صفات الأولياء، بأنهم من المؤمنين والمتقين، فأين الكرامات المختلقة لهم، وأين التوسلات والاستغاثات الشركية، لكن الأمر كما قيل:
إذا أخذ ما وهب ... سقط ما وجب
الجواب عن العنصر الثالث:
الخلف لم ينتهجوا منهج السلف، فأثبتوا صفات المعاني والمعنوية، وأولوا الصفات الخبرية كالاستواء والنزول واليدين، فهذا التأويل لا يستطيعون أن يثبتوا عليه دليلا من القرآن ولا من السنة ولا من أقاويل الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة، وإنما أخذوه متأثرين من آراء المعتزلة والجهمية الذين فكروا بعقولهم إننا لو أنكرنا النصوص القرآنية في الصفات الإلهية كفرنا، ولو أثبتنا ونحن عندنا من علم الفلسفة والمنطق ما يقودنا إلى عدم إثبات هذه الصفات، فالأولى أن تؤول ونلتمس من اللغة العربية، ما يكون لنا مسوغا فأخذوا من قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
بأن معناه قد استولى
وأخذوا من قول العرب لفلان على فلان يد بمعنى نعمة وفلان له يد طولى في العلم أو القوة أو الحكم.
فأولوا تلك الصفات مستندين إلى ذلك والحال أنه قد رد العلماء تأويلاتهم بما لا يدع شكا إنها مبنية على شفا جرف هار، وقد بسط الحافظ ابن القيم في الصواعق المرسلة بما لا مزيد بعده ولا نطيل به الكلام. ثانيا: أنهم زعموا أنهم اتبعوا أبا الحسن الأشعري وقد كان إماما عظيما وهو بريء من هذه التأويلات، وكتابه الإبانة، وكتابه مقالات الإسلاميين، يبرهنان أوضح برهان أن الإمام أبا الحسن رجع عن هذه الآراء لأنه كان أولا معتزليا صرفا ثم رجع وتوسط بين المذهبين، أثبت بعض الصفات وأول بعض الصفات، ثم رجع أخيرا إلى مذهب السلف كما ترجم له الشيخ تاج
стр. 142
الدين السبكي وابن عساكر وشارح الإحياء وبين هؤلاء كلهم أنه رجع سلفيا.
أما جواب العنصر الرابع:
فالجواب من وجوه:
أحدها: نقول للمعطل، هل تقر بوجود الله تعالى أم لا؟ فإن قال لا فهو كافر بالربوبية، فيجب علينا حينئذ إقامة الأدلة على ربو بيته تعالى.
وأن أقر بوجود الله، فيقال له هل وجوده كوجودنا؟ فمن اليقين أن يقول لا كوجودنا، بل له وجود يخصه، فنقول له فكذلك صفاته ليست كصفاتنا، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.
فكما أن ذاته ليست كذوات غيره، فكذلك صفاته ليست كصفات غيره، وليعلم المعطل أن اشتراك شيئين في مطلق اسم لا يوجب اتحادهما في الحقيقة.
فإذا قيل أن العرش موجود، والذباب موجود، فهل يفهم عاقل أن وجود العرش كوجود الذباب؟
وكذلك إذا قيل بأن الله موجود، والمخلوق موجود، لا يفهم من هذا أن وجوده تعالى كوجود المخلوق.
وإذا قلنا لله علم، ولبعض المخلوق علم، لم يكن علمه تعالى كعلم المخلوق، وهكذا القول في سائر الصفات.
وإن أقر بالوجود، وزعم أن وجوده لا يستلزم التشبيه لأنه واجب عقلا ونقلا، وأنكر بقية الصفات أو أولها لاستلزامها ما ذكر بحجة أن العقل يحيلها، لاستلزامها الحدوث.
فيجاب: ليس الأمر كما زعمت، لأننا نقول: الموجود إما أن يكون جسما أو عرضا، والله موجود فيلزم أن يكون أحدهما، فإن اعترفت بأحدهما فذلك المحذور بعينه، وإن استطعت أن تقول أنه تعالى ليس جسما ولا عرضا ولا
стр. 143
مماثلا لغيره، فقل كذلك صفاته الثابتة في القرآن والسنة ليست كصفات غيره، ومجرد قولك يلزم هذا ولا يلزم هذا، لا يقبل إلا بدليل مسلم به.
والمقصود أن فتح باب التأويل يوجب هدم الشريعة، إذ مادمت تسوغ التأويل في باب أسماء الله وصفاته، لا يمكنك أن تنكر على مبطل، لأنك إن أنكرت على قرمطي في تأويله لنصوص التكاليف ونصوص المعاد يجبك إني أولتها كما أولت في الصفات، ولا يعقل نفي تأويلي وقبول تأويلك، وإذا أنكرت على المرجئة, وبينت لهم نصوم الوعيد, أجابوك بتأويل النصوص، وأن المقصود منها التخويف فقط، وأنت قائل بالأقاويل التي أعظم من هذه.
وإن أنكرت على من سب الصحابة ﵃، وكفروهم وأوردت لهم النصوص الدالة على فضلهم قالوا لك: إنها مؤولة.
فإذا قلت تأويلكم غير مقبول، قالوا لك: كيف يقبل منك التأويل الذي يرجع إلى الخالق، ولا يقبل منا ما يرجع إلى المخلوق.
والحاصل: إنه لا يمكن للمؤول أن ينكر على مبطل أو يناظره، إلا ويناضله بسلاح ذلك المناضل حتى ينتصر عليه، وهل فتح هذا الباب إلا هدم لأساس الدين.
إن القرآن قد أنزله الله لهداية البشر وإخراجهم من ظلمات الوثنية والإلحاد والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد والإسلام، وتقديس الله وتنزيهه عما لا يليق بجلاله.
وأمر الله نبيه بالتبليغ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، ووصف القرآن بأن فيه البيان لكل شيء، فقال ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . بين الرسول صلى لله عليه وسلم هذه التأويلات التي زعموها؟ وقد اهتدى بالقرآن والنبي صلى لله عليه وسلم ملايين البشر، وصاروا بعد تلك الوثنية والكفريات من المؤمنين المنزهين لله تعالى، فلو كان ظاهر تلك الآيات، دالة
стр. 144
على التمثيل والتجسيم، لما كانوا منقولين من الوثنية والكفر، إذ هذا هو الوثنية بعينها، ولا كان هناك معنى لهداية البشر، ولا فائدة في القرآن والرسول ﷺ .
ولا يخفى أن في هذا طعنا في القرآن والرسول، إذ قد أتيا بما يدل على التجسيم والتشبيه كما يلزم الطعن في المسلمين السابقين والعلماء الراسخين والعوام الموحدين، لأنهم اعتقدوا ما دلت عليه الآيات والأحاديث.
فإن قالوا: لا نقول بموجب ذلك، بل نبرأ إلى الله مما هنالك، بل قصدنا تنزيه الله وبعده عن النقائص.
قلنا لا بأس، ولكن النبي ﷺ أحق منكم بالتنزيه، والمسلم لا يكون مسلما إلا بإقراره بالله وتوحيده، وتنزيهه عن الكفء والمثيل، ولكن لا ينزه الله عما وصف به نفسه، وأنتم قد نزهتموه عن الصفات التي وصف بها نفسه، فلو كان ما تقولون حقا لنزهه الرسول ﷺ ، ثم أصحابه رضوان الله تعالى عليهم بمثل ما نزهتموه به، ولكن لم يثبت شيء من ذلك.
ولو كان ما تقولون حقا لبينه النبي صلى لله عليه وسلم للأمة وهو مأمور بالبيان والتبليغ، فيلزم من قولكم أنه لم يبين ما هو واجب البيان، وهذا طعن في الرسول ﷺ ، وقد ذكر الله تعالى في الآية آنفة الذكر، إنه تبيان لكل شيء، فأين بيان الله لهذه التأويلات، وأين بيان الرسول صلى لله عليه وسلم؟
وكيف يبين الرسول ﷺ للأمة كل ما يحتاجون إليه، حتى آداب قضاء الحاجة، ولا يبين لهم ما يعتقدونه في ربهم ومعبودهم.
وإذا كان ظاهر النصوص يدل على التشبيه والتجسيم، ومن العلوم أن التجسيم والتشبيه ضلال، والضلال نقيض الهدى، فأين قول الله تعالى في وصف كتابه ﴿هُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ؟ وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وكيف يقول ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهل يأمر الله تعالى باتباع الضلال.
