← Тараджим

Тараджим · id 7654

الشيخ محمد بن عبد الوهاب المجدد المفترى عليه

أحمد بن حجر آل بوطامي

Полный текст (249 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

البيهقي: وروي من وجه آخر عن قتادة, ومن وجه آخر عن أنس وليس بشيء, قلت القائل ابن حجر العسقلاني, أما الوجه الآخر عن قتادة فلم أره مرفوعا, وإنما ورد أنه كان يفتي به كما حكاه ابن عبد البر, بل جزم البزار وغيره بتفرد عبد الله بن محرر به عن قتادة، وأما الوجه الآخر عن أنس فأخرجه أبو الشيخ في الأضاحي وابن أيمن في مصنفه والخلال من طريق عبد الله بن المثنى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أبيه، وقال النووي في شرح المهذب هذا باطل أ. هـ كلام الحافظ في تلخيص الحبير. وعلى الفرض أن يكون حديث العقيقة صحيحا، فأي مناسبة لاستخراج المولد منه، فالنبي ﷺ الذي عق عن نفسه كما في هذه الرواية الضعيفة لم يشرع لأصحابه الاحتفال بمولده ولا فعلته الصحابة ولا التابعون، هل كان أولئك القوم غير محبين للرسول ﷺ أو كانوا بلداء وأغبياء ليس عندهم ذلك الفهم وتلك المقدرة على الاستنباط، كما قدر الحافظ السيوطي وأمثاله من الذين يستنبطون بزعمهم من الأحاديث الضعيفة – حاشا لله أن يتصفوا بمثل هذه الصفات. وأما تشبثهم أو تمسكهم بخبر عروة في شأن أبي لهب مع جاريته ثويبة، بأنها لما بشرت أبا لهب حينما ولد رسول الله ﷺ فأعتقها، ولهذا ورد أن الله تعالى يخفف عنه العذاب في كل يوم اثنين حتى أنشد بعضهم: إذا كان هذا كافرا جاء ذمه ... وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الاثنين دائما ... يخفف عنه للسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي طول عمره ... بأحمد مسرورا ومات موحدا والجواب من وجوه: أولا: أن هذا الحديث مرسل، أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به. ثانيا: أنه لو كان موصولا، فلا حجة فيه لأنه رؤيا منام.

стр. 177

ثالثا: الحديث أصله ثابت في صحيح البخاري في باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ساق الإمام البخاري بعد أن ذكر الآية حديثين ومفادهما أنه يحرم من الر ضاع ما يحرم من النسب والحديث الثالث رقم -٥١٠١- حدثنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته "أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي١ بنت أبي سفيان، فقال: أو تحبين ذلك؟ فقلت: نعم، لست لك٢ بمخليه، وأحب من شار كني في خير أختي: فقال النبي ﷺ : إن ذلك لا يحل لي. قلت فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم. فقال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي. إنها لابنة أخي من الرضاعة. أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن. قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ فلما مات أبو لهب أريه٣ بعض أهله بشر٤ حيبة، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم٥، غير أني سقيت في هذه بعتاقي ثويبة".

стр. 178

ومما أوردته من صحيح البخاري وشرح بعض كلماته أن أصل الحديث صحيح وثابت عن عروة بن الزبير ولكن ما جاء في آخره قال عروة: فلما ما ت أبو لهب أريه بعض أهل بشر حيبة الخ. ذكر في الشرح أن هذه رؤيا منامية والرائي لأبي لهب هو أخوه العباس بن عبد المطلب فرآه في سوء حال، وأخبره أبو لهب أنه يخفف عنه من العذاب في كل يوم اثنين لأنه أعتق ثويبة عندما بشرته بمولده ﷺ ، والقارئ على علم أن هذه رؤيا منام ورؤيا المنام لا يحتج بها في الأحكام حتى لو رؤى النبي ﷺ ونقل الرائي عنه ما يخالف الكتاب والسنة لا يقبل، ومن أجل هذا قلنا في أول المقال إنها رؤيا منام، وإلا فأصل الحديث مروي في بيان الرضاع وحكمه والله أعلم بالصواب. رابعا: أن في مرسل عروة هذا من أن إعتاق أبي لهب لثويبة، كان قبل إرضاعها النبي ﷺ يخالف ما عند أهل السير، من أن إعتاق أبي لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" وأوضحه في الجزء الرابع من "الإصابة في تمييز الصحابة" ص ٢٥٠ بقوله: قال ابن سعد: أخبرنا الواقدي عن غير واحد من أهل العلم قالوا: كانت ثويبة مرضعة رسول الله ﷺ يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها وهي على ملك أبي لهب وسألته أن يبيعها لها فامتنع، فلما هاجر ﷺ أعتقها أبو لهب, وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بصلة وبكسوة حتى جاء الخير أنها ماتت سنة سبع مرجعه من خيبر ومات ابنها مسروح قبلها أ- هـ كلام الحافظ ابن حجر في الإصابة. خامسا: أن مرسل عروة الذي خرج عليه ابن ناصر الدين الدمشقي وابن الجزري عمل المولد النبوي مخالف لظاهر القرآن كما أوضحه الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري حيث قال في كلامه على ذلك المرسل: "وفيه دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة" لكنه مخالف لظاهر

стр. 179

القرآن، قال الله تعالى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ . ونقل عن حاشية ابن المنير أن ما في ذلك المرسل من اعتبار طاعة الكافر مع كفره محال لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وذلك مفقود من الكافر، فإعتاق أبي لهب لثويبة مادام الأمر كذلك لم يكن قربة معتبرة، فإن قيل أن قصة إعتاق أبي لهب ثويبة مخصوصة من ذلك، كقصة أبي طالب، قلنا: إن تخفيف العذاب عن أبي طالب ثبت بنص صحيح عن النبي ﷺ ، وأما ما وقع لأبي لهب في ذلك المرسل فمستنده مجرد كلام لأبي لهب في المنام، فشتان ما بين الأمرين، بهذا كله اتضح بطلان الاستدلال بذلك المرسل على عمل المولد النبوي. أهـ ص ٨٧. وأما استدلالهم بقول الله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي قائلين: إن الفرح بالنبي ﷺ مطلوب بأمر القرآن الكريم من قوله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ....﴾ الآية، فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة والنبي ﷺ أعظم الرحمة، قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . والجواب: أن استدلالهم بهذه الآية من قبيل حمل كلام الله على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه والعمل به هو أمر لا يليق لما بينه الإمام الشاطبي في كتاب الأدلة الشرعية من الموافقات في أصول الشريعة ج ٣ ص٧١: وهو أن الوجه الذي لم يثبت عن السلف الصالح العمل بالنص عليه لا يقبل ممن بعدهم دعوى النص الشرعي عليه. قال: إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين، ثم يفهمه من بعدهم، فعمل الأولين كيف كان مصادما لمقتضى هذا المفهوم ومعارضا له ولو كان ترك العمل به. قال: فما عمل المتأخرين من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين، وكل من

стр. 180

خالف الإجماع فهو مخطئ، وأمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر وهو الهدى وليس ثم إلا صواب أو خطأ، وكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ وهذا كاف. والحديث الضعيف الذي لا يعمل العلماء بمثله جار هذا المجرى. ومن هنا لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي ﷺ نص على أن عليا الخليفة بعده، لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على بطلانه وعدم اعتباره، لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ، وكثيرا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة، يحملونهما مذاهبهم، ويعبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء. ثم ذكر أمثلة كثيرة كاستدلالات الباطنية على سوء مذاهبهم، واستدلال التناسخية على صحة ما زعموا بقوله تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أ. هـ.١ والتفسير الصحيح للآية على أن فضل الله ورحمته هو الإسلام والسنة، وعلى حسب حياة القلب يكون فرحه بهما، وكلما كان أرسخ فيهما كان قلبه أشد فرحا، حتى أن القلب إذا باشر روح السنة ليرقص فرحا، فإن السنة حصن الله الحصين الذي من دخله كان من الآمنين وبابه الأعظم الذي من دخله كان إليه من الواصلين، تقوم بأهلها وإن قعدت بهم أعمالهم، ويسعى نورها بين أيديهم، إذا أطفئت لأهل البدع والنفاق أنوارهم. وإذ قدمت تلك الأجوبة السديدة عن شبهات القائلين باستحباب قراءة المولد النبوي والاحتفال به، تلك الأجوبة المؤيدة بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة التي إذا قرأها المنصف تبين له بطلان ما زعمه أولئك المنتقدون على الشيخ محمد وأتباعه وسائر السلفيين، وانجلى له الحق كفلق الصبح فيستحسن الآن تأكيدا وتوضيحا لما أسلفت ذكره أن أبين نماذج من كتاب البرزنجي المؤلف في المولد النبوي من نثر ونظم، وما فيه من الأقاويل الواهية والمبالغات السخيفة التي تسيء إلى الرسول ﷺ أولا، وإلى دين الإسلام

