← Тараджим

Тараджим · id 7656

الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة

آمنة محمد نصير

Полный текст (246 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة تأليف: آمنة محمد نصير تقْديم لقد بدأت تجربتي في دراسة أعلام السلف منذ خمسة عشر عاماً عندما بدأت التفكير في إعداد الماجستير عقب الدراسات التمهيدية التي تسبق هذه الدرجة العلمية، ويومها أشار علي أستاذي الدكتور محمد رشاد سالم أستاذ الفلسفة الإسلامية بدراسة المتكلم والفقيه والواعظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي] ٥١٠هـ ـ ٥٩٧ هـ م [وهو عقلية موسوعية تراني على حقول المعرفة الإسلامية بجدارة، استغرقت دراستي لابن الجوزي بضع سنوات كانت مثمرة والحمد لله. ثم بدأت التفكير في دراسة الدكتوراه وعشت في حيرة اختيار موضوع البحث كأي دارس ودراسة في هذه المرحلة ويومها فكرت في دراسة ابن عقيل الحنبلي وهو من أبرز شيوخ ابن الجوزي وقد تأثر به تأثرا كبيرا في كثير من آرائه. وفي هذه الآونة عرض علي العمل بالمملكة العربية السعودية لكي أحاضر في المواد الإسلامية في كلية التربية بالرياض ومن خلال تجربتي في التدريس واحتكاكي بالمناهج أحسست بأهمية الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب كصاحب منهج عملي وفكر سلفي عالج بهما كثيراً من الأمراض التي كانت منتشرة في الجزيرة العربية ـ بل وفي معظم العالم الإسلامي وأول هذه الأمراض التي قام بعلاجها تنزيه مفهوم التوحيد من جميع ألوان الشرك في عقائد الناس وسلوكهم. قطعت إعارتي وعدت إلى القاهرة لكي أتفرغ تماماً لدراسة الشيخ

стр. 2

محمد بن عبد الوهاب في قالب علمي بعيد عن اتجاه الغالين أو القالين لدعوة الشيخ. وعرضت الموضوع على الأستاذ الدكتور أبو الوفا التفتازاني أستاذ الفلسفة الإسلامية ووكيل كلية الآداب/جامعة القاهرة فرحب به وحثني على المضي فيه وذلل الصعوبات التي اعترضت طريقي في وقتها. وكذلك كان تشجيع أستاذ الجيل الدكتور عبد العزيز السيد. وكان التشجيع الكبير من زوجي المستشار الدمرداش العقالي الذي حول تشجيعه إلى عمل متواصل في جمع كل ما يمكن جمعه من مادة ومراجع من مكتبات الرياض. وبدأت مشواري مع الشيخ الذي استغرق حوالي ثلاثة أعوام، كان لأستاذي المشرف الدكتور محمد عاطف العراقي أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب القاهرة عظيم الأثر في إنارة الطريق أمامي وحثني على إخراج هذه الدراسة في زمن وجيز. وتمت الدراسة بخير أحمد الله عليه وجاء دور طباعتها ومن منطلق شعوري بما أعطيت لهذه الدراسة من وقت وجهد جعلني أشعر بأهمية إخراجها للقارئ العربي في ثوبها العلمي الموضوعي المحايد والذي انتهيت فيه إلى أن الإمام الشيخ، في عالم المصلحين، عملاق ذو منهج فريد، وفي عالم البشر حسب قوله ﵀: " فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا " ﷺ ". وأقول إن كنت أصبت فهذا الذي أردت وهو من توفيق الله تعالى وتيسيره وإن تكن الأخرى فسوف أحظى بأجر إن شاء الله وحسبي خلوص النية لله تعالى ولرسوله ﷺ . د. آمنَة محمَّد نصْير

стр. 3

تمهيد اكتمل تكريم الله للإنسان بالقران الكريم. وتمثل هذا التكرم في أنه جاء كتاباً يتلى، ليستخرج العقل الإنساني من عبودية التقليد إلى حرية التفكير. وليضع لهذه الحرية العقلية معالم تهدي المفكرين إلى سواء السبيل. معالم تهدي ركب الحياة في سيره الحثيث. ولكنها ليست قيوداً تشل الحياة وتورث الجمود. واهتدى السلف الصالح إلى منزلة التفكير كفريضة فأدوها، وإلى ضرورة المعالم والحدود التي وضعها العليم الخبير فانتهوا إليها ولم يضيعوها. فقدّموا للإنسانية حضارة فريدة تقدّر المقول وتحفظ المنقول. ثم خلف من بعدهم من توزعتهم أهواء الإفراط والتفريط حتى أضاعوا التوازن المعجز الذي جاء به الإسلام صيانة للعقل والنقل على السواء، فأخذوا عرض الكتاب وأهدروا غاياته! فريق استهواه بريق الفلسفة الأرسطية ذات الأقيسة الجدلية فآثر استخدام منطقها للدفاع عن عقيدة الإسلام، وفاته أن للعقيدة منطقها المستقل في البحث والاستدلال. فكان كمن قاتل معركة بغير سلاحها فأرهق نفسه وأرهق المثل التي يدافع عنها، وانتهى إلى أن أفرط في العقل حتى فرط في النقل.

стр. 4

وفريق استفزه منهج المسرفين في العقل على حساب النقل، فانقلب على عقبيه يرى صيانة المنقول في حجب العقل عن محاولة فهمه، وهو بهذا حرم نفسه نعمة التفكير الذي كرر القرآن التنويه به والحث عليه، كما حرم النصوص من التجدد على الأيام بسلامة التفكير وسداد التطبيق. وبفعل الفريقين بدأ الظلام يزحف على العالم الإسلامي رويداً رويداً حتى إذا ذهبت الحضارة الإسلامية بالغزو التتري البربري الذي أسقط بغداد عام ٦٥٦ هـ توقفت المعارف واستحكم الجمود وساد التقليد. وتعاقبت القرون بالمسلمين ابتداء من القرن السابع الهجري في تخلف فكري متزايد. ولم تفلح الشموع التي أضاءها بعض العلماء المصلحين في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي في تبديد ظلامه. حتى إذا حل القرن الثاني عشر الهجري كان المسلمون قد هبطوا فكرياً إلى حد الإحتجاب الكامل عن حقائق الإسلام، وكلياته الأساسية في شتى مجالات العقدية بما ينبثق عنها من عبادات ومعاملات. وأصبح معوّل الناس في سائر هذه الأمور على تقليد آراء السابقين. ووصل جمود التقليد إلى حد تقديس المذاهب، كما لو كان المذهب ديناً مستقلا لا يجوز للمنتسب إليه الخروج عنه أو تقليد غيره في قليل أو كثير. وساد بين الخاصة والعامة وهم مفاده: غلق باب الاجتهاد. وبسيادة هذا الوهم فسدت العقائد وتلبس التوحيد بالشرك الخفي والجلي وكسدت بضاعة العلم والمعرفة لتروج الأساطير والخرافة، وتحلل الناس من تكاليف الشرع بشتى الحيل وتلاشت سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولم يكن من سبيل إلى الإصلاح إلا بعلاج الداء من جذوره، دون الوقوف عند عرض من أعراضه. كان العلاج في تصحيح العقيدة بإعادة التوازن بين دور العقل وحجية النقل. ولا سبيل إلى ذلك إلا بفتح باب الاجتهاد. ولم يستطع أحد من رواد الفكر ـولم يخل منهم قرنـ أن ينهض بهذا العبء، حتى ظهر الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" المولود عام ١١١٥هـ.

