← Тараджим

Тараджим · id 7656

الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة

آمنة محمد نصير

Полный текст (246 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يَعْلَمْ﴾ (١) فإن هذه الآيات المحكمات والتي كانت أول ما نزل من القرآن تحدد المنهج الإلهي في الكليات الخمس الآتية: * توحيد الله تعالى خالق كل شيء. * وجوب اتباع الرسول فيما يبلغه عن ربه. * ومساواة الناس جميعاً. * والحض على التعلم. * وتفاضلهم بالعلم. ثم تترى الآيات بعد ذلك تأكيداً لكل حقيقة من هذه الحقائق في ذاتها ثم تأكيداً للترابط القائم بينها مؤكدة أنها في مجموعها كل واحد لا يقبل التجزئة والانفصام، والكفر بإحداها كفر بها جميعاً. والايمان ببعضها لا يدخل صاحبة مساحة الإيمان مالم يؤمن بها جميعاً. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (٢) . وكانت حياة الرسول ﷺ منذ بعثه الله بالهدى ودين الحق إلى أن لحق بالرفيق الأعلى تطبيقاً لهذه الحقائق الكلية، يروي ابن إسحاق (٣) : حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة غداة فتح مكة فخطب الناس فقال:" لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية: (١٣:٤٩) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٤) . وفي ظل علم النبوة عرفت البشرية معنى الأمة العقائدية التي ترتفع فوق روابط الأرض العرقية والقبلية فتقوم على حراسة هذه الحقائق الكلية وتعي أن وجودها مرتبط بصيانة هذه الحقائق ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ

стр. 37

بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) . أما كيف وصل العالم الإسلامي في تدنيه إلى هذه الهاوية المظلمة فلأنه أصيب أول ما أصيب في واسطة العقد من هذه الحقائق الخمس الكلية وهي المتعلقة بالمساواة الإنسانية وما يترتب عليها من تماسك بناء الأمة ما دام أفرادها كأسنان المشط أقدارهم واحدة وأمرهم شورى ومصيرهم إلى الله. ومن هذه الثغرة بدأ الشيطان التفافه حول كليات الإسلام. سول لبني أمية وأملى لهم أن ينتزعوا الأمر انتزاعا ثم عملوا على استدامته باذكاء العصبية العربية، حتى إذا جاء العباسيون على أنقاض هذه العصبية بعد أن يئسوا من تأييدها لهم استزادوا من خلق العصبيات وإثارة التنافس بينها بدلا من أن يعملوا على إحياء روح الاسلام القائمة على المساواة الإنسانية ومن هنا أخذت الدولة العباسية"في الانحطاط بتغلب الأتراك والديلم ولم تزل منحطة فليس للخلفاء آخر الأمر إلا الأسم فقط حتى ظهرت فتنة التتر ... وخرج هولاكو خان وملك بغداد وقتل الخليفة المستعصم (٢) . ودام تمزق الدار الإسلامية إلى أن استولى الأتراك العثمانيون على السلطة ونقلوا الخلافة من بني العباس إليهم وتلقبوا بألقاب الخلفاء في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وبدا أن روحا جديدة تدب في العالم الاسلامي باكتمال النصر لفاتحي القسطنطينية التي استعصت على سائر الدول الإسلامية قبلهم. ولكن سرعان ما تبين أنهم كغيرهم. صفحة في كتاب التسلط والقهر الخالي من الحضارة والمضمون. " صحيح أن الأتراك العثمانيين أعادوا للإسلام وحدة الدولة على معظم الدار الإسلامية لكنهم لم يعيدوا إليه وحدة الأمة وظلت الشعوبية تعمل عملها في الكيان الإسلامي فبالنسبة للبلاد العربية لم يكن من رابطة بينها وبين الدولة العثمانية إلا.. حقيقة الاستيلاء بالقوة الحربية " (٣) ولا ينكر أن الإسلام قد

стр. 38

اعتز بالأتراك كقوة حربية " ولكن قد سيئ التصرف بهذه القوة حتى جنت على الاسلام جنايات هائلة (١) "فقد أمعن الأتراك في استنزاف طاقات الشعوب الخاضعة لهم بحيث أصبح الشرق العربي " أسيرا في سجن الدولة العلية مغلوبا على أمره مرهقا مكدودا.. فقد كانت قاعدتها أنها تأخذ ولا تعطي وانتهى بها الأمر إلى أن صار الجهل رائدها والفقر حليفها والفوضى قانونها والذل طبيعة لها" (٢) . لبثت أوروبا تتربص بالعالم الإسلامي منذ الحروب الصليبية التي أوقفها عاملان هامان: تعاظم القوة الحربية للدولة العثمانية بعد فتح القسطنطينية وانقسام أوروبا على نفسها. ولما تداعت القوة الحربية للدولة العثمانية لم يؤخر سقوطها إلا استمرار انقسام أوربا على نفسها " وبدا واضحا أن تنافس الدول الأوربية هو الضمانة الوحيدة لسلامة الأراضي العثمانية.. وقد رافق هذه الضعف السياسي الذي تردت فيه الإمبراطورية ضعف موات في حياتها العقلية، ذلك أن الحد من سلاطين هذا العهد لم يكن يعنى أقل العناية وأضألها بالآداب" (٣) وبدلا من أن تلتفت الدولة العثمانية إلى النهوض بالبلاد الإسلامية نهضة شاملة تتناول سائر جوانب العقيدة والحياة انهمكت في تفتيت قوى العالم الإسلامي بتسليط القوى المحلية بعضها على بعض فتحرض والي الشام يوما على مصر وتحرض والي مصر يوما على الشام ونجد كل ذلك مخافة أن يشتد ساعد أحد الولاة فيخرج عليها. وسجل الجبرتي حالة الدولة العثمانية وسلاطينها في مستهل القرن الثاني عشر الهجري ـ الثامن عشر الميلادي. بقوله:" يضيق صدري ولا ينطلق لساني وليس الحال بمجهول حتى يفصح عنه اللسان بالقول، وقد أخرسني العجز أن أفتح فما أفغير الله ابتغي حكماً" (٤) . ونتج عن تردي أحوال الدولة أن انطفأ سراج العلم والمعرفة وجمدت العقول على الخرافة وركن الناس إلى الحطة والهوان واكتفوا بتعليل ما يجري لهم

стр. 39

" بأنه قدر مقدور لا حيلة فيه اعتذارا عما هم فيه من التهاون والغفلة وسوء الإدارة (١) ". وبلغ من سلطان الخرافة على عقول العامة والخاصة" أن كان في موازنة البحرية التركية مبالغ تصرف لقراءة البخاري لجلب النصر للأسطول العثماني (٢) " وأصبح التبرك بالأولياء هو السبب المقدم على كل الأسباب في كل الأمور ولكل شيخ أو ضريح اختصاص في الأبرياء من علة أو تيسير حاجة أو دفع ضر." فمن يزور الحسين أو السيد البدوي ومن يمر ببوابة المتولي أو بقبر ابي العلاء ببولاق يرى العجب العجاب من سيطرة الجهل على العقول (٣) " بل إن جمود الفكر وسيطرة الخرافة كان شائعا حتى في عقول من يتسمون بالعلماء، وبين أيدينا واقعة جرت في الأزهر عام ١١٩٢هـ (٤) تصور الهوة السحيقة التي انحدر اليها العلماء في فهمهم لدينهم وسلوكهم في شؤون الحياة. فكيف بعامة الناس وجهالهم. " لقد جهلوا دينهم ودنياهم لأنهم خلطوا بين عاداتهم وعقائدهم وبين خرافات الجمود وحقائق العبادات فإذا قيل لهم انهم تأخروا لمخالفة دينهم ونسيان وصاياه وآدابه عادوا إلى الخرافة الفاشية ولم يعودوا إلى الدين المهجور (٥) ". ورغم هذه الظلمات الفاشية من الجهل والخرافة فإن العصر لم يخل ممن يعرفون جوهر الدين وعلومه وحقائق الإيمان ومناهجه. روى الجبرتي من أخبار عام ١١٢٣هـ هذه الرواية:"وفي شهر رمضان جلس رجل رومي واعظ يعظ