стр. 181

ثانيا، وتشجع الخرافيين في الغلو في حضرة الرسول ﷺ وأن يوصف بغير وصفه الحقيقي، وأن ينسب إليه ما يخالف النقل الصحيح والعقل السليم والله ولي الهداية والتوفيق: وإلى القارئ بيان تلك النماذج: في أوائل هذا الكتاب ما يلى: "١" يا نبي سلام عليك يا رسول سلام عليك. "٢" يا حبيب سلام عليك صلوات الله عليك. فيا أيها القارئ الكريم قف وتأمل ما قال، هل يخاطب الرسول ﷺ بمثل هذه الصيغ الهزيلة التي تدل على الاستهزاء لا على التعظيم، ولولا ثقتنا بحب المؤلف للرسول ﷺ لقلنا إنه قد تعمد الإساءة بتلك الألفاظ للرسول ﷺ ولكن نقول إنه لم يحسن خطابه ﷺ . وقد أخبرني ممن أثق به من طلبة العلم، أنه كان طالب علم سلفي بمدينة من مدن الخليج العربي فأنكر على المحتفلين بقصة المولد في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول حسبما جرت عليه عادة الاحتفال في الخليج إلا بلدان الحنابلة، ولكن دون احتفال أهل مصر، يقرأ فيها كتاب البرزنجي وبعض القصائد النبوية، وأحيانا تدق فيها الدفوف، وأحيانا تقرأ فيها قصيدة البردة ونحو ذلك، فأنكر الشيخ السلفي عليهم، فذهب بعضهم وشكاه إلى حاكم تلك المدينة بأن فلانا ينكر علينا الاحتفال بالمولد النبوي، وهو شخص لا يحب الرسول لأنه وهابي، فأرسل الحاكم في طلبه ليسمع حجته، فعندما حضر عند الباب قال: يا شيخ سلام عليك، يا حاكمنا سلام عليك، صباح الخير عليك، فقال الحاكم: مالك يا رجل أجننت، ما هذا الكلام، فقال: هذه تحيتي إليك. فقال الحاكم: ليست هذه تحية، قال: إذا ما هذه، قال الحاكم: هذه تشبه الاستهزاء وأنت رجل عاقل، كيف تفعل ذلك، وجعلت الناس يضحكون عليك.

стр. 182

فأجاب: يا شيخ لم ترض بهذه التحية, ورضيت أنت أن يحيى ويخاطب رسول الله ﷺ بقولهم يا نبي سلام عليك يا رسول سلام عليك, وأنا ما أنكرت إلا هذا, وهذا الاحتفال وقراءة هذه القصة كما يفعله الناس اليوم بدعة. ويقال إن الشيخ الحاكم قال: الحق معك وليس عليك اعتراض. وجاء في كتاب مولود شرف الأنام: ولد الحبيب وخده متورد ... والنور من وجناته يتوقد فهل يوصف المصطفى ﷺ بهذا الوصف, ويتغزل فيه كأنه يتغزل بمعشوقته, وفيه: أن أول شهر من شهور حملها أتاها في المنام آدم وأعلمها أنها حملت بأجمل العالم, وفي الشهر الثاني أتاها في المنام إدريس وأخبرها بفخر محمد وقدره النفيس, وهكذا أخذ يذكر كل شهر نبيا حتى الشهر التاسع أتاها في المنام عيسى المسيح وقال لها: إنك قد خصصت بمظهر الدين الصحيح واللسان الفصيح, وكل واحد منهم يقول لها في منامها: يا آمنة إذا وضعت الشمس الفلاح والهدي فسميه محمدا. وجاء فيه: أنها عندما ولدت الرسول ﷺ خرجت منها أنوار أضاءت لها قصور الشام, وغاضت بحيرة ساوه, وخمدت نار فارس, وسقطت شرفات قصر كسرى, ونكست الأصنام, وولد مختونا مكحولا مقطوع السرة إلى غير ذلك مما فيه من الأقاويل الضعيفة والموضوعة. وهذا الكتاب منتشر في كثير من القرى والبلدان وهو كتاب مقدس لديهم, ويقرأه العالم والجاهل, ويحضر في قراءته في ليلة المولد كثير من العلماء حسب احتفال المولد وحجمه, ولم يقل أحد منهم أن هذا هو الصحيح وهذا هو الضعيف. وكذلك ما نسب إلى ابن الجوزي ﵀ كتاب "مولد العروس" وفيه من الطامات والأكاذيب الشيء الكثير, كما ذكر ذلك محمود مهدي الاستانبولي, وهاك بعض ما جاء في رسالته:

стр. 183

١- ولما ولد رسول الله ﷺ أتاني جبريل بالبشارة, واهتز العرش طربا, وخرجت الحور العين من القصور, ونثرن العطر نثرا, وقيل لرضوان: زين الفردوس الأعلى ... وابعث إلى منزل آمنة أطيار جنات عدن ترمي من مناقيرها درا, فلما وضعت محمدا ﷺ رأت نورا أضاءت منه قصور بصرى...... فيا له من كذب وافتراء. نعم قد رأت نورا أضاءت منه قصور الشام ولكن ذلك في المنام. ٢- ونار فارس من نوره أخمدت, والأسرة بملوكها تزلزلت, والتيجان من رؤوس أربابها تساقطت, وبحيرة طبرية عند ظهوره وقفت, وكم من عين نبعت فارت, وانشق إيوان كسرى وشرفاته تساقطت ... إلى آخر ذلك من الإرهاصات الكاذبة التي لا يصح منها شيء مطلقا. ٣- وحديث انتقال نوره ﵊ من نبي إلى نبي لم يصح فهو ضعيف. ٤- وقالت آمنة: إنه ﷺ ولد مكحولا مدهونا مطيبا, وإن جبريل حمله فطاف به برا وبحرا وكل ذلك لا أصل له, أما أنه ﵊ ولد مختونا فضعيف. ٥- سمعت آمنة صوتا في العلا يناديها يا آمنة لك البشرى, فهذا أحد الحسنيين وأبو الزهراء, وكان يسبح في بطنها سرا وجهرا, ... فيا له من كذب وافتراء تشمئز منه النفوس. ٦- سبحان من خلق هذا النبي.... جعل من فرح بمولده حجابا من النار وسترا, ومن أنفق في مولده درهما, كان المصطفى ﷺ له شافعا ومشفعا. أقول هنيئا للأشقياء والمجرمين على ذمة مؤلف هذا المولد الكاذب, فليس عليهم إلا أن يقيموا لأحمد ﷺ مولدا فيكون لهم شافعا ومشفعا. ٧- تزلزل الجبل تحت قدميه صحيح, ولكن مخاطبة الضب له لا أصل لها.

стр. 184

٨- العنكبوت نسج عليه والحمام عشش عليه, حديث لم يصح. ٩- لما أراد الله خلق المخلوقات, قبض قبضة من نوره , وقال لها: كوني محمدا فصارت تلك القبضة عمودا ... الخ هذا الكلام والهراء المكذوب, ومثله كل حديث ذكر أن محمدا خلق من نور الله. ١٠- وقال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من قبل الله تعالى: ألا من كان اسمه محمدا فليقم يدخل الجنة إكراما لمحمد ﷺ , كلام مكذوب موضوع. ١١- وفي الحديث الصحيح هكذا كذب المؤلف على الرسول ﷺ كذبا مضاعفا وكذلك قوله: إن البيت الذي فيه اسم محمد وأحمد, فإن الملائكة تزوره في كل يوم وليلة سبعين مرة. ألا لعنة الله على الكاذبين, الذين يسيئون إلى الدين اعتمادا على هذه الأقوال التي لا أصل لها. ١٢- ثم إن الله قسم نور محمد ﷺ عشرة أقسام, فخلق من القسم الأول العرش ... الخ هذا الخلط والكذب. ١٣- ولما خلق الله القلم قال له أكتب ... محمدا رسول الله, قال القلم, وما محمد الذي قرنت اسمه مع اسمك, فقال الله تأدب يا قلم, وعزتي وجلالي لولا محمد ما خلقت أحدا من خلقي, وهذا أيضا لا أصل له. ١٤- قال آدم يا رب إني أسمع في جبهتي نشيشا كنشيش الدر, فقال الله تعالى ذلك تسبيح ولدك محمد وهذا افتراء أيضا. ١٥- ولما تزوج عبد الله آمنة, مات من نساء مكة مائة امرأة أسفا وشوقا إلى نور محمد ﷺ وهذا غير صحيح. ١٦- وقول المؤلف الكذاب: إن الملائكة والحيوانات والوحوش والجن والإنس ضجت لموت ولد محمد ﷺ لا أصل له.