стр. 5

كان تحديده لعلة الفكر الإسلامي تحديداً دقيقاً ومبكراً: إنه فساد العقيدة بغلبة الشرك على التوحيد. وجاء تعليله للعلة شاملاً: إنه قلة العلم بما كان عليه السلف والاستسلام للحواشي والأساطير التي رسخت مع الجمود والتقليد. وإن سبيل الخلاص من هذه الغاشية: تصحيح الاعتقاد وفق الكتاب والسنة، وتحرير العقل من خرافة التقليد لآراء الأولين. وأتبع العلم الذي يدعو إليه بالعمل الجاد الموافق لهذا العلم، فلم تلبث الدعوة أن أصبحت حركة، واستطاعت الحركة أن تقيم دولة ومن ثم وضعت منهج الشيخ موضع التطبيق. كان محمد بن عبد الوهاب أول داعية في القرون المتأخرة يتحقق لدعوته اجتياز سائر المراحل من الفكر النظري إلى التطبيق العملي. ومن أبرز المشاكل التي تعرض لها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكانت موضع هجوم خصومه ورميه بأنه مبتدع وأحدث مذهباً خامساً وخالف إجماع المذاهب الأربعة وضعه مسألة التوسل والكرامة في ميزانها الشرعي الدقيق وعدم تركها لكل مدّعٍ ومبتدع. كما لعبت قضية التفكير دوراً بارزاً في حياة الدعوة ومسارها. ولكن رغم الخلافات الحادة التي ظهرت في حياة الدعوة ظهر فريق أنصف الدعوة واعتبرها بداية يقظة العالم الإسلامي في العصر الحديث. وقد استلفتت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنظار عدد من الباحثين الذين توفروا على دراسة آثارها من وجهة نظر التاريخ والحكم والسياسة، ولكن قل من الباحثين من توفر على دراسة جانب العقيدة في حركة الشيخ وهو الأساس فاستعنت الله تعالى أن يهيئ لي أسباب هذه الدراسة لما بدا لي من حاجة الفكر الفلسفي الإسلامي إلى استيعاب هذا الجانب من فكر محمد بن عبد الوهاب. موضوع الكتاب: وهو على ما يقرأ من عنوانه:"منهج ابن عبد الوهاب في مباحث العقيدة". بما يستلزمه من دراسة لمكونات هذا المنهج ومصادره ثم معالمه

стр. 6

وخصائصه للتأدي من ذلك إلى كيفية أعماله لهذا المنهج في مباحث العقيدة وأثره. خطة البحث: عالجت هذا الموضوع في ستة أبواب: * تناولت في الباب الأول بحث المكونات الأساسية لفكره ومنهجه من خلال دراسة حياته ومؤلفاته وعصره وبيئته. * وفي الباب الثاني تعرفت على المعالم الرئيسية التي تبين لي أنها طابع فكره ومنهجه. * وفي الباب الثالث: عرضت لموقفه من الغيبيات. * وفي الباب الرابع: عرضت لصلة التصوف بالعقيدة بياناً لموقفه من المسألة في أهم جوانبها. * وفي الباب الخامس: درست نظرته إلى دورة العقدية في بناء الفرد من خلال الجماعة. * لأخلص في الباب السادس إلى دراسة أثره. * ثم خاتمة تضمنت أهم نتائج البحث. الباب الأول: حياته ومؤلفاته وعصره وبيئيته: وقد تناولت موضوعات هذا الباب في فصلين. خصصنا الفصل الأول لدراسة حياته ومؤلفاته. فعرضنا أولاً لحياته بياناً لنسبه ومولده ونشأته ورحلاته وشيوخه فحققنا خلال هذه الدراسة أنه ولد عام ١١١٥ هـ ببلدة العينية من قرى نجد لأب عربي ينتسب إلى قبيلة تميم المعروفة في الجاهلية والإسلام وكان جده ثم أبوه وعمه من علماء نجد وقضاتها فنشأ في بيئة علم ودين أتاحت له تلقي العلم

стр. 7

مبكراً فعرف بسرعة الحفظ والإتقان. حفظ القرآن الكريم قبل بلوغ العاشرة، وتلقى عن أبيه وعمه وغيرهما من شيوخ نجد شيئاً من علوم اللغة والحديث والتفسير والأصول والفقه على مذهب واحد، وقدمه أبوه للصلاة بالناس وهو دون الثانية عشرة ثم أذن له بالحج والزيارة فمكث في المدينة المنورة مدة يتلقى على علمائها ثم تكررت رحلاته إلى الاحساء وإلى البصرة والزبير بالعراق وتلقى عن علماء هذه الجهات وناظرهم ثم عاد إلى نجد فاستقر بها حتى وفاته عام ١٢٠٦ هـ. وخلال دراسة حياته دفعت شبهات متعددة تناقلتها أقلام الباحثين حول نسبته ومحل وتاريخ مولده ورحلاته والمذهب الذي بدأ التفقه عليه وشيوخه إذ ذهبت معظم المصادر العربية بعد الأجنبية إلى أنه رحل وزار أقطار العالم الإسلامي وتلقى سائر العلوم والفنون حتى صنع الأسلحة، وقد ثبت من الدارسة أن مسرح رحلات الشيخ لم يتجاوز مكة المكرمة والمدينة المنورة والبصرة والزبير والاحساء وأنه مع تلقيه عن بعض شيوخ وعلماء هذه الجهات فقد اعتمد في تحصيل معارفه على قراءة كتب السابقين وعلى الأخص شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وأن ثقافته تأسست على هذه المعارف التي جمع إليها التأمل العميق في واقع الحياة والناس وقياس هذا الواقع على ما لديه من علم، وأن هذا التأمل هو الذي اوزعه أن ينهض بالدعوة إلى تغيير ما رآه منكراً. ولدى دراسة مصنفاته التي ألفها تبين أنه مقل بالقياس إلى غيره ممن لم يتركوا مثل أثره، وبان لي أن معظم مصنفاته رسائل عالج فيها موضوعات أملتها المناسبات المتعلقة بحركة الدعوة إلى جانب عدد من الكتب التي ألفها شرحاً لما يدعو الناس إليه. وكان اعتماده في رسائله وكتبه على النصوص وسيرة السلف. إلا أن هذه المؤلفات على قلتها تمكن الباحث من استيعاب فكره ومنهجه والحكم عليه والإنطباع العام الذي يستفاد من مؤلفاته أنه كان يعالج العلم في إطار حركة الحياة بما يمكن معه القول أنه رائد في مدرسة "العلم للحياة". وعرضت في الفصل الثاني: لدراسة عصره وبيئته فأوضحت الحالة العامة للعالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)

стр. 8

وهي الفترة التي بلغ فيها العالم الإسلامي غاية التدني والإنحطاط الفكري والعقائدي والسياسي على ما هو مدون بسائر المصادر والتي تعرضت لهذه الفترة وأن حالة نجد والجزيرة العربية كانت تزيد سوءاً عن حالة العالم الإسلامي من حولها حتى ذكر بعض الباحثين أن نجد أو الجزيرة العربية كانت قد عادت إلى جاهلية شر من جاهليتها الأولى ففسدت العقائد ونجمت البدع وتسلطت الأوهام فأصبح حبل الناس على غاربهم فتحللوا من عروة الدين وقوامها نقاء العقيدة كما تحللوا من عروة الدنيا وقوامها السلطان العادل. الباب الثاني: المعالم الرئيسية لفكره ومنهجه: وقد سلكتها في فصلين: عالجت في الفصل الأول موقفه بين الإجتهاد والتقليد، لما تبين لي أن هذا الموقف يعتبر حجر الزاوية في بناء فكره ومنهجه، عرضت أولا للإجتهاد موضحة موقفه منه خلال أربع نقاط: النقطة الأولى: مبدأ الإجتهاد من حيث مشروعيته ولزومه واستمراره فصح لدينا أن الشيخ يرى ثبوت الإجتهاد واجباً متعيناً على الأمة ماضياً إلى يوم القيامة وأنه منهج السلف في استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها الظنية. النقطة الثانية: تعرفت على مجال الاجتهاد عنده فصح لديّ أنه يرى الإجتهاد وارداً في كل مسألة ليس فيها نص قطعي الورود قطعي الدلالة، ولا يصح ترك الإجتهاد لقولة قائل مهما كان فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا الرسول المعصوم ﷺ . ولا يتوقف الإجتهاد في مسألة خلافية إلا بالإجماع من سائر علماء الأمة. النقطة الثالثة: درست الشروط التي يرى لزوم توافرها في المجتهد فبان لي أنه ينفرد عن

стр. 9

سائر علماء الحنابلة بتيسير هذه الشروط على نحو لم يسبق إليه. النقطة الرابعة: لما يراه بشأن علاقة المجتهد بالمجتهد فبان لي أنه يؤكد على كل مجتهد أن يحتفظ بصفة الإستقلال في اجتهاده حتى عندما يأخذ باجتهاد غيره فليس معنى ذلك قبول رأي الغير في ذاته بل قبول الدليل المنبني عليه حيث لا يعرف الحق بالرجال بل يعرف الرجال بالحق. وعرضت ثانيا لموقفه من التقليد فشدد في إنكاره والنهي عنه بان أنه سبب توارث الكفر عن الآباء في كل عصر كما قص القرآن الكريم فالقاعدة المقررة لدى بن عبد الوهاب ذم التقليد وأنه طريق أهل الضلال الذين يصفهم بقوله: (إن دينهم مبني على أصول أعظمها التقليد فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وأخرهم) . ولا يبيح التقليد إلا في حالات الضرورة القصوى عند استحالة معرفة الحكم اجتهادا، وحتى في هذه الحالة يوجب على المقلد أن يجتهد في اختيار من يقلده وألا يكتفي يما يشاع عنه من علم ودين وفي ذلك يقول: " وأما إن قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواء من غير علم أن الحق معه فهذا من أهل الباطل ". وانبنى على موقفه من الاجتهاد والتقليد حسبما ذكرنا أن عاب على العالم أن يتخذ من المذهب الذي ينتسب إليه دينا يهاب التحول عنه وخلاف إمامه. ويمكن تلخيص موقفه من الاجتهاد والتقليد في القواعد الآتية: (١) كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ هما المصدران الوحيدان لكل أمر ونهي وتقرير. (٢) وإن الحكم إن عرف من النص لزم اتباعه وعدم تركه لقول كائن ما يكون. (٣) فإذا لم يعرف الحكم من النص وجب الاجتهاد لمعرفته والاجتهاد فرض كفاية على الأمة ماض إلى يوم القيامة.

