صلاة الاستسقاء:
الاستسقاء لغة وشرعاً:
- الاستسقاء لغة: طلب السقي، قال في اللسان١: "استقى الرجل واستسقاه: طلب منه السقي، وهو استفعال من طلب السقيا، أي إنزال الغيث على البلاد والعباد".
- شرعاً: هو الدعاء بطلب السقيا من الله تعالى، على صفة مخصوصة، عند حصول الجدب وانقطاع المطر.
وكان في الأمم الماضية، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ ٢، وأخرج الحاكم في المستدرك، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خرج نبي من الأنبياء يستسق، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا، فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة" ٣.
حكم الاستسقاء:
وهو سنة مؤكدة ثابتة بفعل الرسول ﷺ وخلفائه ﵃، عن عباد بن تميم عن عمه قال: "خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى
стр. 387
القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة"١.
واجمع المسلمون على مشروعيته. قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم٢.
متى يشرع الاستسقاء:
ويشرع الاستسقاء إذا أجدبت الأرض – أي: أمحلت، وانحبس المطر، الذي هو حياة كل كائن حي، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٣، والماء من أجل نعم الله على الخلق. لذا كانت المصيبة بفقده من أعظم المصائب، التي لا يقدر على إزالتها إلا الله وحده جل وعلا. ومثل جدب الأرض وقحط المطر، ما يصيب الناس من الضرر بغور العيون والأنهار أو نقص مائها أو تغير بملوحة.. فيفزع الناس إلى ربهم يتضرعون إليه، يستسقونه ويستغيثون به بصفة من الصفات الثابتة عن النبي ﷺ . يدعو الخطيب ويؤمن المسلمون على دعائه من غير صلاة للاستسقاء، أو بالدعاء عقب الصلوات، وفي الخلوات من غير صلاة ولا خطبة.
стр. 388
صفة صلاة الاستسقاء:
وصلاة الاستسقاء ركعتان. قال في المغني: لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافاً في أنها ركعتان١. وصفتها في موضعها وأحكامها كصفة وأحكام صلاة العيد، لما روي عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ خرج متبذلاً ... وصلى ركعتين، كما كان يصلي في العيد"٢.
قال الترمذي: قال الشافعي: يصلي الاستسقاء نحو صلاة العيدين، يكبر في الركعة الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً، واحتج بحديث ابن عباس٣.
ويستحب فعلها في المصلى، وهي كصلاة العيد في عدد الركعات والجهر بالقراءة، وفي كونها تصلى قبل الخطبة، وفي التكبيرات الزوائد في الركعتين قبل القراءة، إلا أنه ليس لصلاتها وقت معين، ولا تصلى في أوقات النهي، لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي.
والأولى فعلها في وقت صلاة العيد لشبهها في الموضع والصفة، ولحديث عائشة ﵂: " ... فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس.."٤.
стр. 389
وروي في صفتها أنها تصلي ركعتين كصلاة التطوع، قال في المغني: يصلي ركعتين كصلاة التطوع، وهو مذهب مالك والأوزاعي وأبي ثور وإسحق. عن عباد بن تميم عن عمه "أن النبي ﷺ استسقى فصلى ركعتين وقلب رداءه"١، وروى أبو هريرة٢ نحوه، ولم يذكر التكبير، وظاهره أنه لم يكبر، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وكيفما فعل كان جائزاً حسناً٣.
стр. 390
ذلك من كمال الزينة، وهذا يوم تواضع واستكانة، يظهرون فيه الافتقار إلى الله تعالى.
قال في المغني: ويستحب التنظيف بالماء، واستعمال السواك وما يقطع الرائحة، ويستحب الخروج لكافة الناس، وخروج من كان ذا دين وستر وصلاح، والشيوخ أشد استحباباً، لأنه أسرع للإجابة. فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لها، فأما الشواب وذوات الهيئة، فلا يستحب لهن الخروج، لأن الضرر في خروجهن أكثر من النفع، ولا يستحب إخراج البهائم، لأن النبي ﷺ لم يفعله١.
ويصلي بهم الإمام ركعتين كما ذكرنا آنفاً، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بسورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ٢ وفي الثانية بسورة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ٣ لقول ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج متبذلاً ... وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد"٤.
قال في المغني: ولا يسن لها أذان ولا إقامة، لا نعلم فيه خلافاً ... ولأنها صلاة نافلة، فلم يؤذن لها كسائر النوافل، قال أصحابنا: وينادى لها: "الصلاة جامعة" كقولهم في صلاة العيد والكسوف٥.
ثم يخطب خطبة واحدة، قال في الكافي: لأنه لم ينقل أحد من الرواة خطبتين٦. وقال بعض أهل العلم خطبتين، والأمر واسع،
стр. 391
أحكام تتعلق بصلاة الاستسقاء:
- تسن صلاة الاستسقاء قبل الخطبة في الصحراء، لأن النبي ﷺ لم يصلها إلا في الصحراء، ولأن ذلك أبلغ في إظهار الافتقار إلى الله تعالى.
- وإذا أراد الإمام الخروج لصلاة الاستسقاء. فينبغي بداية أن يعظ الناس، ويذكرهم بما يلين قلوبهم، من ذكر ثواب الله وعقابه، ويأمرهم بتقوى الله ، والتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم بردها إلى مستحقيها، وتحليل بعضهم بعضاً، لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب للخير والبركات، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١.