стр. 185

١٧- مجيء الأنبياء وتبشيرهم لأمه بالرسول ﷺ افتراء. ١٨- وقول آمنة عند الولادة بانشقاق الحائط وخروج حواء وآسيا ومريم ابنة عمران ثم الحور العين وظهور الأعلام لا صحة له. ١٩- قالت أمه سمعت قائلا يقول: أعطوا محمدا ﷺ صفوة آدم وشجاعة نوح.. الخ كذلك لا صحة له. ٢٠- قالت آمنة: أخمدت ليلة مولده ﵊ نار فارس, وانشق إيوان كسرى. هذا حديث ضعيف. ٢١- كشف عنه جده عبد المطلب, فإذا هو يمص أصابعه, فتشخب لبنا, وهو غير صحيح. ٢٢- قالت حليمة: قال محمد: أرسليني مع إخوتي لأرعى الغنم, فعمدت إلى خرزة جذع علقتها عليه من العين, وهذا لا أصل له. ٢٣- وقول الرعاة إن مشى محمد على يابس اخضر, ولا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه, كله غير صحيح إلا بعد النبوة, فقد سلم عليه حجر في مكة. وهذه نماذج من مولود الديبعي: أتى في أول الكتاب بقصيدة افتتحها بقوله: يا نبي سلام عليكم ... يا رسول سلام عليكم ثم مشى فيها وبالغ إلى أن قال: من رأى وجهك يسعد ... يا أكرم الوالدين حوضك الصافي المبرد ... وردنا يوم النشور أنت غفار الخطايا ... والذنوب الموبقات أنت ستار المساوي ... ومقيل العثرات

стр. 186

يا ولي الحسنات ... ي رفيع الدرجات كفر عني الذنوب ... واغفر عني السيئات عالم السر وأخفى ... مستجيب الدعوات والواضح من هذا الكلام أنه يخاطب الرسول ﷺ , لأن أول هذه الأبيات, من رأى وجهك يسعد ... الخ, فالخطاب للرسول ﷺ واضح, فهل الرسول ﷺ يغفر الخطايا وهل الرسول ﷺ عالم السر وأخفى؟ وهل الرسول ﷺ يستجيب الدعوات؟ إن هذا الأمور مختصة بالله. والظاهر أن المؤلف هذا جاهل جهلا مركبا, إذ إن هذه ميزة المسيحين, فهم الذين يلجأون إلى أحبارهم ورهبانهم لمحو ذنوبهم, ويعطونهم صكوك العفو والغفران, فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم ذهب المؤلف يكتب نثرا, ويمدح الرسول ﷺ مبالغا في مدحه, مدح تنكره العقول وتمجه الطباع القويمة, ثم ذكر قائلا: أول ما نستفتح بإيراد حديثين وردا عن نبي كان قدره عظيما, ونسبه كريما, وصراطه مستقيما, قال في حقه من لم يزل سميعا عليما,..... الخ الكلام إلى أن قال: الحديث الأول عن بحر العلم الدافق ولسان القرآن الناطق, أوحد علماء الناس, سيدنا عبد الله بن سيدنا العباس, عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن قريشا كانت نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألفي عام, يسبح الله تعالى ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه, فلما خلق الله آدم أودع ذلك النور في طينته, قال ﷺ فأهبطني الله إلى الأرض في ظهر آدم ﵇, وجعلني في السفينة في صلب نوح ﵇, وجعلني في الخليل إبراهيم ﵇ حين قذب به في النار, ولم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية الفاخرة, حتى أخرجني الله من بين أبوي وهما لم يلتقيا على سفاح قط. اللهم صل وبارك عليه.

стр. 187

الحديث الثاني عن عطاء بن يسار عن كعب الأحبار, قال علمني أبي التوراة إلا سفرا واحدا كان يختمه ويدخله الصندوق, فلما مات أبي فتحته فإذا فيه نبي يخرج آخر الزمان, مولده بمكة, وهجرته بالمدينة, وسلطانه بالشام, يقص شعره, ويتزر على وسطه, يكون خير الأنبياء وأمته خير الأمم, يكبرون الله تعالى على كل شرف, يصفون في الصلاة كصفوفهم في القتال, قلوبهم مصاحفهم, يحمدون الله تعالى على كل شدة ورخاء, ثلث يدخلون الجنة بغير حساب, وثلث يأتون بذنوبهم وخطاياهم فيغفر لهم, وثلث يأتون بذنوب وخطايا عظام, فيقول الله تعالى للملائكة: اذهبوا فزنوهم فيقولون يا ربنا وجدناهم أسرفوا على أنفسهم, ووجدنا أعمالهم من الذنوب كأمثال الجبال, غير أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ , أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ . اللهم صل وسلم وبارك عليه. فالحديث الأول لا أصل له, والأثر الثاني عن عطاء بن يسار لا يصح, ولو سلمنا بصحته عن كعب الأحبار, فقول كعب ليس بحجة ولا يستند إليه, لأن عنده من الإسرائيليات الشيء الكثير, وقد نقلها المفسرون في بعض التفاسير. ومن لا يصدق ما أوردناه, فليقرأ الكتاب المذكور, ليرى العجب العجاب من تلك المبالغات التي هي في الحقيقة كالسراب. ثم استطرد في نثره وقال: قيل من يكفل هذه الدرة اليتيمة التي لا يوجد لها قيمة, قالت الطيور نحن نكفله ونغتنم همته العظيمة, قالت الوحوش: نحن أولى بذلك لكي ننال شرفه وتعظيمه, قيل يا معشر الأمم اسكتوا فإن الله قد حكم في سابق حكمته القديمة, بأن محمدا ﷺ رضيعا لحليمة الحليمة. اللهم صل وسلم وبارك عليه.

стр. 188

فلما أعرض عنه مراضع الإنس لما سبق في طي الغيب, من السعادة لحليمة بنت أبي ذويب, ووقع نظرها عليه, بادرت مسرعة إليه, ووضعته في حجرها, وضمته إلى صدرها, فهش لها مبتسما, فخرج من ثغره نور الحق بالسماء, فحملته إلى رحلها, وارتحلت به إلى أهلها, فلما وصلت به إلى مقامها, عاينت بركته على أغنامها, وكانت كل يوم ترى منه برهانا, وترفع له قدرا وشأنا, حتى اندرج في حلة اللطف والأمان ودخل بين إخوته مع الصبيان. ولم يكتف هؤلاء الغلاة في الرسول ﷺ , وإنزاله تلك المنزلة التي لا تصلح إلا لله تعالى, حتى نسجوا قصيدة على لسان الشيخ عبد القادر الجيلاني قالوا فيها: كل قطب يطوف بالبيت سبعا ... وأنا البيت طائف بخيامي كل قطب وكل فرد وشيخ ... تحت حكمي يصغو لطيب كلامي يا فقيري إن كنت معناك معنا ... باتصالي ورفعتي ومقامي إن علم العلوم والدرس شغلي ... أنا شيخ القراء وكل إمام إن سر الأسرار من سريري ... كعبتي راحتي وبسطي مدامي وفقيري إذا دعاني بشرق ... أو بغرب ونازح بحر طامي قالت الأولياء جميع بعزم ... أنت قطب على جميع الأنام قلت كفوا واسمعوا نظم قولي ... إنما القطب خادمي وغلامي أنا في سجدتي أرى العرش حقا ... وجميع الأملاك فيه قيامي سائر الدنيا كلها تحت حكمي ... وهي في قبضتي كفرخ الحمام أنا عبد لقادر طاب اسمي ... جدي المصطفى شفيع الأنام صلواتي عليه طول الدوام ... بالعشايا وبالبكر والظلام

стр. 189

وجاء في إحدى القصائد التي أوردها المؤلف على لسان الشيخ أبي بكر بن سالم على زعمه: صفت لي حميا خلى ... وأسقيت من صافيها ثم بعد أبيات قال: أنا حتف لأهل العذل ... ونار الجحيم أطفيها أنا المجتبى بين أهلي ... وشفعت في عاصيها ثم بعد أبيات قال: وعين الحقيقة عيني ... وأشرب من ساقيها وفخر الوجود فخري ... أبي بكر لي يحميها ثم قال: إذا أفلت شموس الكل ... أنا شمسها ضاحيها أنا عرشها والكرسي ... وأنا للسما بانيها لا يخفى على القارئ أن هذه دعوى ربوبية وألوهية في قوله "وأنا للسما بانيها" وما بعد هذا الكفر كفر. .... الخ هذا الهذيان. وإذا أوردت للقارئ نماذج من بعض المؤلفات في المولد النبوي الشريف, تلك النماذج التي تري القارئ مبلغ عقول أولئك المؤلفين وعلمهم, وإن أقوالهم كانت في غاية المبالغة في بعضها ونهاية السخف والسماجة في البعض الآخر, وأنها لا تليق تلك الألفاظ الهزيلة بمقام سيد الأولين والآخرين, فإن الواجب على كل من يكتب في سيرة الرسول ﷺ أو في علم من العلوم أن يتأكد من صحة ما يكتب, وأن يترك المبالغات التي تسيء إلى المقول فيه أكثر مما تحسن إليه, لأن تلك الأقاويل التي قالوها وسطروها ستنشر وتقرأ في المحافل والمساجد, ويتأثر بها القارئ والسامع,