стр. 40

الناس بجامع المؤيد ... وذكر ما يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء وإيقاد الشموع والقناديل على قبور الأولياء وتقبيل أعتابهم وفعل ذلك كفر يجب على الناس تركه وعلى ولاة الأمر السعي في إبطال ذلك.. وذكر أيضا قول الشعراني في طبقاته أن بعض الأولياء الطلع على اللوح المحفوظ وأنه لا يجوز ذلك ولا تطلع الأنبياء فضلا على اللوح المحفوظ وأنه لا يجوز بناء القباب على ضرائح الأولياء والتكايا ويجب هدم ذلك وذكر أيضا وقوف الفقراء بباب زويلة في ليالي رمضان (١) ". ومن خلال دعوة هذا الواعظ الذي نعته الجبرتي بالرومي وفتوى علماء الأزهر بالرد عليه وقضاء القاضي ببطلان هذه الفتوى وإحجامه عن كتابة حجة بالإبطال يظهر بوضوح أن شمس التوحيد الخالص لله والإتباع الكامل لرسول الله ﷺ

стр. 41

قد اكتنفتها سحب الجهل والضلالة فعاد الشرك وماتت السنن بحيث يمكن القول بأن القرن الثاني عشر الهجري قد أدرك العالم الإسلامي وقد تجرد من سائر الحقوق الكلية التي جاء بها الإسلام من أول يوم: توحيد الله وإتباع الرسول ومساواة بني الإنسان وتفاضلهم وبناء العلم على قاعدة التعلم. ودعوة هذا الواعظ على أرض مصر في عام ١١٢٣هـ هي بذاتها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على ارض نجد بعد أقل من ربع قرن، "ولكنه كان من سوء حظ الداعية التركي أن قام بدعوته في مصر حيث يوجد الأزهر وعلماؤه فقاموا بإنكار دعوته (١) ". ومن العجيب أن في الوقت الذي تحقق في إفلاس العالم الإسلامي من سائر الحقائق الكلية التي هي عماد دعوة الإسلام وأساس بناء المجتمع المسلم ـ كانت أوروبا قد قطعت شوطا بعيدا في حركتها العقلية التي أوصلتها إلى تقرير ثلاث من هذه الحقائق الكلية تقريرا عقليا ونعني بها الحقائق الكلية الآتية: ١) المساواة الإنسانية (ولو في داخل المجتمع الأوربي وحده) . ٢) الثورة العلمية. ٣) بناء العلم على التعلم بالمنهج الاستقرائي. وبينما كانت الجامعات والمصانع في أوربا تصعد بالإنسان الأوربي إلى قمة الإبداع في حدود الكليات الثلاث كان الأزهر (٢) وغيره من الجامعات الإسلامية

стр. 42

يزداد جمودا وتحجرا وتزداد الحياة من حوله انحطاطا وتخلفا وظلاما حتى ختمت

стр. 43

هذه الفترة بأشد الأطوار تخلفا" وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين

стр. 44

وهبطوا مهبطا بعيد القرار ولو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهي الإسلام لغضب أطلق اللعنة على من استحقها كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان" (١) . وقد ظفرنا في نصوص محاضرة الشيخ محمود شلتوت التي أثبتناها في الهامش بتحليل عميق لعلل الفكر الإسلامي في القرون المتأخرة والتي عرض لها من خلال دراسة أحوال الأزهر " ولا ينبئك مثل خبير " فقد عرض لقضايا الجمود الفكري والتقليد المذهبي وقفل باب الاجتهاد ومعاداة أصحاب الآراء المجتهدين ممن نضحت عقولهم وأدركوا أسرار الشريعة وقد أردنا إثبات هذا التحليل القيم لفائدتين جليلتين. الأولى: إن التحليل عرض لتخلف الفكر الإسلامي في القرون المتأخرة إبتداء من القرن التاسع الهجري إلى القرن الرابع عشر أي أنه عرض لسمات الفكر الإسلامي قبل ظهور محمد بن عبد الوهاب وخلال حياته وإبان حركته ومن بعد ذلك. الثانية: إن القضايا التي عرض لها هذا التحليل هي بذاتها القضايا التي دار حولها اعنف الجدل بين محمد بن عبد الوهاب ومخالفيه المعاصرين له واللاحقين عليه وكان للشيخ محمد بن عبد الوهاب حيال هذه القضايا من الآراء ما كان سببا للحكم عليه من قبل علماء الأزهر بأحكام معينة وسنعرف من خلال الدراسة

стр. 45

أكانت هذه الأحكام أحكاما جائرة من مثل ما عناه الشيخ محمود شلتوت أم لا. تلك هي أحوال العالم الإسلامي ومظاهر الحياة فيه وقت ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب والجزيرة العربية بما فيها نجد جزء من العالم الإسلامي المتأثر بهذه الأحوال ولكن نجدا والجزيرة العربية تقتضيان بعد هذا التعميم تخصيصا نفرغ له في البحث الثاني. ثانياً: الأحوال في نجد والجزيرة العربية: إذا كان صحيحاً ما يقوله المؤرخون من أن الجغرافيا تصنع التاريخ فإن ذلك أصح ما يكون بالنسبة للجزيرة العربية وإنسانها في جاهليتها وإسلامها. وإذا علمنا أن هذه الجزيرة ليس لها من مدلول اسمها إلا كونها محاطة بالماء من جنوبها وشرقها وغربها، ثم هي بعد ذلك كتلة م الصحراء الجرداء تهبط حينا ترتفع حينا أدركنا صدق مقولة ابن خلدون من أن الصحراء " أكثر فساد الأعراب من طبيعة معاشهم (١) ". وقد قسم العرب جزيرتهم إلى خمسة أقسام: تهامة والحجاز ونجد واليمن والعروض. ونجد يشك الجزء الأكبر من مساحة الجزيرة العربية " وسمي نجد لارتفاع أرضه (٢) ". ويشمل على مسطحات هائلة من الصحاري الجافة مثل الربع الخالي وتقدر مساحة هذا الربع بربع مليون ميل مربع " وربما كان أكبر بقعة رملية مجتمعة في العالم كله ... وبالإضافة إلى صحراء الربع الخالي هناك صحراء الدهناء وصحراء النفود والصمان. وغالبية هذه الصحاري كثبان رملية ثابتة أو متحركة. وقليل منها قفار صخرية كالضمان (٣) ". ومصادر المياه جد قليلة لانعدام الانهار الجارية وقلة الامطار فضلا عن استحالة الانتفاع بممعظم ما ينزل من مطر، فهو إما أن ينزل على أرض صخرية

стр. 46

ضرب الله بها المثل في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ (١) وأما أن يصيب كثبانا رملية لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فيغور في أعماقها ولا يستطيعون له طلبا. أو يتأخر نزوله " فيشتد الحال بمن يقيم عليه من القبائل. ومن هنا كان العرب في بواديهم لا يبقون في مكان واحد وإنما يتبعون مواقع القطر.. أضف إلى ذلك أن نجدا شديدة الحرارة إلا ما كان قريبا من الأودية ومسايل المياه القليلة (٢) ". إذا فلا سبيل للقوم إلى زراعة تكون نواة للحضارة والعمران وبالتالي فلا سبيل إلى صناعة أو تجارة "وأما الصناعات فكانت أبعد الأمم عنها حتى أن البدو منهم كانوا يحتقرونها ويعيبون المحترف بحرفة.. مثلما هجا جرير الفرزدق وكلاهما من تميم بأن أحد أجداد الفرزدق كان محترفا بحرفة هي جلاء السيوف، ويعيبون قوما فيقولون: هم بين دابغ جلد وناسج برد" (٣) وأما التجارة فقد كانت بلاد العرب لها ممرا ولم تكن لها مستقرا فتجارة العالم منذ القدم تعبر من الشرق إلى الغرب عبر جزيرة العرب ". وكان للمواصلات التجارية عبر جزيرة العرب طريقان: أحدهما شرقي يصل عمان بالعراق وينقل بضائع اليمن والهند برا ثم يجور غرب العراق إلى البادية حتى ينتهي به المطاف في أسواق الشام ... والطريق الثاني وهو الأهم غربي يصل اليمن بالشام مجتازا بلاد اليمن والحجاز ناقلا بضائع اليمن والحبشة والهند إلى الشام (٤) ". وبينما استطاع عرب اليمن والحجاز وعمان أن يغتنموا وقوع بلادهم في معابر التجارة العالمية منذ القدم، فإن موقع نجد في قلب الجزيرة العربيةلم يتح للقبائل القاطنة فيها أن تستفيد من الممرين التجاريين في شرق الجزيرة وغربها، اللهم إلا إن تغير قبائل نجد على قوافل التجارة فتسلبها أو أن ترغم أصحاب القوافل على أن تكون تجارتهم في جوارها. (٥)

