← Фикх общий

Фикх общий · id 7662

الصلاة وصف مفصل للصلاة بمقدماتها مقرونة بالدليل من الكتاب والسنة، وبيان لأحكامها وآدابها وشروطها وسننها من التكبير حتى التسليم

عبد الله الطيار

Полный текст (444 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

التهجد: حكمه وفضله: وقيام الليل من النوافل المطلقة، وهو سنة مؤكدة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ... ولقد أمر الله سبحانه نبيه به، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ١، قال مجاهد: إنما كان نافلة للنبي ﷺ ، لأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكانت طاعته نافلة، أي زيادة في الثواب، ولغيره كفارة لذنوبه" ٢. وإن خص النبي ﷺ بهذا الأمر، فنحن مأمورون باتباعه. وذكر الله سبحانه من صفات المتقين، الذين يقومون الليل، وبين جزاءهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ٣، وشرفهم وكرمهم بنسبتهم إليه، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ ٤. وشهد لهم بالإيمان بآياته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى

стр. 352

جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ ووصفهم بالعلم، ورفع مكانتهم على غيرهم، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢. وقيام الليل من أفضل الأعمال، وهو أفضل من تطوع النهار، لما في سريته من الإخلاص لله تعالى والبعد عن الرياء، ولما فيه من المشقة واللذة التي تحصل للعبد من مفارقة الدعة والراحة من أجل الفوز بلقاء الله، في وقت نامت فيه العيون. وفي آخر الليل ينزل الرب ﵎ إلى السماء الدنيا، لما روي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ٣. وعن عمرو بن عبسة أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر....." ٤، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ... وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" ٥.

стр. 353

وهي سبب لدخول الجنة بسلام، قال ﷺ : " أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام" ١. والنبي ﷺ كان حريصاً على قيام الليل، عن عائشة ﵂، " أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً ... " ٢. ويبدأ قيام الليل من الغروب إلى طلوع الفجر، وصلاة آخر الليل أفضل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ ٣، والناشئة القيام بعد النوم، ومن لم يرقد فلا ناشئة له.

стр. 354

آداب التهجد: ١- ينبغي أن ينوي الإنسان قيام الليل عند نومه، والتهجد إنما يكون بعد النوم، لما روي عن أبي الدرداء، يبلغ به النبي ﷺ : قال: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح، كتب له ما نوى صدقة عليه من ربه ... " ١. ٢- فإذا استيقظ مسح النوم عن وجهه وتسوك، لما روي عن حذيفة ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك"٢، ثم يدعوا بما ورد، فعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ من الليل قال: "لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب" ٣. ٣- وعن عبد الله بن عباس أنه رقد عند رسول الله ﷺ فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٤، فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم

стр. 355

قام فصلى ركعتين، فأطال فيهما الركوع والسجود ... "١. وعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيين حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك" ٢ ونحو ذلك مما ورد. ٣- ويستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين، لفعل النبي ﷺ وأمره بذلك. وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين"٣، ثم يصلي مثنى مثنى، لأن النبي ﷺ لما سئل عن كيفية صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى" ٤، أي يسلم من كل ركعتين لا يزيد عن ركعتين٥

стр. 356

٤- ويستحب أن يكون له ركعات معلومة، فإذا نشط طولها، إلا خففها، لقول النبي ﷺ فيما روت عائشة ﵂: "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قل" ١، والأفضل المواظبة فإن فاته فعلها لعذر، قضاها، لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل" ٢. وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ : "كان إذا فاتته الصلاة من الليل، من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة"٣. ٥- وينبغي أن يكون تهجده في بيته، وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يتهجد في بيته ن وعن زيد بن ثابت ﵁، أن النبي ﷺ قال: "فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة" ٤. ٦- وينبغي أن يوقظ أهله، لما روي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى ثم أيقظ امرأته، فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة، قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء" ٥ وعن أبي سعيد