стр. 10

(١) وإن كل مسألة خلافية هي محل للاجتهاد، ولا ينتهي الخلاف فيها إلا بالإجماع. (٢) وإن الإجماع المعتبر عنده هو إجماع سائر علماء الأمة وليس مجرد إجماع علماء المذاهب الأربعة. (٣) وإن التقليد مذموم ما لم تدع إليه ضرورة تقدر بقدرها. (٤) وإن علم أصول الدين فرض على كل مكلف فلا يجوز التقليد فيها لعامي أو عالم. (٥) وإنه على العالم إذا قلد غيره في مسألة يجهل حكمها أن يلتزم في تقليده بما يعتقد أنه الحق. وفي الفصل الثاني: عرضت لموقفه في الربط بين العلم والعمل لما تحقق لي انه المعلم الثاني من معالم فكره ومنهجه، فكما أمر الله تعالى بالعلم أمر بالعمل وكان من هدى الرسول ﷺ في تعليم أصحابه أن يعلم أحدهم بضع آيات فلا يعدوها حتى يعمل بها. ويذهب محمد بن عبد الوهاب إلى اعتبار ربط العلم بالعمل المميز الأهم لأمة الإسلام عمن سبقها فهي سمة المنعم عليهم﴾ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴿الذين يعرفهم الشيخ بأنهم:" أهل علم بلا عمل". وغير الضالين ويعرفهم الشيخ بأنهم:" أهل عبادة ليس معها علم". ومن هذا التصور كان منهج الشيخ في تحصيل العلم بالجمع بين التلقي عن الشيخ والتأمل في واقع الحياة والكون فكان تحصيله للعلم وحضه عليه مقرونا بالقضايا التي كانت طابع عصره إذ أنه جعل مدار علمه على ما يعالج هذه القضايا وفق ما أشرنا إليه في صدد مؤلفاته. ثم إنه جعل صحة العمل مقرونة مرهونة بما يوافق الشرع ومن خلال اهتمامه بالربط بين العلم والعمل أحيا قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبرز دور العقيدة في بناء الفرد من خلال الجماعة. الباب الثالث: موقفه من الغيبيات: ويشمل على ثلاثة فصول درست في الفصل الأول موقف محمد بن عبد

стр. 11

الوهاب من مسألة: الذات والصفات، وقد لخص عقيدته بأنها عقدية الفرقة الناجية القائمة على تلقي الصفات من النصوص دون تحريف لمعناها بتأويل لم يؤثر عن السلف مع الإيمان بها دون تشبيه أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل، وهو يجعل الإيمان بالصفات فرعا من الإيمان بالذات فكما أن الله ذاتا لا تشبهها الذوات فله صفات لا تشبهها الصفات. وقد شدد ابن عبد الوهاب حملته على علماء الكلام فيما نحى إليه بعضهم من تأويل الصفات أو القول بأن الصفات هي عين الذات أو أنها زائدة عن الذات. وفي الفصل الثاني: تناولت موقفه من النبوات واهتمامه بتلقين المسلم دلالة إرسال الأنبياء والرسل على عناية الله تعالى بخلقه ورحمته بهم وتيسيره أسباب هدايتهم. ثم عنايته تعالى بأنبيائه ورسله وتأييده لهم بالمعجزات مع إثبات بشريتهم والتأكيد على ذلك. وأوضحنا نظرته إلى القرآن الكريم باعتباره المعجزة الكبرى للرسول الخاتم محمد ﷺ بما يؤكد بقاء هذه المعجزة إلى يوم القيامة عل امتداد الزمان والمكان وأن القرآن كلام الله المنزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عبادة. وإن كمال الإتباع للأنبياء باتباع أمرهم وينهيهم لا بالغلو فيهم وإخراجهم عن بشريتهم. وفي الفصل الثالث: تناولت موقفه من البعث والجزاء، فتبين أن ابن عبد الوهاب يرى في البعث أنه ثابت بالنصوص فضلا عن أنه دال على منتهى عدل الله وإحقاق الحق بين عباده، وبعد أن عرضنا للأقوال المختلفة في ماهية البعث أوردنا مذهبه في إثبات أن البعث يكون بالجسد والروح..وأن الإيمان بالبعث لاينفك عن الإيمان بسائر مشاهد القيامة التي وردت بها النصوص كالميزان والصراط والحوض وأن منكر البعث كافر. وفي بيان موقفه من الجزاء تبين لي أن موقفه: إثبات الجزاء كما دلت عليه النصوص فضلا عن أنه من دواعي إرسال الرسل. ثم انتقلنا إلى مسألة الشفاعة وقد كانت مثار هجوم خصوم ابن عبد الوهاب عليه بدعوى أنه ينكر الشفاعة والثابت من أقواله أنه يثبتها وفق ما دلت عليه النصوص وعرضنا لأنواع الشفاعة المختلفة ومن يأذن الله لهم بالشفاعة، وتبين من خلاصة أقواله

стр. 12

ردا على خصومه أن جوهر موقفه في مسألة الشفاعة: أنها ثابتة مقررة لمن يأذن الله له بأن يشفع فيمن يأذن الله بأن يشفع فيهم ولذلك فلا تطلب الشفاعة من الشفعاء بل يكون الطلب من الله بقولك: اللهم شفع في رسولك. الباب الرابع: التصوف وصلته بالعقيدة: فقد علاجنا هذا الموضوع في ثلاثة فصول: في الفصل الأول: تعرضنا لبيان موقف ابن عبد الوهاب من التصوف وقد تبين لنا أنه نسج على منوال الفقهاء في معاداتهم لأهل التصوف فيما يتعلق بالقول بأن للشريعة ظاهرا وباطنا وما يتفرع عنه من مشاكل ومسائل. والفصل الثاني: عالجنا فيه التفريق بين جوهر التصوف وأشكاله، وبان لنا أن ابن عبد الوهاب قبل جوهر التصوف المتفق مع الشرع ورد كل ما يخالف الشرع ففيما يتعلق بإثبات الكرامة للأولياء قال بإثباتها شريطة ألا يكون من شأن إثبات الكرامة لولي اعفاؤه من تكاليف الشرع أو التوجيه إليه بالطلب والقصد لأن ذلك عبادة لا يجوز لغير الله ولئن كان للأولياء في عرف الصوفية أحوال ومقامات فإن مرد كل مقام عند ابن عبد الوهاب إلى الالتزام بنصوص الشريعة وتكاليفها. وفي الفصل الثالث عرضنا للتوسل وأوضحنا جملة من الأقوال التي وردت لبيان مدلوله ومعناه وانتهينا إلى بيان موقف ابن عبد الوهاب منه الذي يقول بمشروعية التوسل شريطة ألا يصحبه التوجيه بالطلب إلى الأولياء واصحاب الكرامات بل يكون الطلب والقصد إلى الله تعالى، مع وجوب استشعار العبد على الدوام أنه لا نفع ولا ضرر ولا تأثير ولا خلق ولا إيجاد إلا من الله تعالى. ولا شك أن موقف ابن عبد الوهاب كان هو صوت الشرع في مواجهة ما انغمس فيه العامة والخاصة من أهل زمانه في التوسل بالأولياء والصالحين على سبيل الطلب منهم والقصد إليهم واتخاذهم وسطاء إلى الله لقضاء الحوائج.