стр. 47

ومنذ أن خرج الخوارج إلى أن ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خلت القرون بنجد وهي في معزل عن الحركات الفكرية المختلفة إذا استثنينا حركة القرامطة في القرن الرابع الهجري باعتبار أن معقل الحركة المذكورة في الكوفة وإن امتد نفوذها إلى نجد وغيرها. ولكون الشيخ محمد بن عبد الوهاب نجدي الأصل والنشأة تميمي العرق والنسب ولكون حركته اقترنت منذ البدء بالأمير محمد بن سعود الذي يعود نسبه إلى عترة من ربيعة، ولأسباب أخرى سنعرض لها في حينها فقد وجه إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أكثر من اتهام من أكثر من مصدر بأنه يدعو دعوة الخوارج (١) وينسج على منوالهم بدليل مذهبه في تكفير مخالفيه وبدليل عقدة الإمامة في غير اصحاب النسب القرشي وهذان الأمران هما رأس عقيدة الخوارج كما شرحها مؤرخو الفرق وعلماء الكلام. وحتى نستوفي بيان حالة نجد كمكون أساسي من مكونات فكر الشيخ ومنهجه فلا بد من إلقاء الضوء على هذه الحالة في القرون المتأخرة التي انتهت بظهور الشيخ ودعوته. ومن حسن الحظ أن لدينا من المصادر ما يمكن أن يعول عليه استجلاء الحقيقة. ومن هذه المصادر ما توفر لأصحابه صفة المعاصرة والمتابعة للشيخ وحركته. ومنها ما توفر له الاستماع والرواية والمقارنة والتحليل ولئن كانت هذه المصادر لا تخلو من اتخاذ موقف من الشيخ وحركته بالتأييد أو بالمعارضة وانعكاس ذلك على روح الحياة في سوق الوقائع وتحليها. إلا أن الباحث يستطيع أن يتلمس طريقه إلى الحقيقة بمقارنة هذه المصادر بعضها ببعض في الحدود التي يستلزمها البحث. من أهم المصادر العربية النجدية التي لدينا والتي عاصر اصحابها دعوة

стр. 48

الشيخ وكانوا من جملة مريديه ثلاثة. أولها: كتاب روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الامام وتعداد غزوات ذوي الاسلام لمؤلفه الشيخ حسين بن غنام المتوفي عام ١٢٢٥ هـ (١) والثاني: كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد (٢) لمؤلفه الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر، والثالث: رسالة قيمة للشيخ عبد الرحمن بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب بعنوان المقامات (٣) . وهذه المصادر الثلاثة رغم أهميتها لم يلتفت إليها معظم الذين كتبوا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب من العرب والأجانب. وكان جل اعتمادهم على ما أثبته كاتب مجهول الاسم والحال في مخطوطة وحيدة النسخة موجودة بمكتب المتحف البريطاني بلندن عنوانها:" لمع الشهاب في سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٤) ".

стр. 49

وايا كان الأمر فإن جملة المصادر تذهب إلى أن الجزيرة العربية عامة ونجدا بصفة خاصة سلخت القرون المتأخرة والمنتهية بظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جهالة جهلاء حتى أصبحت " موطنا للجور والظلم ومسرحا للحروب والقتال والنهب والسلب." (١) بحيث يمكن القول أنها بلغت من التدني أحط الدركات حتى لتبدو في جاهليتها الأولى أقل سواء مما آلت إليه، فقد تجرد القوم لا من فضائل الإسلام وقيمه العليا فحسب بل من سائر الفضائل والقيم حتى ما كان منها فطريا مورثا في جبلة العرب وطبائعهم لكأن العرب إذ انطلقوا مع الفتح الإسلامي الأول مسارعين إليه" بين محتسب وطامع." (٢) لم يدعوا قيمة خلقية أو نفسية إلا واستودعها رجالهم وخلفوا الجزيرة العربية موطنا للعاجزين ممن قعد بهم عن الجهاد ضعف الإيمان أو ضعف الهمة وضعفهما معا ممن عناهم الله تعالى بقوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . (٣) وسرعان ما بدت الأجيال التالية لهؤلاء القاعدين اكثر عجزا عن أن تسمو إلى استيعاب حقائق الإسلام والنهوض بتكاليفه. ثم أضيف إلى ذلك العناصر الممتازة التي غادرت الجزيرة تحت ألوية الفتح لم تلبث أن نسبت وطنها الأول بالتدريج" وعادت

стр. 50

الجزيرة شيئا فشيئا إلى عزلتها السابقة." (١) وخلف حجب العزلة التي انسدلت أستارها على نجد والجزيرة العربية تهيأت الأسباب لتفشي كل بدعة ضالة ونزعة منحرفة. ولم تنل الجزيرة العربية شيئا من اهتمام الدول الإسلامية المتعاقبة إلا بالقدر اللازم لتامين سبل الحج إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة وزيارة مسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة. وقلما تم تأمين هذه السبل إلا عن طريق القوة التي يخضع لها الأعراب ريثما تنكشف عنهم ثم يعودون إلى طباعهم التي تأبت أن تطيع مهما بذل معها من تطويع وأخيرا ألقى حبل الجزيرة على غاربها فلم يبق فيها من الإسلام سوى اسمه وتوزعتها النزعات المتطرفة المتباينة "بعضها خروج على الإسلام ببعضه، وبعضها خروج على الإسلام بكله ولكنها مجتمعة على الجاهلية بعاداتها وتقاليدها وغزواتها وسالبها ومسلوبها وظالمها ومظلومها." (٢) وكل ما يفترق بها عن الجاهلية الأولى أنها" استعاضت عن أصنام الجاهلية بتعظيم شجرة أو بئر أو قبر شيخ." (٣) فكان على الداعية الذي يتصدى لتعريف المعروف وإنكار المنكر في هذه الجزيرة العربية مستهل القرن الثاني عشر الهجري أن يواجه ركاما من الظلمات الغاشية بعضها فوق بعض. ظلام يغشى عقول العلماء أو الموسومين بالعلم فضلا عن العامة والدهماء، حتى عدت الضلالة الموروثة لديهم هي الدين الذي ينتسبون عليه، يهرف العلماء بنصوصه ويتشبث العامة بقشوره دون فقه من الأولين ولا مسكة من الآخرين. والعقيدة التي قامت على التوحيد الخالص آلت إلى أدعية تلوكها الألسنة دون أن نفرق بين توحيد وشرك وشفاعة وترسل وولاية تعلم الناس القدوة الحسنة ووصاية تعمى بها الأبصار وتصم بها الآذان وتغل بها العقول وتموت بها الهمم اعتمادا على الولي ونفاذ مشيئته عبد الرب حتى "عكف أكثر الناس

стр. 51

على دعوة الأولياء والصالحين أحيائهم وأمواتهم وفتنوا بقدرتهم على النفع وصرف السور من دون الله." (١) ورغم أن غاشية الضلال قد حجبت وجه الحق والحقيقة في سائر أنحاء الجزيرة العربية إلا أن حظ نجد من هذه الغاشية كان مهولا. فقد كان في كل بلد وفي كل قرية ولدى كل قبيلة بادية أو حاضرة أشتات من الطواغيت تصد الناس عن الحق وتصرفهم عن اتباع الصراط المستقيم فهم في كل واد من أودية الاعتقاد الباطل يهيمون حتى "كثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك به والنذر لها والاستعاذة بالجن والنذر لهم." (٢) ورغم شيوع الشرك في الاعتقاد إلى هذا الحد لم يلتفت العلماء والحكام إلى معالجته وتنبيه الأذهان إليه فأمعن العوام في هذه الضلالات."حتى جهروا بكل ذلك وتظاهروا به عيانا ولم ينبر من أهل العلم من يزيل هذا الضلال بل تألبوا على مخالفة الحق وحاولوا تغيير الصواب." (٣) وما كان العلماء في هذه الحقبة ليرتفعوا إلى مستوى مسؤولياتهم في بيان الحق والدعوة إليه وفضح الباطل والتحذير منه فقد كانوا بقية لا طاقة لها بالنهي عن الفساد في الأرض بعد أن أصبحت علومهم مجرد قشور دورهم فيها دور من ينقل ولا يعقل ويهرف بما لا يعرف فوقفوا عند حد حمل الأسفار وترديد المتون مقلدين غير مجتهدين فضلا عن أن غاياتهم من العلم قد انحطت حتى انحصرت في طلب القوت والتماس الحظوة عند حاكم أو شيخ أو أمير وكانت البدع " تحتل جانبا عظيما من عقولهم وكانوا يخلطون بين الدين والوثنية ولا يكادون يميزون بين الحق والباطل (٤) ".