стр. 357

وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ الرجل من الليل امرأته فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات" ١. وعن علي بن أبي طالب ﵁، أن النبي ﷺ وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (٢) . ٧- فإذا غلبه النعاس، ينبغي له أن يترك الصلاة ويرقد حتى يذهب عنه النوم، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم،، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" ٣. ٨- ويختم تهجده بالوتر؛ لما روي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" ٤. ٩- ويستحب٥ أن يقرأ المجتهد جزءا من القرآن في تهجده، فإن النبي ﷺ كان يفعله، وهو مخير بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، ينتفع بها، فالجهر أفضل، وإن كان قريبا منه من يتهجد أو من يتضرر برفع

стр. 358

صوته، فالإسرار أولى، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما يشاء، عن عبد الله بن أبي قيس - هو رجل بصري - قال: سألت عائشة.... كيف كانت قراءته؟ أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، قد كان ربما أسر بما جهر...."١. وتجوز الجماعة أحيانا في قيام الليل في غير رمضان، من غير أن تتخذ سنة راتبة، لأن النبي ﷺ ، كان يقوم الليل وحده، وكان يتطوع ليلا في جماعة قليلة أحيانا. وصلاة الليل قائما أفضل من صلاتها قاعدا بلا عذر، فإن كان القعود لعذر فأجره كأجر القائم، لقول النبي ﷺ في حديث عمران: "من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ... " ٢ وعنه ﷺ أنه قال: "إذا مرض العبد أو سافر، كتبت له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا" ٣.

стр. 359

الأسباب المعينة على قيام الليل: إذا كان الإنسان بحاجة إلى طعام وشراب ليقيم صلبه، ويقوي بدنه، فهو بحاجة إلى ما يغذي روحه وعبادة الله هي التي توفر للروح غذاءها ونماءها، فتستقيم النفس البشرية وتقوى، بقدر ما تستمد من هذا الغذاء، وتستطيع مواجهة عواصف الغرور، وظلم النفس، وغياهب الغفلة. فما أجمل الليل في صمته وسكونه، والنفس تناجي ربها، في إخلاص ويقين، والجو يعطره آيات الله، والقلب يهتز خوفا ورجاء، فتخشع النفس لربها، وتشعر بسعادة روحية، لا تدانيها سعادة، تتذوق فيها حلاوة الإيمان، لأنها وجدت نفسها، عندما أخلصت عبرديتها لله، ويزداد الشعور بالراحة والطمأنينة، كلما ازدادت النفس قربا من ربها، وأنسا بلقائه. وقيام الليل عبادة، ليست مجرد ركوع وسجود وخضوع فحسب، بل تلذذ بمناجاة الله وطاعته، وسعي في مرضاته، انشراح للصدر، وسكينة للنفس، وانتقال من عالم الغرور إلى عالم السرور. وقيام الليل يحتاج إلى استعداد ومجاهدة، لأن النفس تميل إلى الكسل والخمول وقلة الحركة، وكثرة النوم بعد أن ثقلت الأجسام، وتراكمت الشحوم.... ومن الأسباب المعينة عليه ما يلي: ١- معرفة فضل قيام الليل، ومنزلة أهله، وقد حثنا النبي ﷺ على

стр. 360

قيام الليل فقال: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات ومنهاة للإثم" ١. وقال الحسن البصري ﵀: "لم أجد من العبادة شيئا أشد من الصلاة في جوف الليل، فقيل له: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره"٢. ٢-الحرص على النوم مبكرا، عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها"٣، وسبب كراهته الحديث بعدها، لأن ذلك يؤدي إلى السهر الذي يرهق الجسم فيغلبه النوم عن قيام الليل وصلاة الفجر في وقتها المختار. ٣- الحرص على آداب النوم، بأن يتوضأ ويصلي ركعتي الوضوء، ويدعو بما ورد قبل النوم، ويجمع كفيه وينفث فيهما، وعليه أن يأخذ بالأسباب، بأن يضع ساعة عند رأسه تنبهه، وأن يوصي من حوله من أهله ووالديه وأقاربه وجيرانه بالاستيقاظ، فإذا أيقظوه دفع الكسل والتثاقل وبادر إلى القيام. ٤- وقد ذكر٤ ابن قدامة جملة من الأسباب التي تعين على قيام الليل، ومنها أن لا يكثر الأكل، وأن لا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال الشاقة، وأن لا يترك القيلولة بالنهار، وأن يتجنب الأوزار قال الثوري:

стр. 361

حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته. ومنها سلامة القلب للمسلمين وخلوه من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا، ومنها خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل ... ومن أشرف البواعث على ذلك، الحب لله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه، وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام. في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "إن في الليل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة" ١. من تعود قيام الليل، وذاق حلاوته، فليحذر أن يتركه. عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. قال: قال رسول الله صلى الله عليه: "يا عبد الله لا تكن بمثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل" ٢، وعن عبد الله قال: ذكر عند رسول الله ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه - أو قال: في أذنه"٣. فتأمل حال رجل بال الشيطان في أذنيه. والشيطان حريص على أن تنام عن الصلاة. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم، إذا هو نام، ثلاث عقد، يضرب كل عقدة: عليك ليل طويل فأرقد فإن أستيقظ فذكر الله تعالى انحلت - عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى أنحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" ٤

стр. 362

٤- صلاة العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى: تشرع صلاة العيدين في المصلى، وتختلف في بعض أحكامها عن الصلاة المفروضة، وهذا ما سنبينه فيما يأتي: الأصل في مشروعية صلاة العيد: الأصل في مشروعيتها الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١، وقد ذكر عامة المفسرين أن المراد بها صلاة العيد. وأما السنة فقد ثبت بالتواتر أن رسول الله ﷺ كان يصلي صلاة العيدين قال ابن عباس: "شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر وعثمان ﵃ فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة"٢. وأما الإجماع فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على مشروعيتها. يقول ابن قدامة: وأجمع المسلمون على صلاة العيدين٣.

стр. 363

حكم صلاة العيد: اختلف أهل العلم في حكم صلاة العيد بعد اتفاقهم على مشروعيتها. فذهب بعضهم إلى أنها فرض عين، وذهب آخرون إلى أنها فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقطت عن الباقين. وذهب آخرون إلى أنها سنة مؤكدة، وأدلة كل فريق مبسوطة في كتب الفقه المطولة١. قال في المغني: وصلاة العيد فرض على الكفاية في ظاهر المذهب، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين. وإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام. وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال أبو حنيفة: هي واجبة على الأعيان، وليست فرضاً لأنها صلاة شرعت لها الخطبة فكانت واجبة على الأعيان وليست فرضاً كالجمعة. وقال ابن موسى: قيل: إنها سنة مؤكدة، غير واجبة، وبه قال مالك وأكثر أصحاب الشافعي٢. وقد رجح شيخ الإسلام وغيره من المحققين أنها فرض عين على كل مسلم. حيث قال: ولهذا رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان، وقول من قال: لا تجب في غاية البعد، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شرع فيها التكبير. وقول من قال: هي فرض على الكفاية، لا ينضبط٣.

стр. 364

وقت صلاة العيد: ذهب عامة أهل العلم إلى أن وقت صلاة العيد هو ما بعد طلوع الشمس قدر رمح، إلى زوال الشمس. وهو وقت الضحى، للنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، حيث تحرم الصلاة وقت الشروق، وتكره بعده، إلى أن ترتفع قدر رمح. ويسن تعجيل صلاة الأضحى في أول وقتها، بحيث يوافق الحجاج بمنى في ذبحهم، وليتمكن الناس من ذبح أضاحيهم. كما يسن تأخير صلاة الفطر، ليتمكن الناس من إخراج صدقاتهم. قال ابن القيم: وكان ابن عمر مع شدة إتباعه للسنة لا يخرج حتى تطلع الشمس١. وقال صديق حسن خان: وقتهما بعد ارتفاع الشمس، قيد رمح، إلى الزوال، وقد وقع الإجماع على ما أفادته الأحاديث وإن كانت لا تقوم بمثلها الحجة - وأما آخر وقتها فزوال الشمس٢.