стр. 190

وبالفعل وقع ما أقول, فقد أخذت هذه المؤلفات تقدس وتقرأ في محافل المولد الشريف, ويقرها العالم الحاضر في تلك المجالس, ويتأثر بها القارئون والسامعون, ويظنون أنها صحيحة مسلمة لا شيء فيها, ولا ريب أن أكثرها يخالف القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة, وإنها تناقض العقيدة السليمة المبنية على الكتاب والسنة. مثال ذلك: ١- إنه ورد في الحديث الصحيح: أول ما خلق الله القلم, قال: اكتب, قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. وهؤلاء يقولون إن أول ما خلق الله نور محمد, وهذا كذب لا يخفى. ٢- يقولون قال القلم: ومن محمد الذي قرنته باسمك؟ في صيغة اعتراض على رب العالمين. وأي عاقل يصدق أن الله تعالى يحيي مريم أم عيسى وآسيا بنت مزاحم ويأمر الحور العين بحضور ولادة محمد ﷺ , وأن جبريل طاف به مشارق الأرض ومغاربها.... الخ ما جاء من تلك الهذيان البارد. فإن اعتذروا بأنهم من المحبين للرسول ﷺ , وإن المحب عن العذال في صمم, والرسول ﷺ بمقامه العظيم أهل لكل وصف جميل. فالجواب: إن حب رسول الله ﷺ واجب على كل المسلمين, لكن في الحدود التي ورد بها الشرع, وأن لا يناقض القرآن والسنة, ولا يناقض العقيدة, والرسول ﷺ نهى عن إطرائه أي المبالغة في وصفه, كإعطائه مرتبة لم يعطها ربنا ﵎ كما زعمت النصارى في عيسى ابن مريم, فقال ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم, أي لا تنزلوني فوق منزلتي, إنما أنا عبد, فقولوا: عبد الله ورسوله". بعد هذه المقدمة في بيان ما سلف, أشرع الآن في ذكر بعض ما ورد في

стр. 191

بعض القصائد التي قيلت من قصائد الحضارمة المذكورة في مولود البديع, وهذه بعض قصيدة من قصائد علي بن حسن بن عبد الله العطاس, جاء فيها: يا رسول الله يا عمدتنا ... يا إمام الأنبياء الأمنا أنت أصل الأصل تسبق آدما ... وأبو الأرواح بل أس الينا تأمل هذه المبالغة التي يقول فيها: إن محمدا خلقه الله قبل آدم, وإنه أساس الخلائق, وهذا من الكذب الذي لا يخفى إلا على من فقد عقله. إلى أن قال: يا رسول الله ضاقت حيلتي ... من كروبي وجسيمي وهنا يا رسول الله عم الخطب من ... كل وجه ظاهر أو بطنا فتداركني ونفث كربي ... وافتقد حالي افتقادا حسنا ثم في قصيدة أخرى لعبد الله بن حسين بن طه العلوي, أخذ يمدح الرسول ﷺ ويحث على اللياذ والاستغاثة به: ما أرسل الرحمن أو يرسل ... من رحمة تصعد أو تنزل في ملكوت الله أو ملكه ... من كلما يختص أو يشمل واسطة فيها واصل لها ... يعلم هذا كل من يعقل فلذ به في كل ما ترتجي ... فهو شفيع دائما يقبل وعذ به من كلما تشتكي ... فإنه المأمن والمعقل وحط أحمال الرجا عنده ... فإنه المرجع والموئل وناده إن أزمة أنشبت ... أظفارها استحكم المعضل

стр. 192

يا أكرم الخلق على ربه ... وخير من فيهم به يسأل قد مسني الكرب وكم مرة ... فرجت كربا بعضه يذهل ولن ترى أعجز مني فما ... لشدة أقوى ولا أحمل فبالذي خصك بين الورى ... برتبة عنها العلا ينزل عجل بإذهاب الذي أشتكي ... فإن توقفت فمن أسأل فحيلتي ضاقت وصبري انقضى ... فلست أدري ما الذي أفعل فأنت باب الله أي امرئ ... أتاه من غيرك لا يدخل صلى عليك الله ما صافحت ... زهر الروابي نسمة شمئل تأمل هذه المبالغات والاستغاثات السخيفة التي لا تليق بالعبد إلا أن يستغيث بالله ويدعوه ويناديه في الشدائد, فهذا الشاعر نسى الله تعالى وأخذ يلوذ بالرسول ﷺ , ويحث على اللياذ به بقوله: فلذ به في ما ترتجي ... الخ, ثم العياذ به في قوله: وعذ بهمن كلما تشتكي ... الخ, وندائه من دون الله بقوله: وناده إن أزمة أنشبت.. الخ. وكل هذه الألفاظ استغاثات شركية, فلم يكتف باستغاثته الشركية, حتى أمر غيره, فيا سبحان الله؟ ينسى رب العالمين الذي خلقه من ماء مهين, وأغدق عليه النعم, وينادي الرسول ﷺ , وهو الذي قال الله تعالى له في كتابه العزيز ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ ١ وقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢

стр. 193

والأبيات الآتية من قصيدة أخرى في مدح أهل البيت: دليل حبي إليكم واضح وجلي ... وكم بكم آل طه ينجلي وجلي ولي شواهد صدق في محبتكم ... روحي بها اعترفت في سابق الأزل ونسبتي لكم بالرق قد شرفت ... وعن هواكم فؤادي قط لم يحل ولم أزل راويا عنكم حديث علا ... إسناده جيد بين الأنام عل أنتم غياثي وغوثي عمدتي ثقتي ... أنتم ملاذي وحصني عدتي أملي أنتم رجائي وكنزي بغيتي سندي ... أنتم نجائي في الدارين من زلل أنتم إمامي وأنتم قبلتي أبدا ... أنتم رشادي إلى مستقوم السبل أنت عياذي وذخري في الخطوب ولم ... أزل إليكم حسيبا فاجبروا خللي وهذه الألفاظ واضحة في الشركيات والاستغاثات المنهية عنها, ولا حاجة للتوضيح أو الشرح أو البيان. ومما عمت به البلوى احتفالهم بميلاد الأولياء والصالحين وذبح الذبائح باسمهم وغيرها من الأمور الشركية, وقد ورد لنا من بعض فضلاء الهند عدة أسئلة وسطرنا أجوبتها في كتابنا المسمى "الأجوبة الجلية عن الأسئلة الهندية" ومنها هذا السؤال الذي وجدت علي لزاما ذكره لتعم به الفائدة في هذا الباب. السؤال: في ليلة ميلاد عبد القادر الجيلاني يحتفل أكثر المسلمين في البيوت ويذبحون الذبائح باسم الشيخ عبد القادر, وهذا يحصل كل سنة, كذلك يذبحون باسم خواجة غريب نواز وخواجة بنده نواز وميران دتا وغيرهم, ويوزع كل سنة في شهر رجب حلاوة باسم جعفر الصادق وهذا جار في شهر رجب كله؟

стр. 194

الجواب: ومن الله أستمد الصواب. لا يختلف اثنان من أهل العلم والدين بل ذوي العقول والحجى, أن الاحتفال بمولد الشيخ عبد القادر ﵀ وخواجة غريب نواز وخواجة بنده نواز ونحوهم ممن عرفوا عند العوام باسم الأولياء وباسم الصلاح, كمولد البدوي والرفاعي في مصر والعيدروسي في عدن والزيلعي في اليمن. ولا يستريب عاقل أنها من البدع والضلالات ولم يقل أحد من أهل العلم المحققين أن هذه البدع مستحسنة بل فيها من المحظور لما ذكرنا سالفا من اختلاط النساء بالرجال ودق الطبول ونشر الأعلام وما يحصل من الفواحش والمنكرات ما يمجه كل ذي طبع سليم. بل هذه الاحتفالات التي تقام باسم دين الإسلام, والإسلام يتبرأ منها وهي وصمة عار في جبين المسلمين الذين يقيمون هذه الاحتفالات والذين يقرونها ولا ينكرونها, بل الواجب على العلماء أن ينكروا على هؤلاء ويبينوا لهم أن تلك الأعمال التي يمارسونها منافية لدين الإسلام, بل ولا يقرها ذوو العقول والأفهام. وإن لم يتوبوا فقد دخلوا تحت لعنة الله تعالى في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وأزيد القارئ بيانا وإيضاحا كي لا يستنكر ما قلته فأقول: إن العلماء المحققين حكموا بأن الاحتفال بليلة المولد النبوي الشريف, وأعني ليلة الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام من البدع التي حذر عنها العلماء الراسخون, وأول من أحدث بدعة الموالد والمآتم هم الفاطميون في مصر, وبدعة المولد النبوي الشريف الملك المظفر صاحب إربل من ناحية الموصل في أوائل القرن السابع الهجري. وعليه فقد مضت قرون عديدة من أيام الرسول إلى أيام الملك المظفر والفاطميين, ولم يحتف المسلمون بليلة المولد الشريف, فلا شك أنه بدعة