ويأمرهم بالصدقة على الفقراء والمساكين، لأنها سبب إلى رحمتهم بنزول الغيث، ثم يعين لهم يوماً يخرجون فيه، ليتهيؤوا ويستعدوا لهذه المناسبة، بما يليق من الصفة المسنونة، لحديث عائشة ﵂، قالت: " ... ووعد الناس يوماً يخرجون فيه ... "٢، ثم يخرجون في الموعد إلى المصلى، في تواضع وخشوع وتذلل وتضرع، لقول ابن عباس ﵄ "إن رسول الله ﷺ خرج مبتذلاً متواضعاً متضرعاً حتى أتى المصلى ... "٣ فلا يلبسون ثياب الزينة، ولا يتطيبون، لأن
стр. 392
والإتباع أولى، وتكون الخطبة بعد الصلاة، لما روي عن أبي هريرة أنه قال: "خرج رسول الله ﷺ يومًا يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ... "١، ولقول ابن عباس: " ... فصنع فيه كما يصنع في الفطر والأضحى"٢.
وهذا أكثر أحوال النبي ﷺ ، واستمر عمل المسلمين عليه.
وورد أن النبي ﷺ خطب قبل الصلاة، وبه قال بعض أهل العلم، لما روي عن عائشة ﵂، قالت: " ... فقعد على المنبر، فكبر ﷺ وحمد الله ثم قال ... ونزل فصلى ركعتين ... "٣.
وعن عبد الله بن زيد قال: "خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة"٤.
- وينبغي أن يكثر في خطبة الاستسقاء، من الاستغفار، وقراءة الآيات التي تأمر به، كقول الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ ٥ وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
стр. 393
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ٢. وغيرها من الآيات، لأن ذلك سبب لنزول الغيث، والمعاصي سبب لانقطاعه، والاستغفار والتوبة يمحوان المعاصي.
ويكثر من الدعاء، لقول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣، وقوله سبحانه: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤، ويرفع يديه عند الدعاء قائماً لقول أنس: " كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه"٥.
ويؤمن الناس جلوساً رافعين أيديهم، لحديث أنس: "فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون ... "٦، ويلح في الدعاء، لما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل"، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: "يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي فيستحسر ٧ عند ذلك ويدع الدعاء " ٨.
стр. 394
ويصلي على النبي ﷺ ، لأن ذلك من أسباب إجابة الدعاء. ويدعو بما ورد عن النبي ﷺ في هذا المقام تأسياً به، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ١.
ومن ذلك، ما روي عن جابر بن عبد الله قال: أتت النبي ﷺ بواكي فقال: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل ... " ٢، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك، وأحي ِ بلدك الميت"٣، وغير ذلك مما ورد.
ويسن أن يستقبل القبلة أثناء الخطبة يدعو، ويحول رداءه، فيجعل ما على اليمين على اليسار، وما على اليسار على اليمين، لما روي عن عباد بن تميم عن عمه، قال: "رأيت النبي ﷺ ، يوم خرج يستسقي، قال: فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة"٤ والحكمة من ذلك والله أعلم، أنه للتفاؤل بتغيير الحال من القحط والضيق إلى نزول الغيث والخصب والسعة.
ويحول الناس أرديتهم كإمامهم، اقتداء بفعل النبي ﷺ ، ما لم يقم دليل على اختصاص فإن سقى الله المسلمين، وإلا أعادوا الاستسقاء ثانياً وثالثاً لبقاء علته، والحاجة الداعية إليه، وهي الحاجة إلى الغيث.
стр. 395
- قال في المغني: وإن تأهبوا للخروج فسقوا قبل خروجهم، لم يخرجوا، وشكروا الله على نعمته، وسألوه المزيد من فضله، وإن خرجوا فسقوا قبل أن يصلوا، صلوا شكراً لله تعالى وحمدوه ودعوه"١.
- ويسن إذا نزل المطر أن يقف الإنسان في أوله ليصيبه منه، ويقول: "اللهم صيبا نافعاً"، لما ثبت أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "اللهم صيبا نافعاً" ٢، ويقول: "مطرنا بفضل الله ورحمته" ٣، لثبوت ذلك في صحيح البخاري.
- وإذا كثر المطر وخيف الضرر، دعوا الله تعالى، أن يخففه ويمنع ضرره، لما جاء في حديث أنس: "فجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم على ظهور الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب" ٤.
وفي الحديث أدب نبوي رفيع، حيث لم يتسخط النبي ﷺ بما قارن النعمة من ضر، فسأل الله رفعه وبقاءها، ولم يدع برفع الغيث مطلقاً، للحاجة إليه في أماكن أخرى ...
стр. 396
صلاة الجماعة
فضل صلاة الجماعة
...
صلاة الجماعة:
الأصل في العبادات أن يؤديها الإنسان امتثالاً لأمر الله سبحانه، وأداء لحقه، وشكراً لنعمه، والعبادات هي البيان العملي لما استقر في النفس من عقيدة، وعلى قدر سلامة الاعتقاد وصحته تكون استقامة الإنسان على منهج الله فيما يؤدي من عبادات.
ولقد عني الإسلام بالصلاة أعظم عناية، فأمر بها وحذر من تركها، وشرع لها الاجتماع في أوقات معلومة، ففي كل يوم وليلة، يجتمع المسلمون لأدائها خمس مرات، وفي كل أسبوع يجتمعون لصلاة الجمعة، والاجتماع فيها أكبر من الاجتماع اليومي، وفي كل سنة، يتكرر مرتين، وهو الاجتماع للعيدين لجماعة كل بلد، وهو أكبر من الاجتماع الأسبوعي.
