 69
الشبهة الرابعة: في جواز الاستغاثة بغير الله
قال المعترضون على الشيخ محمد بن عبد الوهاب: وأما الاستغاثة فقد جوزها العلماء والصالحون والأولياء، واستندوا إلى بعض أمور رأوها أدلة لهم:
١- قول الله تعالى ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾
٢- لازال المسلمون سلفا وخلفا يدعون الأولياء والصالحين ويستغيثونهم في الشدائد لقضاء حوائجهم ودفع الضر عنهم، فيقضي الله لهم ما طلبوه، لأن المستغاث به، إما أن يكون نبيا فمنزلته عند ربه لا تخفى، وإما أن يكون من الصالحين، فالصالحون لهم من الجاه العظيم والمكانة الرفيعة ما لا يجهله أحد، وهم لا يعتقدون أن أولئك الصالحين يخلقون أو يرزقون، وكل ما في الأمر أن المستغيث يجعل المستغاث به واسطة بينه وبين الله، فالمستغاث به في الحقيقة هو الله.
الجواب عن الشبهة الرابعة
والجواب:
١- قولهم: قد جوزها العلماء والصالحون، قد يفهم من هذا الكلام أن جميع العلماء والصالحين قد جوزوا، لأن أن للاستغراق هنا حسب سياق الكلام، وهذا غير صحيح، لأن كثيرا من العلماء والصالحين الأتقياء منعوا الاستغاثة، وحكموا بشرك المستغيث بغير الله تعالى، بعد إقامة الحجة عليه، كما سيأتي بيانه.
٢- تمسكهم بقوله تعالى ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾
فأولا: هذا مما يضحك المجانين فضلا عن العقلاء، إذ كان هذا بين
стр. 70
موسى والقبطي، وموسى لم يكن إذ ذاك نبيا، ولو فرضنا أنه كان نبيا، فشريعته غير شريعتنا، وعلى القول: أن شرع من كان قبلنا شرع لنا ما لم يأت ناسخ له، فهنا جاءت النواسخ العديدة في القرآن والسنة في نسخ الاستغاثة بغيره تعالى
وثانيا: إن هذا استغاثة حي بحي فيما يقدر عليه المستغاث به، وهذا جائز لا ريب فيه، إذ من رأى غريقا يستنجد به أو حريقا، وجب عليه إنقاذه حتى ولو لم يستنجد به، بل يجب أن يفطر الصائم لإنقاذ من وقع في مهلكة ويبطل الصلاة إن كان في صلاة
فاستغاثة الحي بحي ليس فيه الكلام، وإنما الكلام في الاستغاثة بميت أو بمن كان بعيدا، كالاستغاثة بسكان القبور.
٣- قولهم: إن المستغاث به، إما أن يكون نبيا فمنزلته لا تخفى....
فجوابه: نعم لهم المنزلة العالية والدرجة الرفيعة، وهم أفضل خلق الله، والرسل أفضل من الأنبياء، وأولوا العزم أفضل من بقية الرسل، وسيدنا محمد ﷺ أفضل من الجميع، ولكن كون الأنبياء لهم تلك المنزلة الرفيعة، لا يجوز لنا الاستغاثة بهم نوع من العبادة، والعبادة لا تصلح إلا لله رب العالمين، فإذا كانت الاستغاثة بالأنبياء شركا، فبغيرهم من الصالحين من باب أولى.
وكونهم لا يعتقدون بالأنبياء والصالحين، بأنهم لا يخلقون ولا يرزقون، بل جعلوهم واسطة فقط.
فالجواب: هكذا كان اعتقاد مشركي قريش وسائر العرب، قال الله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ .
أما الجواب التفصيلي فنقول: هل يستطيع هذا المدعي الجريء أن يورد حجة واحدة على أن أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليا أو الحسن أو الحسين أو
стр. 71
فاطمة أو غيرهم من الصحابة وقرابة النبوة، أو أن الإمام أبا حنيفة أو مالكا أو الشافعي أو أحمد بن حنبل أو غيرهم من الأئمة الصادقين المعروفين، أولي الذكرى الطيبة والإمامة الشائعة المتبعة في المسلمين استغاث بميت من الأموات، أودعاه لكشف ملمة من الملمات، أو هتف به لحاجة من الحاجات وأمل من الآمال؟ فإن لم يستطع أن يورد لنا نقلا صحيحا عن أحد هؤلاء فليكفه هذا العجز إبطالا وإدحاضا لمزعمه هذا.