стр. 195

تخالف قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وللأحاديث المحذرة عن البدع والضلالات كما سبق بعضها في جواب السؤال الرابع, ولا نشك أن الملك المظفر ﵀ الذي ابتدع ذلك الاحتفال, ما فعل ذلك إلا بدافع المحبة للرسول ﷺ والفرح بليلة مولده وإظهار تعظيمه, حتى إنه كما قال المؤرخون, كان في شهر صفر في كل عام يهيئ ما يلزم ويستعد لتلك الحفلة, بتهيئة المكان ونصب السرادق وتعليق القناديل, ويأتي إليه الوافدون من شتى البلدان, حتى قيل إنه كان يذبح خمسة آلاف رأس من الغنم وعشرة آلاف من الدجاج, ويأتي بثلاثين ألف صحن من الحلوى, وكان يكرم الصوفية والأعيان ويخلع عليهم الملابس الفاخرة ويبصدق كثيرا على الفقراء. ولا يستريب عاقل أن الإحسان إلى الفقراء, والتصدق عليهم بالمال وإطعامهم الطعام وإكرام أهل العلم من القربات والطاعات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه, لكن لا تخص هذه الأمور بليلة المولد, بل ينبغي للمسلم أن ينفق في سبيل الله ما استطاع بشتى النواحي, من إعانة الفقراء, والبذل للمجاهدين في سبيل الله, إلى بناء المساجد والمدارس, وإيواء الأيتام, وصلة الأرحام, ونحو ذلك مما جاء به القرآن والحديث, يحثان العباد على هذه الأعمال الصالحة, كمثل قوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . والملك المظفر ﵀, بتلك الأعمال البارة لم يعدم من العلماء من حسن له هذه البدعة, وزعم أنها من البدع المستحسنة, وليس كما قال, بل ليس في البدع حسن, كما في الحديث: كل بدعة ضلالة. وللتوضيح أكثر نقول هذا الملك ﵀ ابتدع الاحتفال

стр. 196

بليلة المولد الشريف, فإذا جاء إنسان وقال: إذا ابتدع الملك المظفر الاحتفال بليلة مولده ﵊, فأنا أبتدع الاحتفال بليلة البعثة أو يوم البعثة, اليوم الذي جاء فيه جبريل ﵊ في غار حراء حين كان يتعبد الليالي, جاءه جبريل ﵇ بالنبوة وقال له: اقرأ, فقال له الرسول: لست بقارئ, فغطه, أي ضمه إلى صدره, فعل ذلك ثلاث مرات ثم أطلقه, فقال ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فقرأ ﷺ . ومن هذه الآية الشريفة ابتدأت نبوة محمد ﵊, وبنبوته ورسالته أزهق الله الباطل, وطهرت الجزيرة العربية من الشرك والكفر, كما طهر كثيرا من الأمم التي دخلت في دين الإسلام من الوثنية والإلحاد وتركوا عبادة الأصنام, والأحجار, والنيران, والكواكب والملائكة والأنبياء ووحدوا الله وتشرفوا بدين الإسلام, وعمت الرحمة على العالمين, وأزال الله ظلم الأكاسرة والقياصرة والأقباط, وانتشر العدل وأزال الله العنصرية المفرقة بين الشعوب والأمم, بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . فليلة البعثة أو يوم البعثة أحق بالاحتفال, وإذا قال آخر أنا أحتفل بيوم الهجرة, لأن بالهجرة فرق الله بين الحق والباطل, واعتز المسلمون وصارت لهم دولة, فيستحق الاحتفال وإظهار التعظيم لرسول الله ﷺ , وإذا قال آخر أنا أحتفل بيوم بدر, لأنه يوم الفرقان يوم التقى الجمعان في يوم نصر الله المسلمين على المشركين, وإذا قال آخر أنا أحتفل بيوم فتح مكة, يوم دخل الناس في دين الله أفواجا, ونكست الأصنام واعتز دين الله ودخل الناس في دين الله أفواجا, وإذا قال آخر أنا أحتفل بيوم وفاته, يوم انتقل إلى الرفيق الأعلى فماذا يكون جوابنا وجواب من يحسن بدعة الموالد؟ فإن أجاز لهم فقد غدا الدين احتفالات وأعيادا, وإن منع فليس عنده حجة يستطيع أن يمنع هؤلاء. فلذا كان أهل البدع والضلالات يحتفلون بموالد أئمتهم ويوم

стр. 197

وفاتهم ويوم زواجهم ويوم حروبهم, وهكذا جعلوا أوقاتهم أعيادا ومآتم. ومما لا يختلف فيه اثنان أن هذه الأمور كلها بدع ما أنزل الله بها من سلطان, وينبغي للمسلم أن لا يلتفت إلى هذه البدع ولا يمارسها ولا يحضر في مجالسهم ولا في أعياد احتفالاتهم, بل عليه أن يحذر المسلمين من هذه البدع, أما إذا أراد أن يفهم الناس سيرة الرسول ﷺ وأخلاقه ومعجزاته الباهرة ليزدادوا إيمانا لكن لا يعني ذلك في كتاب معين وفي ليلة مخصوصة وشهر مخصوص, بل متى قرأ لهم وبين لهم عن الرسول ﷺ ما ذكرناه كان حسنا, بل هو أمر مندوب مرغب فيه, لأن أصول العقيدة ثلاثة "معرفة الله" و"معرفة نبيه" و"معرفة دين الإسلام". فمعرفة النبي بنسبه وولادته وشمائله ومعجزاته وكونه مرسلا إلى جميع العالمين وخاتم النبيين والمرسلين, يلزم كل أحد أن يعرف ذلك وعلى العلماء أن يفهموا العوام, ليكونوا عارفين عن نبيهم ولو شيئا قليلا, وأما التبحر فللعلماء. ومن يوم ابتدع الملك المظفر هذه البدعة والعلماء منقسمون بين محسن ومكره, ولكن كلهم متفقون والحمد لله على أن ما يحصل في ليلة المولد من دق الطبول ورقص الصوفية واختلاط الرجال بالنساء والمردان, ونشر الأعلام وما إلى ذلك من الأعمال التي تنافي الحياء وبالتالي تنافي دين الإسلام, أنها أعمال محرمة وضلالات منكرة لا يجوزها إلا الشيطان وحزبه ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون. فالعلماء المحققون يستنكرون الاحتفال بليلة المولد النبوي الشريف, ويقولون إنها بدعة من البدع, وإنها مظاهر لليهود والنصارى, حيث يحتفلون بميلاد أنبيائهم, ودعوى محبة الرسول لا تتحقق بمثل هذه الاحتفالات بل بالاقتداء به ﵊ وتحكيم شريعته واتباع سنته الغراء. انظر أيها القارئ إلى هؤلاء المحتفلين بهذا الاحتفال وإلى الملوك والأمراء والرؤساء الذين يؤيدون هذه البدعة ويتظاهرون بحب الرسول, ويضللون

стр. 198

العوام بأنا نحن معشر الملوك والزعماء مسلمون, ونجل دين الإسلام ونحب النبي ﷺ بشبهة هذا الاحتفال, والله أعلم والناس شهود أنهم أبعد الناس من الشريعة الغراء وأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله, فيتركون القرآن الشريف ويتركون أحكام النبي الكريم, ويستوردون القوانين الغربية وينصبون المحاكم الطاغوتية, بل آل ببعضهم بالإضافة إلى تحكيم القوانين ونبذ الشريعة الغراء, أنهم يتصرفون في الشريعة فأخذ بعضهم يحرم تعدد الزوجات والطلاق ويبيحون شرب الخمور, ويبيحون البغاء والربا والقمار والخنا والفجور وسائر المنكرات, لا يأمرون بمعروف ولا ينكرون منكرا ولا يحكمون في أحكامهم القرآن والسنة, بل ولا يقرؤون القرآن ولا يلتفتون إليه وأكثرهم لا يحج بيت الله الحرام, بل ولا يصلي ولا يصوم شهر رمضان, فبعده من الله ورسوله أبعد من العرش إلى الفرش. ومع هذه المخزيات والظلمات والضلالات والمكفرات والمبتدعات, يموهون على البسطاء ويضللون جهال المسلمين بأنهم مسلمون ويحبون الرسول, وبرهانهم على هذه المحبة الكاذبة لا شيء سوى تأييدهم لهذا الاحتفال المبتدع والحضور في تلك الحفلة أو إرسال من ينوب عن الرئيس والأمير, وكل أدلته وبراهينه على إسلامه المزيف هو هذا الاحتفال فقط, فهل هذا هو الإسلام الذي ارتضاه الله لنا فقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً﴾ , بل هؤلاء ليسوا من الإسلام في شيء, وينبغي أن نبشرهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . وقوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وفي آية ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وفي آية ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . فإذا كان العلماء والمحققون من الفقهاء والمحدثين لم يجيزوا بدعة