стр. 52

وإذ غابت الصفوة من العلماء الذين ينهضون بتكليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد غاب بغيابهم وجدان الأمة اليقظ الذي حرص القرآن الكريم أيما حرص على تربيته وصقله واعداده للدور الإنساني الخالد المتمثل في تكوين أمة تعرف الحق فتأمر به وتعرف المنكر فتنهى عنه فتسجيل بذلك أن تكون خير أمة أخرجت للنا مصداقا لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وفي غياب الأمة المسلمة بالوعي القائم بتكليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعود الحياة إلى جاهلية جهلاء الحكم فيها للقهر والتسلط والبقاء فيها لذي البطش الشديد المزود بالمكر والخديعة. وهكذا آل الأمر في نجد في العصور المتأخرة فاستقبلت القرن الثاني عشر الهجري وقد عادت إليها النخوة القبلية والحمية الجاهلية فشمرت كل قبيلة عن ساعدها تقيم لها كيانا مستقلا باسم مشيخة أو إمارة على حساب غيرها من القبائل دون أدنى اهتمام من الغالب والمغلوب بالرابطة الدينية. "فغدا في كل بلد أمير بل كثيرا ما يتعدد الأمراء في البلد الواحد." (٢) وهي في جملتها لا تعدو أن تكون قرى صغيرة قليلة السكان محدودة الموارد. وكان دأب هؤلاء الأمراء التنازع والتقاتل حتى يستخلص القاتل الأمر من المقتول. (٣)

стр. 53

ولم يكن هم الحاكم المنتصر في هذا الصراع يتجاوز تحيق مصالحه الشخصية بإكثار رعاياه ومن ثم الاستكثار بما يجيبه متهم من مال بالحق أو بالباطل دون أن يعود بشيء مما يحصله منهم على أي وجه إليهم. ويسجل ابن بشر في تاريخه الحوار الذي دار بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود وما اشترطه الأمير من ألا يكون من شأن اتباعه للشيخ الانتقاص من الأموال التي يجبيها من أهل الدرعية (١) . والخلاصة أن القرن الثاني عشر الهجري أظل نجدا وقد تحللت من عروة الدين المتمثل في صدق العقيدة كما تحللت من عروة الدنيا المتمثلة في وجود سلطان عادل. وإذ كان القول المأثور: إن الله يزع بالسلطان ما يزع بالقرآن، فإن أهل نجد لم يكن لهم آنذاك وازع من سلطان أو عاصم من قرآن (٢) . وفي هذا العصر وخلال تلك البيئة ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونشأ يعاني ما يعانيه أبناء عصره وبيئته، ولقد كانت هذه المعاناة لهموم العصور والبيئة أحد مكونات شخصيته وبالتالي أسهمت في تحديد فكره ومنهجه إلى جانب ما تلقاه عن شيوخه حسبما نعرض له في ثنايا البحث.

стр. 54

الباب الثاني: المعالم الرئيسية لفكره ومنهجه الفصل الأول: موقفه بين الاجتهاد والتقليد ... الباب الثاني: المعالم الرئيسية لفكره ومنهجه بعد أن تبين طبيعة المكونات الأساسية لفكر محمد بن عبد الوهاب ومنهجه من خلال دراستنا لحياته وعصره وبيئته، نستهل دراستنا لهذا الفكر بالتعريف على معالمه الرئيسية البارزة في رسائل بن عبد الوهاب ومؤلفاته. وبين هذه المعالم يبرز بين يدينا معلمان هامان هما: الفصل الأول: موقفه بين الاجتهاد والتقليد. الفصل الثاني: الربط بين العلم والعمل.

стр. 55

الفصل الأول: موقفه بين الاجتهاد (١) والتقليد (٢) خلت القرون الأولى بالمسلمين وإجماعهم منعقد على أن الاجتهاد واجب، بل فرض كفاية على الأمة، تأثم بتركه كافة ويكفي أن يقوم به أهل

стр. 56

الاقتدار عليه من علمائها عملاً بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون﴾ (١) وما كان لشريعة الإسلام أن تستوفي كمالها في التطبيق إلا عن طريق الاجتهاد فيه وحده بتحقيق مراد الله تعالى لها بأنه الشريعة الحاكمة إلى يوم الدين. ورغم إجماع السلف من علماء الأمة على وجوب الاجتهاد فقد اختلفت مناهجهم في شأنه على النحو الذي فصله علماء أصول الفقه بما ليس عليه مزيد، وحسبي في هذا المقام أن أعرض في إيجاز لمسألتين أراهما جد لازمتين للتعرف على موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الاجتهاد والتقليد هاتان المسألتان هما: المسألة الأولى: حجية النص الشرعي. والمسألة الثانية: دلالة النص الشرعي.

стр. 57

لأن اختلاف مناهج الفقهاء في الاجتهاد يعود أصلاً إلى أي من هاتين المسألتين أو إليهما معاً. أما حجية النص فالمتفق عليه أن النص مني كان قطعي الورود عن الله قرآنا أو حديثا يروى فحجيته ثابتة عند الجميع. وفي هذا المقام تتصدر نصوص القرآن الكريم قائمة النصوص القطعية في الورود عن الله إذ لا ينفك الإيمان بهذه الجزئية عن مبدأ الإيمان ذاته والذي لا يكتمل إلا بتمام اليقين بما أنزل الله على رسوله وأنه ﷺ قد صدق بتبليغه كما أنزل إليه وأن هذا التنزيل محفوظ بما تكفل الله تعالى بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) . ومن هنا فجميع نصوص القرآن الكريم قطعية الورود عن الله وحجيته في العمل ثابتة. ولكن الشأن في نصوص الأحاديث المنسوبة إلى رسول لله ﷺ ليس كذلك فمراتبها على ما صنف علماء الحديث تختلف بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع بل ولا يوجد اتفاق على مراتب معظم الأحاديث فالصحيح عند فقيه ضعيف عند آخر موضوع عند ثالث مما أجمله علماء الأصول في القول بوجود نص قطعي الورود عن رسول الله ﷺ وأخر ظني الورود عنه ﷺ . فإذا كانت حجية قطعي الورود من النصوص مما لا خلاف عليه فإن الخلاف واقع في حجية طني الورود منها. وهنا يقع أول الخلاف بين المجتهدين فيما يعود عليه من النصوص لثبوت حجيته وما لا يعول عليه لعدم ثبوت هذه الحجية. وإلى هذا السبب يعزى اختلاف الفقهاء بين أهل الرأي منهم كما سمى الأحناف وبين أصحاب الحديث كما سمى أتباع الشافعي وأحمد، فالأولون قل ما لديهم من نصوص الأحاديث التي اطمأنوا إلى قطعيتها ومن ثم حجيتها فعولوا أكثر من غيرهم على القياس حتى سماهم خصومهم أهل الرأي بمقولة أنهم يقيسون بالرأي. وأصحاب الحديث كان محصولهم من الأحاديث التي اطمأنوا إلى قطعيتها ومن ثم حجيتها اكثر وأوفر فوجدوا في تطبيقها ما يسد حاجتهم.

стр. 58

فإذا تجاوزنا الخلاف حول حجية النص واجهنا في المسألة الثانية المتعلقة بدلالة النص خلافا أبين وأوسع، وقليل من النصوص تلك التي انعقد الإجماع بين الوصفين بأن كان قطعي الورود قطعي الدلالة، وواجه الفقهاء في الكم الأعظم من النصوص ما عرفوه بأنه ظني الدلالة، وحيال هذه الدلالة الظنية اختلفت الأفهام في تحصيل المدلول، أما ما كان قطعي الورود قطعي الدلالة فقد انعقد الإجماع على امتناع الاجتهاد حياله بما عرف بقاعدة: لا اجتهاد مع النص. وأما ما كان قطعي الورود ظني الدلالة أو ظني الورود ظني الدلالة أو ظني الورود قطعي الدلالة فقد ظل ميدانا لاجتهاد الفقهاء منذ الرعيل الأول من أصحاب رسول الله ﷺ فحكم الفطر للمسافر في رمضان يستند إلى نص قطعي الورود عن الله : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (١) ولكن دلالة النص على كون هذا الحكم رخصة أم عزيمة دلالة غير قطعية بما روي من أن صحابة رسول الله ﷺ كانوا إلى سفر مع الرسول ﷺ في رمضان فمنهم من صام ومنهم من أفطر فلم ينكر رسول الله ﷺ على صائم ومفطر. ومن أمثلة اجتهاد الصحابة في زمن النبي ﷺ في كثير من الأحكام كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بنو قريظة فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال: لم يرد بنا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلاً، نظروا إلى اللفظ وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس." (٢) إذن فالاجتهاد حتمي لتحصيل المعنى من نص ظني الدلالة وهو أكثر حتما حال غياب النص. وفي ظل التسليم بحتمية الاجتهاد وضرورته نشأت المذاهب على اختلافها وأثرى الفكر الإسلامي في شتى مجالاته، وبدا للمسلمين خاصتهم وعامتهم أي حرج من هذا الاجتهاد والاختلاف حتى تواتر بينهم القول بأن: اختلافهم رحمة.