فضل صلاة الجماعة:
لم يكتف الإسلام من المسلم أن يؤدي الصلاة وحده في عزلة عن المجتمع الذي يعيش فيه، وإنما رغبه، وأوجب عليه أن يؤديها مع الجماعة في المسجد. عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " ١
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى النبي رجل أعمى، فقال: يارسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال: نعم. قال: " فأجب " ٢.
стр. 397
فالإسلام يدعو إلى الوحدة ونبذ الفرقة، وينادي بالتوحيد، والاعتصام بحبل الله المتين. وتنطلق حناجر المؤذنين مدوية في وقت واحد، تجهر بنداء الحق، فيجتمع المسلمون خمس مرات كل يوم وليلة في مسجد حيهم.
ثم يلزمهم الله سبحانه بالاجتماع في لقاء أسبوعي، يجنون من ثماره العلم والتوجيه والموعظة والتذكير، فتتركز وحدتهم، وتظهر قوتهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١، ولم يبح ترك هذا الاجتماع لغير عذر، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه " ٢، وعنه ﷺ أنه قال: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" ٣.
ثم يأتي الاجتماع السنوي، ليكون مؤتمراً جامعاً، ومهرجاناً كبيراً، يقام في مكان واحد في الخلاء، ويجتمع له أهل البلد جميعاً، بما في ذلك الأطفال والرجال والنساء، حتى ذوات العذر منهن، عن أم عطية قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يارسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: "لتلبسها أختها من
стр. 398
جلبابها" ١.
إنها تربية اجتماعية رشيدة، تهدف إلى تحقيق مصالح ومنافع للمسلمين، بما يحصل من التعارف والتواد بين الناس، لأن ملاقاة الناس ومصافحتهم تبعث المودة والمحبة في النفس، وتكون سبباً في التواصل بما يحقق الإحسان والعطف والرعاية، ومعرفة بعضهم أحوال بعض، فيقومون بعيادة المرضى والتخفيف عنهم، وتشييع الموتى، وإغاثة الملهوفين.
وفي صلاة الجماعة إظهار لشعيرة من شعائر الإسلام، بل من أعظم شعائره، وهي الصلاة وفيها إظهار عز المسلمين وترابطهم بدخولهم المساجد جميعاً ثم خروجهم جميعاً، فيكون ذلك سبباً في غيظ الأعداء من الكفار والمنافقين.
ومن فوائد صلاة الجماعة، حصول الألفة بين المسلمين، واجتماع القلوب على الخير، وإزالة الحقد والغل، وهدم الفوارق الاجتماعية والتعصب للجنس واللون، مما يشيع روح الإخاء والمساواة.
وهي وسيلة فعالة لغرس الخير، ونشر العلم والفضيلة، فيتعلم الجاهل من العالم، عندما يشاهد المسلم إمامه أو إخوانه المسلمين، يقومون بالأعمال الصالحة، فيقتفي أثرهم ويقتدي بهم. ويقف المصلون في المسجد في نظام يتبعون إمامهم، فتتربى الأمة على الاجتماع وعدم التفرق، وطاعة ولي الأمر، وتتعود ضبط النفس، من متابعة الإمام فلا يسبقه المأموم، ولا يساويه ويستشعر الناس بالوقوف خلف إمامهم في
стр. 399
صفوف منتظمة، إئتمامهم بقائدهم في صف الجهاد.
ومن فوائد صلاة الجماعة، مضاعفة الثواب ومحو الذنوب ورفع الدرجات، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلى عليه مادام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" ١.
وعن عثمان بن عفان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله" ٢. والأحاديث في فضل صلاة الجماعة كثيرة.
ووجود الجماعة يدفع كل فرد إلى التنافس في طاعة الله، بزيادة العمل الصالح، والإقبال على الله بصدق واجتهاد، والحرص على أداء الصلاة في وقتها في خشوع وطمأنينة، إلى غير ذلك من الفضائل والأجور التي لا تحصل لمن تخلف عنها.
стр. 400
حكم صلاة الجماعة:
اختلف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة، فمنهم من قال: إنها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، ومنهم من قال: إنها سنة مؤكدة، ومنهم من قال: إنها شرط لصحة الصلاة.
والصحيح ماذهب إليه القاتلون بالوجوب، لقوة أدلتهم وصراحتها من القرآن والسنة النبوية وأقوال الصحابة.
وصلاة الجماعة واجبة على الرجال وجوباً عينياً حضراً وسفراً للصلوات الخمس، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ١. فلو كانت صلاة الجماعة سنة، لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لسقط فرضها بفعل الطائفة الأولى، فدل ذلك على وجوبها على الأعيان.
قال ابن كثير ﵀: "وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك"٢.فإذا كان الأمر بالجماعة في وقت الخوف، والعدو ينازل المسلمين، والمعركة ساخنة، فبديهي أن تكون الجماعة في السلم أولى وأوجب.
стр. 401
وجمع الصلاة في المطر، لا يكون إلا لأجل تحصيل الجماعة، وفيه تنضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى، فيؤديها المصلون خارج وقتها المعتاد، والوقت واجب للصلاة، فلو لم تكن الجماعة واجبة لما ترك لها الوقت الواجب.
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أثقل صلاة على النافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" ١.
وقد وصف الرسول ﷺ المتخلفين عن صلاة الجماعة بالنفاق، وهم بتحريق بيوتهم عليهم بالنار، والمتخلف عن السنة لا يعد منافقاً، ولو كانت صلاة الجماعة سنة، لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت الجماعة فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ﷺ ومن معه وهذا غير حاصل، فدل الحديث على وجوبها على الأعيان.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي رجل أعمى، فقال: يارسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ ، أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال: نعم. قال: "فأجب" ٢.