стр. 145
فنسبة التجسيم إلى القائل وهو الله والرسول أولى منا لأننا راوون لما قال الله وقاله رسوله، ومعتقدون ما أخبر الله به ورسوله، ولم يقل الله ورسوله لا تعتقدوا بظواهر هذه الآيات لأنها تدل على التجسيم والتمثيل، واستدلالكم ب ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ جوابنا: إن هذه الآية حجة عليكم لأن صدرها ينفي المثلية ويرد على الممثلة والمشبهة، وعجزها يثبت كونه سميعا بصيرا، وفيه رد على المعطلة.
ولم يقل أحد من السلف بأن صفاته كصفات غيره، حتى تلزموهم بالتمثيل والتجسيم، بل ينزهون الله أعظم من تنزيهكم، ويثبتون له أوصافه السنية كما جاء في القرآن والسنة النبوية، ويقرنون بعدم التكييف والتمثيل أ. هـ.١
стр. 146
فصل في ثناء بعض العلماء على شيخ الإسلام ابن تيمية
١- ابن سيد الناس
فمنهم الشيخ الإمام الحافظ الفقيه العالم الأديب البارع فتح الدين أبو الفتح محمد ابن الحافظ العلامة الخطيب أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الله ابن محمد بن يحيى بن أبي القاسم بن سيد الناس اليعمري الأندلسي الإشبيلي، ثم المصري الشافعي١.
قال الحافظ أبو عبد الله بن أحمد بن عبد الهادي٢، قال الحافظ فتح الدين أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري المصري، بعد أن ذكر ترجمة شيخنا الحافظ المزي:
وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، فألفيته ممن أدرك من العلوم حظا، وكاد أن يستوعب السنن والآثار حفظا.
إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر في الحديث فهو حامل رايته، أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير، فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحره العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، إلى أن دب إليه من أهل بلده داء
стр. 147
الحسد، وأكب أهل النظر منهم على ما ينتقد عليه من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلاما أوسعوه بسببه ملاما، وفوقوا لتبديعه سهاما، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازع طائفة أخرى ينسبون من الفقر إلى طريقه، ويزعمون أنهم على أدق باطن منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر لها على ما زعم بوائق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه، واستعانت بذوي الضغن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمره، وأعمل كل منهم في كفره فكره، فرتبوا محاضر، وألبوا الرويبضة للسعي بها بين الأكابر، وسعوا في نقله إلى حاضرة المملكة بالديار المصرية فنقل، وأودع السجن ساعة حضوره واعتقل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قوما من عمار الزوايا وسكان المدارس، من مجامل في المنازعة، مخاتل بالمخادعة، ومن مجاهر بالتكفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون، ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ، وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالا من المخاتل، وقد دبت إليه عقارب مكره، فرد الله كيد كل في نحره، ونجاه على يد من اصطفاه ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ . ثم لم يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة، إلى أن فوض أمره إلى بعض القضاة فتقلد ما تقلد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ، وهو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
стр. 148
٢- ابن عبد الهادي
ومنهم الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد ذو الفنون عمدة المحدثين متقن المحررين شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ عماد الدين أبي العباس حمد بن عبد الهادي بي عبد الحميد بي عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الصالحي الحنبلي١
قال ابن عبد الهادي في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية: هو الشيخ الإمام الرباني إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وبحر العلوم، سيد الحفاظ وفارس المعاني والألفاظ فريد العصر، وحيد الدهر، شيخ الإسلام، بركة الأنام، علامة الزمان، وترجمان القرآن، علم الزهاد، وأوحد العباد، قامع المبتدعين وآخر المجتهدين، تقي الدين، أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الأمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القمم الخضر محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني، نزيل دمشق، وصاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها ولا يلحق في شكلها توحيدا أو تفسيرا وإخلاصا وفقها وحديثا ولغة ونحوا وبجميع العلوم كتبه طافحة بذلك.
ولقد ترجمه ابن عبد الهادي بشيخ الإسلام مرارا كثيرة، وذكر من مناقبه في ترجمته أشياء خطيرة، وعد كثيرا من مصنفاته، ونص على نفائس من مؤلفاته، وذكره في كتابه "طبقات الحفاظ" بترجمة مختصرة ونعوت جامعة محررة، من وصف الأئمة الشيخ تقي الدين.
стр. 149
٣- الذهبي
ومنهم الشيخ الإمام الحافظ الهمام مفيد الشام ومؤرخ الإسلام، ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الفارقي الأصل الدمشقي ابن الذهبي الشافعي١
ومشيخته بالسماع والإجازة نحو ألف شيخ وثلاثمائة شيخ يجمعهم "معجمه الكبير" وكان آية في نقد الرجال. عمدة في الجرح والتعجيل، عالما بالتفريع والتأصيل، إماما في القراءات فقيها في النظريات له دربة بمذاهب الأئمة وأرباب المقالات، قائما بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف
وقال الحافظ علم الدين أبو محمد القاسم ابن البرزالي: رأيت في إجازة لابن الشهرزوري الموصلي خط الشيخ تقي الدين ابن تيمية، قد كتب تحته الشيخ شمس الدين الذهبي: هذا خط شيخنا الإمام شيخ الإسلام فرد الزمان، بحر العلوم تقي الدين، مولده عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقرأ القرآن والفقه وناظر واستدل وهو دون البلوغ، برع في العلم والتفسير، وأفتى ودرس، وله نحو العشرين وصنف التصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه، وله المصنفات الكبار، التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره في أيام الجمع، وكان يتوقد ذكاء، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مائتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحته وسقمه، فما يلحق فيه، وأما نقله للفقه، ومذاهب الصحابة والتابعين، فضلا عن المذاهب الأربعة، فليس
стр. 150
له فيه نظير، وأما معرفته بالملل والنحل، والأصول والكلام، فلا أعلم له فيه نظيرا ويدري جملة صالحة من اللغة، وعربيته قوية جدا، ومعرفته بالتاريخ والسير فعجب عجيب، وأما شجاعته وجهاده وإقدامه، فأمر يتجاوز الوصف، ويفوق النعت، وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يضرب بهم المثل، وفيه زهد وقناعة باليسير في المأكل والملبس. انتهى.
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي مرة أخرى في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية: وله باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، وقل أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها، واحتج لها بالكتاب والسنة، ولما كان معتقلا بالإسكندرية التمس منه صاحب سبتة أن يجيز له مروياته، وينص على أسماء جملة منها، فكتب في عشر ورقات جملة من ذلك بأسانيدها من حفظه، بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر محدث يكون، وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده، ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات، وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدعوه وناظروه وكاتبوه وهو ثابت، لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال مع ما اشتهر منه من الورع وكمال الفكر وسعة الإدراك، والخوف من الله العظيم، والتعظيم لحرمات الله فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة فينجيه الله تعالى، فإنه دائم الابتهال كثير الاستغاثة، قوي التوكل ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدبجها بكيفية وجمعية، وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء وسائر العامة تحبه، لأنه منتصب لنفعهم ليلا
стр. 151
ونهارا بلسانه وقلمه.
وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نوبة غازان والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين وبخطلوشاه، وببولاي، وكان قبجق يتعجب من إقدامه وجراءته على المغول، وله حدة قوية تعتريه في البحث حتى كأنه ليث حرب، وهو أكبر من أن ينبه على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم.
٤- ابن دقيق العيد
ومنهم الشيخ العلامة الإمام أحد شيوخ الإسلام، قاضي قضاة المسلمين، تقي الدين عمدة الفقهاء والمحدثين، أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري المنفلوطي المالكي الشافعي ابن دقيق العيد١
كان إماما حافظا فقيها ذا تحرير، مالكيا شافعيا ليس له نظير، وكان يفتي بالمذهبين ويدرس فيهما بمدرسة الفاضل على الشرطين، وله اليد الطولى في معرفة الأصلين، ومن مؤلفاته كتاب "الإلمام في الأحكام" وكتاب "الأربعين في الرواية عن رب العالمين".
لما قدم التتار – خذلهم الله تعالى – سنة سبعمائة إلى أطراف البلاد الشامية، وكانت العساكر المصرية قد خرجت لقتالهم، ثم قوي عليهم المطر وشدة البرد فرجعوا متوجهين إلى مصر، فبلغ ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية فركب على البريد من دمشق، وساق ليلحق السلطان قبل دخوله إلى مصر
стр. 152
فسبقه الجيش ودخل إلى القاهرة، فدخلها الشيخ تقي الدين ابن تيمية في اليوم الثامن من خروجه من دمشق، وكان دخوله مع دخول بعض العساكر إلى القاهرة يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى سنة سبعمائة فاجتمع بالشيخ أعيان البلد ومنهم تقي الدين ابن دقيق العيد فسمع كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقال له بعد سماع كلامه: ما كنت أظن أن الله تعالى خلق مثلك، وسئل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد بعد انقضاء ذلك المجلس عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية فقال: هو رجل حفظة، فقيل له: فهلا تكلمت معه؟ فقال: هذا رجل يحب الكلام وأنا أحب السكوت وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد أيضا: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا العلوم كلها بين عينيه يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد. أ. هـ.١
وما ذكرناه من ثناء العلماء قطرة من بحر، ولو أردنا أن نذكر ثناء الكثيرين لتطلب منا كتابا، ولكن من أراد المزيد، فليرجع إلى الرد الوافر والعقود الدرية في مناقب الشيخ ابن تيمية.