стр. 59

لم يضيق الفكر الإسلامي باختلاف الفقهاء وتفريعاتهم، ولكن الضيق بدأ يناوش صدور الحكام من هذا الاختلاف. فما روي أن ابن المقفع وزير أبي جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس أشار عليه بأن يأمر بجمع الناس على مصدر واحد للأحكام حتى لا يختلف الفقهاء في شأن الأقضية التي تعرض عليهم. وعملا بمشورته أمر الخليفة أمام دار الهجرة مالك بن أنس بجمع ما صح لديه من أحاديث (١) الرسول ﷺ فكان له الموطأ. وقد اراد أبو جعفر ان يرسل في الأمصار نسخا منه لتكون مرجع الناس في أقضيتهم فابى مالك عليه ذلك معتذرا بأن أصحاب رسول الله ﷺ قد تفرقوا في الأمصار ولدى كل جماعة منهم من العلم ما تطمئن قلوبهم عليه وأن أخذ الناس بمرجع واحد فيه حرج ومشقة فانتصح بذلك المنصور، ودام ازدهار حركة الاجتهاد إلى القرن الرابع الهجري وإن كان القرن الثالث شهد ختام مولد المذاهب الكبرى حتى ليقال ان الإمام محمد بن جرير الطبري المتوفي عام ٣١٠هـ كان خاتمة المطاف بين المجتهدين ذوي الاستقلال في البحث والنظر وأنه منذ وفاته بدا زحف غاشية الجهل على العقول (٢) . إلى أن وصل الأمر إلى موات ملكة الإجتهاد حتى أن المستعصم أمر أساتذة المدرسة المستنصرية:" ألا يتعدوا حدود كلام المشايخ السابقين ويمتنعوا عن ذكر شيء من مصنفاتهم (٣) " وأدلهم ليل الجهالة بسقوط بغداد في يد التتار عام ٦٥٦هـ وإحراقهم لمكتباتهم وتخريبهم دور العلم فيها. فلم يعد من سبيل إلى التماس العلم الصحيح فقنع الناس بالتقليد الذي أصبح طابع العصور التالية لذلك. ومع أن القرن العاشر قد ظهر فيه نوابغ من العلماء كالشيخ خليل المالكي والسبكي والرمادي والسيوطي وغيرهم ممن كانت لهم القوة الفقهية وملكات الاستنباط غير أنهم لم يصرفوا هذه القوى كما فعل الأسلاف في الاجتهاد، والتخريج بل وجهوها إلى وضع الشروح والمختصرات وجمع الفروع الكثيرة في عبارات ضيقة تشبه الألغاز حتى احتاجت إلى وضع كتب أخرى تشرح مبهمها

стр. 60

وتحل عقدها وتكشف عن غرض المؤلف من وضعها. (١) فكان ذلك سببا لحجب العقول عن الاجتهاد والاستنباط حتى أصبح نسبة الاجتهاد إلى شخص تهمة وذنبا لا يغتفر وفشا بين الكافة الدينونة بعقيدة مفادها: غلق باب الاجتهاد ودام ذلك إلى ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب فكان له موقفه في الاجتهاد وموقفه من التقليد على النحو الذي سوف نعالجه في مبحثين متواليين. أولا: موقفه من الاجتهاد ويهمنا أن نستجلي هذا الموقف في النقاط الآتية: ١) مبدأ الاجتهاد من حيث مشروعيته واستمراره. ٢) مجال الاجتهاد. ٣) الشروط الواجب توافرها في المجتهد. ٤) علاقة المجتهد بالمجتهد. (١) مشروعية الاجتهاد واستمراره: المحنا في مدخل هذا الباب إلى ما هو متفق عليه بين أهل العلم من حيث اختلاف حجية النصوص ودلالاتها بما عرف بالظني والقطعي وأن الاجتهاد ضروري لتحصيل الأحكام منها على نحو أو آخر. فإذا شخصنا إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب نستجلي فكره في هذه الخصوصية الفيناه يعرف النصوص الشرعية بقوله:" ومن أعظم ما من الله به عليه ﷺ وعلى أمته اعطاؤه جوامع الكلم فيذكر الله تعالى في كتابة كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصر وكذلك رسول الله ﷺ فقد خصه الله بالحكمة الجامعة." (٢) ويرتب الشيخ على ثبوت هذه الخاصية للنصوص الشرعية نتيجة مفادها: إن لكل نزاع ينجم بين الناس حلا في كتاب الله وسنة رسوله ويعبر الشيخ عن هذه النتيجة بقوله:" علمنا قطعا أن من ورد إلى الكتاب والسنة ما

стр. 61

تنازع الناس فيه وجد فيهما ما يفصل النزاع." (١) ومما تقدم نستخلص أن الشيخ إذ يرى أن كلمة واحدة في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله ﷺ "يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصر" فإنه يتفق مع أهل العلم في قولهم بأن لبعض النصوص الشرعية دلالة ظنية بحيث يدخل تحتها من المسائل مالا يحصر وبحيث يكون الاجتهاد هو طريق استنباط حكم هذه المسائل من حيث دخولها تحت حكم النص من عدمه. ومن هنا يستقيم لنا القول بأن الشيخ يرى مشروعية الاجتهاد بل واستلزامه بحيث يصبح فرض كفاية على الأمة لأنه قد تعين لآداء واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وإذا كانت مشروعية الاجتهاد بل ووجوبه عند الشيخ على هذا النحو من الثبوت فهل يتسع المجال عنده للقول باستمرار الاجتهاد أبد الدهر. أم يرى بابه قابلا للانغلاق كما زعم المتأخرون؟ للجواب على هذا السؤال يلزمنا أن نتعرف على مدلول الاجتهاد عند الشيخ. فقد رأينا أنه في اصطلاح الأصوليين والفقهاء: بذل الجهد من الفقيه لاستخراج الأحكام من أدلتها الشرعية (٢) أي أن الاجتهاد ينتهي عند استخراج الحكم من دليله الشرعي مما سوغ للمتأخرين الزعم بانغلاق باب الاجتهاد بمقولة أن الأولين لم يدعوا حكما إلا واستخرجوه من دليله الشرعي بما لا يدع مزيدا لمستزيد. لكن الاجتهاد عند الشيخ يكمن في مرحلة سابقة على استخراج الحكم المتنازع فيه من دليله، إن الاجتهاد عنده هو: رد الأمر إلى الله ورسوله"فنقول في محل النزاع إلى الله ورسوله." (٣) ولما كان التراد إلى الله ورسوله واجب في كل مسألة متنازع عليها. ولما كانت المسائل لا حصر لها. دل ذلك على وجوب التراد إلى الله ورسوله بشأنها لتحصيل العلم

стр. 62

بحكمها:" لأنه كما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم لا يجوز أن ينكر إلا بعلم." (١) فمن الواضح الجلي أن الشيخ يرى في الاجتهاد واجبا لازما قائما إلى يوم القيامة، وأن بابه غير قابل للإقفال والانغلاق. ولقد كان هذا المعلم الأساسي مع معالم فكره ومنهجه من أهم الأسباب التي أثارت عليه العدد العديد من الخصوم والمعارضين من العلماء والعامة على السواء فقد استهول القوم فكرة: استمرارية الاجتهاد وفتح بابه ورأوا في ذلك ابتداعا وعدوا صاحبة القائل به صاحب مذهب جديد في الاسلام فانبروا يشهرون بالشيخ ناعتينه بأنه:" رجل مبتدع جاهل مضل ضال. من بضاعة العلم والتقوى عاطل، جرت منه أمور فظيعة, وأحوال شنيعة" (٢) وكان من جملة ناقديه في هذا الخصوص أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب (٣) الذي أنكر عليه القول بفتح باب الاجتهاد كما وصفه بأنه لا يستجمع شروط المجتهد وهو ولا أحد من أتباعه، وذهب إلى نفس النقد جملة من معارضي الشيخ نذكر منهم الحسينيى العاملي (٤) ، وزيني بن دحلان (٥) وعبد الله بن علوي حداد (٦) وغيرهم. ومنهج الشيخ في الاجتهاد على ما صرح به في رسائله وكتبه يقوم على قاعدة القطع بأن في الكتاب والسنة حكم كل مسألة كانت ستكون. وأن مهمة المجتهد الرجوع إلى هذين المصدرين واستنباط الحكم. وقد عبر عن ذلك بقوله:" علمنا قطعا أن من رد إلى الكتاب والسنة ما تنازع الناس فيه وجد فيهما ما يفصل في النزاع". فمنهجه على هذا التحديد منهج أصحاب الحديث المؤمنين بأن لك نزاع حكماً في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وأن

стр. 63

الاجتهاد هو بذل الجهد لمعرفة هذا الحكم. وترتيبا على ذلك فالشيخ يجعل من ميادين الاجتهاد الأساسية بذل الجهد للوصول إلى النص قبل بذل الجهد لاستخراج الحكم منه، بل ولفرط تعويله على النصوص اسند بعض أحكامه إلى نصوص يرى البعض أنها ضعيفة بل قاده التشبث بالنص إلى الاستدلال بما يرى البعض انه نص موضوع. (١) (٢) مجال الاجتهاد: لا اجتهاد مع النص، تلك قاعدة قالت بما كل مع عرف له قول معتبر بين الفقهاء والمتكلمين على خلاف بينهم في دقة التزامها بعد ثبوت تقريرها، ولكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرتفع بهذه القاعدة إلى ذروة التأكيد وقمة الإتباع فلا إنكار في مسائل الاجتهاد عنده شريطة الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله" ولم كان أعلم الناس وأتقاهم، وإذا كان الله بعث محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق وأمرنا بإتباعه وترك ما خالفه فمن تمام ذلك ان من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه وينكر عليه، وإن أريد بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب فهذا كلام صحيح (٢) " ومنهجه في هذا الخصوص هو عين منهج السلف، فما كان لرأي كائن من كان أن يقوم في مواجهة نص من كتاب أو

стр. 64

سنة، فابن عمر كان يدع قول عمر إذا ظهرت له السنة، وابن عباس اشتد غضبه على من عارض السنة بقوله: قال أبوبكر وعمر، وعبر عن هذا الغضب الشديد بقوله: "توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبوبكر وعمر فرحم الله ابن عباس ورضي الله عنه." (١) وتأتي حجية الاجماع بعد حجية النص ويعبر الشيخ عن ذلك بقوله:" ولا خلاف بيني وبينكم أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم (٢) " وفي موضع آخر يقول:" وأنا أدعوا من خالفني.. إما إلى كتاب الله وإما إلى سنة رسول الله ﷺ وإما إلى إجماع أهل العلم." (٣) ومناط الاجماع عنده إجماع سائر علماء الأمة فذلك وحده هو الاجماع الملزم " فليس المراد الأئمة الأربعة، ولفرط تعلقه بالاجماع ينفر من التفرق والاختلاف ويسخر من قول القائلين بأن اختلافهم رحمة" وأما قولهم اختلافهم رحمة فهذا باطل بل الرحمة في الجماعة والفرقة عذاب." (٤) (٣) الشروط الواجب توافرها في المجتهد: الاجتهاد على ما حصلنا معناه لغة واصطلاحا يتطلب استفراغ جهد الباحث للوصول إلى ما ينال قناعته في المسالة محل البحث، وعلى ذلك فالشرط البديهي في المجتهد أن يكون ملما بأطراف المسالة التي يجتهد فيها. واجتهاد أهل العلم لاستخراج الأحكام الشرعية من أدلتها يستلزم لذلك حسن إحاطة المجتهد بالأدلة الشرعية من حيث مصادرها ودلالة نصوصها وناسخها من منسوخها ومخصصها من عامها ومطلقها من مقيدها. وحتى يلم الفقيه بذلك يلزمه أن يكون على دراية باللغة العربية وأصولها ومفرداتها وتراكيبها وطرق الاشتقاق فيها وكناياتها ونحوها وصرفها ووجوه البلاغة في استعمالاتها، إلى

стр. 65

آخر ما هو مدون في كتب الأصوليين والفقهاء، على خلاف بين العلماء في التشديد على هذه الشروط أو التيسير فيها. ففي خصوص وجوب العلم بمصادر الأحكام يتفق الجمهور على وجوب إتقان علوم القرآن الكريم على خلاف بينهم في وجوب حفظه كله أو الاكتفاء بحفظ بعضه. فالإمام الشافعي يستلزم في المجتهد حفظ القرآن الكريم كله لما يراه من أن: الحافظ أضبط لمعانيه من غير الحافظ الناظر فيه (١) " والقائلون بالتيسير بالاكتفاء بحفظ بعضه يتفقون على أن يشمل المحفوظ آيات الإحكام على خلاف في آية (٢) ، بينما روي عن أبي يوسف أنها ألف ومائتان آية (٣) ،ونقل عن ابن المبارك ان عددها تسعمائة آية (٤) . واتفق الجمهور على وجوب علم المجتهد بالسنة القولية والفعلية والتقريرية في الموضوعات التي يجتهد فيها مدركا مراميها ومناسبتها عارفا بالناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد منها، عارفا كذلك بإسناد الأحاديث وأحوال الرواة، ومع إجماع الجمهور على ذلك اختلفوا في عدد الأحاديث التي يجب على المجتهد حفظها. يقول الشوكاني:" والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن (٥) "، وروي أن الإمام احمد سئل عن العدد المطلوب من الأحاديث الواجب حفظها فأجاب أنها: أربعمائة ألف حديث ووقف في بعض الروايات على ثلاثمائة ألف وقال لعله يكفيه. وفي بعض الروايات لم يظهر موافقته إلا على خمسمائة ألف حديث ونقل عنه أقل من ذلك أيضاً (٦) .

стр. 66

ويتفق الجمهور كذلك على وجوب علم المجتهد باللغة العربية باعتبارها أداة البيان لشرع الله تعالى في كتابه الكريم وسنة نبيه ﷺ ، ومن الفقهاء من يشتط في الإلزام بالإحاطة بمصادر اللغة العربية حتى ليلزم المجتهد بمعرفة الشعر كما ذهب الشافعي (١) تقديرا منه لدورة الشعر في حفظ اللغة العربية قبل الإسلام وانه كان الوعاء الذي حمل تراكيبها ومفرداتها وكناياتها. وبجانب هذه الشروط الموضوعية يذهب الجمهور إلى اشترط كون المجتهد عاقلا بالغا" لأن غير البالغ لا يصح نظره لعد اكتمال قواه العقلية ولذلك فهو ليس مكلفا بما كلف به البالغون من أعمال. (٢) ونقل الإمام السيوطي عن الأستاذ ابي جعفر المنصور التميمي ما يفيد أن الإنسان لما كمل عقله، ميز بين النافع والضار وأمكن له الاستدلال بالشاهد على الغائب يمكنه الاجتهاد عمليا ويجوز له ذلك شرعا ولو لم يبلغ. إلا أنه لا بجب عليه الاجتهاد قبل البلوغ (٣) . وقال أبو المعالي: الصبي يتصور منه الاجتهاد ويصح منه وعند المعتزلة يجب عليه إذا ميز الإتيان بالمعارف العقلية أي أنهم لا يشترطون البلوغ على هذا الإدراك مرتبة الاجتهاد. والذي أراه أنه ربما يصل الصبي إلى مرتبة من النضج قبل البلوغ بحيث يبدو أنه صالح للارتقاء إلى مرتبة الاجتهاد. إلا أن اكتمال قوى الإنسان العقلية قبل سن البلوغ أمر غير مألوف، وعلى ذلك لابد من النضج حتى تكتمل القوى العقلية وترتفع دقة الملاحظة عند الإنسان حتى يكون أهلا لارتقاء أول سلم الاجتهاد وهو:" أن يعرف قدراً صالحاً من المعقولات حتى يعرف بذلك ما يجوز ان يرد به الشرع وما لا يجوز." (٤) ولدى التعرف على منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب من مسألة تحديد