بالرغم من المشقة التي يلاقيها هذا الصحابي، أمره الرسول ﷺ
стр. 402
بإجابة النداء، فدل ذلك على وجوب صلاة الجماعة.
قال في المغني: "وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائداً فغيره أولى"١.
ولقد استقر أمر وجوبها عند الرعيل الأول من صدر هذه الأمة.
وعن أبي الأحوص عن عبد الله قال: " ... وقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف"٢.وعن أم الدرداء ﵂، قالت: دخل على أبو الدرداء، وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد ﷺ شيئاً، إلا أنهم يصلون جميعاً"٣.
وسئل ابن عباس ﵄ عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، لا يشهد جمعة ولا جماعة. قال: هو في النار"٤.
واحتج بعض أهل العلم، على عدم وجوب الجماعة، بما روي عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" ٥. فقالوا: ورد في الحديث لفظ
стр. 403
(أفضل) ، والأفضل ليس بواجب، ولكن استدلالهم مردود، لأنه لا يراد به حكم صلاة الجماعة، والمراد به بيان ثواب صلاة الجماعة، لأننا لو فهمنا عدم الوجوب من المفاضلة، لفهمنا عدم وجوب صلاة الجمعة في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١
ولفظ (خير) يفيد المفاضلة، ولم يفهم منه سقوط وجوب الجمعة.
стр. 404
ما تنعقد به صلاة الجماعة وحكم من تخلف عنها:
وتنعقد الجماعة باثنين فصاعداً، لا نعلم فيه خلافاً، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنان فما فوقهما جماعة" ١.
وعن مالك بن الحويرث قال: أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال من عنده، قال لنا: إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما"٢. وأم النبي ﷺ حذيفة مرة، وابن مسعود مرة، وابن عباس مرة٣.
والمتخلف عن الجماعة لا يخلو حاله من أمرين: إما أن يكون معذوراً في تخلفه عن الجماعة، وصلاته منفرداً، كمن تخلف لمرض أو خوف أو غير ذلك مما يعذر به، فهذا يكتب له أجر من صلى في جماعة، لما صبح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً" ٤.
وإما أن يكون تخلفه عن صلاة الجماعة لغير عذر، فصلاته صحيحة، ولكنه آثم لترك الواجب.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الجماعة شرط لصحة الصلاة،
стр. 405
ويترتب على قولهم أن من صلى منفرداً لغير عذر شرعي فصلاته باطلة.
ولكن هذا القول ضعيف، لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" ١. والمفاضلة تدل على أن الفضل عليه فيه فضل، ويلزم من وجود الفضل فيه أن يكون صحيحاً، وغير الصحيح لا فضل فيه.
فأجابوا على هذا الرد، بأن هذا الحديث في حق المعذور. ولكن يرد على قولهم بقول النبي ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً".
وإذا كانت الجماعة في حق الرجال واجبة، فهي مباحة في حق النساء، بإذن أزواجهن، يخرجن لها متسترات، غير متبرجات بزينة، ولا متطيبات، يبتعدن عن مخالطة الرجال، ويكن وراء صفوف الرجال.
ويسن للنساء أن يصلين مع بعضهن جماعة منفردات عن الرجال، سواء كانت إمامتهن منهن، أو يؤمهن رجل، لأنهن من أهل الفرض، فيدخلن في عموم قول النبي ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" ٢ وعن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث ... كان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذناً يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها.
قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنه٣اشيخاً كبيراً.
ولفعل غيرها من الصحابيات.
стр. 406
مكان تأدية الصلاة:
خص الله سبحانه أمة محمد ﷺ ، بأن جعل لها الأرض كلها مسجداً وطهوراً، بخلاف غيرها، فإنها لا تصلى إلا في الكنائس والصوامع والبيع.
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ... " ١.
والمراد الأرض الطاهرة المباحة، لأن المتنجسة ليست بطيبة لغة، والمغصوبة ليست بطيبة شرعاًً٢.
واستدل فريق من أهل العلم بهذا الحديث، على جواز الصلاة في البيت جماعة، وترك المسجد ولو كان قريباً، وإن كانت في المسجد أفضل، وذهب آخرون إلى أن الصلاة في المسجد من فروض الكفايات، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وجاز لمن سواهم أن يصلي في بيته في جماعة.
والصحيح أن صلاة الجماعة في المسجد واجبة، ولو أقيمت الصلاة في غير المسجد، فهي صحيحة، وهم آثمون لترك المسجد، لما صح عن النبي ﷺ : " ... ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي
стр. 407
بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" ١ والحديث لم يستثن من يصلون في البيوت، فعلم من ذلك وجوب الصلاة في المسجد.
والصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة، ولا ينبغي ترك أدائها في المسجد إلا لعذر، وأما من ذهب إلى أنها في المسجد من فروض الكفاية، فإنه يترتب على قوله هجران المساجد، وربما تركها بالكلية، لاعتماد كل واحد على الآخر في الذهاب إلى المسجد، ثم إن ذلك يتعارض مع النصوص الصريحة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٣.
وأما من استدل بقول النبي ﷺ في حديث جابر: " ... جعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً ... " ٤ على جواز الصلاة في كل مكان، والمسجد أفضل، فهذا علم مخصص بالأدلة على وجوب صلاة الجماعة في المساجد.