стр. 13

الباب الخامس: نظرته إلى دور العقيدة في بناء الفرد من خلال الجماعة: ويقع في ثلاثة فصول: عالجت في الفصل الأول مفهوم الجماعة المسلمة وكيف تكون وتميزها عن سائر الجماعات الإنسانية في أساس تكوينها المبني على العقيدة وتبين أن ابن عبد الوهاب إذا انتقل من دور الدعوة إلى دور الحركة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تبين له أن نجاح حركته مرهون بوجود الجماعة التي تنتظم فيها فعمل على تكوين هذه الجماعة معتمدا على الأساس العقائدي خلافا لما كان عليه الحال في أرض نجد والجزيرة العربية في عصره من عودة الناس إلى التجمع القلي. فبين أن الجماعة التي يدعو إليها هي جماعة التوحيد وأن سائر الموحدين على اختلاف أنسابهم وألوانهم إخوان في العقيدة وكل من خالف التوحيد عدو لهم. وفي الفصل الثاني: عالجنا قضية التكفير وما يخرج عن الإسلام وهي إحدى القضايا التي تعرض فيها ابن عبد الوهاب للهجوم الشديد من خصومه وناقديه مدعين عليه أن يكفر الناس بالجملة وتبين من دراسة موقفه أنه لم يصف قوما بذواتهم بأنهم كفار بل تحدث عن أعمال رآها تؤدي إلى الكفر ومنها موادة أهل الشرك على أهل التوحيد، وتبين لي أن هذه القضية تعرضت لردود أفعال ناجمة عن الصراع الحزبي بين أهل الدرعية من اتباع الشيخ وبين خصومهم الكثيرين من حولهم. وفي الفصل الثالث بحثت موضوع الجهاد في سبيل الله كركن في العقيدة: فتبين لي أن جوهر موقف الشيخ في المسألة قائم على أن أهل الحق هم على الدوام محل العدوان عليهم من أهل الباطل سواء كان عدوانا حالا أن عدوانا متوقعا وأن سبيل أهل الحق لدفع هذا العدوان الحال أو التوقي من هذا العدوان المحتمل هو الجهاد في سبيل الله. وأوضحنا أن ماهية الجهاد عنده كما كان عند السلف تمكين المؤمن من الدعوة إلى الله وإزالة العقبات من أمام الدعوة وأنه ليس حربا للاستعلاء في الأرض واسترقاق البشر بدليل أنه فور قبول العدو للإسلام يصبح فورا أخا في العقيدة له ما للمسلمين وعليه ما عليهم دون تفريق بين جنس أو لون.

стр. 14

الباب السادس: أثره في الفكر والسياسة. ويفع في فصلين، عالجت في الفصل الأول أثره في الفكر الإسلامي، وتبين من الدراسة أن دعوته إلى استمرار الاجتهاد إلى يوم القيامة وتنديده بالوهم القائل: يغلق باب الاجتهاد كان له أثره الفذ في تنوير العقول وشحذ الأذهان وكسر الجمود الذي كان طابع الفكر الإسلامي في عصره بما عده معه بعض الباحثين زعيما مجددا من زعماء الإصلاح ومصلحا عقائديا بدأت يقظة العالم الإسلامي بدعوته، كما كان لإحيائه شريفة الجهاد في سبيل الله دفعا للعدوان الواقع والمحتمل ولأخذه بسنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دفعا لانحراف الجماعة الإسلامية عن منهج الإسلام، كان لذلك أثره في لفت أنظار الجماعات الإسلامية في شتى بقاع العالم الإسلامي إليه وكان لموسم الحج أثره في إتاحة الفرصة لرجال الفكر الإسلامي وزعماء الحركات الإسلامية للالتقاء بدعاة فكره ومنهجه والتأثر بهم، كما امتد هذا التأثير بفعل المدرسة المنتسبة إليه وعديد التلاميذ الذين تلقوا عنه وتأثروا به. وفي الفصل الثاني: تدارست أثره في السياسة وتحقق لي أن دعوته القائمة على الإسلام بوصفه الشمولي لأغرا ض الدين والدنيا قد كان لهما أثرها في الجزيرة العربية بإقامة أول دولة تجمع شمل العرب في الجزيرة منذ عهد الصدر الأول وما ترتب على ذلك من دخول هذه الدولة في صراع مع دولة الخلافة العثمانية كان من آثاره غير المباشرة إزكاء روح القومية العربية في مواجهة القومية التركية وهو أثر لردود أفعال الصراع لم يكن من أهداف محمد بن عبد الوهاب ولا مما يتفق مع الأساس العقائدي لدعوته حسبما قدمنا. وقد خلصت من هذه الدارسة إلى النتائج التي أعددتها في الخاتمة وأهمها في تقديري. ثبوت قدرة المنهج التربوي الإسلامي المستقى من الكتاب والسنة على صناعة الرجال وإبداع الأفكار وشحذ العزائم عبر كل مراحل التاريخ. وإنه مهما بدا للناس أن الفكر الإسلامي النقي قد حجبته الغواشي

стр. 15

واكتنفته شبهات بعض المستشرقين ومن نقل عنهم عاد صافيا متجددا عبر أحد مفكريه على امتداد الزمان والمكان. تصديقا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ ولقول رسول الله ﷺ : " إن الله يبعث لأمتي على رأس كل قرن من يجدد لها أمر دينها". وإني إذ أقدم هذا البحث لأهيب بالسائرين قدما على درب البحث والفكر أن يولوا عنايتهم للجوانب المتعددة التي يثيرها فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وفكر تلاميذه من بعده والتي تستحق كل جانب منها على حدة أن يكون موضوعا لبحث مستقل كجانب الاجتهاد. ومشروعية الجهاد وارتباط العلم بالعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضية التكفير وما يتصل بها إلى غير ذلك من الموضوعات التي تحتاج من الباحثين العناية والاهتمام. والله ولي التوفيق.

стр. 16

الباب الأول: حيَاتهُ وَمؤلفَاتهُ وَعصرُه وبيئتهُ الفصل الأول: حياته ومؤلفاته الفصل الثاني: عصره وبيئته.

стр. 17

الفَصْل الأوَل: حياته ومؤلفاته أولاً: حياته (١) نسبه: هو:" محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف التميمي". هكذا أورده ابن غنام (١) . أما ابن بشر فقد ذكر من آباء مشرف أنه:"ابن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب" (٢) وذكر صاحب الدرر السنية من آباء وهيب أنه:" ابن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم" (٣) . وقد علق محقق تاريخ ابن بشر على ذكره نسب محمد بن عبد الوهاب فقال:" اختصر المؤلف رحمة الله سلسلة نسب الشيخ محمد ووقف فيها على ما

стр. 18

فوق وهيب وقد أحسن من انتهى إلى ما علم، ونحن لتمام الفائدة نورد سلسلة الشيخ محمد كاملة إلى عدنان فنقول: أما نسب هذا الشيخ فهو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم نب موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر نب أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (١) . فهو على التحقيق عربي خالص العروبة تعود به أصوله إلى تميم، وبها كان يضرب المثل في القوة والمنعة, حتى لقد قيل: " لو تأخر الإسلام لأكلت تميم العرب (٢) " وتميم إحدى كبريات قبائل مضر وفي إلياس بن مضر " يجتمع بن تميم مع رسول الله ﷺ " (٣) ومن شعراء تميم الفرزدق ومن شعره في الفخر بهم: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا (٤) غير أن الثابت أن تميما من القبائل العربية التي تحضرت وتفرقت بين الأسر وتوزعت بين البلدان ولم تعد لا نخوة عامة يلتقي عليها أفرادها في الحروب والنوازل وهذا ما دعا والي بغدد أن يكتب قائلا في تقرير مرفوع منه إلى السلطان العثماني عن الحركة الوهابية:" ليش الشيخ محمد بن عبد الوهاب رئيس قبيلة ولا صاحب عصبية قوية يحسب لها حساب." (٥) ولا نعلم أحداً ممن تناول سيرة محمد بن عبد الوهاب وحياته قال في ذكر

стр. 19

نسبة قولا يخرج عما حصلناه اللهم إلا ما ألمح إليه بعض المستشرقين من نسبته إلى اليمن بقولهم في سياق الحديث عن سيطرة الحركة الوهابية على نجد: "واسم واضع هذه السيطرة هو عبد الوهاب اليمني" (١) أما صاحب لمع الشهاب فقد أورد نسب الشيخ إلى زيد مناة بن تميم غير أنه ذكر لآبائه أسماء أخرى. (٢) (٢) مولده: ولد محمد بن عبد الوهاب في بلدة العيينة من بلدان نجد سنة خمس عشرة بعد المائة والألف من الهجرة (١٧٠٣م) . ذكر ذلك جمع غفير ممن كتب عنه وأرخ سيرته. (٣) وذهب آخرون إلى غير ذلك فمنهم من أرخ لمولده بعام ١٧٠٠ (٤) ، ومنهم من قال بأنه ولد بالدرعية (٥) والصواب ما ذهبت الرواية الأولى لتواترها وكونها رواية المؤرخ المعاصر لأبن عبد الوهاب وهو ابن غنام. (٦) وكان مولده في بيت علم ودين، فوالده عبد الوهاب بن سليمان كان

стр. 20

آنذاك قاضي العيينة (١) وروى عنه أنه كان عالما فقيها مثالا للفضل والعدل ألف عدة رسائل في الفقه والتفسير وكان مشهورا عند الناس بالتواضع وسهولة الأخلاق وكرم الطباع وكان يقرأ لطلاب العلم في مسجد العيينة دروسا في الفقه والحديث والتفسير. (٢) أما جده سليمان بن علي المتوفي عام ١٠٧٩هـ فقد ذكر مؤرخو نجد عنه أنه كان فقيه زمانه متبحراً في علوم المذهب الحنبلي وكان علماؤه المعاصرون له يرجعون إليه في كل مشكلة وله إجابات مفيدة. (٣) وقد أتاحت هذه البيئة لأبن عبد الوهاب أن يبدأ رحلة تحصيل العلم مبكراً إذ أخذ في تلقيه منذ طفولته" فحفظ القران قبل العاشرة من عمره وكان حاد الفهم وقاد الذهب سريع الحفظ فصيحا فطنا. روى أخوه سليمان أن أياهما كان يتوسم فيه خيراً كثيرا ويتعجب من فهمه وإدراكه مع صغر سنه وكان يتحدث بذلك ويقول: إنه استفاد من ولده محمد فوائد من الأحكام" (٤) . وبعد أن تم له حفظ القرآن اشتغل في العلم وجد في الطلب..وكان سريع الكتابة ربما كتب الكراسة في المجلس وبعد بلوغه سن الاحتلام قدمه والده إماما في الصلاة ثم حج فقضى فريضة الإسلام (٥) .