وغير خاف على القارئ الذكي أن القرآن العظيم قد عني في كثير من السور والآيات بالبعث والحساب والجنة والنار والصراط، كما عني ببيان توحيد الألوهية وأن العبادة التي هي أقصى المحبة وأقصى الخضوع لا يستحقها غير الله مهما علت درجته وسمت رتبته من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقر بين فضلا عن الأصنام والأحجار والشمس والقمر والكواكب والبحر والنار وما إلى ذلك من المخلوقات االتي عبدت من دون الله ، وهاأنذا أورد بعض الآيات في النهي الصريح عن صرف العبادة لغير الله وضرب الأمثال القرآنية لتقريب الحقيقة للأذهان وبيان بطلان الشرك القبيح المفضي إلى الشقاء الأبدي بصاحبه:
قال الله تعالى في سورة المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ . وقال الله تعالى في سورة الأعراف ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١
стр. 72
هذه الآيات من أبلغ الرد على المشركين الذين يدعون من لا ينفعونهم ولا يضر ونهم وينسون ربهم رب العالمين الذي يرجع إليه الأمر كله، وهى أيضا من أبلغ الرد على هؤلاء الطائفين بالقبور السائلين الأموات، وقد نوع الرد فيها وبولغ فيه، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ صريح في أنهم كانوا يدعون أناسا مثلهم بشرا، أما إنهم أنبياء أو ملائكة أو صالحون فهذا من أبلع الرد على الذين يحتجون على جواز الاستغاثة بغير الله ودعاء الموتى، ويقولون إن المشركين السابقين كانوا يدعون أصناما أو أشجارا، أما نحن فندعو الأنبياء أو الأولياء الصالحين أو الملائكة المقربين وهؤلاء لهم مكانتهم عند الله.
فتأمل أيها القارئ هذه الآية الشريفة كيف قطعت عليهم شبههم وأبانت قلة عقلهم وسقيم رأيهم، فالآية تقول عباد أمثالكم ليسوا جمادا ولا أصناما ولا أحجارا ولا أشجارا ولا يخفى ما في الآية من التهكم والرد على القوم والزراية بهم وبعقولهم، فإن العاقل لا يمكن أن يدعو من هو مثله في القدرة وفي الحول والطول ليهبه ما يرجو ولينيله ما يعجز عنه هو، وإنما يدعو العاقل من هو أقدر منه ومن هو أعظم حولا وطولا وسلطة وسلطانا، وذلك لأن الداعي والمدعو لا يصح أن يستويا وأن يكونا مثلين لأنهما إذا كانا كذلك فليس دعاء أحدهما للثاني أولى من العكس.
وقوله: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ غاية في التحدي والتعجيز لدعاة غير الله من البشر وغير البشر، غاية الإنصاف في الجدل والخصام، وبيان هذا أن الله أولا قال لدعاة غيره: إنكم غالطون ضالون إن دعوتم سواي عبادا مثلكم من كل وجه، عاجزين من نفعكم كما عجزتم أنتم عن نفعهم، محتاجين إلى غيرهم كما احتجتم أنتم إلى غير كم، لأنكم أنتم وهم سواء، وانظروا إلى حقيقتكم وحقيقتهم تجدوا الأمر واضحا، فإن لم يقنعكم هذا البرهان الملموس المحسوس، وأصررتم على أنهم قادرون على إجابة دعائكم فدعوتموهم، فتعالوا إلى أمر أجزم وأقطع وأبين: تعالوا إلى
стр. 73
تجربة مشاهدة صادقة لا تخون، هذه التجربة هي أن تدعوا هؤلاء الذين زعمتم أنهم يسمعون دعاءكم ويجيبونكم، وأن تنظروا بعد هذا هل يستجيبون لكم أم لا يستجيبون، فإن كانت الأولى فقد صدقتم وهديتم، وإن كانت الأخرى فقد كذبتم وضللتم، وعليكم أن تتوبوا بعد، وأن ترجعوا إلى عقولكم وفطركم التي عز بتم عنها وعز بت عنكم منذ أحقاب وأزمان ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
وقوله ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ تعليل للنهي عن دعائهم وسؤالهم، وقطع الرجاء فيهم ومنهم، وذلك لأنهم قد فقدوا آلات العمل والحياة، فهم لا يستطيعون أن ينيلوا سائليهم شيئا لعجزهم وقصورهم فهم لا يستطيعون أن يمشوا ولا يعملوا بأيديهم ولا أن يبصروا ولا أن يسمعوا لأنهم أموات، والأموات أشباح لا أرواح فيها، فهي جماد من حيث الظاهر، ومن حيث الدنيا، والحياة التي فيهم ولهم هي حياة روحية غيبية أخروية راجعة إلى أرواحهم التي مستقرها عالم الآخرة عند الله، فلا صلات بينها وبين الدنيا وأهل الدنيا. أما أجسامهم وهي ما بقي عند أهل الدنيا منهم -فلا فرق بينها وبين الجماد الصامت من حيث العجز عن النفع والضر والعمل والحركة، فلا فرق بين من دعاها وبين من دعا الجمادات الصامتة، أما الأرواح فما أبعد منالها ومكانها عن داعي أشباحها، وما مثل من دعا هذه الجثث الميتة الموضوعة تحت التراب والرغام إلا كمثل من دعا ثوبا أو بيتا، لأن نبيا من الأنبياء، أو وليا من الأولياء كان قد لبسه أو سكنه يوما من الزمان. أ. هـ١.