والأفضل للمسلم أن يصلي في المسجد الذي لا تقام فيه صلاة الجماعة إلا بحضوره، لحصول ثواب عمارة المسجد بإقامة الجماعة فيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ﴾ ٥. كمسجد
стр. 408
يصلي فيه الناس، فيه رجل إن حضر وصار إماماً، أقيمت الجماعة، وإن لم يحضر تفرق الناس، فلأولى لهذا الرجل أن يصلي في هذا المسجد من أجل عمارته.
ثم الأفضل بعد ذلك صلاة الجماعة في المسجد الذي تكثر جماعته، كأن يكون هناك مسجدان، أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأولى أن يذهب إليه، لما في الاجتماع من نزول الرحمة والسكينة، وشمول الدعاء، ورجاء الإجابة، لما روي عن النبي ﷺ في حديث أبي بن كعب: " ... صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله "١ والصلاة مع أهل العلم والصلاة مع المحافظين على الطهارة فيه فضل عظيم، قال الله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٢.
ثم الأفضل بعد ذلك الصلاة في المسجد القديم، فهو أولى من الجديد مع الاستواء في الكثرة، لأنه معمور بطاعة الله قبل أن يعمر الجديد.
فإذا استويا فيما سبق، فالمسجد الأبعد أولى من الأقرب، لقول النبي ﷺ : "أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى" ٣.
ويرى بعض أهل العلم أن الأفضل عمارة المسجد القريب، إلا أن
стр. 409
يمتاز غيره بخاصية فيه، فيقدم، كأهل مكة، فإن صلاتهم في المسجد الحرام أفضل مم حولهم من المساجد، والمسجد النبوي لأهل المدينة أفضل مما حولهم من المساجد، والمسجد النبوي لأهل المدينة أفضل مما حولهم من المساجد.
ويحمل الحديث السابق على المسجد الذي ليس هناك أقرب منه، سواء أكان أكثر جماعة أم أقل، لما يترتب على ذلك من المصالح، ثم يليه الأكثر جماعة، ثم يليه الأبعد ثم يليه العتيق، لأن تفضيل المكان بتقديم الطاعة فيه ليس له دليل بين.
صلاة الجماعة في دائرة العمل: في كثير من الدوائر الحكومية يكون لهم مصلى خاص تقام فيهم الجماعة، والمساجد حولهم، فما حكم صلاتهم في المصلى؟
فإذا كان المسجد قريباً، فالواجب عليهم أداء الصلاة فيه، أما إذا كان بعيداً، أو قريباً وخيف تعطل العمل، لكثرة المراجعين، أو حيف عدم انضباط العاملين إذا خرجوا للصلاة بأن يذهبوا إلى بيوتهم أو لا يرجعوا، فلا حرج في الصلاة حينذ في مصلى العمل.
ولعلاج هذه المسألة، ينبغي أن يجعل في الدوائر الكبيرة مسجداً لعموم الناس، له باب على الشارع، تقام فيه الصلوات الخمس.
стр. 410
أحكام تتعلق بصلاة الجماعة:
لا يجوز للإنسان أن يؤم في مسجد له إمام راتب، إلا بإذن الإمام أو عذره - عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : " ... ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه" ١، لما يؤدي ذلك إلى إشاعة الفوضى والتنازع والفرقة، والإساءة إلى الإمام الراتب والتنفير عنه.
ولكن يبقى حكم صلاة من صلى بدون إذن الإمام أو عذره، وفي ذلك قولان لأهل العلم:
الأول: أنهم آثمون ولا تصح صلاتهم وعليهم إعادتها.
والثاني: صحة الصلاة مع الإثم وهذا هو الصواب.
لأن تحريم الإمامة في مسجد له إمام راتب بلا إذنه أو عذره، لا يستلزم عدم صحة الصلاة لأن هذا التحريم يعود إلى معنى خارج عن الصلاة، يعود إلى الافتيات على الإمام، والتقدم على حقه، فلا ينبغي أن تبطل الصلاة، لأنها وقعت في جماعة وعلى الوجه المشروع، فالأصل الصحة لكن مع التحريم.
- ويسن لمن سبق له أن صلى، ثم حضر إقامة الصلاة نفسها في مسجد أو مصلى آخر، يسن أن يصلي مع الجماعة. وتكون الأولى في حقه هي الفريضة، والثانية نافلة، لما روي عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال:
стр. 411
"صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتك الصلاة معهم فصل، ولا تقل إ، ي قد صليت فلا أصلي" ١. ولا يلزمه إتمامها إذا أدرك منها ركعتين، وذلك إذا كانت ثلاثية أو رباعية فإن كانت ثنائية فإن، أدرك منها ركعة أتمها ركعتين، وإن أتم فهو أفضل، لعموم قول النبي ﷺ : " ... فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" ٢ ولا يستثنى من ذلك صلاة دون صلاة، ولا يسن قصد المساجد للإعادة، لأن هذا ليس من عادة السلف، ولو كان من أمور الخير لسبقنا إليه الصحابة رضوان الله عليهم. وهكذا يحرص الإسلام على وحدة المسلمين في المظهر والمخبر، لما في ذلك من الخير والفضل.
وإذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة، فلا يجوز الشروع في نفل مطلقاً، لما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"٣ والحكمة من ذلك، هو أن لا يتشاغل الإنسان بنافلة يقيمها وحده والناس في فريضة، يؤدونها جماعة.
والمراد بقول النبي ﷺ : " لا صلاة " على الصحيح، ابتداء صلاة والشروع فيها، لأن، الوقت بالإقامة للفريضة، والنهي للتحريم، فإن أقيمت الصلاة والمصلى في نافلة قد أحرم بها من قبل، أتمها خفيفة من أجل المبادرة إلى الدخول في الفريضة، ما لم يخش فوات الجماعة، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ٤، فإن خشي فوات الجماعة، قطع النافلة من أجل اللحاق بالفرض.