стр. 199

الاحتفال بالمولد النبوي, لأن الرسول لم يعمله ولا الصحابة ولا التابعون ولا الأئمة المهتدون, كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي والنخعي وداود بن علي الظاهري وسائر علماء الحديث والفقه, ولأن النبي ﷺ قال: فيما روته عائشة أم المؤمنين "ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي, وبقية العشرة المبشرة وسائر أصحاب الرسول ﷺ , أحب الناس إلى الرسول, وكانوا يحبون الرسول ﷺ وقد فدوه بأرواحهم وأموالهم وقتل بعضهم أخاه في الجهاد من أجل الله ورسوله وإعلاء دينه, واستأذن عبد الله بن عبد الله أبي بن سلول بأن يأتي برأس أبيه إلى رسول الله لأن أباه كان منافقا, فأراد حبا لله ولرسوله أن يقتل أباه. فهؤلاء الأصحاب الذين بلغ حبهم هذه الدرجة العالية امتثالا لقوله ﵊ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". فإذا كان هؤلاء لم يعملوا مولدا للنبي العظيم, فما بالك بمولد الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي سأل عنه السائل, ومولد خاجة أجمير وخاجة غريب نواز وخاجه بنده نواز, بل كل هذه الموالد التي تفعل في الهند وباكستان وغيرهما مما يفعل في مصر باسم مولد البدوي والدسوقي والرفاعي وغيرهم من سائر الصالحين, لا يستريب عاقل أنها من البدع والضلالات ولم يقل أحد من أهل العلم المحققين أن هذه البدع مستحسنة, بل فيها من المحظور لما ذكرناه سالفا من اختلاط الرجال بالنساء, ودق الطبول ونشر الأعلام وما يحصل من الفواحش والمنكرات ما يمجه كل ذي طبع سليم. بل هذه الاحتفلات التي تقام باسم دين الإسلام, الإسلام يتبرأ منها وهي وصمة عار في جبين المسلمين الذين يقيمون هذه الاحتفالات والذين يقرونها ولا ينكرونها, بل الواجب على العلماء أن ينكروا على هؤلاء ويبينوا لهم أن تلك الأعمال التي يمارسونها منافية لدين الإسلام, بل ولا يقرها ذوو

стр. 200

العقول والأفهام, وإن لم يتوبوا فقد دخلوا تحت لعنة الله في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أ. هـ١

стр. 201

الشبهة السادسة عشرة: شبهة المنتقدين أن الشيخ أنكر على الصوفية وطرقهم مقلدا في ذلك ابن تيمية ... الشبهة السادسة عشرة قد نسيت في الطبعة الأولى لكتابي هذا أن أذكر شبهة المنتقدين على الشيخ محمد بن عبد الوهاب –﵀ بأنه أنكر على الصوفية وطرقهم مقلدا في ذلك ابن تيمية –﵀. فقالوا ما معناه: من المعلوم أن الصوفية أناس غلبوا جانب الآخرة على الدنيا, وزهدوا فيها, ولازموا الأذكار والدعوات في الخلوات, وحب الصالحين والتبرك بهم, والاقتداء بهم, واعتقاد كراماتهم لأنهم بلغوا من الزهد والصلاح ما يقر به الموافق والمخالف, وواظبوا على الصلوات والصيام وسائر الإسلام, فهل يسوغ بالعقل والإنصاف أن ينكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هؤلاء الذين نحسبهم صفوة الخلق عند الله؟ وما هو الذنب الذي جنوه حتى ينكر ابن تيمية وابن القيم عليهم, ويقتدي بهم محمد بن عبد الوهاب؟ ولو لم يكن لهم من الفضل إلا التبشير بالزهد في الدنيا والإقبال على الآخر كما قال الله تعالى ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ ١ وقال تعالى ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٢ وقال تعالى ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٣ وكم جاءت الآيات والأحاديث تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة, ثم إن هؤلاء مع التزامهم بالأذكار والصلاة والصيام, جاهدوا كثيرا من الكفار, وبشروا بدين الإسلام في كثير من البلدان ولا سيما البلدان الإفريقية. أما ما ينسب إليهم من المخالفات, فكثير منها مدسوس عليهم, وما صح منها فلها تأويلات واصطلاحات يعرفها الذين يعرفون التصوف وحقيقته. وإذا ما رأيت الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار

стр. 202

جواب الشبهة الكلام على الصوفية طويل, وقد كتب العلماء قديما وحديثا كتبا كثيرة في حقيقة الصوفية وتاريخ نشأتها ومبادئها, ولو ذهبت أذكر هذا لطال الكلام, ولكني سأذكر بعض مبادئ الصوفية, وبه يتجلى أن المنكرين عليهم هم المصيبون, فأقول وبالله التوفيق. إن الصوفية لم تكن معروفة في عهد الصحابة –﵃ بل لم تكن مشهورة في القرون الثلاثة المفضلة, وإنما اشتهرت بعد القرون الثلاثة الأول, وإن كان أصل ابتدائها في القرن الثاني. وإلى القارئ بيان بعض مبادئ الصوفية ومنكراتها: زعمهم أن الإسلام شريعة وحقيقة, ويسمون علماء الشريعة علماء الظاهر, أو علماء الرسوم أو أهل النظر, ويسمون أنفسهم علماء الحقيقة وعلماء الباطن أو علماء الغيب أو أهل الله أو أهل الكشف أو العارفين بالله, ويعتبرون أنفسهم الخاصة وخاصة الخاصة, كما يعتبرون علماء الشريعة طبقة العوام, ويفتخرون على علماء الشرع بأنهم أخذوا علومهم من الأموات, وهم أخذوا علمهم من الحي الذي لا يموت. يقول أبو زيد البسطامي من أئمة التصوف في القرن الثالث يخاطب علماء الشريعة: أخذتم علمكم ميتا عن ميت, وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت, يقول أمثالنا حدثني قلبي عن ربي, وأنتم تقولون حدثني فلان وأين هو؟ قالوا: مات, عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات. وأنت خبير أن تقسيم الإسلام إلى شريعة وحقيقة تقسيم مخترع باطل, لم يقيموا عليه دليلا واحدا من الكتاب أو من السنة أو على الأقل من كلام الأئمة المهتدين, ومما يبين بطلان هذا المبدأ. أ- أنهم يدعون بأنهم يخاطبون الله أو يكشف لهم اللوح المحفوظ

стр. 203

ويأخذون علمهم مباشرة من الله أو من اللوح المحفوظ ولا حاجة لهم إلى الرسل, فهل هذا مبدأ إسلامي أو كفري, بل كفري وهو الصواب؟ كيف يصح هذا الزعم والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ , ويقول تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ , ويقول تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ , ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وأجمع أهل الأديان السماوية أن الله تعالى اصطفى من عباده من جعلهم واسطة بينه وبين خلقه في تبليغ شرائعه, ووهبهم مواهب كالصدق والعصمة وقوة الحجة والبيان والفطنة الكاملة ما يؤهلهم لهذا المنصب الشريف, إذ إن طبائع البشر لا تقوى على التلقي من الملك المرسل من الله فضلا أن يكون لديها استعداد لمخاطبة الله, ولم يقل أحد من اليهود والنصارى والمجوس والصابئة بأن الرسل مرسلون لتبليغ أناس مخصوصين من أمتهم, وهناك أناس عندهم الاكتفاء والاستغناء عن الرسل, كما أنه لا خلاف بين المسلمين أن الله تعالى أرسل محمدا ﵊ إلى جميع الثقلين الإنس والجن بلا استثناء أحد مطلقا كما قال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ وقال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ب- بالإجماع أن الرسول محمدا ﷺ أفضل الخلق أجمعين, ومع هذه الدرجة العليا والنبوة العظمى, والفضائل التي خصه الله بها لم يقل يوما قط إني آخذ من اللوح المحفوظ وأن لا حاجة لي إلى جبريل ولم يفتر عن عبادة ربه طرفة عين, بل كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه ولم يق إنه بلغ الدرجة التي سقطت عنه التكاليف كالصلاة والصيام وغيرها. ج- هذا المبدأ الضال يهدم الإيمان بالرسل وأنه لا يجب اتباعهم,

стр. 204

كما يهدم رسالة محمد ﷺ العامة إذ بموجب هذا المنطق الضال أنه يسوغ عدم متابعة الرسول لمن وصل تلك الدرجة التي بها يخاطب الله أو يكشف له اللوح المحفوظ بطريق المجاهدة والتخلي عن الدنيا والزهد فيها إلى آخر ما قالوا. د- هذا المبدأ الكفري يفتح الباب على مصراعيه لمن يدعي النبوة ككل دجال يريد أن يفسد عقائد الناس بأنه نبي مرسل أو بأنه كشف له الحجاب عن اللوح المحفوظ أو عن الله, وأن الله خاطبه وأرسله لعباده, إذا ما دام باب كشف الحجاب بين العبد وبين ربه مفتوحا كما تدعي الصوفية, فسيدخل من هذا الباب كل أفاك أثيم ودجال لئيم لإفساد دين الإسلام وعقائد المسلمين, كما زعم ميرزا غلام أحمد القادياني ومحمد علي الباب ودجال السودان محمد محمود طه.