стр. 153
فصل في بيان أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم ينفرد لا هو ولا شيخ الإسلام ابن تيمية بكفر من أشرك بعبادة غير الله
وهاك النقول من كلام العلماء المحققين سلفا وخلفا:
قال الشيخ أحمد بن علي المقريزي سنة ٨٥٤ هجرية بعد كلام سبق:
وشرك الأمم نوعان: شرك في الإلهية وشرك في الربوبية، فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات الذين قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ويشفعوا لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته.
والكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخر ها تبطل هذا المذهب وترده وتقبح أهله، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أولهم إلى آخر هم، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله، وأصله الشرك في محبة الله، قال تعالى ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ فأخبر أنه من أحب مع الله شيئا غيره كما يحبه، فقد اتخذ ندا من دونه، وهذا على أصح القولين في الآية، أنهم يحبونهم كما يحبون الله وهذا هو العدل المذكور فيقوله تعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ، والمعنى على أصح القولين أنهم يعدلون به غيره في العبادة، فيسوون بينه وبين غيره في الحب والعبادة، وكذلك قول المشركين في النار لأصنامهم ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، ومعلوم قطعا أن هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونه ربهم وخالقهم، فإنهم كانوا كما أخير الله عنهم مقرين بأن الله
стр. 154
تعالى وحده هو ربهم وخالقهم، وأن الأرض ومن فيها لله وحده، وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم وأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وإنما كانت التسوية بينهم وبين الله تعالى في المحبة والعبادة، فمن أحب غير الله تعالى وخافه ورجاه وذل له كما يحب الله تعالى ويخافه ويرجوه، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله، فكيف بمن كان غير الله آثر عنده وأحب إليه وأخوف عنده وهو في مرضاته أشد سعيا منه في مرضاة الله، فإذا كان المسوي بين الله وبين غيره في ذلك مشركا، فما الظن بهذا، فعياذا بالله من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام، كانسلاخ الحية من قشرها، وهو يظن أنه مسلم موحد، فهذا أحد أنواع الشرك.
ثم ذكر النوع الثاني من الشرك وهو الشرك به تعالى في الربوبية، كمن جعل معه خالقا آخر كالمجوس وغيرهم، الذين يقولون أن للعالم ربين أحدهم خالق الخير والآخر خالق الشر.... إلى أن قال: وكثيرا ما يجتمع الشركان في العبد وينفرد أحدهما عن الآخر، والقرآن الكريم بل الكتب المنزلة من عند الله تعالى كلها مصرحة بالرد على أهل هذا الإشراك كقوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، فإنه ينفي شرك المحبة والإلهية، وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فإنه ينفي شرك الخلق والربوبية، فتضمنت هذه الآية تجريد التوحيد لرب العالمين في العبادة، وأنه لا يجوز إشراك غيره معه، لا في الأفعال ولا في الألفاظ ولا في الإرادات، فالشرك به في الأفعال كالسجود لغيره ، والطواف بغير بيته المحرم، وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره تعالى، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود، وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها، وقد لعن النبي ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فكيف من اتخذ القبور أوثانا تعبد من دون الله تعالى، قال تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا، وفيه أيضا: "إن من شرار الناس من
стр. 155
تدركهم الساعة وهم أحياء الذين يتخذون القبور مساجد". وفيه أيضا عنه ﷺ : "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".
ثم عدد بعض أنواع الشرك، كالسجود لغير الله، والحلف بغير الله وقول القائل: أنا متوكل على الله وعليك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذه الكلمات من شرك الألفاظ.
وأخذ المقريزي يحدثنا إلى أن قال: وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه.
فمن نوى بعمله غير وجه الله، لم يقم بحقيقة قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فاستمسك بهذا الأصل ورد ما أخرجه المبتدعة والمشركون إليه تتحقق معنى الكلمة الإلهية.
وهنا أورد سؤالا ملخصه: أن هؤلاء لم يقصدوا الاستهانة بجناب الربوبية عندما جعلوا وسائط بينهم وبين الله كالأولياء والصلحين، وإنما قصدوا تعظيمه، لأنهم جعلوا الوسائط لتقربهم إليه تعالى، فلم كان هذا القدر موجبا لغضب الله ومخلدا في النار، وموجبا لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم، وأطنب في الكلام وأجاب بجواب مسهب وملخصه كالآتي:
أن هؤلاء الذين جعلوا وسائط بينهم وبين الله شبهوا الخالق بالمخلوق، وشبهوا المخلوق بالخالق.
أما تشبيه الخالق بالمخلوق، فإنهم شبهوه بملوك البشر بحيث إنهم يقبلون شفاعة الوسطاء من الوزراء والأغنياء وذوي الجاه في العفو عمن يستحق القتل أو كالسجن أو نحو ذلك، حيث إن القبوريين يقولون إننا نتوسل بالأنبياء والصالحين نستغيث بهم لأن لهم جاها ومقاما كبيرا عند الله، وهم الواسطة بيننا وبين الله لقبول دعائنا، وقد قال الله تعالى مخبرا عن المشركين ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ
стр. 156
شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ .
أما تشبيه المخلوق بالخالق فتوضيحه أن يقال: أن من اعتقد في مخلوق حي أو ميت، نبيا كان أو وليا أو ملكا أو جنيا أو جمادا كالشمس والقمر والبحر، أنه يضر وينفع ويجيب السائلين، ويقضي حوائج الداعين أو يعتقد في الأنبياء والأولياء التصرف في الكون، كاعتقادهم في الغوث الأعظم والأبدال والنجباء، فإنه قد شبه المخلوق بالخالق، إذ هذه الصفات وهي النفع والضر وقضاء حاجة المحتاج فيما لا يقدر عليه إلا الله وإجابة المستغيث ونحو ذلك من خصائص الألوهية وليس للمخلوق ذرة في ذلك، قال الله تعالى مخاطبا لنبيه ﷺ ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ ، وقال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
فتأمل الآية أدنى تأمل لتعرف أن الأنبياء والرسل فضلا عن الأولياء وغيرهم مملوكون ومخلوقون ومدبرون لله .
وهل يقبل عقل أن يمنح المخلوق صفات الخلق أو بعض صفاته، تعالى الله عما يقول المشركون علوا كبيرا، ولهذا تبرأ المسيح عيسى ابن مر يم ممن يعبده، فقال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ, مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أ. هـ.
قال الرازي في مفاتيح الغيب: الأكثرون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب إنهم اعتقدوا أمهم آلهة العلم، بل المراد أنهم أطاعوهم في
стр. 157
أوامرهم ونواهيهم, قال الربيع: قلت لأبي العالية كيف كان تلك الربوبية في بني إسرائيل: فقال: إنهم ربما وجدوا من كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان, فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله تعالى.
قال ابن بلدجي في شرح المختار:
ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به, فلا يقول أسألك بفلان أو بملائكتك أو أنبيائك أو نحو ذلك, لأنه لا حق للمخلوق على خالقه, أو يقول في دعائه أسألك بمعقد العز من عرشك, وعن أبي يوسف جوازه لما يروى أنه ﵊ دعا بذلك, ولأن معقد العز من العرش إنما يراد به القدرة التي خلق الله تعالى بها العرش مع عظمته, فكأنه سئل بأوصافه.
وما قال فيه أبو حنيفة وأصحابه: أكره كذا, فهو عند محمد حرام, وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب, وجانب التحريم عليه أغلب.
فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله تعالى به والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه, وأنحج في قضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله تعالى والنذر له, ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى أن يتخذ قبره وثنا يعكف عليه ويوقد عليه القنديل والشمع, ويعلق عليه الستور, ويبني عليه المسجد ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده, ثم ينقله درجة أخرى وإلى عبادته واتخاذه عيدا أو منسكا وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم,
وقال في النهر الرائق: اعلم أن الشيخ قاسما, وهو من أكابر العلماء الحنفية رحمهم الله تعالى قال في شرح درر البحار: إن النذر الذي يقع من أكثر العوام, بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي فلك كذا, باطل إجماعا لوجوه.... الخ
إلى أن قال: ومنها الظن أن الميت يتصرف في الأمور, واعتقاد هذا كفر, والمسلم لا يطلب حاجته من غير الله, فإن من طلب حاجته من ميت أو
стр. 158
غائب فقد فارق الإسلام.
وممن صرح بهذه المسألة من علمائننا الحنفية صاحب الفتاوى البزازية, والعلامة صنع الله الحلبي المكي, وصاحب البحر الرائق, وصاحب الدر المختار, والعلامة قاسم بن قطلوبغا, والعلامة بير علي البركوي صاحب الطريقة المحمدية, وأبو سعيد الخادمي, ومولوي عبد الحي اللكنوي, وغيرهم ﵏ أجمعين. أ. هـ١
قال العلامة محيي الدين محمد البركوي الحنفي:
فإن قيل فما الذي أوقع عباد القبور في الافتتان بها مع العلم بأن ساكنيها لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
قيل أوقعهم في ذلك أمور, منها الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله, بل جميع الرسل, من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك, فالذين قل نصيبهم من ذلك إذا دعاهم الشيطان إلى الفتنة بها, ولم يكن لهم من العلم ما يبطل دعوته, استجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل, وعصموا بقدر ما معهم من العلم.
ومنها أحاديث مكذوبة مختلفة, وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله ﷺ , وهي تناقض دينه وما جاء به كحديث "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه" وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام, وضعها عباد القبور, وراجت على أشباههم من الجهال والضلال, والله تعالى تعث رسوله ﷺ لقتل من حسن ظنه بالأحجار وجنب أمته الفتنة بالقبور بكل طريق.
وذهب يتحدث إلى أن قال:
وكثير من الناس يدعو دعاء يعتدي فيه أو يشرك أو يكون فيه ما لا يجوز
стр. 159
أو يسأل, فيحصل له ذلك كله أو بعضه, فيظن أن عمله صالح مرضي عند الله تعالى, ويكون كمن أملى له, وأمده بالمال والبنين, وهو يظن أن الله تعالى يسارع له في الخيرات, وقد قال الله تعالى ﴿َلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ , فالدعاء قد يكون عبادة فيثاب عليه الداعي, وقد يكون مسألة تقضي حاجته, ويكون مضرة عليه إما أن يعاقب بما يحصل له أو ينقص به درجته, فإنه تعالى يقضي حاجته ويعاقبه على ما جرأ عليه من إضاعة حقوقه وارتكاب حدوده.
ثم قال بعد كلام:
وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك فقال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله تعالى إلا به, قال وأكره أن يقول أسألك بمعقد العز من عرشك, وأكره أن يقول بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام.
قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم لأنه لا حق لغير الله عليه, وإنما الحق لله تعالى على خلقه.
قال أبو عبد الله الحليمي ﵀ من الشافعية:
الغياث هو المغيث وغياث المستغيثين هو الله تعالى فالاستغاثة من المخلوق فيما لا يقدر عليه لا يجوز. بل يكون كفرا إذا قامت عليه الحجة.
وأما الاستعانة فهو طلب العون, ولا خلاف أنه يجوز أن يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا, كأن يستعين به أن يحمل معه متاعه أو يعلف دابته أو يبلغ رسالته, كما في قوله تعالى ﴿َتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ , وأما ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ فلا يستعان فيه إلا به, ومنه ﴿ِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في تطهير الاعتقاد عن درن الإلحاد:
стр. 160
الرسل مبعوثون للدعوة إلى إفراد الله بالعبادة, فاعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة, لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه, إذ هم مقرون بذلك كما قررناه, ولذا قالوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ . أي لنفرده بالعبادة, ويخصه بها من دون آلهتنا؟ فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله, ولم ينكروا الله تعالى, ولا قالوا: إنه لا يعبد, بل أقروا بأنه يعبد, وأنكروا كونه يفرد بالعبادة, فعبدوا مع الله غيره, وأشركوا معه سواه, واتخذوا معه أندادا, كما قال الله تعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ , أي وأنتم تعلمون أنه لا ند له, وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج, لبيك لا شريك لك, إلا شريكا هو لك, تملكه وما ملك.
ثم قال بعد كلام مضى: ومن هذا تعرف أن التوحيد الذي دعتهم إليه الرسل من أولهم هو نوح ﵇ إلى آخرهم وهو محمد ﷺ وهو توحيد العبادة, ولذا تقول لهم الرسل: أن لا تعبدوا إلا الله ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
وقد كان المشركون منهم: من يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد, ومنهم من يعبد أحجارا ويهتف بها عند الشدائد, فبعث الله محمدا ﷺ يدعوهم إلى عبادة الله وحده, بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية, أي بربوبية السموات والأرض, وأن يفردوه بمعنى ومؤدى كلمة "لا إله إلا الله" معتقدين لمعناها, عاملين بمقتضاها, وأن لا يدعوا مع الله أحدا.
وأخذ الشيخ في الكلام على توحيد الألوهية إلى أن قال:
فإفراد الله بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله, والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده, والاستعانة بالله وحده, واللجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى, وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللا لله تعالى, والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كله لا يكون إلا لله , ومن فعل شيئا من ذلك لمخلوق حي أو ميت
стр. 161
أو جماد أو غيره, فقد أشرك في العبادة, وصار من تفعل له هذه الأمور إلها لعابديه سواء كان ملكا أو نبيا أو شجرا أو قبرا أو جنيا أو حيا أو ميتا, وصار العابد بهذه العبادة أي نوع منها عابدا لذلك المخلوق مشركا بالله وإن أقر بالله وعبده, فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك, وعن وجوب سفك دمائهم, وسبي ذراريهم, وأخذ أموالهم غنيمة, وجاء في الحديث القدسي "أنا أغنى الشركاء عن الشرك" , وفي الحديث القدسي أيضا: "لا يقبل الله عملا شورك فيه غيره, ولا يؤمن به من عبد معه غيره".
قال العلامة الشوكاني بعد كلام سبق:
وإذا تقرر هذا فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه, إما استقلالا أو مع الله تعالى أو ناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق, فلم يخلص التوحيد لله لا أفرده بالعبادة, ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرا أو شجرا أو ملكا أو شيطانا كما كان يفعل ذلك الجاهلية وبين أن يكون إنسانا من الأحياء أو الأموات كما يفعله كثير من المسلمين, وكل عالم يعلم هذا ويقر به, فإن العلة واحدة وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد وللحي كما يكون للميت, فمن زعم أن ثم فرقا بين من اعتقد في وثن من الأوثان, أنه يضر أو ينفع أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى وبين من اعتقد في نبي أو ولي مثل ذلك, فقد غلط وأقر على نفسه بجهل كثير, فإن الشرك هو دعاء غير الله فيما يختص به تعالى أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه, أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه.
قال في الإقناع وشرحه: من بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم كفر إجماعا, لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام, قال الإمام أبو
стр. 162
الوفاء علي بن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى: إن من يعظم القبور ويخاطب الموتى بقضاء الحوائج ويقول يا مولاي ويا سيدي عبد القادر, افعل لي كذا, فهو كافر بهذه الأوضاع, ومن دعا ميتا وطلب قضاء الحوائج منه فهو كافر.
وقال العلامة ابن حجر في شرح الأربعين له: من دعا غير الله فهو كافر. قال الشيخ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ﴾ الآية، قال: الأحبار جمع حبر وهو العالم، والرهبان جمع راهب ومعناه في اللغة الخائف، والمعنى: اتخذ كل من اليهود والنصارى رؤساء الدين فيهم أربابا، فاليهود اتخذوا أحبارهم وهم علماء الدين فيهم أربابا بما أعطوهم من حق التشريع فيهم وأطاعوهم فيه، والنصارى اتخذوا رهبانهم أي عبادهم الذين يخضع العوام لهم أربابا كذلك، والأظهر أن يكون المراد من الأحبار والرهبان جملة رجال الدين في الفريقين أي من العلماء والعباد، وروى الترمذي وحسنه وأحمد وابن جرير عن عدي بن حاتم ﵁ أنه لما قدم على النبي ﷺ سمع ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، قال: فقلت إنهم لم يعبدوهم، فقال بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذاك عبادتهم إياهم.
стр. 163
الشبهة الخامسة عشر: إن الوهابيين خالفوا المسلمين بمنعهم الإحتفال بالمولد النبوي الشريف
...
الشبهة الخامسة عشرة
إن الوهابيين مما خالفوا فيه المسلمين بمنعهم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف زاعمين أنه بدعة سيئة، وقد استحسنه العلماء وعملوا به منذ قرون عديدة في أكثر القرى والأمصار الإسلامية في ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام، ويحضر في هذا الاحتفال كثير من العلماء والوجهاء والأمراء والوزراء، ويستبشرون بتلك الليلة الشريفة وتتلى فيها قصة المولد الشريف، وتنشد فيها قصائد المدائح النبوية، وقد تمد الموائد بأنواع الأطعمة الفاخرة للغني والفقير، ويحصل بذلك الاحتفال بذكرى ولادته ﷺ نهاية الفرح والسرور والأنس والحبور، يدل هذا الاحتفال الشريف على حب المحتفلين للرسول ﷺ القائل: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". وقد استندوا في دعواهم إلى ما يلي:
أولا: قد استنبط الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ من حديث: صوم النبي ﷺ يوم عاشوراء لما قدم المدينة ووجد اليهود يصومون فسألهم قالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله، فقال ﷺ : " فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه".
فالذين يحتفلون بمولده باعثهم المحبة والفرح شاكرين الله تعالى على ما أنعم الله به على المسلمين من ولادة هذا الرسول الكريم والسيد العظيم الذي فضله الله على الخلائق أجمعين.
ثانيا: ما أخرجه البيهقي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة خرج السيوطي في حسن المقصد لعمل المولد عليه، قال قد ظهر لي تخريجه -أي عمل المولد النبوي، على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد
стр. 164
المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي ﷺ إظهارا للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريعا لأمته كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده.. الخ كلام السيوطي وقد نقله عنه شارح "المواهب اللدنية" الزرقاني ج ١ ص ١٤٠، وذكر مثل ما سبق.
ثالثا: ما جاء في حديث أن أبا لهب أعتق ثويبة لما بشرته بولادة الرسول ﷺ ويخفف الله عنه العذاب كل يوم اثنين.
رابعا: قد ألف كثير من العلماء رسائل في استحسان المولد منهم العلامة السيوطي، وسمى رسالته "حسن المقصد في عمل المولد"، ومنهم ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى "مورد الصادي في مولد الهادي"، "وعرف التعريف بالمولد الشريف" لشمس الدين بن الجزري، وملا علي قاري في رسالته "المورد الروي في المولد النبوي" وغيرهم كثير ممن ألف في استحسان المولد النبوي.
خامسا: ويكفينا في الرد على الوهابية ما ورد في الحديث "ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن" وقد رأى أكثر المسلمين حسن قراءة المولد والاحتفال به، وكيف لا يستحسن وفي هذا الاحتفال ذكر ولادة النبي ﷺ ، وكثرة الصلاة والسلام عليه من الحاضرين، ويتذكرون بتلك القراءة ما كان من إرهاصات نبوته ومعجزاته وحسن أخلاقه وسيرته، وهذه الأمور تزيد المؤمن إيمانا، وتنمي محبته في قلوب الحاضرين والباعثة على الاقتداء به كما يزيد السامعين المسلمين هذا الاحتفال الشريف فرحا وسرورا بمولده ﷺ ، وقد قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ . فترى أن الله أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي ﷺ أعظم رحمة كما قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . فماذا في هذا من المضار والسيئات حتى تمنعه الوهابية وتبدع فاعله، أفلا يدل منعهم عن الاحتفال بالمولد على عدم محبتهم أو على الأقل ضعف محبتهم للرسول ﷺ .
стр. 165
الجواب عن الشبهة الخامسة عشرة
والجواب ومن الله أستمد الصواب من وجوه:
الأول: ليعلم القارئ أن قصة المولد باب من أبواب سيرة الرسول ﷺ وأنه ينبغي للمسلم أن يقرأ سيرة هذا النبي الكريم، ويقف على تلك الأخلاق التي منحه الله إياها، حتى قال الله تعالى في حقه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
وقد أجاد القائل:
خلقت مبرأ من كل عيب ... فكأنك قد خلقت كما تشاء
كما ينبغي للمسلم أن يقف على صفاته الكريمة ومعجزاته العظيمة وسيرته العاطرة وغزواته المظفرة وما إلى ذلك مما ذكر في السيرة، ليزداد إيمانا، وقد ألف العلماء قديما وحديثا في سيرة المصطفى ﷺ كتبا تفوق العد والإحصاء، ولكن هاهنا أمران: الأول: أنه ينبغي أن يعرف المسلم الصحيح من الضعيف من الموضوع مما سطر في كتب السير، والغث من السمين، وينبغي للمسلم الصحيح تمييز الذي صححه علماء الحديث المعتمد عليهم أو حسنوه، وأما قراءة ما هب ودب وما كان صحيحا وما كان ضعيفا، وما كان موضوعا ومكذوبا، فلا ينبغي أن يقرأ إلا ما كان صحيحا وهنا يتميز العالم من الجاهل والمحب للرسول ﷺ من المدعى لهذا الحب، لأن كتب السيرة مشحونة بالضعيف والموضوع وفيها من الصحيح أيضا الشيء الكثير، فينبغي للقارئ الاعتناء بالصحيح والحسن، ولا يعتمد على مجرد ما يراه مكتوبا في كتاب منسوب إلى عالم من العلماء الأجلاء، لأن كثيرا من العلماء يوردون في مؤلفاتهم الصحيح والضعيف والموضوع، إما لأنه غير محقق أو لأنه يريد أن يورد كل ما في الباب اتكالا على فهم القارئ وتمييزه. أو ناقلا عن غيره جاعلا العهدة على المنقول عنه.
стр. 166
والأمر الثاني: أنه لا ينبغي الاقتصار على قراءة شيء من السيرة كقصة المولد في ليلة معينة في شهر معين كما يفعله الناس من عصور إلى اليوم في ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول كما سيأتي بيانه، بل تقرأ سيرته الطاهرة في أي وقت أراده القارئ.
فالشيخ محمد وأتباعه وجميع السلفيين والموحدين لا ينكرون قراءة سيرة الرسول ﷺ بما فيها قصة المولد الشريف، وكيف وقد ألف الشيخ في سيرة الرسول ﷺ وابنه عبد الله كما سبق بيانه، وإنما ينكرون الاقتصار على ما ذكرت والاعتقاد بأن الاحتفال بالمولد في ليلة الثامن أو الثاني عشر من شهر ربيع الأول خاصة إنه مندوب أو بدعة حسنة يثاب فاعلها، وينكرون المولد لما مر بيانه، ولما يجري فيه من المنكرات كاختلاط الرجال بالنساء، ودق الطبول، واستعمال آلات الملاهي في بعض الأقطار، وكذلك ألعاب القمار والميسر إلى غير ذلك مما لا يخفى على من له عناية بهذا الشأن.
والجدير بالذكر مما ينبغي أن يفهمه المسلم أن كثيرا من الكتب التي ألفت خصوصا في المولد النبوي الشريف ملئت بالأكاذيب والموضوعات، التي تخالف العقل وتسيء إلى الرسول ﷺ أولا، وإلى الدين الإسلامي ثانيا، ويقرأه الناس عالمهم وجاهلهم، ولم يحصل إنكار من العلماء ألا في قليل على ما جاء في تلك الكتب من الأقاويل الواهية والمدائح الغير صحيحة المزرية.
وسأنقل للقارئ فيما يأتي مقتطفات من بعض الكتب المؤلفة في قصة المولد الشريف، وبيان ما فيها مما ليس بصحيح، بل من الموضوع والمكذوب، وفي بعضها من الشرك والضلال إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: إنه من المسلم به عند العلماء أنه لا حجة في فعل أحد ولا في كلام أحد، عالما ذلك أو غير عالم، وإنما الحجة في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فيما صح عنه.
стр. 167
وما كل قول بالقبول مقابل ... ولا كل قول واجب الرد والطرد
سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل ياذا عن الرد
وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على قدر الأدلة في النقد
ونحن نتحدى أولئك المستحسنين للمولد النبوي والمنكرين على الشيخ محمد بن عبد الو هاب في إنكاره المولد بأن يأتوا بدليل من القرآن أو السنة الصحيحة أو الحسنة، أو من قول أو من فعل أحد الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين الذين اتفق أكثر المسلمين على علومهم وهدايتهم ودرايتهم واجتهادهم واتباعهم للشرع الأنور كالأئمة الأربعة والسفيانين وعبد الله بن المبارك وإسحق ابن راهويه وعلي بن المديني وابن معين والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني وسائر العلماء المحققين، بأنهم استحسنوا الاحتفال بالمولد.
والوجه الثالث: الجواب عن قولهم أن الأكثرين استحسنوا الاحتفال بالمولد، وألف الكثيرون رسائل في استحسان قراءة المولد: فهذا ليس بحجة يعتمد عليها إلا عند من غاب رشده وسفه نفسه، ونحن نسأل هل هذا العمل سنة مستندة إلى قول الرسول ﷺ أو فعله أو تقريره أو فعل الخلفاء الراشدين، فإن قالوا ورد في القرآن أو عن النبي، قلنا أثبتوا لنا ما تدعون، فإن قالوا لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة كما يعترفون هم بذلك، ولكن هذا العمل بدعة حسنة لما قدمناه من الأدلة ولما يحتوي على تلك المحاسن من قراءة سيرة النبي ﷺ ، وتذكير الحاضرين بأخلاقه وشمائله وذكر ولادته، إلى غير ذلك مما سبق ذكره، فالجواب ليس في البدع بدعة حسنة بل كل بدعة ضلالة، وتقسيم البدعة إلى خمسة أقسام حسنة وسيئة ومباحة ومكروهة ومحرمة ليس له أصل، إنما هو من كلام بعض العلماء، والعالم يصيب ويخطئ وهو مأجور إن شاء الله على اجتهاده وإن أخطأ، لأن المصيب له أجران، والمخطئ له أجر، ولكن لا يجوز الاقتداء به في خطئه وسيأتي
стр. 168
التفصيل في قولهم أن هناك بدعة حسنة.
الوجه الرابع: أن نقول: أن الأكثرية ليست دليلا على الحق. قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ .
ولا ريب أنه قد مضى أكثر من ثلاثة قرون على المسلمين لم يكن هذا الاحتفال, وإنما أحدثه الفاطميون بمصر في أثناء القرن الرابع, كما أحدثوا بدعا كثيرة منها مولد علي بن أبي طالب, والسيدة فاطمة الزهراء, والحسن والحسين, ومولد الخليفة الحاضر, وقبر الحسين, وتقديس القبور.
وأحدث المولد النبوي أيضا الملك المظفر ملك إربل ناحية الموصل في أواخر القرن السادس أوائل القرن السابع.
وإلى القارئ ما ذكره السيد رشيد رضا في مقدمة رسالته ذكرى المولد النبوي نقلا عن تاريخ ابن خلكان:
قال: والمشهور أن المُحْدِثَ لها هو أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين التركماني الجنس الملقب بالملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل, أحدثها في أوائل القرن السابع أو أواخر القرن السادس, فإن السلطان صلاح الدين ولاه على إربل في ذي الحجة سنة ٥٨٦هـ وتوفي سنة ٦٣٠هـ, وقد كان سخيا متلافا صاحب خيرات كثيرة, وكان ينفق على الاحتفال بالمولد ألوفا كثيرة, ففي تاريخ ابن خلكان أنه كان ينصب له مقدار عشرين قبة من الخشب, كل قبة منها أربع طبقات أو خمس طبقات له قبة منها والباقي للأمراء وأعيان دولته, وكانوا يزينون هذه القباب في أول شهر صفر بأنواع الزينة الفاخرة, وكان يكون في كل قبة جوق من الأغاني, وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي, بل كانوا لا يتركون طبقة من الطبقات بغير جوق من تلك الأجواق, وكان الناس يتركون كل عمل في تلك الأيام فلا يتقى لهم شغل إلا التفرج والدوران على القباب.
قال ابن خلكان: فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم
стр. 169
شيئا كثيرا زائدا عن الوصف وزفها بجميع ما عنده من الطبول والأغاني والملاهي حتى يأتي بها إلى الميدان, ثم يشرعون في نحرها وينصبون القدور ويطبخون الألوان المختلفة, فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة شيء كثير وفي جملتها شمعتان أو أربع – أشك في ذلك- من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة منها على بغل ومن ورائها رجل يسندها وهي مربوطة على ظهر البغل, فإذا كانت صبيحة يوم المولد أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية على يد كل شخص منهم بقجة, وهم متتابعون كل منهم وراء الآخر فينزل من ذلك شيء كثير لا أتحقق عدده.
ثم ذكر عرضه الجند وتوزيعه تلك الخلع بعد ذلك على الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء ومد السماط, وكان قد ذكر قبل ذلك أن الناس كانوا يأتون هذا الموسم في إربل من بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم, وتلك النواحي فلا يزالون يتواصلون من شهر المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول.
لخصت هذا من تاريخ ابن خلكان الذي وصف ما رآه بعينيه, لأن ما يعمل بمصر الآن يشبه ما كان يعمل في إربل إلا أنه دونه عظمة ونفقة, فههنا تنصب قباب أو خيام النسيج الجميلة لعزيز مصر ولوزارات حكومته ولبعض الوجهاء في دائرة واسعة, ويختلف إليها الناس من أول شهر ربيع الأول يسمعون في بعضها وعظ الوعاظ وذكر أرباب الطرق المعروفة, ويرأس الاحتفال هنا شيخ مشايخ طرق الصوفية ويقيم بجانب خيمته مأدبة فاخرة في مساء اليوم الحادي عشر من الشهر يحضرها كبار العلماء وكثير من الوجهاء ويكون الاحتفال الأكبر في الليلة الثانية عشرة في خيمته فيجتمع فيها من حضر المأدبة ويؤمها الأمراء والوزراء حتى إذا ما انتظم جمعهم حضر عزيز مصر بحاشيته, وتقرأ بين يديه قصة المولد فيخلع على من يقرأها خلعة سنية, وتدار بعد قراءتها كؤوس الشراب المحلى وصواني الحلوى الجافة ثم
стр. 170
ينصرف العزيز إلى خيمته وهي بجانب قبة شيخ الشيوخ فيمكث فيها ساعة زمانية, يشاهد في أثنائها زينة الألعاب النارية, ثم ينصرف وينصرف الأمراء والوزراء, ويظل الناس يطوفون على تلك الخيام المزينة بالأنوار الكهربائية وغير الكهربائية عامة ليلتهم, في ضحوة ذلك اليوم يحضر نائب العزيز قبة شيخ الشيوخ فتعرض عليه مواكب الطرق الصوفية, يتقدم كل طريقة شيخها وهم يهللون ويتلون الأوراد ويقف كل منهم أمام شيخ الشيوخ قليلا فيحييه ثم ينصرف. أ. هـ١.
فهذه القرون التي قد خلت بما فيها من عصر النبي ﷺ والصحابة ﵃ بما فيها من علماء التفسير والحديث والتوحيد والأصول وسائر العلوم الإسلامية والعربية, وما في تلك القرون من الصالحين والحكام والأمراء وسائر الناس, إلى عصر الفاطميين والملك المظفر, أكان كل أولئك لا يحبون الرسول ﷺ وجاءت القرون الأخيرة وأحبوا الرسول أكثر مما أحبه أولئك السالفون؟
هل يتصور عاقل أن يكون حب هؤلاء أكثر من حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ﵃ أجمعين للرسول ﷺ ؟ وهم الذين قدموا أرواحهم وأموالهم ودماءهم في سبيل نصرة هذا الدين وشريعة سيد المرسلين, ومحبتهم له ﷺ تجل عن الوصف.
فهذا أبو بكر الصديق ﵁, تضربه قريش حتى يغمى عليه, وعندما يفيق من إغمائه لا يسأل عن شيء يخصه وأهله, فلا يسأل عن أبيه ولا عن أبنائه, ولكن يسأل عن الرسول ﷺ فيقول ماذا فعل محمد ﷺ ؟ فيقولون له: بخير.
стр. 171
وأحسب أنني في غنى عن بيان محبة الصحابة رضوان الله عليهم للنبي ﷺ , والتابعين وسائر العلماء المهتدين, لأن محبتهم معلومة لكل من قرأ سيرة أصحابه ﷺ أو سمعها.
الخامس:الجواب عن قولهم: بأن الاحتفال بالمولد إن لم يرد في الحديث فهو بدعة حسنة أن نقول: القول بالبدعة الحسنة مفسدة للدين ومضيعة له, وممكن لأعدائه من القضاء عليه إذ يمكنهم حينئذ أن يأتوا المنكرات والفواحش والضلال, ويقولون بدعة حسنة حسنتها عقولنا, وهم كاذبون منافقون, ينوون بها هدم الشريعة الغراء, فلا يقدر القضاء عليهم ودرء شرهم وكيدهم إلا بعدم الابتداع في الدين.
وكم أصاب الملحدون والدجالون الدين الإسلامي بتلك المقالة الخادعة, وما نالت الباطنية من الدين الحنيف غرضها وإفساده إلا بالبدع التي أحدثوها وزعموها دينا ومقربا لله, وما هي إلا تضليل وتمويه على الناس,
والمشرعون الحكماء يجتهدون في سد الأبواب التي منها يلج الأعداء, فكيف بأحكم الحاكمين وأحكم المشرعين, خالق السموات والأرضين ورب العالمين؟
السادس: الجواب: عن تجويز الابتداع, هو تحكيم لناقصي العلم في الشريعة, كيف يشاؤون, وكيف سولت لهم أنفسهم, وأغلب الناس لا يعرفون الحسن من القبيح, ولا يميزون النافع من الضار, فيقضون على الدين من حيث لا يعلمون.
السابع: أننا نرى جميع المحدثات في الإسلام المزعومة بأنها حسنة, قد جلبت على الدين الويلات, وأهلكت أهله وأغرتهم بارتكاب المحرمات, وأوقعتهم في كل ما ينهى عنه الدين من فسوق ومروق وشرك, فانظر إلى بدعة البناء على القبور وأسراجها والعناية بها وطرح الزينات عليها في مساجدها كيف أفسدت على المؤمنين إيمانهم, وخلطت عقائدهم
стр. 172
بما يكون كفرا وإشراكا, فهم يذهبون إلى هؤلاء الموتى المنسوبين إلى الصلاح, يسألونهم حاجاتهم الدنيوية والأخروية بخشوع وخضوع واستكانة وتمسكن, ويأملون فوق ما يأملون الله العظيم, ويخافونهم أكثر من خوفهم من الله رب العالمين, ويطلبون منهم ما لا يطلب إلا من رب العالمين, ويتضرعون بالضراعات التي لا تكون إلا من أتقى المتقين بين يدي مالك يوم الدين, ولا يخفى ما يقع عند مقام الشافعي والحسين بن علي والسيد أحمد البدوي والدسوقي والرفاعي والسيد عبد القادر الجيلاني والزيلعي والعيدروسي وغيرهم ممن بنوا عليهم المقامات العالية والأضرحة الفخمة, وطفق الجهلة يحجون إليهم ويضرعون لديهم ويطلبون منهم, فالمريض يسأل الشفاء والعانس تطلب الزواج, والأعمى يريد البصر, والفقير يريد الغنى, والعزب الفقير يدعوه أن يزوجه ويهديه إلى المرأة الصالحة, إلى غير ذلك من الأمور البدعية والشركية مما هو ملموس ومحسوس.
وفكر في نتائج القول بالبدعة الحسنة, إن الكثيرين من الشافعية في بلدان كثيرة ابتدعوا صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة, بدعوى الاحتياط والبدعة الحسنة, لسد خلل إن حصل في صلاة الجمعة, كيف تجر هذه البدعة الشنعاء إلى الكفر إن اعتقد المصلون بوجوبها, لأن الله تعالى لم يفرض علينا صلاة سادسة, أو زيادة ركعة, لأن اعتقاد وجوب هذا كفر لا ريب فيه, كما لو اعتقد بنقص ركعة من ركعات الصلاة.
وهذه البدعة روجها بعض العلماء لأجل ما ذكرته سلفا, ولم يتأملوا ما ينتج منها من الاعتقادات الفاسدة, والدليل على ذلك: أن المأموم ينوي فرض صلاة الظهر, وأي احتياط لمصلين في مسجد يبلغ المأمومون أكثر من أربعين؟ بل وأحيانا مئات وألوفا؟ وأي حسنة في هذا؟ وخصوصا في بلد لا تقام فيها إلا جمعة واحدة, علما أن قولهم: إذا تعددت الجمع ولم يعرف السابقة, فيصلي الظهر احتياطا وجوبا, أو عرف السابقة, فالثانية باطلة وتصلى الظهر, كلام غير صحيح, وقد ذكرت تفصيل ذلك في كتابي الجمعة
стр. 173
ومكانتها في الدين, فانظر إن أردت.
وانظر أيضا إلى بدعة الموالد وما نتج منها من انتشار الفواحش واختلاط الرجال بالنساء واحتكاكهم بهن وإلى ما استتبعته من شرب الخمور والمسكرات وترك الصلوات, وإنفاق الأموال الطائلة في غير ما ينفع, وكل ذلك يفعلونه على حساب الدين.
الثامن: قولهم: جاء في الحديث " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن".
الجواب: إن هذا الذي سموه حديثا ليس بحديث, ولكن يروى كأثر عن ابن مسعود ﵁.
وإن سلمنا بأن ما يراه المسلمون حسنا, فالمراد جميع المسلمين, إذ إن "أل" إذا أطلقت في مثل هذا الموطن لا تكون إلا إلى الاستغراق كقوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقوله تعالى ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
وأثر ابن مسعود يرد عليهم: لأن المسلمين بمعنى الكلمة هم القرون الأولى, الصحابة والتابعون والأئمة المرضيون, وهم يرون أن الحسن كل الحسن هو نبذ البدع والمحسنين لها.
وإذا كان المراد جميع المسلمين, فعندئذ يكون إجماعا, والإجماع حجة, ولكن لم يقع إجماع على تحسين قراءة قصة المولد والاحتفال به, بل ما زال الخلاف موجودا منذ أن أحدثه الفاطميون والملك المظفر.
والأمر الثاني: إن عقول الناس وأفهامهم تختلف, فقد يستحسن قوم أمرا بينما يستقبحه آخرون فمثلا: الاحتفال بالمولد استحسنه الكثيرون كما ذكر المعترضون, ولكن لم يستحسنه أيضا كثير من العلماء منهم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وابن قيم الجوزية وابن الحاج المالكي والفاكهاني والشيخ نصير الدين المبارك الشهير بابن الطباخ والحافظ أبو زرعة العراقي وأكثر الحنابلة ﵏ أجمعين.
стр. 174
واستحسن الكثيرون بناء القباب على الأنبياء والصالحين, وهو بلا شك من ذرائع الشرك ومصادم للأحاديث النبوية الواردة في تحريم البدع.
والخلاصة: إن استحسان الكثيرين ليس بحجة, ولا يحتج به إلا من أفلس في ميدان إقامة الأدلة الصحيحة.
التاسع: تشبثهم بصيام النبي ﷺ يوم عاشوراء, واستنباط العسقلاني منه لعمل المولد, فإليك الجواب:
استنباط الحافظ العسقلاني ﵀ لم يكن صوابا, وإنما هو مجرد فهم فهمه لأن عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة, فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم يمنع اعتبار ذلك الفهم أن يكون صحيحا ودليلا عليه, إذ لو كان صحيحا لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهم من بعدهم, كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلا عليه, إذ لو كان دليلا عليه لعمل به السلف الصالح, فاستنباط ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي ما دام الأمر كذلك من حديث صوم يوم عاشوراء, ومن أي نص آخر مخالف لما أجمع عليه السلف من ناحية فهمه ومن ناحية العمل به وما خالف إجماعهم فهو خطأ, لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى, وقد بسط الشاطبي الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتاب الموافقات, وأتى في كلامه بما لا شك فيه أن الحافظ ابن حجر العسقلاني لو تنبه له لما خرج عمل المولد على حديث صوم يوم عاشوراء ما دام السلف لم يفهموا تخريجه عليه منه ولم يعملوا به على ذلك الوجه الذي فهمه منه. أ. هـ١.
стр. 175
أما احتجاج المحسنين للمولد بما رواه البيهقي عن أنس أن النبي عق عن نفسه بعد النبوة, وتخريج السيوطي ﵀ عمل المولد النبوي عليه استنباطا منه:
فالجواب: استنباط الحافظ السيوطي باطل, لأن الحديث الذي رواه البيهقي لم يثبت عند أهل العلم, لأنه من رواية عبد الله بن محرر عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة, قال الإمام أحمد هذا الحديث منكر وضعف ابن المحرر.
وقال النووي في الجزء الثامن من "المجموع شرح المهذب ص ٣٣٠ في "باب العقيقة"
أما الحديث الذي ذكره الشيرازي في عق النبي ﷺ عن نفسه فرواه البيهقي بإسناده, عن عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة, وهذا حديث باطل, قال البيهقي هو حديث منكر, وروى البيهقي بإسناده عن عبد الرزاق قال: "إنما تركوا عبد الله بن محرر بسبب هذا الحديث". قال البيهقي وقد روى هذا الحديث من وجه آخر عن قتادة, ومن وجه آخر عن أنس وليس بشيء فهو حديث باطل, وعبد الله بن محرر ضعيف متفق على ضعفه, قال الحافظ هو متروك.
وقال الحافظ أبو الحجاج المزي في ترجمة عبد الله بن محرر من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" بعد إيراد كلام أئمة الجرح والتعديل فيه قال: قال عبد الرزاق عن عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة, قال عبد الرزاق إنما تركوه –أي عبد الله بن محرر- لحال هذا الحديث.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب "العقيقة" من تلخيص الحبير ج٤ ص١٤٧ –قوله- أي الرافعي – روى أنه ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة, البيهقي من حديث قتادة عن أنس وقال: منكر وفيه عبد الله بن محرر وهو ضعيف جدا, وقال عبد الرزاق: إنما تلكموا فيه لأجل هذا الحديث, قال
стр. 176
البيهقي: وروي من وجه آخر عن قتادة, ومن وجه آخر عن أنس وليس بشيء, قلت القائل ابن حجر العسقلاني, أما الوجه الآخر عن قتادة فلم أره مرفوعا, وإنما ورد أنه كان يفتي به كما حكاه ابن عبد البر, بل جزم البزار وغيره بتفرد عبد الله بن محرر به عن قتادة، وأما الوجه الآخر عن أنس فأخرجه أبو الشيخ في الأضاحي وابن أيمن في مصنفه والخلال من طريق عبد الله بن المثنى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أبيه، وقال النووي في شرح المهذب هذا باطل أ. هـ كلام الحافظ في تلخيص الحبير.