стр. 21

(٣) رحلاته: زودنا ابن غنام في تاريخه ببيان موجز عن رحلات محمد بن عبد الوهاب فقص علينا أنه بعيد بلوغه زوجه أبوه وهو ابن اثنتي عشرة سنة ثم أذن له بالحج فحج وقصد مدينة الرسول ﷺ وأقام فيها شهرين ثم رجع بعد أن أدى الزيارة (١) . ولو أردنا أن نعرف تاريخ رحلته الأولى هذه فهي على التقدير عام ١١٢٨ هـ باعتباره على مقتضى الرواية قد حج بعد بلوغه اثنتي عشرة سنة، وهو من مواليد عام ١١١٥ هـ حسبما استخلصنا سابقا. ويبدو أن رحلته الأولى هذه قد استخرجته من عالمه المحدود بآفاق نجد وأحوالها إلى آفاق التفكير في حالة المسلمين وقياس واقعهم على منهج الإسلام واستلفت انتباهه بعد الشقة بين هذا الواقع وذلك المنهج وعلى الأخص في أهم القضايا التي جاء الإسلام ليقررها ويجعلها رأس الأمر فيه وحجر الزاوية في بنيانه، وهي قضية إخلاص التوحيد"فشرح الله صدره بمعرفة التوحيد ومعرفة نواقضه التي تضل عن سبيله فأخذ ينكر تلك البدع المستحدثة من الشرك الذي كان قد فشا في نجد، ومع أن بعض الناس كان يستحسن ما يقول، غير أنه رأى أن الأمر لن يتم له على ما كان يريد فرحل في طلب العلم إلى ما يليه من الأمصار (٢) ". والذي تؤكده المصادر النجدية أن رحلة الشيخ في طلب العلم لم تتجاوز الحجاز غربا والبصرة شرقا وأن المدن التي ألم بها في رحلاته هي مكة والمدينة والاحساء والزبير والبصرة، وأن نيته انعقدت على التوجه إلى الشام فحيل بينه وبين تحقيق هذه الأمنية، ذلك هو القاسم المشترك المتفق عليه بين مؤرخي نجد (٣) على خلاف بينهم في تفصيل الرواية عن هذه الرحلات.

стр. 22

وقبل أن نعرض لما اختلف فيه مؤرخو نجد من تفصيلات رحلات الشيخ نسجل ما لاحظناه من أن جميع المصادر غير النجدية عربية كانت أو أجنبية قد اضطرب حديثها في شأن هذه الرحلات وشابها التخليط والتضارب وبدت في مجموعها كأنها تكتب سيرة محمد بن عبد الوهاب بمعزل عن أي مصدر يقيني يطمأن إليه. وقد التمس البعض العذر لهذه المصادر فيما شابها من تخليط لدى ذكر هذه الرحلات بأنه يرجع إلى أن "مؤرخا نجد ابن غنام وابن بشر" قد وصفا رحلات الشيخ وصفا مختصرا لا غناء فيه. لذلك بحث المستشرقون عن مصادر أخرى تعينهم على فهم هذا الجزء الخطير الغني من حياة الشيخ الذي نسميه رحلة الشيخ وهو في حقيقته شباب الشيخ كله أو أكثره (١) . والذي نرجحه أن المستشرقين رأوا في شخصية محمد بن عبد الوهاب ما يستهوي أفئدتهم ويستثير رغبة البحث والاستقصاء لديهم سواء منهم من استهدف ببحثه واستقصائه بلوغ الحقيقة لذاتها أو من استبطن رغبة الكيد للإسلام وبدا له أن مجال الحديث عن الحركة الوهابية يحقق له بلوغ هذه الرغبة فهؤلاء وأولئك تناهت إليهم أخبار الحركة الوهابية بما حث لديهم رغبة استقصاء جوانبها وإذ لم يجدوا من المصادر الميسرة ما يروي ظمأهم إلى المعرفة التي ينشدونها فقد قنعوا بما أتيح لهم من هذه المصادر دون أن يعنوا ببحث جانب الظن فيه من جانب اليقين" وكان المصدر الذي رجع أكثرهم إليه واعتمد عليه هوكتاب: لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب (٢) " وقد كان هذا الكتاب بنسخته المخطوطة الوحيدة المودعة بمكتبة المتحف البريطاني بلندن هو الملهم لسائر المستشرقين وجاء الكتاب العرب على اثر هؤلاء المستشرقين فنسجوا على منوالهم واكتفوا بالنقل عنهم. وأخذا برواية لمع الشهاب تضافر الكتاب على القول بأن محمد بن عبد الوهاب رحل إلى البصرة وبغداد وهمذان واصفهان والري وقم وبلاد الترك ثم حلب ودمشق والقدس ومصر (٣) وقد

стр. 23

حاول بعض الكتاب العرب المحدثين تفنيد هذه الروايات ودحضها والتدليل على أن ابن عبد الوهاب لم يتجاوز في رحلاته نطاق الجزيرة العربية (١) . ولئن كان المستشرقون معذورين في احتفائهم برواية لمع الشهاب وتعويلهم عليها سواء كان ذلك لاختصار ابن غنام وابن بشر أو لعدم وقوفهم على هذه الرواية أصلا ـ وهو ما نرجحه ـ فإن الكتاب العرب الذين حذوا حذوهم ونسجوا على منوالهم لا عذر لهم في ذلك وعلى الأخص هؤلاء الكتاب الذين توثقت صلاتهم بالحركة الوهابية ومصادرها، ولذا كان عجيبا أن يذهب واحد من هؤلاء إلى القول بأن محمد بن عبد الوهاب قد ارتحل إلى اليمن دون أن يسند روايته هذه إلى أي مصدر (٢) . وهو ما دعا أحد الكتاب إلى الإشارة إليه مستغربا وأن كان بدوره قد رجح أن محمد بن عبد الوهاب عاش فترة في بغداد (٣) خلافا لما ذكرته المصادر النجدية. وايا كان الأمر فالمصادر النجدية الوثيقة. تجمع على ما أسلفنا الإشارة إليه من أن مسرح رحلات محمد بن عبد الوهاب لم يتجاوز نطاق الجزيرة العربية

стр. 24

انطلاقا من نجد إلى مكة والمدينة غربا والبصرة والأحساء شرقا. وأرجح المصادر التي تقطع بذلك ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في رسالة المقامات رواية عن رحلات جده الذي تلقى عنه وشهد ازدهار حركته وقد قدم لحديثه عن رحلات جدة بقوله" انه لا يعرف شيخنا ولا حيث نشأ كما يعرفه الخبير بحالة" (١) .وخلص من وصفه لرحلات جده بأنها انتهت بالحج إلى بيت الله الحرام حيث كان يعتزم السفر مع الحجيج الشامي من المدينة إلى الشام لولا انه تعرض لحادث اعتداء لسراق الحجيج الشامي سلبوه ماله وشجوا رأسه فمكث في المدينة ردحا ثم عاد إلى نجد ليتخذها مقرا ومستقرا ومنطلقا لحركته حتى تاريخ وفاته عام ١٢٠٦ هـ (٢) .

стр. 25

(٤) شيوخه: استبان لنا من دراسة نشأة محمد بن الوهاب أنه درج في بيئة علم ودين فتلقى العلم مبكراً، وتفقه على مذهب الإمام أحمد، وهو ما تذهب إليه سائر المصادر والتي تناولت سيرته، ولم نقع على ما يخالف ذلك إلا ما ذكره صاحب كتاب الخطط التوفيقية (١) من " إنه تعلم مذهب أبي حنيفة " إلى قوله " فأخذ يقرر مذهب أبي حنيفة".وعنه نقل صاحب كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية (٢) ". وتفقه محمد بن عبد الوهاب على مذهب الإمام أحمد يأتي موافقا لما هو سائد قديما وحديثا بين أهل نجد، فمن المتواتر عنهم" أنهم في الفروع على مذهب الإمام احمد" (٣) .وقد روي عن محمد بن عبد الوهاب شدة تمسكه بهذا المذهب واعتزازه به وأنه كان يتمثل بأبيات منها: بأي لسان أشكر الله إنه ... لذو نعمة قد أعجزت كل شاكر هداني إلى الدين القويم تفضلا ... علي بالقرآن نور البصائر وبالنعمة العظمى اعتقاد ابن حنبل ... عليه اعتقادي يوم كشف السرائر (٤) وبين شيوخ المذهب الحنبلي يبرز شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم باعتبارهما صاحبي الأثر الفذ في تكوين عقيدة محمد بن عبد الوهاب وتحديد فكره ومنهجه وطالما صرح هو بذلك مبديا إعجابه بالشيخين واعتزازه بمؤلفاتهما (٥) حتى أصبح من المسلمات لدى الباحثين في الحركة الوهابية وزعيمها أنها هي التحقيق العملي لفكر ابن تيمية وتلاميذه الحنابلة (٦) .

стр. 26

ومما يثير العجب أن محمد بن عبد الوهاب الذي تعرض للخلط في شأن رحلاته حتى نسب إليه أنه رحل وزار معظم بلاد العالم القديم وتعلم في رحلاته شتى ألوان المعرفة رماه آخرون بأنه:" لم يتلق العلم عن أشياخ، وقد بادر تلاميذه بالرد على هذه الدعوى الأخيرة بالدحض والتفنيد وأخصهم حفيده عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في رسالة المقامات (١) فذكروا أنه رحل إلى البصرة حيث تلقى العلم عن علمائها ومنهم محمد المجموعي البصري وإلى المدينة حيث تلقى عن الشيخ محمد حياة السندي وعبد الله بن إبراهيم آل سيف وإلى الإحساء حين استمع من عبد الله بن فيروز أبو محمد الكفيف، وكان ذلك بعد أن تأسست معارفه الفقهية بالتلقي عن أبيه وعم إبراهيم بالعيينة. (٢) وإلى جانب هؤلاء الشيوخ الذين ورد ذكرهم في معظم المصادر تتحدث بعض المصادر عن شيوخ آخرين أخذ عنهم وانتفع بمصاحبتهم منهم:" الشيخ على الداغستاني، والشيخ إسماعيل العجلوني والشيخ عبد اللطيف العفالقي الأحسائي والشيخ محمد العفالقي الأحسائي (٣) ويضيف آخرون إليهم: " الشيخ شهاب الدين الموصلي قاضي البصرة والشيخ حسن الاسلامبولي من علماء البصرة والشيخ زين الدين المغربي والشيخ حسن التميمي (٤) . غير أن المصادر التي ذكرت هؤلاء الشيوخ لم تفسح مجالا كافيا لترجمة أحد منهم والتعريف بهم على وجه البيان عدا ما ورد عن الشيخين: محمد حياة

стр. 27

السندي (١) والشيخ عبد الله بن إبراهيم آل سيف (٢) . الذين تواترت الأخبار عن تلقي محمد بن الوهاب عنهما وتأثره بهما منذ عرض على الأول حالة المستغيثين برسول الله ﷺ المتشبثين بأحجار قبره قائلا: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟ فأجابه السندي على الفور:" إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما

стр. 28

كانوا يعملون". ويصف البعض أثر محمد حياة السندي في محمد بن عبد الوهاب بأنه شعلة أنارت له الطريق (١) . وقد أشار بعض الباحثين إلى القصور الذي لمسه في كتابات سابقيه عن محمد بن عبد الوهاب في بيان شيوخه والتعريف بأحوالهم، واكتفى بعد الإشارة بقوله:" ونستطيع القول أن مدرسة الشيخ بعد القرآن والحديث هي كتب ابن تيمية وتلامذته، فالشيخ قرأ في الكتب وأكثر ما قرأ على نفسه (٢) . ثانيا: مؤلفاته ترك ابن عبد الوهاب تراثا فكريا متنوعا، فله عدة رسائل عالج فيها موضوعات أملتها المناسبات، إلى جانب العديد من الكتب التي توفر فيها على شرح دعوته سواء ما كان منها اختصارا لكتب أراد باختصارها إبراز الحجج والبراهين المؤيدة لفكره ومنهجه أم كان تأليفاً وتصنيفاً. النوع الأول ـ الرسائل: أبرز ملامح هذه الرسائل والتي تعتبر الصورة الحية لفكر بن عبد الوهاب فيما ورد عليه من رسائل وتولى هو الرد عليها للتفصيل وأخرى لرد بعض المزاعم الكاذبة وثالثة للتعليم وإرشاد المطوعين في البلدان المختلفة لمنطقة نجد وغيرها مما سنفرد له القول فيما يلي بيانا لأغراض هذه الرسائل: ١) الرسائل التي يشرح فيها حقيقة دعوته مثل قوله في إحدى رسائله إلى العالم العراقي ـ السويد يقول فيها:" وأخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله عليه مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين ... (٣) ".

стр. 29

١) رسائل يرد فيها على التهم الباطلة التي كان المخالفون له يشيعونها عنه تنفيرا للناس من التعلق بدعوته مثل رسالته في الرد على اتهامات سليمان بن محمد بن سحيم مطوع أهل الرياض وقد أرسل رسالة إلى أهل البصرة والاحساء يشنع فيها على ابن عبد الوهاب ويفتري عليه أشياء لم تحدث وهي محض اختلاق (١) . ٢) رسائل تعليمية يشرح فيها لدعاته أو لمن يطلب من العلماء المعاصرين له تفسير الأشياء الغامضة أو إزالة الشبهات العالقة ومن أمثلة ذلك رسالته إلى عبد الله بن سحيم (٢) مطوع المجمعة (٣) . ٣) رسائل التحذير من الوقوع في الشرك والارتداد عن الدعوة مثل رسالته التي أرسلها إلى مطاوعة أهل سدير والوشم والقصيم (٤) . ٤) الرسائل التي كان يكتبها خصيصا للبدو وفي داخل نجد لنشر الدعوة بينهم وكان يكتبها بالأسلوب الذي يتحدث به البدو وبنفس اللهجة التي يتحدثون بها. ومثال ذلك رسالته " تلقين أصول العقيدة للعامة" (٥) . ٥) الرسائل التي كانت تكتب لا لدعوة الأمراء داخل الجزيرة العربية فحسب بل ودعوة العلماء والقضاء في الحرمين والشام ومصر والعراق وسائر علماء المشرق والمغرب أي أنه النوع الذي كان يعرض على العالم الإسلامي، وقد كان يوجه هذه النوع عادة الإمام الحاكم من أمراء البيت السعودي، مثال ذلك تلك الرسالة التي أرسلها الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود تلميذ الشيخ إلى أهل اليمن (٦) .

стр. 30

كما وجه عبد العزيز هذه الرسالة إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني خصوصا الأشراف أولاد محمد بن أحمد وناصر ويحيى وسائر أخوته. يضاف إلى رسائله: المناظرات التي قامت بينه وبين مخالفيه مباشرة أو عن طريق من يوفدهم للحوار مثل المناظرة التي جرت عام ١١٨١هـ. بين موفده الشيخ عبد العزيز الحصين وبين علماء مكة عند الشريف ومناظرة أخرى عام ١٢١١هـ ايضا مع علماء الحرم الشريف (١) . النوع الثاني ـ الكتب: أول شيء تتسم به الكتب التي ألفها صغر حجمها واختصارها واقتصارها على النصوص، عالج فيها قضايا الفكر الإسلامي معالجة سلفية، لم يخرج عن نهج السلف ورسم فيها خطوط الدعوة ومنهاج الدولة الجديدة المؤسسة على عقيدة التوحيد وتطبيق مبادئ هذه العقيدة في الحياة العملية من عبادات ومعاملات وإدارة وسياسة ورغم نشاطه المتعدد في مجال التدريس ومساهمته في النهوض بأعباء الإمارة الناشئة إلا أنه ترك عددا من المؤلفات لا بأس به أعطت الباحث والدارس للدعوة الوهابية الفرصة لتوخي حقيقة الدعوة من واقع مؤلفات صاحبها ويصف د. منير العجلاني نشاط ابن عبد الوهاب الثقافي فيقول:" زعيم تحف به المسائل، والمشاكل من كل جهة لا يجد متسعا من الوقت لتأليف الكتب المستفيضة، لذلك كانت رسائله أكثر من كتبه. وأحاديثه أكثر من رسائله، وكان في كتبه يميل في الغالب إلى الاختصار" (٢) . نذكر على رأس مصنفاته كتابه: ١) التوحيد: وهو كتاب مشهور، جليل القدر، شرحه المشايخ عبد اللطيف بن عبد الله، وعبد الرحمن بن حسن هذا ويصف الكتاب المؤرخ ابن بشر فيقول:" كتاب التوحيد ما وضع المصنفون في فنه أحسن منه فأحسن فيه وأجاد وبلغ الغاية والمراد" (١) .

стр. 31

وهو أول كتاب ألفه ابن عبد الوهاب قبل قيامه بالمرحلة الأولى من الدعوة. وعرف فيه التوحيد وفضله وتفسيره شهادة" لا إله إلا الله " وبين فيه نواقض التوحيد من الأمور الشركية، وهذا الكتاب مطبوع طبعات عديدة. ٢) كشف الشبهات: كتيب صغير أو بعبارة أخرى رسالة مطولة وجهها الشيخ إلى الناس كافة وبين فيها معرفة التوحيد وأصوله، وهذا الكتيب طبع عدة مرات مفردا وضمن مجموعة، وقد ورد في كتاب تاريخ نجد لابن غنام من ص ٢٣٣-٢٥٢ تحقيق د. ناصر الدين الأسد طبع بمصر ١٣٨٨-١٩٦٢ م ٣) كتاب الكبائر والمسائل التي خالف فيه رسول الله ﷺ أهل الجاهلية، وهو كتيب صغير فيه أكثر من مائة مسألة، وقد بين فيها الأشياء التي عدها من الكبائر التي تخالف قواعد الإسلام وطبع عدة مرات. ٤) كتاب تفسير القرآن: وقد طبع في مجلد ٤ ج ١٠ ضمن الدرر السنية في الأجوبة النجدية، وقد أتى فيه بالمسائل الخاصة بالتوحيد وتعريف الشرك وشيء من أسرار الآيات وكل قصة يأتي عليها بعدد مسائل من الاستنباط حتى أتى في قصة موسى والخضر في سورة الكهف بمائة مسألة. ٥) اختصر من الشرح الكبير والإنصاف مجلداً لبيان الخلاف وأمر بالقراءة فيه. ٦) اختصر كتاب الهدي النبوي لابن القيم في مجلد. ٧) أخذ من شرح الإقناع نبذة في أحكام الصلاة والزكاة والصيام من باب آداب المشي إلى الصلاة إلى باب ما يفسد الصوم وأمر بالقراءة فيه وتعليم العامة ما يلزمهم معرفته من أحكام صلاتهم وصيامهم وقد طبع هذا الكتاب عدة مرات.

стр. 32

٨) كتاب أصول الإيمان، مطبوع ضمن مجموعة (١) الرسائل النجدية (٢) . ٩) السيرة المختصرة، اختصار لسيرة الرسول ﷺ عن سيرة ابن هشام وقد طبعته مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة، تحقيق محمد حامد الفقي عام ١٣٧٥-١٩٥٦م. ١٠) السيرة المطولة. ذكر سيرة الرسول ﷺ مواقعه، وغزواته مطبوع. ١١) مختصر الهدي النبوي. ١٢) مجموع الحديث على جواب الفقه (٣) . ١٣) فضل الإسلام. فيه بيان لفضل الإسلام، وتفسيره وما جاء في الخروج عن دعوة الإسلام، مطبوع عدة مرات. ١٤) الأصول الثلاثة وأدلتها: به شرح لهذه الأصول وهي معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الاسلام بالأدلة، عني بنشره وتحقيقه وتصحيح الأصول وكتابة حواشيه ـ الشيخ الدمشقي الأزهري. ١٥) نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين. نشره قصي محب الدين الخطيب. ١٦) كتيب نواقض الاسلام، أو بعبارة أخرى رسالة طبعت ضمن مجموعة التوحيد. ١٧) تفسير سورة الفاتحة. ١٨) تفسير كلمة التوحيد.

стр. 33

١٩) معنى الطاغوت ورؤوس أنواعه (١) . ٢٠) أحاديث الفتن (٢) . ٢١) مختصر زاد المعاد (٣) . ٢٢) مفيد المستفيد (٤) . ٢٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥) . هذه هي مؤلفات ابن عبد الوهاب والتي طبعت فرادى أو ضمن مجاميع أكثر من مرة لتسهيل تناولها وتدريسها لطلبة وطلبات المدارس في المملكة العربية السعودية إلى جانب هذه المؤلفات الرسائل التي أشرنا إلى بعضها في الصفحات السابقة والتي جمعها تلميذه المؤرخ ابن غنام، وطبعت بعناية وتحقيق د. ناصر الدين الأسد وتقع هذه الرسائل من ص ٢١٣- ٤٦٤- وعددها ٢٦ رسالة.

стр. 34

الفَصْل الثَاني: عصره وبيئته تبين من دراسة حياة محمد بن عبد الوهاب أنه ولد بنجد عام ١١١٥ هـ وتوفي بها عام ١٢٠٦، أي أنه عاش أحداث القرن الثاني عشر الهجري ومقدمات القرن الثالث عشر ونرى لزاما علينا أن نستكشف المكونات الأساسية لفكره ومنهجه من خلال دراسة عصره وبيئته، وسنتناول ذلك: أولاً: بدراسة مجملة لأحوال العالم الإسلامي في هذه الحقبة تعرفا على الفكر الإسلامي واهم قضاياه من خلالها، ونتبع ذلك. ثانياً: بدراسة أحوال نجد على وجه التخصيص. أولا: أحوال العالم الإسلامي يذهب الباحثون إلى وصف حالة العالم الإسلامي خلال القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) بأنه: تدن في الانحطاط (١) حتى: " طبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجا من أرجائه" (٢) فبدا كما لو كان: " قد غرق تماما في نوع من انهيار عقلي محزن" (٣) .

стр. 35

ويذهب الباحثون إلى أنه مع بلوغ العالم الإسلامي هذا الدرك من التدني في هذا القرن، فإنه قد بدأ يقظته في نهايته وبداية القرن التاسع عشر (١) . وحسبنا أن نتأمل في واقع العالم الإسلامي اليوم لندرك كم كان حاله وبالا وداؤه عضالا، إذ ها هو وفد اكتمل على بدء يقظته قرنان من الزمان لم يزل بعد يعاني من أوضار علته حتى ليبدو كأنه ميؤوس البرء منها. وإنه لكذلك ما لم يدرك الأسباب الحقيقية لعلته دون أن تصرفه عنها الأعراض الظاهرة. والإدراك الصحيح لأسباب العلة مرهون بالإدارك الصحيح لمقدمات العافية فبضدها تتميز الأشياء، ولقد انبعثت حركات إصلاحية متوالية تحاول تلمس السبل إلى إقالة العالم الإسلامي من عثراته ووضعه مرة أخرى على الطريق الصحيح، ولم تحقق أي من هذه الحركات أهدافها على الوجه المرجو على تفاوت بينها فيما حققته وما أخفقت فيه، وقد يكون لكل من هذه الحركات أسبابها الخاصة التي حدت من نجاحها أو حالت دونه، ولكن يبقى وراء هذه الأسباب الخاصة سبب عام أهم منها جميعاً: ذلكم هو افتقاد النظرة الشمولية لدى حركات الإصلاح. ومكمن الداء في أزمة العالم الإسلامي أنه بلغ في تدنيه حد الاحتجاب الكامل عن حقائق الإسلام وكلياته الأساسية وبفعل هذه الغيبوبة انهمك الفكر الإسلامي في الجزيئات التي هي بطبيعتها أدعى إلى وقوع الخلاف في تقبلها كما أنها سرعان ما يدركها التغيير في حركتها، ومن هنا لم يعط الفكر التفاتا إلى الكليات التي عني القرآن الكريم بتقريرها وحشد الطاقات الذهنية والوجدانية لاستيعابها ودعوة العقل إلى الانطلاق منها غير مقيد إلا بها وغير محاسب إلا عليها. لا يحتاج الفكر إلى أي عناء لإدراك كليات الإسلام التي عليها مدار أحكامه واعتدال ميزانه، إذ هي شاخصة ناطقة في آيات الكتاب الكريم حسب المفكر أن يتدبر قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِن ْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ

стр. 36

يَعْلَمْ﴾ (١) فإن هذه الآيات المحكمات والتي كانت أول ما نزل من القرآن تحدد المنهج الإلهي في الكليات الخمس الآتية: * توحيد الله تعالى خالق كل شيء. * وجوب اتباع الرسول فيما يبلغه عن ربه. * ومساواة الناس جميعاً. * والحض على التعلم. * وتفاضلهم بالعلم. ثم تترى الآيات بعد ذلك تأكيداً لكل حقيقة من هذه الحقائق في ذاتها ثم تأكيداً للترابط القائم بينها مؤكدة أنها في مجموعها كل واحد لا يقبل التجزئة والانفصام، والكفر بإحداها كفر بها جميعاً. والايمان ببعضها لا يدخل صاحبة مساحة الإيمان مالم يؤمن بها جميعاً. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (٢) . وكانت حياة الرسول ﷺ منذ بعثه الله بالهدى ودين الحق إلى أن لحق بالرفيق الأعلى تطبيقاً لهذه الحقائق الكلية، يروي ابن إسحاق (٣) : حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة غداة فتح مكة فخطب الناس فقال:" لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية: (١٣:٤٩) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٤) . وفي ظل علم النبوة عرفت البشرية معنى الأمة العقائدية التي ترتفع فوق روابط الأرض العرقية والقبلية فتقوم على حراسة هذه الحقائق الكلية وتعي أن وجودها مرتبط بصيانة هذه الحقائق ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ

стр. 37

بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) . أما كيف وصل العالم الإسلامي في تدنيه إلى هذه الهاوية المظلمة فلأنه أصيب أول ما أصيب في واسطة العقد من هذه الحقائق الخمس الكلية وهي المتعلقة بالمساواة الإنسانية وما يترتب عليها من تماسك بناء الأمة ما دام أفرادها كأسنان المشط أقدارهم واحدة وأمرهم شورى ومصيرهم إلى الله. ومن هذه الثغرة بدأ الشيطان التفافه حول كليات الإسلام. سول لبني أمية وأملى لهم أن ينتزعوا الأمر انتزاعا ثم عملوا على استدامته باذكاء العصبية العربية، حتى إذا جاء العباسيون على أنقاض هذه العصبية بعد أن يئسوا من تأييدها لهم استزادوا من خلق العصبيات وإثارة التنافس بينها بدلا من أن يعملوا على إحياء روح الاسلام القائمة على المساواة الإنسانية ومن هنا أخذت الدولة العباسية"في الانحطاط بتغلب الأتراك والديلم ولم تزل منحطة فليس للخلفاء آخر الأمر إلا الأسم فقط حتى ظهرت فتنة التتر ... وخرج هولاكو خان وملك بغداد وقتل الخليفة المستعصم (٢) . ودام تمزق الدار الإسلامية إلى أن استولى الأتراك العثمانيون على السلطة ونقلوا الخلافة من بني العباس إليهم وتلقبوا بألقاب الخلفاء في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وبدا أن روحا جديدة تدب في العالم الاسلامي باكتمال النصر لفاتحي القسطنطينية التي استعصت على سائر الدول الإسلامية قبلهم. ولكن سرعان ما تبين أنهم كغيرهم. صفحة في كتاب التسلط والقهر الخالي من الحضارة والمضمون. " صحيح أن الأتراك العثمانيين أعادوا للإسلام وحدة الدولة على معظم الدار الإسلامية لكنهم لم يعيدوا إليه وحدة الأمة وظلت الشعوبية تعمل عملها في الكيان الإسلامي فبالنسبة للبلاد العربية لم يكن من رابطة بينها وبين الدولة العثمانية إلا.. حقيقة الاستيلاء بالقوة الحربية " (٣) ولا ينكر أن الإسلام قد

стр. 38

اعتز بالأتراك كقوة حربية " ولكن قد سيئ التصرف بهذه القوة حتى جنت على الاسلام جنايات هائلة (١) "فقد أمعن الأتراك في استنزاف طاقات الشعوب الخاضعة لهم بحيث أصبح الشرق العربي " أسيرا في سجن الدولة العلية مغلوبا على أمره مرهقا مكدودا.. فقد كانت قاعدتها أنها تأخذ ولا تعطي وانتهى بها الأمر إلى أن صار الجهل رائدها والفقر حليفها والفوضى قانونها والذل طبيعة لها" (٢) . لبثت أوروبا تتربص بالعالم الإسلامي منذ الحروب الصليبية التي أوقفها عاملان هامان: تعاظم القوة الحربية للدولة العثمانية بعد فتح القسطنطينية وانقسام أوروبا على نفسها. ولما تداعت القوة الحربية للدولة العثمانية لم يؤخر سقوطها إلا استمرار انقسام أوربا على نفسها " وبدا واضحا أن تنافس الدول الأوربية هو الضمانة الوحيدة لسلامة الأراضي العثمانية.. وقد رافق هذه الضعف السياسي الذي تردت فيه الإمبراطورية ضعف موات في حياتها العقلية، ذلك أن الحد من سلاطين هذا العهد لم يكن يعنى أقل العناية وأضألها بالآداب" (٣) وبدلا من أن تلتفت الدولة العثمانية إلى النهوض بالبلاد الإسلامية نهضة شاملة تتناول سائر جوانب العقيدة والحياة انهمكت في تفتيت قوى العالم الإسلامي بتسليط القوى المحلية بعضها على بعض فتحرض والي الشام يوما على مصر وتحرض والي مصر يوما على الشام ونجد كل ذلك مخافة أن يشتد ساعد أحد الولاة فيخرج عليها. وسجل الجبرتي حالة الدولة العثمانية وسلاطينها في مستهل القرن الثاني عشر الهجري ـ الثامن عشر الميلادي. بقوله:" يضيق صدري ولا ينطلق لساني وليس الحال بمجهول حتى يفصح عنه اللسان بالقول، وقد أخرسني العجز أن أفتح فما أفغير الله ابتغي حكماً" (٤) . ونتج عن تردي أحوال الدولة أن انطفأ سراج العلم والمعرفة وجمدت العقول على الخرافة وركن الناس إلى الحطة والهوان واكتفوا بتعليل ما يجري لهم

стр. 39

" بأنه قدر مقدور لا حيلة فيه اعتذارا عما هم فيه من التهاون والغفلة وسوء الإدارة (١) ". وبلغ من سلطان الخرافة على عقول العامة والخاصة" أن كان في موازنة البحرية التركية مبالغ تصرف لقراءة البخاري لجلب النصر للأسطول العثماني (٢) " وأصبح التبرك بالأولياء هو السبب المقدم على كل الأسباب في كل الأمور ولكل شيخ أو ضريح اختصاص في الأبرياء من علة أو تيسير حاجة أو دفع ضر." فمن يزور الحسين أو السيد البدوي ومن يمر ببوابة المتولي أو بقبر ابي العلاء ببولاق يرى العجب العجاب من سيطرة الجهل على العقول (٣) " بل إن جمود الفكر وسيطرة الخرافة كان شائعا حتى في عقول من يتسمون بالعلماء، وبين أيدينا واقعة جرت في الأزهر عام ١١٩٢هـ (٤) تصور الهوة السحيقة التي انحدر اليها العلماء في فهمهم لدينهم وسلوكهم في شؤون الحياة. فكيف بعامة الناس وجهالهم. " لقد جهلوا دينهم ودنياهم لأنهم خلطوا بين عاداتهم وعقائدهم وبين خرافات الجمود وحقائق العبادات فإذا قيل لهم انهم تأخروا لمخالفة دينهم ونسيان وصاياه وآدابه عادوا إلى الخرافة الفاشية ولم يعودوا إلى الدين المهجور (٥) ". ورغم هذه الظلمات الفاشية من الجهل والخرافة فإن العصر لم يخل ممن يعرفون جوهر الدين وعلومه وحقائق الإيمان ومناهجه. روى الجبرتي من أخبار عام ١١٢٣هـ هذه الرواية:"وفي شهر رمضان جلس رجل رومي واعظ يعظ

стр. 40

الناس بجامع المؤيد ... وذكر ما يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء وإيقاد الشموع والقناديل على قبور الأولياء وتقبيل أعتابهم وفعل ذلك كفر يجب على الناس تركه وعلى ولاة الأمر السعي في إبطال ذلك.. وذكر أيضا قول الشعراني في طبقاته أن بعض الأولياء الطلع على اللوح المحفوظ وأنه لا يجوز ذلك ولا تطلع الأنبياء فضلا على اللوح المحفوظ وأنه لا يجوز بناء القباب على ضرائح الأولياء والتكايا ويجب هدم ذلك وذكر أيضا وقوف الفقراء بباب زويلة في ليالي رمضان (١) ". ومن خلال دعوة هذا الواعظ الذي نعته الجبرتي بالرومي وفتوى علماء الأزهر بالرد عليه وقضاء القاضي ببطلان هذه الفتوى وإحجامه عن كتابة حجة بالإبطال يظهر بوضوح أن شمس التوحيد الخالص لله والإتباع الكامل لرسول الله ﷺ
следующие страницы →