стр. 205

عقيدة الحلول ويعني الصوفية بالحلول١ أن الله حل في بعض الأجسام واصطفاها واختارها, فانقلبت هذه الأجسام البشرية إلى آلهة تسير على الأرض وتعيش بين الناس. وهذه العقيدة مأخوذة من الديانات اليهودية والنصرانية والمجوسية والهندية والفلسفة اليونانية, وكان الحلاج من أشهر المتصوفة القائلين بالحلول, وقد شرح عقيدة الحلول بقوله: من هذب نفسه في الطاعة وصبر على الملذات والشهوات, ارتقى إلى مقام المقربين ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية, فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ حل فيه روح الإله الذي حل في عيسى بن مريم ولم يرد حينئذ شيئا إلا كان كما أراد٢, وكان جميع فعله فعل الله تعالى.

стр. 206

عقيدة وحدة الوجود ويعني الصوفية بها أنه ليس هناك وجود إلا الله, وينقسمون في تصويرها إلى فريقين: "١" فريق يرى الله روحا, والعالم جسم لهذا الروح, فالله هو كل شيء. "٢" وفريق يرى جميع الموجودات لا حقيقة لوجودها غير وجود الله, فكل شيء هو الله. ونجد هذه العقيدة واضحة في كلام الصوفية مثل قول أحدهم: لست أنا ولسته ... فمن أنا ومن هو فيا هو قل أنت أنا ... ويا أنا قل أنت هو ما في الوجود غيرنا ... أنا وهو وهو وهو وقول الآخر: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه عينه ويقول أبن عربي –كما ينسب له- في كفر صريح: الرب عبد والعبد رب ... يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب ... أو قلت رب أنى يكلف كما يقول في كفر أشد صراحة: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا ... وما الله إلا راهب في كنيسة ويقول ابن عربي في كتابه فصوص الحكم ما يؤكد عقيدته: ومن أسمائه الحسنى العلي, على من؟ وما ثم إلا هو؟ فهو العلي لذاته؟ أو عن ماذا؟ وما هو إلا هو, فعلوه لنفسه, وهو من حيث الوجود عين الموجودات أ. هـ١.

стр. 207

فإذا كانت هذه عقائد ومبادئ الصوفية, فكيف لا ينكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب عليهم؟ بل يجب على كل مسلم عالما أو غير عالم, أن ينكر هذه العقائد الباطلة وعلى من يعتقدها, لأنها مخالفة لدين الإسلام, ولأنها أداة لهدم الدين الإسلامي بل لجميع الأديان, فتقسيمهم الدين إلى قشر ولباب هو من مخترعات الصوفية, أرادوا به أن يأتوا بالمناكر والمحرمات بدعوى أن ما يعتقدونه ويعلمونه هو لب اللباب, وما يعمله الفقهاء هو من الظواهر, وكأنهم لم يعلموا أن للظاهر تأثيرا على الباطن, وأن للباطن على الظاهر تأثيرا قويا. وقد١ تقرر عند العلماء المحققين أن هناك ارتباطا وثيقا بين الظاهر والباطن, وأن للأول تأثيرا في الآخر, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر, وإن كان ذلك مما قد لا يشعر به الإنسان في نفسه, ولكن قد يراه في غيره. قال شيخ الإسلام ﵀ وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء: وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة, حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والموالاة والائتلاف أمر عظيم, وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين, أو كانا متهاجرين, وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة, بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب, وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما, كذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضا ما لا يألفون غيرهم, حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة, إما على الملك وإما على الدين, وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء –وإن تباعدت ديارهم وممالكهم- بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض, وهذا كله بموجب الطباع ومقتضاها, إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص, فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة, فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟

стр. 208

فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد, والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان, قال الله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ١. فأخبر أن لا يوجد مؤمن ود كافرا, فمن واد الكفار فليس بمؤمن, فالمشابهة مظنة المودة فتكون محرمة. ا. هـ.٢ فإذا كان هذا الارتباط الوثيق بين الظاهر والباطن, فكيف يسوغ لهؤلاء الصوفية أن يفرقوا بينهما, ويجعلوا الظاهر قشرا, والباطن لبابا؟ إن هذا إلا إفك افترته الصوفية, وأرادت به هدم الشريعة الإسلامية, ولهذا يوجد في هذا العصر من يخالفون الشريعة الإسلامية, ويأخذون ببعض النصوص لإثبات عكس ما وضعت له, ويسمون الأشياء بغير أسمائها, لأنهم لا يتهمون ببعض الشرائع الظاهرة التي يسمونها شكليات أو قشور, ويدندنون حول التمسك باللباب, ولم يعرف سلفنا الصالح هذا التقسيم الباطل, ويصدق على هؤلاء المتصوفة قول الله تعالى ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٣. وهذا القول يلقى رواجا عند المتساهلين بأمر الدين, وإهمالا لظاهر الأعمال احتجاجا بصلاح الباطن, حتى إنهم يسمون المعاصي بغير أسمائها, فيقولون مثلا: إن إعفاء اللحية من سنن العادة, وقص الشارب من الأمور العادية التي لا صلة لها بتبليغ الرسالة, إلى غير ذلك مما يحرفون به الكلم عن مواضعه, فيستطيع الصوفي أن يأتي بكل منكر يريده, ثم يقول لمن ينكر عليه: هذا منكر في الظاهر, والظاهر كالقشر, وعندنا علم الباطن, والباطن لا يحرم هذا, ولهذا وقع بعضهم في استعمال الحشيش والمخدرات. كما ذكر ابن عقيل –﵀ أنهم فرقوا في زعمهم بين الشريعة والحقيقة, وأنهم استحلوا الحشيش المخدر, بل هم أول من اكتشفه

стр. 209

وروجه في أوساط المسلمين, واستحلوا الغناء والاختلاط, واستحلوا التظاهر بالكفر والزندقة زاعمين أن لهم أحوالا وشطحا, وأنه يجب عدم الإنكار عليهم لأنهم مجاذيب أو مشاهدون لحضرة الرب في زعمهم. أ. هـ١. وأما قولهم: أن الصوفية أناس غلبوا جانب الآخرة على الدنيا, وزهدوا فيها, ولازموا الأذكار والدعوات في الخلوات, وحب الصالحين والتبرك بهم, والاقتداء بهم,.. الخ. فالجواب: إن ملازمتهم للأذكار والدعوات ليس من الذنب ولا العيب, ولكن تلك الأذكار والدعوات أكثرها مخترعة ومبتدعة, ليس لها من السنة نصيب, كالذكر بالاسم المفرد: الله, الله, أو قولهم: يا هو, يا هو, وكل عبادة لم تكن على منهج رسول الله ﷺ , فإنها مردودة وغير مقبولة للحديث الصحيح: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. أي مردود عليه غير مقبول. ودعوى الكرامة تسهل على كل أحد أن يدعيها, ولكن الشأن في تحقيق الشخص الذي تصدر منه تلك الكرامات, الميزان كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم ﷺ في عبادته وكل أحوال حياته, موحدا بالله العظيم, ثم بدت منه بعض الخوارق, فيمكن أن نقول بأنها كرامة. أما من يشرك بالله, كأن يستغيث بغير الله, أو يذبح لغير الله, أو يطوف بقبر من القبور, أو لا يواظب على الصلاة والعبادات الأخرى, ثم يدعي الكرامة, فهذا دجال كذاب, لا تقبل منه هذه الدعوى وترد عليه

стр. 210

ولو فرضنا أن صدرت من مثل هذا الرجل بعض الخوارق, فتفسيرها: إما أن تكون من السحرة, أو ممن يستخدم الجان, لأن الجني إذا حصل مطلوبه من الإنس قد يقضي له بعض الحوائج, كأن يطير به في الهواء, أو يأتي له بفاكهة في غير أوانها, أو يخبره ببعض المغيبات. فهذه الدعوى التي تدعيها الصوفية لا تروج إلا على الجهلاء. أما قولهم: بلغوا من الصلاح ما يقر به الموافق والمخالف؟ فهذا غير مسلم, المخالف لا يقر, والموافق جاهل ليس له علم وتمييز يفرق به بين الحق والباطل, ولهذا يكون تابعا لكل ناعق, ومقلدا لكل جاهل, فليس في هذا حجة. وقولهم: إنهم يبشرون بالزهد في الدنيا, والإقبال على الآخرة؟ فالزهد ليس هذا الزهد الذي تدعيه الصوفية, فالدنيا ما خلقها الله عبثا, بل جعلها مطية للآخرة, فسليمان ﵇ كان ملكا ونبيا, ومع ذلك كان زاهدا, ونبينا محمد ﷺ أعظم الزهاد١, وأبو بكر وعمر وكثير من الصحابة –﵃ حتى من أغنيائهم كانوا زهادا, ومعنى الزهد أن لا يكون كل همك في الدنيا, بل تعطي للدنيا نصيبا وللآخرة نصيبا, قال الله تعالى ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢. كما ورد في الأثر: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا, واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.