стр. 365

مكان أداء صلاة العيد: من السنة صلاة العيد في المصلى خارج البلد، لفعله ﷺ ، وهذا إذا لم يكن هناك عذر يمنع من صلاتها في المصلى. فإن كان هناك عذر من مطر، أو ريح، أو غير ذلك، فلا بأس بصلاتها في المسجد، وإن كان في البلد ضعفاء وعجزة، استخلف الإمام في مسجد البلد من يصلي بهم، لفعل علي ﵁. قال ابن قدامة: السنة أن يصلي العبد في المصلى، لأن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء من بعده، ولأن هذا إجماع المسلمين، فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى فيصلون العيد١. وقال ابن القيم: كان ﷺ يصلي العيدين في المصلى، وهديه كان فعلهما في المصلى دائماً٢.

стр. 366

صفة صلاة العيد: صلاة العيد ركعتان، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، تبدأ الركعة الأولى بتكبيرة الإحرام - كسائر الصلوات - ثم يكبر بعدها ست تكبيرات، وقيل سبع. وفي الركعة الثانية يكبر خمس تكبيرات سوى تكبيرة الانتقال. ويشرع رفع اليدين مع التكبير لصلاة العيد، وقال بعض أهل العلم: لا يشرع ذلك. ويشرع أن يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه، بين التكبيرات. فيقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، تسليماً كثيراً. وقال بعض أهل العلم: لا يشرع الذكر بين التكبيرات، ثم بعد أن يتم التكبير، يأخذ في القراءة بفاتحة الكتاب، ثم يقرأ بعدها في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ١، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ٢، أو يقرأ في الأولى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ٣، وفي الثانية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٤.

стр. 367

ثم يكمل الركعتين كغيرها من الصلوات المعتادة، لا تختلف عنها شيئاً. قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان١. وقال ابن القيم في معرض سياقه لهدي المصطفى ﷺ في صلاة العيد وكيفيتها: وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلي ركعتين يكبر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح، يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة، ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات ولكن ذكر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ ، ذكر الخلال، وكان ابن عمر مع تحريه للإتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة، وكان ﷺ إذا أتم التكبير أخذ في القراءة، فقرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ بعدها: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ٢، في إحدى الركعتين، وفي الأخرى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٣، وربما قرأ فيهما: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ٤، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ٥، صح عنه هذا وهذا ولم يصح عنه غير ذلك. فإذا فرغ من القراءة كبر وركع، ثم إذا أكمل الركعة وقام وقام من السجود كبر خمساً متوالية. فإذا أكمل التكبير أخذ في القراءة، فيكون التكبير أول مابدأ في الركعتين، والقراءة يليها الركوع٦.

стр. 368

لا أذان ولا إقامة للعيدين: ليس لصلاة العيد أذان ولا إقامة، فقد ثبت عنه ﷺ ، أنه صلاها من غير أذان ولا إقامة. عن ابن عباس وجابر ﵄ قالا: "لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى"١، وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ العيدين، غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة"٢. قال ابن القيم: وكان ﷺ ، إذا انتهى إلى المصلى، أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة أنه لا يفعل شيء من ذلك٣. وقال ابن حزم: ويأتي الإمام فيتقدم بلا أذان ولا إقامة، فيصلي بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة٤.

стр. 369

هل يصلي قبل صلاة العيد أو بعدها؟ لم يثبت عنه ﷺ ، أنه صلى قبل صلاة العيد، ولا بعدها. عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها، ولا بعدها ومعه بلال"١. قال ابن القيم: ولم يكن هو ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى شيئاً قبل الصلاة ولا بعدها٢. وقال ابن حجر: والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها، خلافاً لمن قاسها على الجمعة. وأما مطلق النفل، فلم يثبت فيه منع، بدليل خاص، إلا أن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام٣. وهذا إذا صلاها المسلم في المصلى، أما إن صليت بالمسجد لعذر من الأعذار كالمطر والريح وغير ذلك، فالصحيح من كلام أهل العلم أن المسلم يصلي ركعتين تحية المسجد، لأن حكمه حكم من دخل المسجد لغير صلاة العيد. والله أعلم.