وقد رتبت الآية وصف هؤلاء المدعوين بالعجز والضعف ترتيبا هو في غاية الدقة والنظام والبراعة، فقد سلبتهم أولا المشي والنقلة، وقد بقي لهم أن يعملوا بأيديهم فسلبتهم ثانيا ذلك فبقي لهم من آلات الحس أن يبصروا
стр. 74
بأعينهم فينفعوا دعاتهم بالنظرات بعد أن عجزوا عن نفعهم بعملهم بأرجلهم وبطشهم بأيديهم فسلبتهم ثالثا آلة النظر، فهم لا يستطيعون أن يمنحوا من دعاهم ورجاهم نظرة من نظرات العطف والحنو والحنان، فبقي لهم بعد سلب ذلك كله أن يسمعوا دعاءهم وهتافهم، ولعلهم إذا سمعوا هذا شفعوا لهم أو توجهوا بنفوسهم وإراداتهم إلى نفعهم ومجازاتهم على تعلقهم بهم وانقطاعهم إليهم، فسلبتهم رابعا آلة السماع، فأصبحوا لا يمشون ولا يعملون ولا يبصرون ولا يسمعون، فكيف ينفعون أو يضرون؟ وكيف يرجون ويؤملون؟ ... فانقطع منهم كل أمل ورجاء وهذا الترتيب في تعجيزهم وتسجيل ضعفهم في مكان من الدقة والبراعة لا يسع أجحد العقول وأكفرها وأعنفها كبرياء وجبروتا إلا التواضع إزاءها والتسليم بالإعجاز وبصحة الانتساب إلى الحق جلت قدرته وعظمته وإلا الإعطاء لها باليد، يد الصغار والتضاؤل والتخاذل.
تأمل أيها القارئ في هذه الآيات السالفة كيف قطعت جذور الشرك وألسنة عباد غير الله وشبهاتهم التي هي أوهن من بيوت العنكبوت.
فإن قال قائل منهم إن هذه الآيات نزلت في عباد الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام ولكن ندعو الأولياء والصالحين لما لهم من وجاهة وعظيم مكانة عند الله. فالجواب: قد تقدم مثل هذا السؤال والجواب، وأن كلمة غير الله تشمل كل معبود سواء كان ملكا أو نبيا أو رسولا أو وليا أو شجرا أو حجرا فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والأمر الثاني: إن الله وبخ عباد المسيح من الأنبياء المر سلين، قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ
стр. 75
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
انظروا كيف يتبرأ المسيح من عباده المسيحيين, ويقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ .
والله يعلم أن المسيح لم يأمر بعبادته، ولا يرضى بذلك ولكن يريد الله من هذه الآيات أن يبين للناس أن عبادة المسيح الذي هو من الأنبياء المرسلين لا تجوز، بل يكون شركا، فكيف بعبادة من الأولياء، ومن الأشجار ومن الغيران والكهوف.
ألم يسمع هؤلاء الضالون قول الله مخاطبا لسيد العالمين: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ . فإذا كان الضر النازل بالرسول لا يستطيع أن يدفعه، فكيف يستطيع الرسول أو من هو أقل منه أن يدفع ضرا نزل بغيره؟
ألم يسمع هؤلاء قول الله العظيم ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
ألم ينع على اليهود والنصارى باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
ومما يجدر التنبيه عليه أن الله الذي أنكر على اليهود والنصارى اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله لم يكونوا يعتقدون أن الأحبار والرهبان آلهة تخلق أو ترزق أو تنفع أو تضر، وإنما جاء التوبيخ لهم والانكار عليهم أنهم كانوا يطيعونهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله.
روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه، عن عدي بن حاتم، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم: قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه" فقلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم".