فاطمة أو غيرهم من الصحابة وقرابة النبوة، أو أن الإمام أبا حنيفة أو مالكا أو الشافعي أو أحمد بن حنبل أو غيرهم من الأئمة الصادقين المعروفين، أولي الذكرى الطيبة والإمامة الشائعة المتبعة في المسلمين استغاث بميت من الأموات، أودعاه لكشف ملمة من الملمات، أو هتف به لحاجة من الحاجات وأمل من الآمال؟ فإن لم يستطع أن يورد لنا نقلا صحيحا عن أحد هؤلاء فليكفه هذا العجز إبطالا وإدحاضا لمزعمه هذا.
وغير خاف على القارئ الذكي أن القرآن العظيم قد عني في كثير من السور والآيات بالبعث والحساب والجنة والنار والصراط، كما عني ببيان توحيد الألوهية وأن العبادة التي هي أقصى المحبة وأقصى الخضوع لا يستحقها غير الله مهما علت درجته وسمت رتبته من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقر بين فضلا عن الأصنام والأحجار والشمس والقمر والكواكب والبحر والنار وما إلى ذلك من المخلوقات االتي عبدت من دون الله ، وهاأنذا أورد بعض الآيات في النهي الصريح عن صرف العبادة لغير الله وضرب الأمثال القرآنية لتقريب الحقيقة للأذهان وبيان بطلان الشرك القبيح المفضي إلى الشقاء الأبدي بصاحبه:
قال الله تعالى في سورة المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ . وقال الله تعالى في سورة الأعراف ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١
стр. 72
هذه الآيات من أبلغ الرد على المشركين الذين يدعون من لا ينفعونهم ولا يضر ونهم وينسون ربهم رب العالمين الذي يرجع إليه الأمر كله، وهى أيضا من أبلغ الرد على هؤلاء الطائفين بالقبور السائلين الأموات، وقد نوع الرد فيها وبولغ فيه، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ صريح في أنهم كانوا يدعون أناسا مثلهم بشرا، أما إنهم أنبياء أو ملائكة أو صالحون فهذا من أبلع الرد على الذين يحتجون على جواز الاستغاثة بغير الله ودعاء الموتى، ويقولون إن المشركين السابقين كانوا يدعون أصناما أو أشجارا، أما نحن فندعو الأنبياء أو الأولياء الصالحين أو الملائكة المقربين وهؤلاء لهم مكانتهم عند الله.
فتأمل أيها القارئ هذه الآية الشريفة كيف قطعت عليهم شبههم وأبانت قلة عقلهم وسقيم رأيهم، فالآية تقول عباد أمثالكم ليسوا جمادا ولا أصناما ولا أحجارا ولا أشجارا ولا يخفى ما في الآية من التهكم والرد على القوم والزراية بهم وبعقولهم، فإن العاقل لا يمكن أن يدعو من هو مثله في القدرة وفي الحول والطول ليهبه ما يرجو ولينيله ما يعجز عنه هو، وإنما يدعو العاقل من هو أقدر منه ومن هو أعظم حولا وطولا وسلطة وسلطانا، وذلك لأن الداعي والمدعو لا يصح أن يستويا وأن يكونا مثلين لأنهما إذا كانا كذلك فليس دعاء أحدهما للثاني أولى من العكس.
وقوله: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ غاية في التحدي والتعجيز لدعاة غير الله من البشر وغير البشر، غاية الإنصاف في الجدل والخصام، وبيان هذا أن الله أولا قال لدعاة غيره: إنكم غالطون ضالون إن دعوتم سواي عبادا مثلكم من كل وجه، عاجزين من نفعكم كما عجزتم أنتم عن نفعهم، محتاجين إلى غيرهم كما احتجتم أنتم إلى غير كم، لأنكم أنتم وهم سواء، وانظروا إلى حقيقتكم وحقيقتهم تجدوا الأمر واضحا، فإن لم يقنعكم هذا البرهان الملموس المحسوس، وأصررتم على أنهم قادرون على إجابة دعائكم فدعوتموهم، فتعالوا إلى أمر أجزم وأقطع وأبين: تعالوا إلى
стр. 73
تجربة مشاهدة صادقة لا تخون، هذه التجربة هي أن تدعوا هؤلاء الذين زعمتم أنهم يسمعون دعاءكم ويجيبونكم، وأن تنظروا بعد هذا هل يستجيبون لكم أم لا يستجيبون، فإن كانت الأولى فقد صدقتم وهديتم، وإن كانت الأخرى فقد كذبتم وضللتم، وعليكم أن تتوبوا بعد، وأن ترجعوا إلى عقولكم وفطركم التي عز بتم عنها وعز بت عنكم منذ أحقاب وأزمان ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
وقوله ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ تعليل للنهي عن دعائهم وسؤالهم، وقطع الرجاء فيهم ومنهم، وذلك لأنهم قد فقدوا آلات العمل والحياة، فهم لا يستطيعون أن ينيلوا سائليهم شيئا لعجزهم وقصورهم فهم لا يستطيعون أن يمشوا ولا يعملوا بأيديهم ولا أن يبصروا ولا أن يسمعوا لأنهم أموات، والأموات أشباح لا أرواح فيها، فهي جماد من حيث الظاهر، ومن حيث الدنيا، والحياة التي فيهم ولهم هي حياة روحية غيبية أخروية راجعة إلى أرواحهم التي مستقرها عالم الآخرة عند الله، فلا صلات بينها وبين الدنيا وأهل الدنيا. أما أجسامهم وهي ما بقي عند أهل الدنيا منهم -فلا فرق بينها وبين الجماد الصامت من حيث العجز عن النفع والضر والعمل والحركة، فلا فرق بين من دعاها وبين من دعا الجمادات الصامتة، أما الأرواح فما أبعد منالها ومكانها عن داعي أشباحها، وما مثل من دعا هذه الجثث الميتة الموضوعة تحت التراب والرغام إلا كمثل من دعا ثوبا أو بيتا، لأن نبيا من الأنبياء، أو وليا من الأولياء كان قد لبسه أو سكنه يوما من الزمان. أ. هـ١.
وقد رتبت الآية وصف هؤلاء المدعوين بالعجز والضعف ترتيبا هو في غاية الدقة والنظام والبراعة، فقد سلبتهم أولا المشي والنقلة، وقد بقي لهم أن يعملوا بأيديهم فسلبتهم ثانيا ذلك فبقي لهم من آلات الحس أن يبصروا
стр. 74
بأعينهم فينفعوا دعاتهم بالنظرات بعد أن عجزوا عن نفعهم بعملهم بأرجلهم وبطشهم بأيديهم فسلبتهم ثالثا آلة النظر، فهم لا يستطيعون أن يمنحوا من دعاهم ورجاهم نظرة من نظرات العطف والحنو والحنان، فبقي لهم بعد سلب ذلك كله أن يسمعوا دعاءهم وهتافهم، ولعلهم إذا سمعوا هذا شفعوا لهم أو توجهوا بنفوسهم وإراداتهم إلى نفعهم ومجازاتهم على تعلقهم بهم وانقطاعهم إليهم، فسلبتهم رابعا آلة السماع، فأصبحوا لا يمشون ولا يعملون ولا يبصرون ولا يسمعون، فكيف ينفعون أو يضرون؟ وكيف يرجون ويؤملون؟ ... فانقطع منهم كل أمل ورجاء وهذا الترتيب في تعجيزهم وتسجيل ضعفهم في مكان من الدقة والبراعة لا يسع أجحد العقول وأكفرها وأعنفها كبرياء وجبروتا إلا التواضع إزاءها والتسليم بالإعجاز وبصحة الانتساب إلى الحق جلت قدرته وعظمته وإلا الإعطاء لها باليد، يد الصغار والتضاؤل والتخاذل.
تأمل أيها القارئ في هذه الآيات السالفة كيف قطعت جذور الشرك وألسنة عباد غير الله وشبهاتهم التي هي أوهن من بيوت العنكبوت.
فإن قال قائل منهم إن هذه الآيات نزلت في عباد الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام ولكن ندعو الأولياء والصالحين لما لهم من وجاهة وعظيم مكانة عند الله. فالجواب: قد تقدم مثل هذا السؤال والجواب، وأن كلمة غير الله تشمل كل معبود سواء كان ملكا أو نبيا أو رسولا أو وليا أو شجرا أو حجرا فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والأمر الثاني: إن الله وبخ عباد المسيح من الأنبياء المر سلين، قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ
стр. 75
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
انظروا كيف يتبرأ المسيح من عباده المسيحيين, ويقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ .
والله يعلم أن المسيح لم يأمر بعبادته، ولا يرضى بذلك ولكن يريد الله من هذه الآيات أن يبين للناس أن عبادة المسيح الذي هو من الأنبياء المرسلين لا تجوز، بل يكون شركا، فكيف بعبادة من الأولياء، ومن الأشجار ومن الغيران والكهوف.
ألم يسمع هؤلاء الضالون قول الله مخاطبا لسيد العالمين: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ . فإذا كان الضر النازل بالرسول لا يستطيع أن يدفعه، فكيف يستطيع الرسول أو من هو أقل منه أن يدفع ضرا نزل بغيره؟
ألم يسمع هؤلاء قول الله العظيم ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
ألم ينع على اليهود والنصارى باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
ومما يجدر التنبيه عليه أن الله الذي أنكر على اليهود والنصارى اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله لم يكونوا يعتقدون أن الأحبار والرهبان آلهة تخلق أو ترزق أو تنفع أو تضر، وإنما جاء التوبيخ لهم والانكار عليهم أنهم كانوا يطيعونهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله.
روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه، عن عدي بن حاتم، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم: قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه" فقلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم".
стр. 76
فترى أن الحديث يصرح أن عبادة الأحبار والرهبان هي طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، وهو طاعتهم في خلاف حكم الله ورسوله.
قال شيخ الإسلام ما معناه مختصرا: إن هؤلاء المقلدين الذين اتخذوا الأحبار أربابا في تحليل ما حرم الله وعكسه، يكونون على وجهين أحدهما: يعلمون أن الأحبار والرهبان قد بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وعكسه، اتباعا لرؤسائهم فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون. الثاني: يعتقدون تحريم الحرام وعكسه، لكن أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.
إنكارهم نسبة الخلق والرزق والنفع والضر إلى من يستغيثون بهم ويدعونهم من دون الله
وأحب أن أنور ذهن القارئ والواقف زيادة على ما سلف في إقامة الحجة على أولئك المبتدعين الذين يعبدون غير الله من الأنبياء والصالحين، وينكرون أن تكون هذه العبادة شركا، قائلين نحن لا نعتقد أن الأنبياء والصالحين ينفعون أو يضرون، بل النافع والضار هو الله وإنما نجعلهم وسطاء بيننا وبين الله لمنزلتهم الرفيعة، وبهذا لا يجوز أن ينسب إلينا الكفر أو الشرك أو الضلال، وإنما دفعتنا إلى دعائهم والالتجاء إليهم محبتنا لهم، واعتقادنا بأنهم قد بلغوا درجة عالية وخصهم الله بخصائص لم يمنحها غيرهم.
فالجواب: أن يقال لهم، هذا الاعتقاد هو نفس اعتقاد مشركي العرب وسائر المشركين، فكانوا لا يعتقدون الضر والنفع في الأصنام التي كانوا
стр. 77
يعبدونها، جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليم وسلم قال لحصين ابن المنذر كم إلها تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحدا في السماء قال: من تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. فانظر كيف صرح حصين أن الله الذي في السماء هو الذي يخافه ويرجوه ويرهب منه ويرغب إليه لا الآلهة التي في الأرض.
وقال الله تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ .
إما أن تزعموا أن هؤلاء المشايخ الذين تدعونهم من دون الله ينفعون ويضرون، وأن دعاءكم إياهم لم يكن إلا رغبة في نفعهم وضرهم، وإما أن تقولوا أنهم لا ينفعون ولا يضرون، ولا مفر من الافتراضين، فإن ذهبتم إلى الافتراض الأول فقد ذهبتم إلى ما زعمتم أنه كفر بالله وضلال كبير، وإن ذهبتم إلى الافتراض الثاني وجب أن تعترفوا بأن دعاء الأموات ممنوع باطل، وذلكم لأن هذه الآية وغيرها من الآيات قد نهت بشدة وصراحة عن دعاء من لا ينفع ولا يضر، وأنبأت بأن من دعا من لا ينفعه ولا يضره فهو من الظالمين، وأيا اخترتم فقد حججتم.
والافتراض الأول أي افتراض أن المشايخ ينفعون ويضرون لا يمكن لمسلم الذهاب إليه، وقد أبطله الله تعالى بقوله ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقد أبطله الله تعالى أيضا في آيات أخرى صريحة معلومة مثل قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وقوله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وقوله تعالى ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ ، وقوله تعالى ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ، إلى غير ذلك من الآيات الصريحة الظاهرة، فهذا الافتراض لا يتحمل مسلم الذهاب إليه ولا القول به.
стр. 78
وأما الافتراض الثاني فهو ما يذهب إليه هؤلاء فيما يزعمون، وهذه الآية وغيرها من الآيات رادة عليهم حينئذ ردا لا حيلة لهم في دفعه ولا رفعه.
وما أجمل قوله تعالى ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ بعد قوله تعالى ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وذلك أن قوله تعالى ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ، ينصرف إليه هذا السؤال ما الذي لا ينفع ولا يضر فلا يدعى؟ وما الذي ينفع ويدعى وحده؟ فأجاب:
الذي ينفع ويضر هو الله وحده لا شريك له فقال تعالى ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ، فالله وحده المدعو المسؤول المرجو، لأنه وحده النافع الضار، فالدعاء له وحده لأن كل ما يطلبه الداعي ويرجوه، وكل ما يحذره ويخشاه عنده وحده، فكما كان هو المعطي المانع الضار النافع، فيجب أن يكون وحده المدعو المعبود المسؤول.
стр. 79
الشبهة الخامسة: من شبههم جواز الإستغاثة بغير الله
...
الشبهة الخامسة: من شبههم على جواز الاستغاثة بغير الله
إن الاستغاثة بغير الله من باب الكسب والتسبب العادي كقولهم: أنبت الربيع البقل، وبنى الأمير المدينة، وهذا من المجاز العقلي ووارد في كلام العرب.
والجواب: نعم وإن كان واردا جائزا في الكلام العام وفي الكلام الخاص، فإنه لا يجوز فيما يتناول الاعتقاد وما يشعر بفساد الدين.
ثم لو كان هذا المجاز جائزا، إطلاقا وإجمالا فيما لا يتناول الاعتقاد وفيما يتناوله لكانت دعوة الأموات من المجاز الممنوع الذي لا يجوز، إذ لا خلاف في أن من المجاز ما لا يصح استعماله وما لا يجوز الذهاب إليه ولا القول به.
ثم لو كان كل مجاز يصح استعماله والذهاب إليه والقول به في الاعتقاديات وفي غيرها لكانت دعوة الأموات من غير المجاز للدلائل السابقة، ولكانت من الحقائق الواضحة في فساد دين صاحبها واختلال اعتقاده، ثم لو لم تكن دالة على ذلك بل لو لم تكن دالة على شيء من الأشياء، لكانت هي بلفظها وظاهرها من ألفاظ الضلال والشرك والارتداد، ولا خلاف بين الناس أن من الكلام ما هو كفر وقائله كافر مرتد وإن لم يقصد به عقيدة من العقائد ولا نوعا من أنواع الضلال، ولو أن مسلما طعن في الله أو في عدله وأحكامه وقضائه أو في كتبه وأنبيائه ودينه لكان مرتدا عند جميع المسلمين وإن كان لا يقصد بما قال إلا إضحاك الحاضرين والمزاح والتفريج عنهم، أو نحو ذلك مما قد يكفر به كثيرون من المجان وسوقة الناس.
стр. 80
وأما قولهم أنبت الربيع البقل، أو أنبت الماء العشب، فهو إن كان مجازا كما زعموا، فليس كدعوة الأموات يقينا، وذلك أن الماء والربيع –مثلا- لا يمكن أن يعتقد أحد أنهما هما اللذان ينبتان العشب والبقل الإنبات الحقيقي المراد هنا، أما الأنبياء والأموات والصالحون والبشر الأحياء فيمكن أن تعتقد فيهم الشرك بالله، ويمكن أن يعبدوا ويؤلهوا، بل هذا هو الواقع المشهود المنظور.
فإذا وجدنا من يدعو الأموات من الأنبياء والصالحين، ويدعو الملائكة والجان، لم نجد مانعا من أن نعتقد أن ذلك الداعي مشرك بالله، وأنه يعبد هؤلاء الذين يدعوهم من دون الله، وأنه يرى أنهم يعطون حقيقة ما يسألهم ويسألهم سواه من المشركين بربهم. أما إذا سمعنا من يقول: أنبت الربيع البقل والماء العشب فلا يمكن أن نعتقد أن قائل هذا يشرك بالله ويعبد الربيع والماء ويرى أنهما ينبتان حقيقة ... فكان المجاز في مثل هذا ظاهرا لاشك فيه ولاخلاف.
وأيضا هنالك فرق بين دعوة الميتين وبين قول الناس أنبت الربيع البقل والماء العشب، ذلك أن الأول طلب والثاني خبر، وبين الأمرين فرق حقيقي عظيم معروف، وليس كل ما جاز إخبارا جاز طلبا. والدليل على هذا الفرق الواضح أنه صح أن يقال أنبت الربيع البقل والماء العشب ولم يصح أن يقال: يا ربيع أنبت البقل، ويا ماء أنبت العشب، على أن يكون طلبا كالطلب في دعاء المشايخ والصالحين من الأموات، وإذا كان هذا المثل الواحد يجوز إخبارا ويمنع طلبا وإنشاءا فكيف يستدلون بالمثل الإخباري على مثل آخر طلبي إنشائي؟
стр. 81
الشبهة السادسة: من شبههم على جواز الاستغاثة بغير الله مارواه ابن السني عن عبد الله ابن مسعود
...
الشبهة السادسة
ومن شبههم على جواز الاستغاثة بغير الله ما رواه ابن السني عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة ليناد: عباد الله احبسوا، فإن لله عبادا يجيبونه" وفي حديث آخر رواه الطبراني أنه ﷺ قال: "إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد عونا وهو بأرض ليس فيها أنيس، فليقل يا عباد الله أعينوني" وفي رواية " أعيشوني فإن لله عبادا لا ترونهم" قالوا إن هذا حديث صريح في الاستغاثة بمن ليس حاضرا والوهابية تقول هذا شرك, فما ندري هل نقدم الحديث, أم نقدم كلام الوهابية, ولا شك أن كل مسلم يقدم كلام الرسول ﷺ على كلام غيره.
والجواب: هذا الحديث الذي رواه ابن السني عن ابن مسعود ورواه أبو يعلى والطبراني, قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه معروف ابن حيان وهو ضعيف. قال الذهبي في ترجمته من الميزان: قال ابن عدي منكر الحديث, قال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول, فالذي يحتج على مطلب من المطالب بحديث من الأحاديث مطالب أولا بصحة الحديث, وثانيا أن يدل الحديث على المطلب المذكور, وإلا فما كل ما وجد في كتب الأحاديث يصح الاحتجاج به, لأن الضعيف والموضوع لا يحتج بهما, ولا يحتج إلا بالصحيح أو الحسن, وهذا الحديث ليس صحيحا ولا حسنا فسقط الاحتجاج به.
أما قول القائل نقدم الحديث أو نقدم كلام الوهابية.... الخ. فالجواب:
لا شك أننا نقدم الحديث على كلام كل أحد سواء كان جاهلا أو عالما ولو بلغ ما بلغ من العلم إذا صح الحديث أو حسنه العلماء, لأن الله أمرنا بإطاعته وإطاعة الرسول, قال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . أما مجرد أي رواية تروى وتنسب إلى النبي ﷺ ويحتج بها فلا يجوز
стр. 82
ولا يعتبره العلماء, وهؤلاء المبتدعون لما يكن لديهم مستندات صحيحة أخذوا يسودون الأوراق بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والحكايات الباردة على مطالبهم الشركية.
стр. 83
الشبهة السابعة: شبهتهم على جواز الاستغاثة بقول سواد بن قارب للرسول ﷺ : فكن لي شفيعا ... ألخ
...
الشبهة السابعة
شبهتهم على جواز الاستغاثة بقول سواد بن قارب مخاطبا الرسول ﷺ :
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
الجواب عن الشبهة السابعة
والجواب: إن هذه القصة, قصة سواد بن قارب ضعيفة الإسناد, كما ذكر ذلك الحافظ الهيثمي صاحب مجمع الزوائد, ولهذا لم يرو القصة أحد من أصحاب الصحاح, ولا أحد من أصحاب السنن ولا أحد من المؤلفين في الصحيح, المتحرين الصحيح دون الضعيف والباطل والمكذوب, وإنما رواها الطبراني في المعجم, والطبراني يروي الضعيفات والموضوعات, كما يعرف أهل هذا الشأن.
وروى القصة أيضا أبو نعيم في دلائل النبوة بإسناد واه, وعادة أهل الرواية أنهم يتساهلون في مثل هذه المسائل التي فيها إعظام من شأن النبي ﷺ ومن شأن الإسلام, ويلينون في نقد روايتها وتخريجها فلا يصح الاحتجاج بهذه القصة الضعيفة في هذا الموضوع الجلل.
стр. 84
الشبهة الثامنة: ما روى ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة
...
الشبهة الثامنة
ومن تلك الشبه ما روى ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة: حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي وعمرو بن الجنيد بن عيسى قالا: حدثنا محمود بن خداش حدثنا أبو بكر بن عياش أبو إسحاق السبيعي عن أبي شعبة وفي نسخة عن أبي سعيد- قال: كنت مع عبد الله بن عمر فخدرت رجله فقال له رجل: أذكر أحب الناس إليك فقال "يا محمد" فقام فمشى.
وهذا فيه نداء واستغاثة بالنبي ﷺ والقائل "يا محمد" هو عبد الله بن عمر الصحابي الجليل, وكذلك روى روايات أخرى حول هذا الموضوع منها رواية عن ابن عباس قال: خدرت رجل رجل عند ابن عباس, فقال ابن عباس: اذكر أحب الناس إليك, فقال محمد, فذهب خدره.
الجواب عن الشبهة الثامنة
والجواب: أسانيد هذه الروايات لا تخلو من ضعف, فمنهم من ضعفوهم مطلقا, ومنهم من قالوا فيه معروف مخرج حديثه في الصحاح, إلا أن النقاد من علماء هذا الشأن قالوا: إنه كان يغلط كثيرا, وإنه قد تغير بعض الشيء وذلك كأبي بكر بن عياش.
قال أبو نعيم: لم يكن في شيوخنا أكثر غلطا منه.
قال الذهبي في ميزانه عنه: صدوق ثبت في القراءة, لكنه في الحديث يهم ويغلط.
ولكن خير ما روي به هذا المعنى, عن عبد الله بن عمر ما رواه البخاري في كتاب "الأدب المفرد" قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال: خدرت رجل ابن عمر فقال له
стр. 85
رجل, اذكر أحب الناس, فقال: يا محمد, وهذا الإسناد رواته كلهم أئمة مشاهير خلا عبد الرحمن بن سعد الراوي عن ابن عمر.
هذا ما يقال أولا, ثم يقال ثانيا: هذه الروايات –إن صحت- فإنها لا تدل على ما زعموا من دعاء الأموات وسؤالهم ضروب الحاجات, وذلك أنه ليس فيها طلب شيء من الأشياء, ولا حاجة من الحاجات الكبيرة أو الصغيرة, كالذي يطلب هؤلاء الضلال من الموتى, مثل هداية القلوب وغفران الذنوب, ومطالب الدنيا والأخرى, وكل الذي فيها أن يجوز أن يقال في بعض الأحيان والحالات: وا محمداه, بالتجريد من كل طلب وسؤال, وهذا القول ليس استغاثة وليس طلبا ولا سؤالا, وإنما هو قول يقال عند التوجع وإبداء الأسف ويسمى اصطلاحا ندب, يقال ندب الميت إذا بكاه وعدد أوصافه وفضائله المحمودة, والمندوب ليس مسؤولا ولا مطلوبا ولا مرادا منه أن يسمع أو يعطي أو يشفع أو يدعو, وليست الندبة في التحقيق خطابا حقيقيا إن كانت في الظاهر كذلك, بدليل أن عبد الله بن عمر قال: أذكر أحب الناس, ولم يقل أدعه أو أطلب منه.
وقد صح أن السيدة فاطمة بنت سيد الخلق ﵂ ندبت أباها بعد وفاته وقالت في ندبتها ورثائها إياه: يا أبتاه, أجاب ربا دعاه, يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه, يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري في الصحيح عنها, وكذلك جاء أن غيرها ندبه ﵊, فقول القائل وا محمداه في الرواية المذكورة مثل قول السيدة فاطمة ﵂: يا أبتاه.... كلاهما توجع وتفجع, وكلاهما خال من الدعاء والطلب, وهذا مثل قول الراثي لصديق له ذهب إلى سبيله: وا صديقاه, وا خليلاه, ومن زعم أن هذا استغاثة أو أن فيه استغاثة وطلبا وسؤالا, فهو في حاجة إلى التعليم لا إلى المجادلة والمساجلة في هذه المباحث العليا القيمة, ولو كان هذا الذي ذكروه استغاثة لكان فيه طلب ما وهو طلب المستغاث من أجله وهو أن يقول القائل: وا محمداه أغثنا أو أعنا أو انصرنا أو أعطنا, ولكن الروايات
стр. 86
الثلاث المذكورة خالية من ذلك, ولا ريب أن من وقع في بلاء وشدة فأراد أن يستغيث فقال مثلا: وا فلاناه, لم يكن مستغيثا استغاثة صحيحة, ومن أشرف على الغرق فقال: يا رجل أو يا فلان, ولم يقل خذ بيدي أو أنقذني أو أدركني أو أغثني, لم يكن مستغيثا استغاثة صحيحة ولا داعيا دعاء صحيحا تاما, فالذين ذكرت عنهم هذه الروايات لم يقولوا: وا محمداه أعطنا أو أغثنا أو نحو ذلك.
فإذن فليسوا طالبين ولا سائلين ولا مستغيثين، وإنما هم نادبون باكون.
والخلاصة: أن خصوم الدعوة السلفية وخصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه على الخصوص أكثروا من الروايات والحكايات حول ندب التوسل وجواز الاستغاثة، لا نطيل بذكرها إذ يتطلب كتابا أو كتابين، وهذه الأبحاث قتلها العلماء بحثا ومعرفة في مظانها، فلا حاجة إلى الزيادة ولكن لا بأس بأن نعطي للقارئ قاعدة في هذا الباب وهي:
أن كل ما يحتجون به على ندب التوسل وجواز الاستغاثة بغير الله من الأنبياء والصالحين، لا يخلو إما أن تكون آية قرآنية لا تدل على ما ذهبوا إليه، كاحتجاجهم بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وقوله تعالى ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ .
وإما أن يكون حديثا موضوعا أو ضعيفا فلا حجة فيهما، ولا يحتج بهما على مثل هذه المطالب العالية إلا من سفه نفسه وغاب عنه رشده، أو أراد إضلال الناس وصدهم عن الصراط المستقيم وتوحيد الخالق العظيم، أو يكون حديثا صحيحا كحديث الاستسقاء بالعباس، أو حسنا كحديث الأعمى الذي حسنه الترمذي، فلا يدل على مذهبهم كما سبق بيانه.
стр. 87
الشبهة التاسعة: أن الشيخ وأتباعه يكفرون المسلمين بأدنى شبهة
...
الشبهة التاسعة
أورد المبتدعون شبهة هي أكبر شبهاتهم وأحد سلاح بأيديهم وألسنتهم، ينفرون بها الناس عن التمسك بالتوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، ويشوهون ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وما عليه أتباعه وسائر السلفيين.
والشبهة هي: إن الشيخ محمدا وأتباعه ومن يدور في فلكه يكفرون المسلمين بأدنى شبهة فتراهم يكفرون المتوسل بالأنبياء والصالحين والمستغيثين بغير الله، ويكفرون من أتى بأقل بدعة بل ويكفرون كل من خالفهم ولا يرون أحدا مسلما إلا من كان مرافقا لعقيدتهم، تلك العقيدة التي ملئت بتنقيص مقام الأنبياء والأولياء والصالحين وتضليل المسلمين والعياذ بالله.
وقد قال الشيخ النبهاني:
ويعتقدون الأنبياء كغيرهم ... سواء عقيب الموت لا خير لا شرا
رموا بضلال الشرك كل موحد ... إذا لم يكن منهم عقيدته تبرا
ومن المسلم به أن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، هو مسلم ولا يجوز تكفيره، ولو ما صلى إذا كان معتقد الوجوب أو ما صام، وفي الحديث الصحيح "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".. وحديث أسامة بن زيد لما قتل الرجل بعدما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله". فأنكر عليه النبي ﷺ وقال له: "أقتلته بعدما قال أشهد
стр. 88
أن لا إله إلا الله ... " الحديث، وأجاب أسامة: قاله تعوذا من السيف، فقال له النبي ﷺ : "أشققت عن قلبه؟ " أو كما قال.. وهناك أحاديث كثيرة في عصمة دم المسلم وماله.
وقد قال العلماء: لو وجد تسعة وتسعون سبيلا لكفره ووجدنا سبيلا واحدا لإسلامه لا يحكم عليه بالكفر، فكيف يحكم بالشرك والكفر على من اعتقد بربوبية الله، وأنه خالق الأكوان يحيي ويميت وينفع ويضر، واعتقد برسالة الرسول صلى لله عليه وسلم، وأنه خاتم الأنبياء، وصلى وصام وزكى وحج بيت الله الحرام من أجل توسل أو بدعة فعلها أو نحو ذلك؟
الجواب عن الشبهة التاسعة
والجواب من وجوه:
أولا: إن هذه فرية كبرى اختلقها أعداء الشيخ ونسبوها إليه وإلى أتباعه تنفيرا عن اتباعه فيما دعا إليه من التوحيد الخالص والدين القيم والصراط المستقيم.
والشيخ وأتباعه وسائر السلفيين يتبرؤون من هذه النسبة الخاطئة وهم أبرياء كبراءة الذئب من دم يوسف.
وسأذكر فيما يأتي إن شاء الله تعالى مناظرة بين عراقي ونجدي، وفيها ما يبرئ الشيخ وأتباعه، ولكن لا بأس أن أنقل مقدما أسطرا قليلة في خصوص هذا التكفير المنسوب إلى الشيخ محمد ﵀ وأتباعه وسائر السلفيين، وهاك ما قاله العالم النجدي -وهو من ذرية الشيخ - في جواب العراقي في المناظرة:
وأما القول بأنا نكفر الناس عموما، ونوجب الهجرة إلينا على من لم يقدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل معنا، ومثل هذا وأضعاف
стр. 89
أضعافه فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا لانكفر من عبد القبور من العوام لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يقاتل معنا، نقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أ. هـ.
يريد الشيخ ﵀ بقوله: إنهم لا يكفرون العوام الجهال الذين لم تبلغهم الحجة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وأما من بلغته الحجة وعاند وأصر على شركه من دعاء الموتى والاستغاثة بهم، وطلب النفع منهم أو دفع الضر، فلاشك في شركه، بل وفي كفر من لا يكفره.
ثانيا: إن هؤلاء المنتقدين يصدق عليهم ما قيل: حفظت شيئا وغابت عنك أشياء.
حفظوا أن من يشهد بالشهادتين من الكفار، فقد دخل دين الإسلام وأصبح مسلما له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، ولكن جهلوا أو تجاهلوا أن كلمة الشهادتين لها شروط ونواقض، فإذا ما أتى بالشهادتين مستوفيتين للشروط ولم يأت بالنواقض التي تبطل شهادته، فذاك هو المسلم.
أما من أتى بالشهادتين ثم أتى بما يبطل شهادته، وكان عارفا أو بين له فلم يرجع عن رأيه أو عن قوله، فيحكم عليه بالشرك أو بالكفر، ولو كان يقول أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولو صلى وصام.
شروط لا إله إلا الله سبعة
١- العلم المنافي للجهل: فمن لم يعرف المعنى فهو جاهل بمدلولها، ومعناها البراءة من كل ما يعبد من دون الله وإخلاص العبادة لله وحده.
٢- اليقين المنافي للشك: لأن من الناس من يقو لها وهو شاك فيما دلت عليه من معناها.
стр. 90
١- الإخلاص المنافي للشرك: فإن من لم يخلص أعماله كلها لله فهو مشرك شركا ينافي الإخلاص، كما قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ .
٢- الصدق المنافي للنفاق: لأن المنافقين يقولونها، ولكنهم لم يطابق قولهم ما في جنانهم فصار قولهم كذبا لمخالفة الظاهر للباطن، كما أخبر الله عنهم ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ .
٣- القبول المنافي للرد: لأن في الناس من يقولها مع معرفة معناها، لكن لا يقبل ممن دعاه إليها إما كبرا وإما حسدا، أو غير ذلك من الأسباب.
٤- الانقياد المنافي للترك: ويحصل الانقياد بالعمل بما فرضه الله وترك ما حرم الله والتزام ذلك، لأن الإسلام حقيقته أن يسلم العبد بقلبه وجوارحه لله، وينقاد له بالتوحيد والطاعة، كما قال الله ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ .
٥- المحبة المنافية لردها: فلا يحصل لقائلها معرفة وقبول إلا بالمحبة، لما دلت عليه من الإخلاص المنافي للشرك، فمن أحب الله أحب دينه، ومن لا فلا.
وإذ ذكرت للقارئ شروط لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله هي كلمة التقوى ومفتاح الإسلام ومفتاح الجنة دار السلام، فمن الجدير أن أذكر نواقض الإسلام، فهاك بيانها:
الأول: الشرك في عبادة الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعا.
стр. 91
الثالث: من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.
الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي -صلى لله عليه وسلم- أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.
الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ولو عمل به فقد كفر.
السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول أو عقابه والدليل قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ١.
السابع: السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ .
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد، كما وسعه الخروج عن شريعة موسى ﵇، فهو كافر.
العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ .
فإذا عرفت شروط لا اله إلا الله ومنها الإخلاص المنافي للشرك، فإن من لم يخلص أعماله كلها لله فهو مشرك شركا منافيا للإخلاص، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ .
وعرفت أن من النواقض الناقض الثاني من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعا.
ونحن نسأل هؤلاء المنتقدين ما حكم من تشهد بالشهادتين وصلى وصام
стр. 92
وحج البيت الحرام وكثيرا ما تصدق على الفقراء والمساكين ويعمل أعمال البر، ولكن أخذ ورقة من أوراق المصحف الشريف وألقاها في القاذورات وهو يعرف أن هذا لا يجوز، بل هذا كفر ولكنه عمل هذا مع أنه قد أتى بتلك الأعمال الجليلة كما سبق ذكره.
فما يكون موقف هؤلاء؟ هل يقولون إنه مسلم لأنه تشهد بالشهادتين وصلى وصام؟ أو يقولون إنه كافر؟ فإن قالوا هو مسلم فقد خالفوا الإسلام وإجماع المسلمين، وسأورد للقارئ من نصوص العلماء ما يبين خطأهم وضلالهم.
وإن قالوا كافر فقد نقضوا قولهم وانهار أساسهم حيث أنهم خطأوا الوهابيين على زعمهم وبدعواهم لأنهم يكفرون من يستغيث بغير الله، أو ينذر لغير الله ولم يراعوا أنه تشهد بكلمة الشهادتين، فهاهم كفروا من كان مسلما على زعمهم ولم يلتفتوا إلى قول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ولم يشفع له أعماله الجليلة عندهم.
وها أنا ذا أنقل للقراء من كلام العلماء اتباع المذاهب الأربعة في تكفير من أتى بشيء مما سيأتي بيانه:-
وقبل نقل كلام العلماء يجدر بي أن أبين حقيقة الكفر والردة والإيمان والإسلام:-
فالكفر لغة التغطية والستر ولهذا يقال للفلاح كافر لأنه يغطي الحب في التراب, والعرب تسمي الليل كافرا لأنه يستر الأشياء ويخفيها, قال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ ومعنى الكفار هنا الزراع, وفي الشرع الكفر هو رد الحق بعد معرفته, والردة فهي الرجوع للوراء لغة, وشرعا قطع الإسلام بقول أو فعل أو نية. بقول كأن ينكر الله أو البعث, والفعل كأن يسجد لصنم أو لقبر والنية كأن ينوي أن يكفر,
стр. 93
والإيمان لغة التصديق, وشرعا التصديق الجازم بالله تعالى وبربوبيته وألوهيته وبأسمائه وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر, والإسلام لغة الاستسلام والانقياد وشرعا الاستسلام والانقياد, لله ولرسوله, وفسره رسول الله ﷺ في حديث جبريل "بالشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج" إذا عرفت هذا فاقرأ الآن ما يأتي:
مذهب الإمام أبي حنيفة:
قال العلامة زين الدين ابن نجيم الحنفي في كتابه البحر الرائق شرح كنز الدقائق ج ٥. ص١٢٩ قال بعد كلام سبق "فيكفر إذا وصف الله تعالى بما لا يليق به أو سخر باسم من أسمائه أو بأمر من أوامره أو أنكر وعده ووعيده, ويكفر بقوله يجوز أن يفعل الله فعلا لا حكمة فيه, وإن اعتقد أن الله تعالى يرضى بالكفر وبقوله إذا أنصفني الله تعالى يوم القيامة انتصفت منك, أو إن قضى الله يوم القيامة أو إذا أنصف الله وبقوله بارك الله في كذبك, وبقوله لا أريد اليمين بالله وإنما أريد اليمين بالطلاق, أو بالعتاق عند البعض خلافا للعامة, ويقول الظالم أنا أفعل بغير تقدير الله, وبقوله لا أسمع شهادة فلان وإن كان جبرائيل أو ميكائيل ﵉, ويكفر إذا أنكر آية في القرآن أو سخر بآية, وبوضع رجله على المصحف عند الحلف مستخفا, وبقراءة القرآن على ضرب الدف, وباعتقاد أن القرآن مخلوق حقيقة, والمزاح بالقرآن كقوله التفت الساق بالساق أو ملأ قدحا وجاء به وقال كأسا دهاقا"أ. هـ.
وذهب ابن نجيم يعد المكفرات ولو حسبناها لبلغت مئات من الألفاظ المكفرة للمسلم بعد إسلامه وإيمانه, ولكن نكتفي بما نقلناه وفيه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وتأمل وفقك الله في بعض المكفرات التي أتى بها ابن نجيم كقوله: "أو
стр. 94
سخر بأمر من أوامره أو أنكر وعده ووعيده أو قال لا أريد اليمين بالله وبقول الظالم أنا أفعل بغير تقدير الله وبقوله لا أسمع شهادة فلان وإن كان جبرائيل وميكائيل" فوازن بين هذه الألفاظ وأمثالها وبين من يستغيث بطلب المدد من الرسول ﷺ , أو عبد القادر الجيلاني, أو يطوف بالقبر أو يذبح له, لترى أي الطائفتين من الألفاظ أشد وطأة وأرسخ كفرا, وما أكثر ما يحصل من كثير من المسلمين اليوم, من بعض هذه الألفاظ المكفرة, وكثير منهم يستهزئ بالمسلمين أو بالمحافظين على الدين ويسميهم معقدين أو رجعيين, وهنا البحث يطول فيما شاع في هذا العصر من المكفرات سوى الإشراك بالله من عباد القبور, ولا أريد التطويل, وسأنتقل إلى النقل من مذهب الإمام مالك ﵀.
مذهب الإمام مالك:
قال في أقرب المسالك وشرحه للشيخ الدردير:
"الردة كفر مسلم بصريح من القول أو قول يقتضي الكفر, كقوله –جسم كالأجسام- يقصد الرب, أو فعل يتضمنه كإلقاء مصحف أو بعضه ولو كلمة, وكذا حرقه استخفافا لا صونا, ومثل إلقائه تركه بمكان قذر ولو طاهرا كبصاق, وشد زنار أي لبس ميلا لكفر مع دخول الكنيسة, أو أنكر مجمعا عليه كوجوب الصلاة أو تحريم الزنا أو أحل مجمعا على عدم إباحته مما علم من الدين ضرورة من القرآن أو السنة المتواترة أو سب نبيا مجمعا على نبوته أو ملكا مجمعا على ملكيته أو الحق بنبي أو ملكا نقصا وإن ببدنه كعرج أو شلل, أو وفور علمه بأن قال لم يكن على غاية من العلم والزهد". أ. هـ.
стр. 95
مذهب الإمام الشافعي:
وهاك الآن بيان مذهب الإمام الشافي: قال في المنهاج وشرحه مغني المحتاج " الردة هي قطع الإسلام بنية كفر أو قول كفر سواء قاله استهزاء أو عنادا أو اعتقادا.
ثم مثل بقوله: فمن نفى الصانع أي الخالق, أو كذب رسولا, أو حلل محرما بالإجماع كالزنا والظلم وشرب الخمر, وعكسه بأن حرم حلالا بالإجماع كالبيع والنكاح, أو نفى وجوبا مجمعا عليه, كأن نفى وجوب ركعة من الصلوات الخمس, أو عكس بأن اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع, كزيادة ركعتين من الصلاة المفروضة, أو وجوب صوم يوم من شوال, أو عزم على الكفر غدا, أو تردد فيه هل يكفر أو لا, كفر.
والفعل المكفر ما تعمده استهزاء صريحا بالدين أو جحودا له كإلقاء مصحف بقاذورة, لأنه صريح في الاستخفاف بكلام الله, ويلتحق بالمصحف كتب الحديث, وسجود لشمس أو غيرها من المخلوقات".
مذهب الإمام أحمد بن حنبل:
قال في المقنع ج٣ باب حكم المرتد:
"وهو الذي يكفر بعد إسلامه, فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو اتخذ لله صاحبة أو ولدا, أو جحد نبيا أو كتابا من كتب الله تعالى أو شيئا منه, أو سب الله تعالى أو رسوله كفر, ومن جحد وجوب العبادات الخمس أو شيئا منها, أو أحل الزنا أو الخمر, أو شيئا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها لجهل عرف ذلك, وإن كان ممن لا يجهل ذلك كفر, وإن ترك شيئا من العبادات الخمس تهاونا لم يكفر وعنه يكفر إلا الحج لا يكفر بتأخيره بحال" أ. هـ.
وأحسب أن القارئ بعد أن قرأ ما قدمته من الأجوبة والنقول من المذاهب الأربعة, التي يقلدها جمهور أهل السنة والجماعة, قد اقتنع أن
стр. 96
شبهتهم تلك الطويلة العريضة أصبحت كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء, فإذا قرأها وقرأ الرد عليها علم حقيقة الحال, وأصبح منور الذهن لا تروج عليه شبهات المبتدعين والجهال.
ولكن لا بأس في أن أزيد القارئ توضيحا وبيانا لكل جملة من تلك الشبهة الكبيرة جوابا مختصرا فأصغ لما أقول:
قولهم: يكفرون المسلمين بأدنى شبهة, ويكفرون المتوسل بالأنبياء والصالحين.
الجواب: هذا كذب وافتراء, وهذه كتب الشيخ وأبنائه وأحفاده شاهدة بما أقول:
وقولهم: يكفرون المستغيثين بغير الله صحيح, ولكن بعد أن يقيموا الحجة عليه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية, فإذا أصر وعاند, فعند ذلك يطلقون عليه لفظ الشرك والكفر, وقد سبق أن نقلت من مناظرة النجدي, وإذا كنا لا نكفر من عبد القبور من العوام لأجل جهلهم وعدم من ينبههم, فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا, ويقصد الشيخ لا يكفرون العوام الجهال الذين لم تبلغهم الحجة من كتاب الله الكريم وسنة نبيه المطهرة.
ومما يجدر التنبيه عليه أن الشيخ محمدا وأتباعه وسائر أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا لا يكفرون من ارتكب معصية سواء كانت كبيرة أو صغيرة, إلا إذا استحل ما حرم الله على المسلمين, كمن شرب الخمر مستحلا لها, أو زنا مستحلا له, أما لو شرب الخمر أو زنا ويعتقد أنهما محرمان, فيكون فاسقا لا كافرا ولا مشركا خلافا للخوارج والمعتزلة, وقد سبق نحو هذا الكلام.
وقولهم: ويكفرون من أتى بأقل بدعة وكل من خالفهم.
فالجواب: سبحانك هذا بهتان عظيم, وفي الحديث: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت.."
стр. 97
فهؤلاء سلبهم الله العلم الصحيح والعقل الرجيح كما سلبهم الحياء والصدق.
وأكبر الافتراء قول المنتقدين بأن عقيدة الشيخ وأتباعه مليئة بتنقيص مقام الأنبياء والأولياء والصالحين وتضليل المسلمين, كما قال الشيخ النبهاني:
ويعتقدون الأنبياء كغيرهم ... سواء عقيب الموت لا خير وشرا
رموا بضلال الشرك كل موحد ... إذا لم يكن منهم عقيدته تبرا
وقد أجاب الشيخ علي بن سليمان التميمي:
لك الويل قد أبعدت في المين نجعة ... وقارفت يا ذا الجهل في نقلك الوزرا
فحاشا بني نجد بأن ينتقصوا ... حقوق الأنبياء الله أو ينطقوا هجرا
فإن مقام الأنبياء معظم ... فهم رحمة في ذي الحياة وفي الأخرى
وما منهم إلا شفيع مشفع ... ومن لم يدن حقا فقد ألف الكفرا
وحقا عقيب الموت لا نفع عندهم ... لمن يرتجي نفعا ولم يملكوا ضرا
ولكن نضيف النفع والضر للذي ... بتدبير هذا الكون قد دبر الأمرا
وقد خصهم بعد اصطفاء وعصمة ... بمقعد صدق عنده يوجب الشكرا
وحرم من أن تأكل الأرض لحمهم ... فأجسادهم في القبر كالورد أو أطرا
وخص التهامي الحبيب محمدا ... برد سلام بعدما سكن القبرا
ونعرف للهادي مقاما معظما ... ومن لم يتابعه فقد ربح الخسرا
أما قولهم: من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هو مسلم, لا يجوز تكفيره ولو ما صلى إذا كان معتقد الوجوب أو ما صام, واستدلوا بحديث "أمرت أن أقاتل الناس. الخ" وحديث أسامة.
стр. 98
فالجواب: هذا الاحتجاج صحيح في حد ذاته بأن الكافر إذا نطق بالشهادتين والتزم بشرائع الإسلام فهو مسلم, ولا يجوز أن نسميه كافرا ولكن بشرط أن لا يأتي بما ينقض إسلامه أو إيمانه, وقد سبق أن ذكرت أن للشهادتين شروطا ونواقض, وأن أبواب الردة التي ذكرها العلماء وذكروا فيها ألفاظا كثيرة يكفر بها إذا نطق أو نوى الردة, وإن لم ينطقه أو فعل فعلا يكفر به كالسجود لغير الله.
فتلك الألفاظ المذكورة كلها من النواقض التي يحكم بموجبها على المسلم, ويقال أنه مرتد وإن تشهد بالشهادتين وأتى بأركان الإسلام.
وأما قولهم: لو وجد تسعة وتسعون سبيلا لكفره, وسبيلا واحدا لإسلامه لا يحكم عليه بالكفر.
فالجواب: أن هذا الكلام باطل لا يقره شرع ولا يقبله عقل, وإن قال به بعض الفقهاء, وبيانه: تشهد بالشهادتين وصلى وصام وزكى وحج بيت الله الحرام وصام النهار وقام الليل وجاهد في سبيل الله وأنفق أمواله بسخاء لنصرة المجاهدين وإعانة المحتاجين وفعل كل بر وخير وانتهى عن كل محرم ولكنه أنكر ملكا من الملائكة المعروفين كجبريل أو ميكائيل, أو قيل له صل راتبة الصبح أو الظهر فقال: لا أصلى مراغما للسنة لا كسلا, فيكفر مع أن هذا سبيل واحد لخروجه عن الإسلام, وتلك الأمور المذكورة السابقة كلها من سبل الإسلام ولم تنفعه, ولا يقال أن الأوجه التي تحكم عليه في الإسلام أكثر وأكثر من وجه واحد يكفر به.
стр. 99
الشبهة العاشرة: إن الشيخ وأتباعه يقسمون التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية
...
الشبهة العاشرة
يقول مخالفو الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الخرافيين والقبوريين: إن الشيخ محمدا ومن تبعه يقسمون التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية, وهذا ما لم يقله النبي ﷺ ولا أصحابه فتوحيد الربوبية هو نفس توحيد الألوهية, وتوحيد الألوهية هو نفس توحيد الربوبية, وأول من ابتدع هذا التقسيم ابن تيمية وتبعه محمد بن عبد الوهاب, وبناء على هذا التقسيم كفروا كل من خالفهم حيث قالوا: إن الذين يتوسلون ويستغيثون بالأنبياء والصالحين, ويطلبون منهم قضاء الحاجات مشركون بالله وتشبثوا أولا بما ذكرنا سالفا أن النبي ﷺ وأصحابه لم يذكروا ذلك, وثانيا: قول الله تعالى ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ , وثالثا: قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ , ورابعا: حديث سؤال الملكين: إن الملكين يقولان لمن وضع في قبره من ربك؟ ولا يقولان له من إلهك؟ ولو كان بين الإله والرب فرق لما اقتصرا على السؤال عن أحدهما.
الجواب عن الشبهة العاشرة
والجواب ومن الله أستمد الصواب:
لقد أورد بعض المتعصبين أن ذلك التقسيم لم يقل به النبي ﷺ , وجواب هذا أن يقال له, إن ترد أن النبي ﷺ لم يقل به لا لفظا ولا معنى, فباطل, فإنه ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... الحديث", وهذا هو توحيد الألوهية والنبي ﷺ وأصحابه علموا الداخلين في الإسلام بأن لا يعبدوا إلا الله وهو ما نريده.
стр. 100
وأكثر القوم كانوا معترفين بالربوبية, فكانوا عارفين بمعاني الألفاظ لا يحتاجون إلى تفرقة, فإذا قيل لهم: لا إله إلا الله, ولا خالق ولا رازق إلا الله, عرفوا ما تدل عليه الجملة الأولى والثانية, وأنت حين توازن بين قوله تعالى إخبارا عنهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ , وقوله تعالى ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ , يظهر ذلك ما قلناه بجلاء ووضوح.
على أنه لا يضرنا أن النبي ﷺ وصحبه لم يصطلحوا هذا الاصطلاح, لأنا نقول تؤخذ الأشياء بمعانيها, ولا يلزم أن يكون النبي ﷺ وصحابته ﵃ يمشون على النهج المصطلح عليه.
وغاية قولنا: أن معنى الرب في اللغة غير معنى الإله, فيدل الأول على الإحاطة والخلق والإيجاد والتربية, ويدل الثاني على المعبود بحق أو باطل.
ونقول في الجواب ثانيا: إن لم يقسم النبي ﷺ التوحيد إلى أقسام ثلاثة فلم يحصره في قسم واحد –كما تزعم- ومعنى الألفاظ الواردة في القرآن والسنة, واللغة تساعدنا على ذلك, وليس معك ما يناصرك على دعواك.
أما السؤال عن التوحيدين في قوله تعالى ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ سؤال عن الربوبية والرب, قال تعالى ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١, نهى عن اتباع الآباء في الشرك وأمر بعبادته وحده, فالتوحيدان متغايران بصريح الآية.
الثاني: نقول ليس النزاع على الألفاظ: فهبوا الرب يطلق على الإله لغة, فهل يدل هذا أن توحيد الألوهية –الذي يراد منه إفراده بالعبادة- هو توحيد الربوبية الذي يراد منه الإيمان بأن الله خالق كل شيء, بيده كل شيء, يا ليت هؤلاء يهتدون إلى محل النزاع.
الثالث: ونقول من أنبأكم أن القرآن ذكر جميع ما سألهم عنه وما أشهدهم عليه ومن أخبركم أنه لم يشهدهم على توحيد الألوهية؟ ما معكم من شبهة على ذلك غير أن القرآن لم يذكره على فهمكم, ومن أن القرآن حدث بكل ما
стр. 101
حصل وما كان في الأزمان الذاهبة.
أما الجواب عن حديث سؤال الملكين: إن الملكين يقولان لمن وضع في قبره من ربك.. الخ.
فأولا: قرر العلماء أنه إذا أطلق لفظ الرب، فيشمل معنى الر بوبية والألوهية، وكذلك إذا أطلق لفظ الإله، كالفقير والمسكين، فإذا أطلق الفقير دخل المسكين في المعنى، ولكن يفترقان في المعنى إذا أفرد الرب بلفظ والإله بلفظ، وكذلك الفقير والمسكين، والإيمان والإسلام، ولهذا يقال إذا اجتمعا تفرقا وإن اتحدا اجتمعا.
ثانيا: أن الملائكة تسأل الميت عن ثلاثة أشياء عن الرب والرسول والدين، ولاشك أن السؤال عن الرسول والتصديق له هو سؤال عن كل شيء جاء به وتصديق به، ومنه توحيد الألوهية، وأن السؤال عن الدين والإقرار بالإسلام يشمل السؤال عن كل ما هو دين، ومنه أن لا إله غير الرب، فالإيمان بذلك هو إيمان بذاك.
فقولهم: إن السؤال كان عن الرب فقط غلط فاحش.
ثالثا: قد ورد في أحاديث سؤال الميت أنه يجيب ملائكة العذاب ويقول: لا إله إلا الله ويشهد بذلك فلم يقتصر على الرب فقط، كما زعم هؤلاء لقصورهم في علم الحديث.
وإلى القراء الكرام بعض الأدلة على الفرق بين توحيد الألوهية والربوبية:
الأول: لا ريب أن الألوهية -أي العبودية من الصلاة وسائر الطاعات- غير الربوبية- أي ملكية الله للعالم - ولا ريب أن توحيد أحد الأمرين المتباينين غير توحيد الأمر الآخر المباين، فلا ندري لماذا ينكرون الفرق بينهما ولماذا يسوون بينهما، والحال أن الفرق بين التوحيدين واضح في اللغة وفي الشرع.
стр. 102
الثاني: متى قيل لا فرق بين هذا وذاك كان المعنى لا فرق بين حقيقتيهما لا اسميهما فقولهم هنا: لا فرق بين الألوهية والربوبية، يريدون لا فرق بين معناهما، وهذا يتناول ثلاثة معان أحدها: أن يكون الشيئان شيئا واحدا، والثاني: أن يكون شيئين لكنهما متلازمان، والثالث: أنه ليس هناك توحيد عبادة وألوهية، ولا شيء يسمى بهذا الاسم، وإنما التوحيد وهو توحيد الربوبية وهو الإيمان بأن الله هو خالق العالم، والاحتمالات الثلاثة باطلة، أما الأول: فمأخوذ من قول النصارى وعقيدتهم في التثليث، وأما الثاني: فمن يقول إن عبادة الله وطاعته هي الإيمان بأن الله خالق العالم، وأما الثالث: فباطل بالضرورة واتفاق المسلمين، فإنه لم يقل أحد من المسلمين، أن الإيمان بأن الله الخالق ينجي العبد من العذاب ويجعله مؤمنا.
الثالث: الألوهية من عمل العباد لأنها "من أله إذا عبد" والعبادة للعبيد، والربوبية من فعل الحق سبحانه، وهي ملكيته للوجود وخالقيته له، فكيف يكون فعل الرب فعلا للعبد، وفعل العبد عملا للرب؟ هذا قول أهل الاتحاد ووحدة الوجود، فهل هم منهم؟
الرابع: لو كان التوحيدان توحيدا واحدا لكان من جاء بتوحيد الربوبية مؤمنا ناجيا مهما عمل ومهما أتى بالمكفرات ومعلوم بطلان هذا لكل أحد.
الخامس: أخبر القرآن أن الكفار كانوا يسمون أصنامهم آلهة قالوا ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ ولم يخبر في آية أنهم قالوا لها: أرباب، فلو كان الفرق بين اللفظين لسموها أربابا كما سموها آلهة، ولما اقتصروا على إطلاق آلهة اطرادا.
السادس: الذي يحقن دم المشرك أن ينطق بكلمة الإخلاص على أن لا يأتي بما ينقضها-وهذه الكلمة التي تحقن الدم هي: لا إله إلا الله ولا يعصمه أن يقول: لا خالق إلا الله بإجماع المذاهب، ولو كان معنى الإله والرب واحد لعصم دمه أحد اللفظين دون الآخر.
стр. 103
السابع: يقال: رب الدار لصاحبها، ورب الإبل لمالكها، ورب القبيلة لسيدها، فإن كان معنى الإله هو الرب –سواء- جاز أن يقال إله الدار لصاحبها، وإله الإبل لمالكها، وإله القبيلة لسيدها، وهذا منكر باتفاق الأولين والآخرين، إذ بين الكلمتين اختلاف ولاشك. أ. هـ١
هذا وهناك أدلة كثيرة جدا، تركناها للاختصار.
وقد زعم خصوم الشيخ وأتباعه أن المشركين كانوا ينكرون وجود الله، أو ينكرون أنه الخالق لكل شيء، واحتجوا لهذا الزعم الباطل بآيات، ومرة أخرى يعترفون بإشراكهم.
الآية الأولى: قول الله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ سورة الفرقان.
والجواب: "١" ليس في الآية الكريمة إنكار للرحمن, وإنما فيها استفهام عنه "بما" التي يسأل بها عن حقيقة الشيء، والمصدق بوجود الأمر يسأل عنه، لا خلاف بين اللغويين في ذلك، فهم يقولون: ما الروح؟ كما قال تعالى ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ وهم يؤمنون بها، ويقولون: ما الملائكة وما الجن؟ وهم يؤمنون بهم. "٢" روى البخاري وغيره في خبر صلح الحديبية أن الرسول ﷺ لما أمر الكاتب أن يكتب صورة الصلح قال له قل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال سهيل بن عمرو النائب عن المشركين في الاتفاق على الصلح: أما الرحمن فلا نعرفه، ولكن اكتب باسمك اللهم، فقول سهيل لا نعرف الرحمن ولكن اكتب باسمك اللهم يدل على أمرين، على أنهم مؤمنون بالله، وأنهم يستعينون به في أمورهم، وعلى أن الذي ينكرون هو وصفه بالرحمن، ولو
стр. 104
كانوا ينكرون ذاته كما يزعم المعارضون لعارض باسمك اللهم ولأنكر لفظ الجلالة ولفظ الرحيم المذكورين, فهذا يفسر الآية ويوضح قولهم ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ .
"٣" هذه الآية على فهمهم مخالفة لتسمية العرب مشركين بالله, والناس –قاطبة- يقولون إنهم مشركون بالله, فلو كانوا جاحديه لما كانوا مشركين به, فتسميتهم مشركين بالله يدل أنهم مؤمنون بوجوده, ولكن عبدوا معه غيره.
"٤" الآية على فهمهم معارضة بما احتجوا به من قوله ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ومثلها ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .
"٥" إذا كان أمثال قوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ إلى غيرها من الآيات الكثيرة لا يدل على إيمانهم بالله, وإيمانهم بأنه خالق كل شيء, فمن العجب أن تدل الآية المذكورة على جحدهم الله, وإذا كانوا يكذبون في قولهم: الله خالق كل شيء, فلماذا لا يكذبونهم في قولهم ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ وإذا كانوا يقولون للرسول الله خالق كل شيء كاذبين اضطرارا للحجة –وقلوبهم جاحدة- فكيف ينكرون الرحمن؟
الآية الثانية: قول الله تعالى ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ سورة الرعد.
والجواب: إن المجادلة في أمر ليست جحدا له في قول الناطقين جميعا, فقول القائل: جادل فلان فلانا في القضاء والقدر, أو في علم زيد وجهله, فهل يدل هذا أن لا وجود للقضاء أو القدر, أو لا وجود لزيد.
أما قال الله تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ١. فهل هذا يدل على أن زوجها غير موجود؟
وقول الله تعالى ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ ٢.
стр. 105
فهل يدل على أن إبراهيم يجادل في وجود قوم لوط, وليس لهم وجود, فيا سبحان الله من الاستدلال الغريب والمنطق العجيب, الذي لا يتفوه به ولا يحتج به إلا ناقص العقل والدين.
الآية الثالثة: قول الله تعالى ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ سورة الأنعام.
والجواب من وجوه
أ- هذه الآية حجة عليهم, إذ من المعقول أن لا يسب أحدا إلا إذا كان المسبوب موجودا, وهل يسب المعدوم؟
ب- لو كان سبهم لله إنكارا, لكان سب المؤمنين آلهة المشركين إنكارا, وينبغي أن يفهم أن السب ليس هو الكلام المعروف الذي يسب الناس بعضهم بعضا, ولكنه مجرد تنقيص أو نسبة شيء غير لائق به, فإذا نسبنا إلى الإله ما لا يليق بجلاله يكون سببا له, كقول النصارى المسيح ابن الله وقول اليهود عزير ابن الله.