стр. 370

هل تقضى صلاة العيد؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة العيد إذا فاتت لا تقضى لفوات وقتها، ولأن النوافل لا تقضى، ولأنها تصلى جماعة. وقال البعض الآخر: من فاتته صلاة العيد سن له قضاؤها على صفتها، لفعل أنس، ولأنه قضاء صلاة كسائر الصلوات. وهؤلاء قالوا: إن أدرك الإمام قبل السلام قضاها على صفتها، وإن أدرك الخطبة فقط، وجاء بعد سلام الإمام من الصلاة، فقضاها ركعتين على صفتها، ومنهم من قال: يقضيها أربعاً. والله أعلم. قال في المغني: من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه، لأنها فرض كفاية، وقد قام بها من حصلت الكفاية به، فإن أحب قضاءها فهو مخير، إن شاء صلاها أربعاً، إما بسلام واحد وإما بسلامين. وإن شاء أن يصلي ركعتين كصلاة التطوع. وإن شاء صلاها على صفة صلاة العيد بتكبير وهو مخير إن شاء صلاها وحده، وإن شاء في جماعة١. وقال ابن حجر: معلقاً على تبويب البخاري: " باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين". في هذه الترجمات حكمان: مشروعية استدراك صلاة العيد، إذا فاتت مع الجماعة، سواء كانت بالاضطرار أو بالاختيار، وكونها تقضي ركعتين كأصلها٢.

стр. 371

خطبة صلاة العيد: بعد أن يسلم الإمام من الصلاة يخطب في الحاضرين خطبتين، يستقبلهم بوجهه، وهم جلوس في أماكنهم، يستفتح الخطبتين بالحمد لله، وإن افتتحهما بالتكبير فلا حرج، ويخطب وهو قائم، ويجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة. فإن كان في الفطر أمرهم بصدقة الفطر، وبين لهم وجوبها وثوابها، وقدر المخرج وجنسه، وعلى من تجب، والوقت الذي يخرج فيه. وفي الأضحى يذكر الأضحية، وفضلها وما يجزئ فيها، ووقت ذبحها، والعيوب التي تمنع منها، وكيفية تفرقتها، وما يقوله عند ذبحها. ولا يلزم حضور الخطبتين، بل من شاء من الحاضرين حضرها ــ وهو أفضل ــ ومن شاء انصرف. ويستحب للإمام وعظ النساء، وتذكيرهن بما يجب عليهن اقتداء بهديه ﷺ . وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه ﷺ : " كان يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس - والناس جلوس على صفوفهم - فيعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم...."١. قال ابن القيم: وكان ﷺ ، إذا أكمل الصلاة انصرف، فقام مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم، ويأمرهم

стр. 372

وينهاهم، وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير. ورخص ﷺ ، لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة، وأن يذهب١. وقال ابن قدامه: وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين، إلا عن بني أمية. والخطبتان سنة، لا يجب حضورهما، ولا استماعهما، ويستحب أن يخطب قائماً٢.

стр. 373

الخروج إلى المصلى والرجوع منه: يستحب التكبير إلى العيد بعد صلاة الصبح، والدنو من الإمام ليحصل له أجر التكبير، وانتظار الصلاة، والدنو من الإمام من غير تخطي رقاب الناس، ولا أذى لأحد. ويستحب أن يخرج ماشياً، وعليه السكينة والوقار، وأن يخالف الطريق، فيذهب من طريق ويرجع من طريق. قال ابن القيم في سياق هديه ﷺ في صلاة العيد والخروج إليها: وكان ﷺ يخرج ماشياًن وكان ﷺ يخالف الطريق يوم العيد، فيذهب من طريق ويرجع من آخر. فقيل ليسلم على أهل الطريقين، وقيل لينال بركته الفريقان، وقيل ليقضي حاجة من له حاجة منهما، وقيل ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق، وقيل ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله وقيام شعائره. وقيل لتكثر شهادة البقاع، فإن الذاهب إلى المسجد والمصلى إحدى خطوتيه ترفع درجة، والأخرى تحط خطيئة، حتى يرجع إلى منزله. وقيل وهو الأصح إنه لذلك كله، ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله منها"١. وقال: وكان ابن عمر مع شدة إتباعه للسنة لا يخرج حتى تطلع الشمس ويكبر من بيته إلى المصلى٢.