стр. 412
وتدرك صلاة الجماعة، بإدراك ركعة من الصلاة، على الراجح من قولي العلماء، لما روي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ١.
أما دون الركعة، فلا تدرك به الجماعة للنص في هذا الحديث، وللقياس على من أدرك دون الركعة من صلاة الجمعة، فإنه يلزمه أن يتمها ظهراً لكونه غير مدرك لها.
стр. 413
رسالة المسجد:
فضل بناء المساجد:
المساجد بيوت الله، وهي خير بقاع الأرض، وأحبها إليه. وبناؤها عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أعظم القربات إلى الله تعالى، وقد جعلها الحق سبحانه من علامات الإيمان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ١، وقد أضافها الله سبحانه إلى نفسه لشرفها وفضلها.
عن عثمان ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدا لله تعالى (قال بكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله) بنى الله له بيتا في الجنة ".
قال في نيل الأوطار: قول (من بنى لله مسجداً) ، يدل على أن الأجر المذكور يحصل ببناء المسجد، لا يجعل الأرض مسجداً من غير بناء، وأنه لا يكفي في ذلك تحويطة من غير حصول مسمى البناء، والتنكير في (مسجد) للشيوع، فيدخل فيه الكبير والصغير٢.
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة لبيضها، بنى الله له بيتاً في الجنة" ٣. قال في نيل الأوطار: حمل ذلك العلماء على المبالغة، لأن المكان الذي تفحصه القطاة
стр. 414
لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة. وقيل هي على ظاهرها، والمعنى أنه يزيد في مسجد قدراً يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فيقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر١.
ومما يجب أن يراعى، إخلاص النية لله تعالى، فمن بنى للرياء والسمعة والمباهاة، فليس بانياً لله.
стр. 415
المسجد في الماضي:
لقد حدد القرآن الكريم الغاية من خلق الإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، وبهذا المعنى يصبح مفهوم العبادة أعم وأشمل من أن يقتصر على الشعائر الخاصة كالصلاة والصوم والزكاة والحج، ويتعداه حتى يتناول حياة الإنسان كلها، بما فيها من حركات وسكنات، من فعل وكف عن فعل.......
فالآية الكريمة قصرت الخلق على صفة العبادة وحدها ... ومتى استطاع الإنسان أن يجعل حياته كلها خالصة لله، كان عبداً ربانياً، ينال خير الجزاء، قال الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢.
وقد وجه القرآن الكريم المسلمين إلى الأسس التي عليها تقوم الحضارة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٣، فجعل الصلاة أول تطبيق متى تم التمكن.
وكان المسجد هو أول ثمار تمكين الله للمسلمين في الأرض، ومنه بدأ تاريخهم الحضاري ... فبعد أن مكن الله للإسلام والمسلمين بهجرة النبي ﷺ إلى المدينة، واتخاذه منها قاعدة لبناء دولة الإسلام وحضارته،
стр. 416
كان أول عمل قام به الرسول ﷺ بناء مسجد قباء، ليكون ذلك تعبيراً عملياً عن الالتزام بإقامة الصلاة بعد توحيد الخالق، وعزماً على تنفيذ ما ألزمهم به ربهم.
والمسجد هو مكان العبادة، مشتق من السجود، الذي فيه يكون العبد في غاية الخضوع بين يدي الله، ولا توجد جماعة عبر تاريخ الإنسانية الطويل، إلا وقد اتخذت لنفسها مكاناً للعبادة، عند القدماء أطلقوا عليها لفظ (معبد) و (البيعة) عند النصارى، و (الصلوة) عند اليهود......
بدأ الرسول ﷺ حياة الإسلام في المدينة بإقامة المسجد، ليكون شرياناً يغذي دولة الإسلام في أطوار نموها المختلفة، وليكون ذلك سنة للمسلمين من بعده، تحمل في طياتها مكانة المسجد، ودوره في بناء وتطور المجتمع المسلم.
لقد كان المسجد في عهد النبوة وعصور الإسلام الأولى، هو منطلق الدعوة إلى التوحيد، ومصدر إشعاع فكري وأخلاقي وتربوي وأدبي واجتماعي. تلقى فيه المسلمون تعاليم دينهم، بعد أ، صاغهم القرآن، وتتلمذوا على يد خير الأنام ﷺ .
وفي المسجد يلتقي المسلمون كل يوم خمس مرات، فتتوثق بينهم الصلة، وفي اجتماعهم فرصة عظيمة لنشر العلم والفقه في الدين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيراً أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخل لغير ذلك،
стр. 417
كان كالناظر إلى ما ليس له" ١.
ولقد حث النبي ﷺ على حضور مجالس العلم في المسجد فقال: ".... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت علهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده.... " ٢.
والمسجد مركز إعلام للدفاع عن الإسلام، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة، أنشدك الله، هل سمعت النبي ﷺ يقول: "يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ ، اللهم أيده بروح القدس"، قال أبو هريرة: نعم٣.
والمسجد ساحة للتدريب على فنون القتال، فقد أذن النبي ﷺ لعائشة وهي خلفه، في رؤية الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في مسجد النبي ﷺ يوم عيد، قالت عائشة ﵂: "لقد رأيت رسول الله ﷺ يوماً على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم"٤، واللعب بالحراب فيه تدريب على الشجاعة والمهارة عند لقاء العدو.