وعلى الفرض أن يكون حديث العقيقة صحيحا، فأي مناسبة لاستخراج المولد منه، فالنبي ﷺ الذي عق عن نفسه كما في هذه الرواية الضعيفة لم يشرع لأصحابه الاحتفال بمولده ولا فعلته الصحابة ولا التابعون، هل كان أولئك القوم غير محبين للرسول ﷺ أو كانوا بلداء وأغبياء ليس عندهم ذلك الفهم وتلك المقدرة على الاستنباط، كما قدر الحافظ السيوطي وأمثاله من الذين يستنبطون بزعمهم من الأحاديث الضعيفة – حاشا لله أن يتصفوا بمثل هذه الصفات.
وأما تشبثهم أو تمسكهم بخبر عروة في شأن أبي لهب مع جاريته ثويبة، بأنها لما بشرت أبا لهب حينما ولد رسول الله ﷺ فأعتقها، ولهذا ورد أن الله تعالى يخفف عنه العذاب في كل يوم اثنين حتى أنشد بعضهم:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه ... وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائما ... يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره ... بأحمد مسرورا ومات موحدا
والجواب من وجوه:
أولا: أن هذا الحديث مرسل، أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به.
ثانيا: أنه لو كان موصولا، فلا حجة فيه لأنه رؤيا منام.
стр. 177
ثالثا: الحديث أصله ثابت في صحيح البخاري في باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ساق الإمام البخاري بعد أن ذكر الآية حديثين ومفادهما أنه يحرم من الر ضاع ما يحرم من النسب والحديث الثالث رقم -٥١٠١- حدثنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته "أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي١ بنت أبي سفيان، فقال: أو تحبين ذلك؟ فقلت: نعم، لست لك٢ بمخليه، وأحب من شار كني في خير أختي: فقال النبي ﷺ : إن ذلك لا يحل لي. قلت فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم. فقال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي. إنها لابنة أخي من الرضاعة. أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن. قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ فلما مات أبو لهب أريه٣ بعض أهله بشر٤ حيبة، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم٥، غير أني سقيت في هذه بعتاقي ثويبة".
стр. 178
ومما أوردته من صحيح البخاري وشرح بعض كلماته أن أصل الحديث صحيح وثابت عن عروة بن الزبير ولكن ما جاء في آخره قال عروة: فلما ما ت أبو لهب أريه بعض أهل بشر حيبة الخ.
ذكر في الشرح أن هذه رؤيا منامية والرائي لأبي لهب هو أخوه العباس بن عبد المطلب فرآه في سوء حال، وأخبره أبو لهب أنه يخفف عنه من العذاب في كل يوم اثنين لأنه أعتق ثويبة عندما بشرته بمولده ﷺ ، والقارئ على علم أن هذه رؤيا منام ورؤيا المنام لا يحتج بها في الأحكام حتى لو رؤى النبي ﷺ ونقل الرائي عنه ما يخالف الكتاب والسنة لا يقبل، ومن أجل هذا قلنا في أول المقال إنها رؤيا منام، وإلا فأصل الحديث مروي في بيان الرضاع وحكمه والله أعلم بالصواب.
رابعا: أن في مرسل عروة هذا من أن إعتاق أبي لهب لثويبة، كان قبل إرضاعها النبي ﷺ يخالف ما عند أهل السير، من أن إعتاق أبي لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" وأوضحه في الجزء الرابع من "الإصابة في تمييز الصحابة" ص ٢٥٠ بقوله: قال ابن سعد: أخبرنا الواقدي عن غير واحد من أهل العلم قالوا: كانت ثويبة مرضعة رسول الله ﷺ يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها وهي على ملك أبي لهب وسألته أن يبيعها لها فامتنع، فلما هاجر ﷺ أعتقها أبو لهب, وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بصلة وبكسوة حتى جاء الخير أنها ماتت سنة سبع مرجعه من خيبر ومات ابنها مسروح قبلها أ- هـ كلام الحافظ ابن حجر في الإصابة.
خامسا: أن مرسل عروة الذي خرج عليه ابن ناصر الدين الدمشقي وابن الجزري عمل المولد النبوي مخالف لظاهر القرآن كما أوضحه الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري حيث قال في كلامه على ذلك المرسل: "وفيه دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة" لكنه مخالف لظاهر
стр. 179
القرآن، قال الله تعالى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ .
ونقل عن حاشية ابن المنير أن ما في ذلك المرسل من اعتبار طاعة الكافر مع كفره محال لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وذلك مفقود من الكافر، فإعتاق أبي لهب لثويبة مادام الأمر كذلك لم يكن قربة معتبرة، فإن قيل أن قصة إعتاق أبي لهب ثويبة مخصوصة من ذلك، كقصة أبي طالب، قلنا: إن تخفيف العذاب عن أبي طالب ثبت بنص صحيح عن النبي ﷺ ، وأما ما وقع لأبي لهب في ذلك المرسل فمستنده مجرد كلام لأبي لهب في المنام، فشتان ما بين الأمرين، بهذا كله اتضح بطلان الاستدلال بذلك المرسل على عمل المولد النبوي. أهـ ص ٨٧.
وأما استدلالهم بقول الله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي قائلين: إن الفرح بالنبي ﷺ مطلوب بأمر القرآن الكريم من قوله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ....﴾ الآية، فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة والنبي ﷺ أعظم الرحمة، قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
والجواب: أن استدلالهم بهذه الآية من قبيل حمل كلام الله على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه والعمل به هو أمر لا يليق لما بينه الإمام الشاطبي في كتاب الأدلة الشرعية من الموافقات في أصول الشريعة ج ٣ ص٧١: وهو أن الوجه الذي لم يثبت عن السلف الصالح العمل بالنص عليه لا يقبل ممن بعدهم دعوى النص الشرعي عليه.
قال: إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين، ثم يفهمه من بعدهم، فعمل الأولين كيف كان مصادما لمقتضى هذا المفهوم ومعارضا له ولو كان ترك العمل به.
قال: فما عمل المتأخرين من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين، وكل من
стр. 180
خالف الإجماع فهو مخطئ، وأمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر وهو الهدى وليس ثم إلا صواب أو خطأ، وكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ وهذا كاف.
والحديث الضعيف الذي لا يعمل العلماء بمثله جار هذا المجرى.
ومن هنا لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي ﷺ نص على أن عليا الخليفة بعده، لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على بطلانه وعدم اعتباره، لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ، وكثيرا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة، يحملونهما مذاهبهم، ويعبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء.
ثم ذكر أمثلة كثيرة كاستدلالات الباطنية على سوء مذاهبهم، واستدلال التناسخية على صحة ما زعموا بقوله تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أ. هـ.١
والتفسير الصحيح للآية على أن فضل الله ورحمته هو الإسلام والسنة، وعلى حسب حياة القلب يكون فرحه بهما، وكلما كان أرسخ فيهما كان قلبه أشد فرحا، حتى أن القلب إذا باشر روح السنة ليرقص فرحا، فإن السنة حصن الله الحصين الذي من دخله كان من الآمنين وبابه الأعظم الذي من دخله كان إليه من الواصلين، تقوم بأهلها وإن قعدت بهم أعمالهم، ويسعى نورها بين أيديهم، إذا أطفئت لأهل البدع والنفاق أنوارهم.
وإذ قدمت تلك الأجوبة السديدة عن شبهات القائلين باستحباب قراءة المولد النبوي والاحتفال به، تلك الأجوبة المؤيدة بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة التي إذا قرأها المنصف تبين له بطلان ما زعمه أولئك المنتقدون على الشيخ محمد وأتباعه وسائر السلفيين، وانجلى له الحق كفلق الصبح فيستحسن الآن تأكيدا وتوضيحا لما أسلفت ذكره أن أبين نماذج من كتاب البرزنجي المؤلف في المولد النبوي من نثر ونظم، وما فيه من الأقاويل الواهية والمبالغات السخيفة التي تسيء إلى الرسول ﷺ أولا، وإلى دين الإسلام