стр. 374

اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد: إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد سقطت الجمعة، عمن صلى العيد ــ لكن ينبغي للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد. وتجب على الصحيح صلاة الظهر على من تخلف عن الجمعة لحضوره العيد، والأولى بكل حال أن يصلي العيد والجمعة طلباً للفضيلة، وتحصيلاً لأجريهما. والله أعلم. قال ابن القيم: ورخص لهم إذا وقع العيد يوم الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن حضور الجمعة١.

стр. 375

صلاةا الكسوف ... صلاة الكسوف: الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، ومن مظاهر قدرته. سبحانه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ١. ويحدث كسوف الشمس وخسوف القمر، فتنتبه النفوس الغافلة إلى عظمة الخالق، وكيف يتصرف في الكون بقدرته كيفما يشاء. وكسوف الشمس ذهاب شعاعها أو نقصانه، تغيره إلى سواد في المرأى، وخسوف القمر، ذهاب ضوئه كله أو بعضه. والكسوف ٢ آية من آيات الله، يخوف الله به عباده، ويعتبرهم، فينظر من يحدث منهم توبة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً﴾ ٣، ولما كسفت الشمس، خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد مسرعاً فزعاً، يجر رداءه، فصلى بالناس، وأخبرهم أن الكسوف آية من آيات الله، يخوف الله به عباده، وأنه قد يكون سبب نزول عذاب بالناس، وأمر بما يزيله، فأمر بالصلاة عند حصوله، والدعاء والاستغفار، والصدقة والعتق، وغير ذلك، مما يدفعه من الأعمال الصالحة. حتى يكشف ما بالناس، وفيه الاستعداد بالمراقبة لله،

стр. 376

والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال، وحدوث ما يخاف بسببه. حكم صلاة الكسوف ودليله: لقد أدبنا الإسلام بآداب سامية وعلمنا أن نلجأ إلى الله كلما حزبنا أمر، نستغيث به ونستنجده، والكسوف والخسوف ظاهرتان عظيمتان تدلان على قدرة الله تعالى، تهلع النفوس عند رؤيتهما خوفاً من وقوع الضرر. لذا أمر النبي ﷺ بما يزيل الخوف، أمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق، وهي سنة مؤكدة في حق الرجال والنساء باتفاق أهل العلم. قال في المغنى: صلاة الكسوف سنة مؤكدة لأن النبي ﷺ فعلها وأمر بها ولا نعلم بين أهل العلم في مشروعيتها لكسوف الشمس خلافاً١. عن المغيرة بن شعبة قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف" ٢. حكمة مشروعيتها: الشمس نعمة من أكبر نعم الله تعالى، التي تتوقف عليها حياة الكائنات، وظاهر أن كسوفها فيه إشعار بأنها قابلة للزوال، بل فيه إشعار بأن العالم كله في قبضة إله قدير، يمكنه أن يذهبه في لحظة، فالصلاة في هذه الحالة معناها إظهار التذلل والخضوع لذلك الإله القوي المتين. وذلك

стр. 377

من محاسن الإسلام، الذي جاء بالتوحيد الخالص، ترك عبادة الأوثان، ومنها الشمس والقمر وغيرهما من العوالم١. صفة صلاة الكسوف: وهي ركعتان يجهر فيهما بالقراءة على الصحيح من قولي العلماء. في كل ركعة قيامان وركوعان وسجدتان. يقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وسورة طويلة، ثم يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع رأسه ويقول: "سمع الله لمن حمده. ربنا ولك الحمد" بعد اعتداله، ثم يقرأ الفاتحة، وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيطيل الركوع، وهو دون الأول، ثم يرفع رأسه ويقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، ثم يسجد سجدتين طويلتين، ولا يطيل الجلوس بينهما، ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى، ثم يتشهد ويسلم. عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فقام وكبر، وصف الناس وراءه، فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي ادني من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً، هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، ثم سجد (ولم يذكر أبو الطاهر: ثم سجد) ، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب الناس،