والمسجد مستشفى يستقبل الجرحى والمصابين، عن عائشة رضي الله
стр. 418
عنها قالت: "أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار، إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ماهذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات فيها"١.
وقد كان في المسجد النبوي خيمة للسيدة (رفيدة) الصحابية، التي كانت تمرض الجرحى وتضمد جراحهم.
وفي المسجد تقام مجالس الشورى، كما حدث قبيل غزوة أحد والأحزاب وغيرهما، وفيه تشاور الخلفاء الراشدون في شؤون السلم والحرب، وتكون مجالسهم من كبار المهاجرين والأنصار.
وفي المسجد جلس الرسول ﷺ ليقضي بين الخصوم، ويصلح بين الناس، ويفض منازعاتهم.
والمسجد دار من لا دار له، يأوي إليه الغريب وابن السبيل، فيجد فيه المبيت والطعام والشراب والكساء، واستخدم كمعسكر لربط الأسرى حتى يقضى فيهم. عن أبي هريرة قال: " بعث النبي ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ ، فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"٢٢.
واستخدم المسجد بأمر النبي ﷺ داراً للضيافة، عن سفيان بن عطية
стр. 419
ابن ربيعة الثقفي، قال: قدم وفدنا من ثقيف على النبي ﷺ ، فضرب لهم قبة، وأسلموا في النصف من رمضان، فأمرهم رسول الله ﷺ ، فصاموا منه ما ستقبلوا منه، ولم يأمرهم بقضاء ما فاتهم"١.
وهكذا كانت رسالة المسجد في الصدر الأول من الإسلام، رسالة شاملة تسعى في دأب إلى صنع المسلم المتكامل البناء، صحيح الاعتقاد، نقي السلوك.
قال الدكتور القرضاوي٢: "فكان المسجد النبوي مدرسة الدعوة الإسلامية الأولى، ودار الدولة الإسلامية الكبرى. تلك المدرسة التي فتحت أبوابها لمختلفي الأجناس من عرب وعجم، ومختلف الألوان من بيض وسود، ومختلفي الطبقات من أغنياء وفقراء، ومختلفي الأسنان من شيوخ وشباب وغلمان".
وفسحت صدرها للمرأة تحضر الجماعة، وتشهد دروس العلم، في عصر كانت المرأة مخلوقاً لا حق له في العلم، ولا في مشاركة الرجل الحياة.
مدرسة تلقن العلم والعمل، وتطهر الروح والبدن، وتبصر بالغاية والوسيلة، وتعرف الحق والواجب، وتعنى بالتربية قبل التعليم، وبالتطبيق قبل النظريات، وبتهذيب النفوس قبل حشو الرؤوس.
فلا غرو أن تخرج من الخلفاء أمثال أبي بكر وعمر وعلي، ومن
стр. 420
القواد أمثال أبي عبيدة، خالد وعمرو، ومن القراء أمثال ابن مسعود وأبي ابن كعب، ومن العلماء أمثال زيد بن ثابت وابن عباس، ومن فضليات النساء، أمثال فاطمة وعائشة وحفصة وأم عمارة وأم سليم.
كان المسجد المحمدي مدرسة الدعوة، وكان كذلك دار الدولة، فيه يهيئ النبي ﷺ العمل للعاطل، والعلم للجاهل، والمعونة للفقير، ويرشد إلى الأمور الصحية والاجتماعية، ويذيع الأنباء التي تهم الأمة، ويلتقي بسفراء الدول، ويرتب جنود المعارك في الحرب، ويبعث الدعاة والمندوبين في السلم.
هكذا كان المسجد في عهد الرسول ﷺ ، وظل كذلك في عهد أصحابه ومن تبعهم بإحسان.
стр. 421
ما يمكن أن يؤديه المسجد في هذا العصر من وظائف:
لا يزال المسجد قائماً يستقبل المصلين، يؤدي دوره في حياة المسلمين بما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم. ولكن نظرة متأملة في واقع المسجد اليوم مقارناً بمكانة المسجد ودوره الذي رسم منهجه سلفنا الصالح، نرى هوة كبيرة بين ماكان، وما هو عليه اليوم.
وليس ذلك إلا لما حدث للمسجد من تجريده من الطاقات التي تمكنه من العمل في بناء الفكر الصحيح والقلب الواعي، وتصحيح ما انتشر من مفهومات خاطئة.
ولا عجب أن نرى المحاكم في أنحاء العالم الإسلامي، وقد اكتظت بالقضايا والمنازعات، وتفشي الظلم في كل مكان، وليس غريباً أن نرى شباباً يدمرهم الانحراف، ومجتمعات كاملة تموت جوعاً وفقراً....
إن كل ذلك وأكثر منه حدث، عندما سلبت حقوق المسجد، واقتصر دوره على جزء من كل، فبات العالم مهدداً بالخراب والدمار....
إن مسجد الأمس، قد بنى دولة للإسلام، امتدت جذورها ضاربة في المشرق والمغرب، ومسجد اليوم نرجو أن يقوم بأعبائه كاملة، كما كان عليه المسجد في الماضي، حتى لا يفقد سلطانه على النفوس، وحتى يستطيع أن يبلغ رسالة الله، وأن يحكم نظام الإسلام في كل شيء، وليجمع أشلاء مامزقته التجارب البشرية المقطوعة عن طريق الوحي بعيداً عن التيارات الدخيلة التي نكبت العالم بما نشرت من سموم.