стр. 211

والذي يمعن النظر في رجال التصوف, ولا أقول كلهم, بل أقول أكثرهم أنهم يدعون الزهد, ويترأسون على العوام الجهال, ويجلبون منهم الحطام من الأنعام والزرع والثمار, ويقومون لهم بالأعمال الدنيوية, وكل زهده أن تكون له سبحة طويلة ولحية كبيرة, جالس على فراشه يأتي إليه أتباعه يقبلون يديه ورجليه, ويذم الدنيا بلسانه أما بالفعل فلا. ولم ينكر شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ عليهم من أجل صلاتهم ودعائهم وأذكارهم, إنما ينكر الابتداع والتفرق والطرائق, فهذا شاذلي وهذا نقشبندي وهذا رفاعي, إلى غير ذلك من الطرق, ولكل واحد ذكر مخصوص وطريقة معينة, فمتى ورد عن النبي ﷺ هذا؟ وما يزعمون من الخرافة الصوفية التي يدعون أنها صادرة من علي بن أبي طالب ﵁ كذب واختلاق, فعلي بن أبي طالب أجل من ذلك. فإن قالوا: إن علماء الظاهر قد تفرقوا إلى عدة مذاهب كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وسفيان والأوزاعي والنخعي, فنحن كذلك, فلأي شيء تنكرون علينا؟ فالجواب: إن أولئك الأعلام خدموا الإسلام والمسلمين, وأسسوا مذاهبهم على الكتاب والسنة, ولم يدخلوا فيها شيئا من البدع والضلالات, ولا عبرة ببعض المتأخرين من مقلدي المذاهب إذا حسنوا بدعة أو مارسوا بدعة. والإنكار على الصوفية لم ينفرد به شيخ الإسلام ابن تيمية ولا الحافظ ابن القيم ولا الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب –﵏ بل أنكر عليهم جماعة من العلماء قبل الشيخ ابن تيمية وبعده, فقد أنكر عليهم العلامة برهان الدين البقاعي والعلامة ابن المقري والعلامة ابن حجر العسقلاني, والعلامة تقي الدين محمد بن دقيق العيد الذي عاصر شيخ الإسلام ابن تيمية وكفرا ابن عربي وابن الفارض.

стр. 212

ومن أنكر عليهم أيضا سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام وكان قبل شيخ الإسلام ابن تيمية. قال العز بن عبد السلام في ابن عربي: شيخ سوء كذاب, يقول بقدم العالم, ولا يحرم فرجا, وتابعه في الإنكار الشيخ الإمام قطب الدين بن القسطلاني. ومن المنكرين قاضي القضاة, قدوة أهل التصوف إمام الشافعية بدر الدين محمد بن جماعة, فقال: وحاشا رسول الله أن يأذن في المنام فيما يخالف أو يضاد قواعد الإسلام. وأنكر عليهم الإمام ابن حيان محمد بن يوسف الأندلسي, ذكر ذلك في تفسيره سورة المائدة عند قول الله تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١: فقال: ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط من أقر بالإسلام ظاهرا وانتمى إلى الصوفية, حلول الله في الصور الجميلة, ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة, كالحلاج والشعوذي وابن أحلى وابن عربي المقيم بدمشق وابن الفارض, وأتباع هؤلاء كابن سبعين –وعد جماعة. ثم قال: وإنما سردت هؤلاء نصحا لدين الله, يعلم الله ذلك, وشفقة على ضعفاء المسلمين, وليحذروا, فهم شر من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسوله, ويقولون بقدم العالم, وينكرون البعث, وقد أولع جهلة ممن ينتمي إلى التصوف بتعظيم هؤلاء, وادعائهم أنهم صفوة الله. ا. هـ٢. وممن أنكر عليهم البلقيني, وعلاء الدين البخاري وغيرهم كثير٣. وهؤلاء العلماء الذين ينكرون على الصوفية وغيرهم من العلماء

стр. 213

المنكرين, إما أن يكون إنكارهم في رسالة خاصة أو كتاب خاص, وإما أن يكون إنكارهم في أثناء كتاب يكتبونه وفي مناسبة ينكرون عليهم. فكيف يقال بعدئذ أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب, أو شيخ الإسلام ابن تيمية هما المنكران فقط على الصوفية؟ لا يقول هذا إلا جاهل أو متجاهل للحق والحقيقة. الخلاصة: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب متبع للكتاب والسنة, لم ينكر على أحد شيئا إلا وله دليله, ولم يأمر أحدا بأمر إلا معه دليله, وكان كما قال بعض العلماء في حقه: هل قال إلا وحدوا رب السما ... وذروا عبادة ما سوى المتفرد وتمسكوا بالسنة البيضا ولا ... تتنطعوا بزيادة وتردد وبالله التوفيق.

стр. 214

سلسلة من الافتراءات التي ذكرها السيد أحمد زيني دحلان مفتي مكة المكرمة في عصره عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأجوبة عنها "١" قال رجل يوما لمحمد بن عبد الوهاب: كم يعتق الله كل ليلة في رمضان؟ فقال له: يعتق كل ليلة مائة ألف, وفي آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله, فقال له: لم يبلغ من اتبعك عشر عشر ما ذكرت, فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم الله تعالى, وقد حصرت المسلمين فيك وفيمن اتبعك؟ فبهت الذي كفر. أ. هـ. والجواب من وجوه: الأول: عدم الاعتماد على خبر الفاسق الكاذب إلا بعد التبين. الثاني: إن في نفس هذا الخبر والحكاية ما يقتضي كذبه, من أن محمد بن عبد الوهاب قال له: يعتق في كل ليلة مائة ألف, وفي آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله, فإن هذا العدد لم يقع في حديث صحيح ولا حسن, وإنما وقع في رواية ضعيفة شديدة الضعف أو موضوعة, ومحمد بن عبد الوهاب بحمد الله تعالى كان من نقاد أهل الحديث, فكيف يتصور أن يجيب بهذا الجواب السخيف الساقط؟ نعم جاء في حديث "ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ", وفي حديث "إنه يغفر لأمته في آخر ليلة من رمضان". وعلى هذا فليس فيه إشكال. الثالث: إن صدق هذا الحديث في كل زمان من أوضح الأباطيل, إذ يجيء في قرب الساعة يقبض فيه روح كل مؤمن, فكيف يصدق هذا الحديث؟ فهو إما باطل أو مؤول بأن يحمل على زمان يبلغ فيه عدد المسلمين هذا المبلغ أو يزيد, وهذا التأويل كما يمكن من جانب من ليس من أتباع الشيخ كذلك يمكن من جانب أتباعه من غير فرق. وقوله: فبهت الذي كفر, فهذا تكفير للشيخ برأه الله, ووصف الكفر ينطبق على عباد الأنبياء والصالحين, لا على أمثال الشيخ وأتباعه الموحدين.

стр. 215

"٢" إنه منع الناس من زيارة النبي ﷺ , وكان ينهى عن الصلاة على النبي ﷺ , ولهذا أحرق دلائل الخيرات وغيرها من كتب الصلاة على النبي ﷺ . والجواب: قوله: منع زيارة النبي ﷺ كذب واضح, فلم يمنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب زيارة قبور سائر المسلمين, فكيف يمنع زيارة النبي ﷺ , ولكنه منع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كما في الحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد, مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى". وأما قوله: منعه للصلاة على النبي ﷺ , وإحراقه لكتاب دلائل الخيرات وغيرها من كتب الصلاة على النبي ﷺ . فالجواب: قد تقدم في أوائل الكتاب, وخلاصته: إن هذا من الافتراءات التي لا يفتريها إلا من رق دينه وقل عقله, وكذلك تقدم الجواب عن دلائل الخيرات في فصل مستقل. ونزيد القارئ بيانا عما قاله العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في خصوص الدلائل: وحرق عمدا للدلائل دفترا ... أصاب ففيها ما يجل عن العد غلو نهى عنه الرسول وفرية ... بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدي أحاديث لا تعزى إلى عالم ولا ... تساوى فلسا إن رجعت إلى النقد وصيرها الجهال للدرس ضرة ... يرى درسها أزكى لديه من الحمد "٣" وكان يمنع أتباعه من مطالعة كتب المذاهب الفقهية والتفسير والحديث, وأحرق كثيرا منها وأذن لكل من تبعه أن يفسر القرآن بحسب فهمه حتى من كان أرسخ العوام جهلا. والجواب: هذا من الكذب والبهتان الذي أملاه عليهم الشيطان, وكتب الشيخ وأولاده وأتباعه تنادي سرا وجهرا, بأن ما زعمه المعترضون لا أصل له, بل من الإفك الجلي.
следующие страницы →