стр. 378

فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة...." ١. وروى الإمام مسلم، عن جابر قال: "انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم، فقام النبي ﷺ ، فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات...."٢ ومن حديث ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ ، حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات٣. قال البخاري وغيره من أهل العلم بالحديث: لا مساغ لحمل هذه الأحاديث على بيان الجواز، إلا إذا تعددت الواقعة، وهي لم تتعدد، لأن مرجعها كله إلى صلاته ﷺ في كسوف الشمس يوم مات ابنه إبراهيم، وحينئذ يجب ترجيح أخبار الركوعين فقط لأنها أصح وأشهر٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: روي في صفة صلاة الكسوف أنواع، ولكن الذي استفاض عند أهل العلم بسنة رسول الله ﷺ ، ورواه البخاري ومسلم من غير وجه، وهو الذي استحبه أكثر أهل العلم: كمالك والشافعي وأحمد: أنه صلى بهم ركعتين، في كل ركعة ركوعان، يقرأ قراءة طويلة، ثم يركع ركوعاً طويلاً، دون القراءة، ثم يقوم فيقرأ قراءة

стр. 379

طويلة دون القراءة الأولى، ثم يركع ركوعاً دون الركوع الأول، ثم يسجد سجدتين طويلتين. وثبت عنه في الصحيح: أنه جهر بالقراءة فيها١.

стр. 380

من أحكام صلاة الكسوف: - تسن صلاة الكسوف في جماعة، لفعل النبي ﷺ ، ويجوز أن تصلى فرادى، لأنها نافلة، ولكنها في جماعة أفضل. قال في المغني: وتشرع في الحضر والسفر بإذن الإمام وغير إذنه١. - ويشرع النداء لها (بالصلاة جامعة) ، لما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: "لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي أن الصلاة جامعة"٢، ولا يشرع لها أذان ولا إقامة، لأن النبي ﷺ صلاها بغير أذان ولا إقامة، ولأنها من غير الصلوات الخمس، فأشبهت سائر النوافل. وتشرع في حق النساء لما روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: أتيت عائشة زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمس، فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء وقالت: سبحان الله، فقلت: آية، فأشارت أي نعم ... "٣. - ويسن فعلها في المسجد، لأن النبي ﷺ صلاها فيه، عن عائشة ﵂، قالت: خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ ، فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه ... "٤.

стр. 381

ويبدأ وقت صلاة الكسوف من ابتدأ كسوف الشمس أو القمر إلى التجلي، لقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه جابر: " ... إذا رأيتم شيئا من ذلك فصلو حتى تنجلي ... " ١. - ولا تقضي صلاة الكسوف بعد التجلي، لفوات محلها، لأن المقصود منها زوال العارض، وعود النعمة، وقد حصل، لقول النبي ﷺ : " ... فصلوا وادعوا الله حتى ينكشف ما بكم" ٢. فإن تجلى الكسوف أثناء الصلاة، أتمها خفيفة، ولا يقطعها، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ٣، وأن سلم قبل انجلاء الكسوف لم يصل أخرى، وعليه الانشغال بالذكر والدعاء، لأن النبي صل الله وسلم لم يزد على ركعتين. وإن علم الكسوف ثم حصل غيم صلى، لأن الأصل بقاء الكسوف، فإن كان شاكا في وجود كسوف مع غيم أو نحوه، لم يصل لأن الأصل عدمه. - وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت الشمس والقمر خاسف، لا يصلي، لانعدام العلة التي لأجلها شرعت الصلاة، بذهاب وقت الانتفاع بهما. - ويجوز فعل الصلاة في أوقات النهي، للأمر المطلق بالصلاة إذا حصل الكسوف.