стр. 67

الشروط الواجب توافرها في المجتهد على ضوء ما أشرنا إليه من اتفاق العلماء واختلافهم نجد ابتداء أن الشيخ وهو على ما صرح ممن يأخذون بالمذهب الحنبلي ويعجبون بفقه الإمام احمد مما يجوز لنا معه أن نقرر أنه يرى في المسألة جملة ما يراه أصحاب الحديث من وجوب علم المجتهد بالنصوص الشرعية من كتاب وسنة إلا أن شخصية الشيخ محمد بن عبد الوهاب تبرز في هذه المسألة بمنهج مستقل يتلخص في أنه عاب على المتشددين في بيان شروط المجتهد ورأى أن التشدد في تعداد هذه الشروط هو من فعل الأهواء حتى أنه ليقول:" السنة التي وضعها الشيطان هي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافاً لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضا حتما لاشك ولا أشكال فيه، ومن طلب الهدى منهما فهو ما زنديق وإما مجنون لأجل صعوبتها. سبحان الله وبحمده والأمر برد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى أمر الضروريات العامة." (١) (٤) علاقة المجتهد بالمجتهد: وتلك مسألة تتفرع عما قبلها، فما دام الاجتهاد حتما لازما وفرضا واجبا لا غنى عنه للأمة في مجموعها مهما تعاقبت الأجيال وتباعد الزمان، وأنه فضلا عن وجوبه على الأمة في مجموعها، فهو واجب متعين على من استجمع شروطه التي أشرنا عليها آنفا بحيث أن القادر على الاجتهاد يأثم بتركه عند وجود مقتضاه. وحاصل ذلك أن المجتهدين قد يتعددون ويتعاصرون في الزمان أو المكان أو فيهما معا فكيف ينبغي أن تكون علاقة المجتهد بالمجتهد؟ لقد مضت قرون الاجتهاد الأولى والقوم فيها طلاب حقيقة يسعون إليها ما استطاعوا ومدارها عندهم على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله، فليس لرأي مجتهد قيمة في ذاته إلا بقدر ما يدل على حكم الله تعالى ورسوله في المسألة المجتهد فيها، وعلاقة المجتهد بالمجتهد قائمة على تعاون الجميع لتحصيل ما يبدو لهم أنه مراد الله تعالى في هذه المسألة.

стр. 68

فالإمام أحمد رغم تلقيه عن الإمام الشافعي لا يرى في موقف التلقي عنه معنى مطلق المتابعة له بل إن الشافعي يقول له:" يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث منى فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميا كان أو كوفيا أو بصريا" ومن قول الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس وقال:" إذ صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط وقال:" إذا رويت عن رسول الله ﷺ حديثا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب (١) ". ومن قول الإمام أبي حنيفة لأبي يوسف:" لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه (٢) " وقال أحمد: لا تقلد دينك أحدا، وقال مالك: أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي: فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق فاتركوه. فالواضح مما تقدم أن لكل مجتهد صفة الاستقلال في اجتهاده، وأن أخذه باجتهاد غيره ليس مبناه رأي الغير في ذاته بل معناه قبول الدليل المبني عليه فالاجتهاد يدور عند الكل مع قوة الدليل بغض النظر عن شخص المستدل به، وتلك قمة الروح العلمية التي تستهدف من البحث الوصول إلى الحقيقة وحدها دون اعتبار لشخص القائل بها. ورغم ذلك فإن القوم في اجتهادهم لم يصرفهم استقلالهم الفكري عن تقديس الروابط فيما بينهم فأصبح لكل شيخ تلاميذه الذي يحفلون به ويأخذون بمنهجه في الاستدلال دون أن تذوب شخصياتهم في شخصيته وكل تيار فكري موحد المنهج كان أساسا لوحدة المذهب (٣) بين بعض

стр. 69

المفكرين فعرفت المذاهب وتعددت غير أنه لم تكد القرون الأولى تمضي بمجتهديها حتى أصبحت المذاهب قيدا على الفكر والنظر وبلغ ببعض الناس أن عدها دينا من دون الدين، فلم يعد باب الاجتهاد في المسائل الخلافية مفتوحا على مصراعيه أمام أعين المجتهدين بل أصبح المذهب السائد في بلد ما هو الذي يأخذ باجتهاد أهل مذهب آخر في مسألة ما وسموا: الاجتهاد الذي يكسر حاجز المذاهب للأخذ بما يناسب الحال من كل مذهب في مسألة بعينها بأنه اجتهاد تلفيقي لا يجوز. وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب أشهر من واجه جمود المذاهب فأعاد للاجتهاد ساحته الرحبة، وطالب كل مجتهد بان يعود إلى سيرة السلف من حيث البحث عن الدليل قبل شخص المستدل به حتى لا يعرف الحق بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق" فإذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه..أخذنا به وتركنا المذهب. وعندنا أن الإمام بن القيم وشيخه أمام أهل السنة وكتبهما من أعز الكتب إلا أنا غير مقلدين لهما في كل مسألة فإن كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا ﷺ ." (١) ومن المسائل التي خالف فيها محمد بن عبد الوهاب شيخيه ابن تيمية وابن القيم: ١. طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس." فإنا نقول تبعا للأئمة الأربعة. ٢. "ونرى الوقف صحيحاً". ٣. والنذر جائز يجب الوفاء به في غير معصية.

стр. 70

وبإدراك الشيخ لحقيقة معنى الاجتهاد وحدود علاقة المجتهد بالمجتهد كان عدوا للتقليد والمقلدين على نحو ما سوف نعرض له في المبحث التالي. ثانيا: موقفه من التقليد أدرك الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفكر الإسلامي وقد أصبح سجين التقليد، والتعصب الأعمى لآراء المذاهب ويهمنا أن نذكر أن التقليد في ذاته داء عضال ينتفي معه مدلول إنسانية الإنسان، ذلل أن مناط إنسانية الإنسان عقله الذي يستضيء به ويزن به الأمور فإذا اكتفى بالتقليد عطل ملكات عقله واكتفى بترسم خطى الآخرين، فإذا أضيف إلى التقليد التعصب فقد بلغ السوء مداه فلئن كان التقليد كما عرفه الشوكاني:"هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة (١) " فإن التعصب لمثل هذا الرأي مع فقدان حجته يجعل الوصول إلى الحق ضرب من المحال، وقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب حاسما وواضحا في التصدي للتعصب المذهبي وما قادر إليه من ركون الفكر على التقليد فتراه مع أنه لا يفتأ يكرر إعجابه وإشادته بطائفة من علماء الحنابلة أخصهم ابن القيم وشيخه ابن تيمية يضع هذا الإعجاب في دائرته السليمة فيقول:" فلست ولله الحمد أدعوه إلى مذهب صوفي او فقيه أو متكلم أم إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ . (٢) بهذا التعبير يفرق الشيخ بن التقليد الذي هو اعتناق رأي بلا حجة، وبين الإتباع الذي يقتفي للحجة ويذعن لها كائن من كان القائل بها، وعلى هذا فإنه كثيرا ما يوافق مجتهد مجتهدا وليس هو مقلدا له فيما قاله وإنما هو موافق له فيه لاتفاقهما في الدليل والحكم لا لتقليد أحدهما الآخر فيه، وكثيرا ما يشاهد ذلك في كلام الأئمة وقد وافق الأمام الشافعي الأمام زيد بن ثابت ﵄ مع أن الشافعي غير مقلد لزيد. (٣)

стр. 71

نقول تصدى ابن عبد الوهاب لإبطال التقليد في عصر ساد فيه التقليد واستحكم حتى تهيب العلماء من التعرض لمشروعيته واستسلم أغلبهم لسيادة التقليد والأخذ به، ولكن ذلك لم يمنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أن يهاجم التقليد ويكشف القناع عن قضية جوهرية تفيض بها آيات القرآن الكريم ـ تلك القضية هي أن الأمم الغابرة التي جحدت برسالات السماء وكذبت المرسلين إنما قادها إلى هاوية الكفر والضلال تقليد الآباء. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . (١) وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ (٢) وقال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ . (٣) وفي القرآن الكريم من آيات النهي عن التقليد نصوص كثيرة من جنس ما أوردنا، وهي وإن كان موردها في الكفار، فالمراد بها وبأمثالها ذم من أعرض عما أنزله الله سبحانه إيثاراً من لتقليد آبائه. واللفظ أوسع من دائرة سبب النزول والاعتبار بعمومه لا بخصوص سببه كما تقرر في الأصول. والمقلد يتقفى ما ليس له به علم خلافا لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ . (٤) والمقلد ينزل الأشخاص الذين يقلدهم منزلة الربوبية من دون الله على ما أوردته الآية الكريمة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . (٥) وفي تفسير ذلك روي عن حذيفة وغيره أنهم قالوا: لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم. وقال عدي بن حاتم وكان قبل