وزيادة على الأجوبة السالفة, نقول إن هؤلاء المعترضين متناقضون, مرة يقولون إن المشركين ينكرون الخالق ويحتجون بما سلف من أدلة, وتارة يعترفون بالرب ويستدلون بقول الله تعالى ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
فإن كانوا ينكرون الرب, فكيف يحتج هؤلاء على اعترافهم بقول الله تعالى ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ... ﴾ الآية
وبما أن كثيرا من العوام, بل وكثيرا ممن ينتسبون إلى العلم لا يفرقون بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية, حتى زعم المبتدعون خصوم الشيخ وأتباعه قائلين: إنه لا فرق بين التوحيدين, فالربوبية هي الألوهية, والألوهية هي الربوبية, ولم يفرق بينهما سوى ابن تيمية وابن عبد الوهاب وتمسكوا بما يلي:
стр. 106
١- إن النبي ﷺ وأصحابه لم يذكروا ذلك التفريق, ولم يقولوا لمن دخل في دين الله أن هناك توحيدين.
والجواب: إن مدعي هذه الشبهة إما أن يريد أنهم لم يذكروه باللفظ المذكور, وإما أن يريد أنهم لم يذكروه ولا بالمعنى, ولم يفهموا من دخل في الدين أن هناك توحيدين, إن أراد الأول فلا يضرنا ولا ينفعه, لأننا لا نزعم أن الرسول ﷺ يتكلم بألسنتهم واصطلاحاتهم, وإن أراد الثاني نازعناه, وقلنا: إنك لم تقم دليلا عليه, بل نقول: إن الرسول ﷺ وأصحابه أعلموا الداخلين في الدين أن هناك توحيد ألوهية, وتوحيد ربوبية بقوله لهم قولوا: لا إله إلا الله, ولا تعبدوا إلا الله وتدعوا إلا إياه مع قولهم لا خالق ولا رازق إلا الله, وهؤلاء يريدون أن يكون كلام رسول ﷺ أفصح البشر آتيا على اصطلاحاتهم بأن يقول: ينقسم التوحيد قسمين إلى آخر العبارة، ولو كان كلام الرسول صلى الله عله وسلم ككلامهم لما قبل الإسلام.
٢- قول الله تعالى في أخذ الميثاق ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ قالوا: ولو كان بين الإله والرب فرق، لما اكتفى بالسؤال عن الرب فقط، بل لقال: ألست بربكم وإلهكم؟
والجواب: سبق مثل هذا الاعتراض في سؤال المنكرين، وسبق الجواب، ولكن لا بأس من الزيادة والإيضاح والبيان فنقول:
أ- لو تدبر هؤلاء في قولهم قليلا، لرأوا أن الله سألهم عن التوحيدين، فقوله تعالى ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ سؤال عن الربوبية والرب، وقوله تعالى ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ نهى عن اتباع الآباء في الشرك وأمر بعبادته وحده، فالتوحيدان متغايران بصريح الآية.
ب- هذا الإيراد لا يرد علينا إلا إذا ذكروا: أن السؤال كان عن جميع
стр. 107
الدين، أو عن جميع ما هو شرط في قبول الإيمان، وإلا فلا يرد علينا يقينا، فإن لنا أن نقول: سألهم الله عن الربوبية وقررهم عليها، وإقرارهم بها يهديهم إلى الألوهية لو عقلوا ولم ينقادوا للشيطان، فإن من يعقل لا يعبد إلا من له الأمر والنهي والنفع والضر، ولو خلى الناس وفطرهم لما عبدوا إلا الله، ولولا مشيخة الضلال المحسنين لهذه البدعة وسدنة القبور، لما وجدت من يستغيث بالأولياء ويطوف بهم، قال الله تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
ألا يرى هؤلاء أن هذه الشبهة تفتح عليها أن يقال: الآية لم تذكر غير توحيد الله ولم تذكر الإيمان بالكتب والرسل والملائكة والبعث وسائر أركان الإيمان، فليست هذه الأشياء مما يلزم الإيمان به لأن الآية لم تذكره، يقول هؤلاء المبتدعة لنا: إذا كان توحيد الربوبية غير توحيد الألوهية، فلماذا لم تذكر الآية توحيد الألوهية، فإذا أردنا أن نسألهم كسؤالهم قلنا: الآية أيضا لم تذكر كل ما يجب الإيمان به، فيجب أن نقول: أنه لا يجب الإيمان إلا بالله، أما ملائكته وكتبه الخ فلا يلزم الإيمان بهم، هذا سؤال لا محيص لهم عنه، وتحرير هذا الجواب أن يقال: الآية لم تلتزم أن تذكر جميع أبواب الإيمان فلا يصلح أن تسألونا السؤال المذكور، هذا أمر واضح.
٣- قول الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ .
والجواب: ليس لهذه الشبهة وجه يصح، والإله هنا هو المعبود بلا شك، أي هو معبود في الأرض وفي السماء، وهؤلاء أبوا أن يكون ذلك هو المعنى، لأنه سوف يجيء زمن – كما يقولون - لا يعبد الله في الأرض أحد، فلا يكون فيها إلها أي معبودا وفاتهم أن الآية لم تقل وفي
стр. 108
الأرض إله في كل وقت، ومثل هذا الاستعمال يصدق في أقل مدة يعبد الله فيها، وأيضا الاعتراض لازم على كل حال إن كان صحيحا، فهم يقولون الإله والرب معناهما واحد، فالرب هن الإله، والإله هو الرب، لأنهم لا يفرقون بينهما، فقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ . أي رب ومعبود باعترافهم، وسوف يجيء زمن -كما قالوا- لا يكون الله في الأرض معبودا، فما المخلص ما أكثر ما يزلون، وأيضا من قال لهم: إن زمنا من الأزمان لا يعبد الله فيه أحد؟ ألا يذكرون قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة وهم على ذلك" وهبوا أنه لا يعبد الله من الناس أحد في ذلك الزمن، فالكائنات الأخرى تعبده، والقرآن أخبر بأنها تسجد له وتسبحه، ولا يجسرون أن يقولوا: إن الأنبياء والأولياء أحياء في قبورهم، يعبدون الله ويعطون سائليهم، فالله معبود في الأرض إلى يوم القيامة ولو من الأموات على زعمهم فالشبهة مثل الضعف أ. هـ١
стр. 109
الشبهة الحادية عشر: قال المبتدعون: أن النبي ﷺ ذم نجد وامتنع أن يدعو لهم
...
الشبهة الحادية عشرة
قال المبتدعون: إن النبي ﷺ ذم نجدا, وامتنع أن يدعو لهم, فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا, قالوا: وفي نجدنا قال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا, قالوا: وفي نجدنا: فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل, والفتن, وبها يطلع قرن الشيطان" , وفي حديث آخر "رأس الكفر قبل المشرق ".
وابن عبد الوهاب خرج من نجد, وقد أخبر النبي ﷺ أن هناك الزلازل والفتن ودعوته من الفتن والزلازل, وقد خرج قبله من اليمامة مسيلمة الكذاب يدعي النبوة, وطليحة بن خويلد الأسدي, فإذا كانت نجد موضع الزلازل والفتن, وفي الحديث رأس الكفر قبل المشرق, ونجد تقع شرق المدينة, فمن هنا نعلم أن دعوته ضالة وأن أكثر المسلمين على خلاف ما يقول هذا الشيخ, فقد أتى بما لم يسبق إليه أحد.
جواب الشبهة الحادية عشرة
وجواب الشبهة ومن الله أستمد الصواب:
لا ريب أن هذا الحديث الذي أورد المعترضون صحيح, ولكن ليس الذم واردا لنجد اليمامة ولكن كلمة نجد هي كل ما ارتفع من الأرض, وشرق المدينة هي العراق وليست اليمامة.
стр. 110
معنى نجد في اللغة
مصدر معناه الرفعة والعلو, يقال لكل شيء عال نجد, ولكل قطعة من الأرض مرتفعة عما حواليها وهذا مذكور في جميع كتب اللغة كالقاموس ولسان العرب وتاج العروس والمنجد وغيرها.
قال الكرماني في شرح البخاري: وأصل نجد ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور, وكذا قال الحافظ ابن حجر والقسطلاني: واتفقت كلمة شراح الحديث وأئمة اللغة أن نجدا ليس اسما لبلد خاص ولا اسما لبلدة بعينها, بل يقال لكل قطعة من الأرض المرتفعة عما حواليها.
ونجود العرب كثيرة منها نجد البرق, نجد أجاء, نجد العقاب بدمشق, نجد اليمن, نجد الحجاز, نجد العراق وهو يقع جهة الشرق من المدينة المنورة.
قال صاحب تاج العروس: كل ما وراء الخندق على سواد العراق هو نجد.
قال الكرماني في شرح حديث يطلع منها قرن الشيطان: هو الأرض المرتفعة من تهامة إلى العراق, وأصرح من هذا قوله: ومن كان بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام كان نجد بادية العراق وهي مشرق أهلها.
وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها.
ومما أوردناه تعلم أيها الواقف أن الذم الوارد في نجد في قوله ﷺ هنالك الزلازل والفتن, وبها يطلع قرن الشيطان, فليس المراد نجد اليمامة بل نجد العراق.