ولن يستطيع المسجد أن يستعيد مكانته ويحقق رسالته التي أنشئ لها
стр. 422
من أول يوم أول مسجد أسس على التقوى، إلا إذا خلصت النية لله تعالى، وتضافرت الجهود، وأزيلت المعوقات التي تعطل المسجد عن القيام بمهمته....
وينبغي أن تكون قاعة الصلاة، بحيث تتسع للمصلين، مفروشة بفراش يتناسب مع جلال المسجد، مزودة بمكبرات للصوت، ثم مكتبة عامرة بأمهات الكتب الإسلامية في مختلف العلوم والفنون مزودة بهاتف، ليسهل تبادل الاتصال بين المسجد والحي.
وينبغي أن يخصص في المسجد مكان للسيدات لأداء الصلاة، والاستفادة من المحاضرات والدروس، بحيث لا يختلطن فيه مع الرجال، لقول النبي ﷺ : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله "١.
ثم تلحق بالمسجد قاعة ثالثة يجتمع فيها أهل الفكر والرأي لمناقشة حاجات المسجد ومشاكل الحي، فيها تفض الخصومات، ويعقد النكاح، فيكون ذلك مدعاة للترابط بين أفراد المجتمع، ودفعاً للسرف والبدع التي تصاحب النكاح.
ولا بأس أن يلحق بالمسجد وحدة علاجية لعلاج الحالات العاجلة.....
إن الإسلام عندما يؤكد على عمران المساجد حسياً ومعنوياً، إنما يهدف إلى توفير وسائل التوعية الدائمة لإقامة المجتمع الصالح. ولكي يتحقق ذلك، فلا بد من إعداد الأئمة ومساعديهم ورفع كفاياتهم علمياً وثقافياً، وتعميق فكرهم بروح الشريعة الإسلامية ليتمكنوا من معالجة ما يطرح من قضايا تتجدد مع تطور الحياة التبشرية يوماً بعد يومٍ.
стр. 423
وينبغي أن يكون الداعية في المسجد على قناعة تامة بما يزاول من عمل، وأن يكون لديه دوافع للعطاء لخدمة دينه وأمته، مع وضوح الفكر وطلاقة اللسان، وإجادة الحوار والمناظرة، وأن تتسم نفسه بالسماحة وسعة الأفق وحسن العشرة، وأن يكون دائماً قدوة حسنة للناس، لذا ينبغي اختيار من غرف فيهم التدين الصادق.
وحتى يتفرغ القائمون على الدعوة في المساجد لإصلاح المجتمع وتربيته، فمن الضروري النهوض بهم اجتماعياً واقتصادياً، فينبغي أن يعلى شأنهم في كل وسائل الإعلام، وأن تعالج أوضاعهم الاقتصادية، حتى لا ينشغلوا بأمور حياتهم المادية عن تحقيق أهدافهم الكبرى.
وينبغي أن تعقد لهم الدورات واللقاءات والمؤتمرات، مع كبار العلماء، ليتبادلوا فيها الفكر، وليسيروا وفق منهج شرعي مدروس يخدم الإسلام والمسلمين.
والعمل المنظم الذي يسبقه التخطيط، ويتابع في التنفيذ، يكتب له النجاح بإذن الله، ولقد زاحم المسجد كثير من المؤسسات الاجتماعية، ونافسته في دوره الذي كان يستقل به، حيث توافرت لها الإمكانات المادية والبشرية والفنية، مما ساعدها على وضع البرامج والخطط، وصياغة الحياة بأساليب جديدة.
فقامت المدرسة إلى جانب المسجد، وأصبحت هي المسؤولة عن تربية النشء وتعليمه، إلى غير ذلك من المؤسسات التي تجاوزت حد المزاحمة والمنافسة، إلى المناهضة والمقاومة لدور المسجد، فبدأ واقع الناس يتغير شيئاً فشيئاً.....
стр. 424
لذا كان من الضروري لعمل المسجد أن يسبقه تخطيط، ثم تنفيذ ومتابعة، بما يتناسب مع حاجة المجتمع والعصر، فهناك مجتمع تنتشر فيه الخرافات والمعتقدات الفاسدة، ومجتمع تنتشر فيه الفوضى والإباحية.... فعلى المسجد دراسة هذه الظواهر، وعلاجها، وفق منهج علمي مدروس.
стр. 425
السبل التي تربط المجتمع بالمسجد:
يعتبر المسجد أساساً من أسس بناء المجتمع والجماعة المسلمة، ولهذا كان أول عمل عمله الرسول ﷺ في المدينة، بناء مسجد قباء، وكان الرسول ﷺ لا يغير على قوم وجد فيهم مسجداً، أو سمع منهم أذاناً.
عن عصام المزني - وكانت له صحبة - قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا بعث جيشاً أو سرية يقول لهم: "إذا رأيتم مسجداً وسمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً" ١.
فللمسجد مكانته الاجتماعية التي توجب على المسلمين في كل عصر الحرص على وجوده والعناية به، فينبغي العناية ببناء المساجد وتعميرها، وبذل الجهد والمال في سبيل ذلك.
وينبغي أن يشتمل نشاط المسجد على نشر العلم والفقه في الدين، من خلال المحاضرات العامة، والدروس، وإقامة حلق تحفيظ القرآن الكريم....
وينبغي الحرص على الترابط والتآلف من خلال تفقد المصلين، ودراسة أحوالهم، وعلاج مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية، بتحقيق التكافل الاجتماعي من خلال إنشاء صندوق للتبرعات والهبات، وجمع الزكاة وإعطائها لمستحقيها، وإصلاح ذات البين، والعمل على بناء أسرة مسلمة، ومجتمع صالح.