стр. 72

إسلامه قد تنصر: يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا قال: "أليس يحلون لكم ما حرم الله عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟ " فقلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم". أخرجه أحمد والترمذي وحكى بن القيم عن أحمد بن حنبل أنه قال: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا) . (١) ويعرض الشيخ محمد بن عبد الوهاب لكل ما تقدم فينتهي منه إلى النهي عن تقليد العلماء بلا حجة لكون ذلك في مقام اتخاذهم أربابا. وهو الذي سماه الله ورسوله شركا وهو اتخاذ العلماء أربابا." (٢) فالقاعدة المقررة لدى ابن عبد الوهاب ذم التقليد والتحذير من الوقوع فيه وأنه طريق إلى الضلالة لا إلى الهداية ويقول في وصف المقلدين:" إن دينهم مبنى على أصول أعظمها التقليد فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم." (٣) فهل لهذه القاعدة المقررة عنده من استثناء؟ بمعنى: هل تعرض أحوال يباح فيها التقليد وما هي شروط إباحته؟ بديهي حسبما قدمنا أن الاجتهاد النافي للتقليد يقتضي حركة عقلية لاستخلاص الحكم من دليله مما ذهب معه العلماء إلى تقرير أن للمجتهد شروطاً لا بد من توافرها حسبما حصلنا في هذا الخصوص. وبديهي كذلك أنه ليس في الإمكان توفر هذه الشروط في كافة المكلفين من المسلمين، لان استجماعها يقتضي انقطاعا على نحو أو آخر لتحصيلها والمهارة فيها وليس متصورا ان تقف عجلة الحياة بالمسلين عند هذا الانقطاع. فإذا لم يمكن ان يكون كل مسلم مكلف فقيها مجتهدا، وإذا لا يتصور ان يستوي أهل العلم في حصيلة علمهم بل فيهم على الدوام الأفضل والفاضل والمفضول، فقد استبان من ذلك ان التقليد ـ حيث تعذر الاجتهاد ـ يباح كضرورة تقدر بقدرها، وحتى نضبط هذه الضرورة ونقدرها نعرض لمسائل ثلاث:

стр. 73

١. الذين يرخص لهم في تقليد غيرهم. ٢. الذين يجوز أن يكونوا محلا لتقليدهم من غيرهم. ٣. دائرة التقليد. (١) الذين يرخص لهم في التقليد: اتفق العلماء على أن التقليد مباح للعامة ممن لا حظ لهم من معرفة الكتاب والسنة وطرائق استخراج الاحكام من أدلتها، فهؤلاء لا معدى لهم عن التقليد بل هو طريقهم الوحيد لمعرفة الأحكام الشرعية فهو بذلك واجب متعين عليهم بمعنى ألا يقدموا على عمل حتى يسألوا أهل العلم ويتلقوا عنهم حكمه الشرعي فيلزمهم اتباعه. ولكن دائرة الاباحة في التقليد لا تقتصر على العامة فحسب بل تمتد إلى العلماء فيما بينهم على حسب تفاضلهم ومنازلهم في العلم، إذ أن معرفة كل شيء أمر لا يدركه عالم بعينه ومهما تبحر في علومه ومعارفه يظل العلم أوسع من حصيلته، ومن هنا صح عن علماء السلف تقليد بعضهم في مسائل عرضت لهم دون أن يتبين لهم فيها الدليل من كتاب أو من سنة كالذي نقل عن الشافعي في تقليد عمر إذ قال: في الضبع (١) بعير قلته تقليدا لعمر، وكالذي نقل عن أبي حنيفة في مسائل الآبار: ليس معه فيها إلا تقليد من تقدمه وكما نقل عن مالك في أخذه بعمل أهل المدينة فالأئمة قلدوا في مسائل لم يظفروا فيها بنص عن الله ورسوله ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعظم منهم فقلدوه وعلى العموم فالحاكم على إباحة التقليد: عدم إمكان العلم بالدليل فحيث تحقق عدم العلم جاز التقليد وفي ذلك يقول ابن عبد الوهاب:" فإن تبين لك الحق فاتبعه فإن لم يتبين لك واحتجت إلى العمل فقلد من تثق بعلمه ودينه." (٢) (٢) من يجوز تقليدهم: أساس في تعيين من هو أهل لتقليده على ما حدده الشيخ في النص

стр. 74

السابق: هو ثقة المقلد في علم ودين من يقلده، ونلاحظ هنا دقة ابن عبد الوهاب في قوله: فقلد من تثق بعلمه ودينه، كأنه يطلب من المقلد حتى في حال إباحة التقليد له أن يجتهد في اختيار من يقلده وألا يكتفي بما يشاع عنه من علم ودين بل لا بد من أن يثق هو أي المقلد في علمه ودينه. ثم يحذر من أن يجري التقليد بالهوى مما يخالف شرط الثقة في العلم والدين:"وأما أن قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه من غير علم ان الحق معه فهذا من أهل الباطل." (١) وأخذا بمعيار الثقة في العلم والدين كشرط لاختيار من يجوز تقليده فإن أولى الناس بتقليدهم والاقتداء بهم بعد الرسول المعصوم ﷺ هم: الصحابة المرضي عنهم بنص كتاب الله تعالى فهم خير الأمة على امتداد المكان والزمان إلى قيام الساعة حكما بقول رسول الله ﷺ :" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة احدهم يمينه ويمينه شهادته"، (٢) وتقيدا بهذا الهدي النبوي كان ابن عبد الوهاب حريصا دائما على أن يقرر أنه في مسائل الخلاف التي لا نص فيها بشخص إلى عمل الصحابي فإن لم يجد فإلى التابعي الصالح"فمن عاند دعوته إلى المباهلة كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض وكما دعا إليها سفيان والأوزاعي في مسألة رفع اليدين وغيرهما من أهل العلم (٣) ". (٣) الدائرة التي يجوز فيها التقليد: لأن القاعدة كما قدمنا حظر التقليد وإباحته هي الاستثناء فدائرته محدودة وإن كانت بالنسبة للعامي أوسع منها بالنسبة للعالم. فبالنسبة للعامي يباح له التقليد من يثق في علمه ودينه في سائر مسائل الفروع، وأما في أصول الدين فلا يجوز التقليد البتة لعامي ولا لمتعلم، بل بجب على كل مكلف معرفة الله ﵎ ومعرفة الرسول ﷺ وما بعث به

стр. 75

من التوحيد وما أخبر به عن الله من البعث بعد الموت والجنة والنار ومثل وجوب الفرائض من الصلاة والزكاة والحج والصيام، وبالجملة فإن سائر ما هو معلوم من أصول الدين بالضرورة يظل بعيدا عن دائرة التقليد. أما بالنسبة لتقليد العالم غيره من العلماء فإن دائرته على التحقيق أضيق فقد اتفق العلماء على عدم جوازه له فيما إذا اجتهد فعلا وغلب على ظنه الحكم واختلفوا فيما إذا لم يكن كذلك (١) وقد أجازه كثير من العلماء من طوائف السنة والشيعة. (٢) ويثور سؤال حول جواز الفتيا بالتقليد من عدمه وتتردد في المسألة أقوال ثلاثة في مذهب أحمد، أحدها: أنه لا يجوز الفتيا بالتقليد لأنه ليس بعلم والفتوى بغير علم حرام، وهذا قول أكثر الأصحاب، والثاني أن ذلك جائز للمفتي فيما يتعلق بنفسه، فيجوز له أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العلماء فيما يفتي به غيره، وهو قول ابن بطة من أصحابنا والقول الثالث أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم المجتهد وهو أصح الأقوال وعليه العمل حسبما رواه وأخرجه الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. (٣) وعلى الرغم من جواز تقليد العالم غيره عند استغلاق الدليل لديه فإن محمد بن عبد الوهاب يطالب العالم في حال تقليده بجمله أمور بمنها: (١) أن يظل يقظاً لمعرفة دليل المسألة التي يقلد فيها فإذا بدا له وجده الحق خلافا لما جرى به تقليده تعين عليه اتباع الحق وعدم المادي في التقليد. (٢) أن يلتزم في تقليده بما يعتقد أنه الحق دون أن ينتقل من قول إلى قول لمجرد أنه على دراية بأكثر من قول ويلزم ابن عبد الوهاب هذا السلوك من بعض العلماء ويرده إلى الرياء والتعالي:" ومن العجيب أنه يوجد في بلدكم من يفتي الرجل بقول إمام والثاني بقول إمام آخر، والثالث
следующие страницы →