стр. 382

- ويسن أن يطيل القراءة في القيام، ويسن أن يطيل الركوع والسجود، لثبوت ذلك عن النبي ﷺ . - ولا يسن لها الغسل، لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يغتسلوا لها، وبادروا إلى فعلها، والغسل يتنافى مع تأكد سنية المبادرة إلى فعلها من حين العلم بالكسوف. - ويسن أن يعض الإمام الناس بعد الصلاة، ويحذرهم من الغفلة والاغترار، ويأمرهم بالإكثار من الدعاء والاستغفار، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ . - وإذا اجتمع الكسوف والجنازة، بدئ بالجنازة، لأنه يخاف عليها، وإن اجتمع مع المكتوبة في آخر وقتها بدئ بها، لأنها آكد. وإن كان في أول وقتها، بدئ بصلاة الكسوف، لأنه يخشى فواتها. وإن اجتمع هو والوتر وخيف فواتهما، بدئ بالكسوف لأنه آكد١. - ولا يصلي لغير الكسوف من الآيات، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من خلفائه. إلا أن أحمد قال: يصلى للزلزلة الدائمة، لأن النبي ﷺ ، علل الكسوف بأنه آية يخوف الله بها عباده، والزلزلة أشد تخويفا، فأما الرجفة فلا تبقى مدة تتسع لصلاة٢. - ويستحب ذكر الله تعالى، والدعاء والتكبير، والاستغفار والصدقة والعتق، والتقرب إلى الله تعالى بما يستطاع، لما روي عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: " ... فإذا رأيتموهما فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا...." ٣.

стр. 383

وعن أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: "إن هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته. ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئا فافزعوا إلى ذكره واستغفاره"١. وعن أسماء ﵂ قالت: "لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس"٢، ولأنه تخويف من الله تعالى، فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله تعالى ليكشفه عن عباده. حكم المسبوق في صلاة الكسوف: قال النووي: المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع الأول من الركعة الأولى، فقد أدرك الصلاة، وإن أدركه في الركوع الأول من الركعة الثانية فقد أدرك الركعة، فإذا سلم الإمام، قام فصلى ركعة بركوعين. ولو أدركه في الركوع الثاني من إحدى الركعتين، فالمذهب الذي نص عليه البويطي، واتفق الأصحاب على تصحيحه، أنه لا يكون مدركا لشيء من الركعة. وحكى صاحب "التقريب" قولا آخر، أنه بإدراك الركوع الثاني يكون مدركا للقومة التي قبله، فعلى هذا، لو أدرك الركوع الثاني من الأول، وسلم الإمام، قام وقرا وركع واعتدل وجلس وتشهد وسلم، ولا يسجد، لأن إدراك الركوع، إذا حصل القيام الذي قبله، كان السجود بعده محسوبا لا محالة. وعلى المذهب: لو أدركه في القيام الثاني، لا يكون مدركا لشيء من الركعة أيضا٣.

стр. 384

عقائد فاسدة صححها الإسلام: كان اعتقاد السائد في الجاهلية أن الكسوف إنما يحدث لموت عظيم أو ميلاد عظيم، واعتقد المنجمون أن لذلك تأثيرا في العالم. وكان كثير من الكفرة يعظمون الشمس والقمر، لكونهما أعظم الأنوار، حتى بلغ الأمر إلى عبادتهما. ولقد أبطل النبي ﷺ هذه الخرافة، وبين الحق في هذا الأمر. عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي" ١. هذا الموقف الشجاع الذي إن دل على شيء، فإنما يدل على نبوة محمد ﷺ وطهارة نفسه، فلو كان مدعيا في دعوته، لاستغل الموقف، وأحاط نفسه بهالة من التعظيم ولكن رسالته وصدق عبوديته لله، وأمانته في دعوته، كل ذلك رفع منزلته، فنطق بالخير المبين، مصححا عقائد باطلة، ومبينا أن الشمس والقمر من دلائل قدرة الله، ولا دخل لهما فيما يحدث من متغيرا للناس.. وعلم الأمة، ماذا عليها أن تفعل أمام هذه الظواهر، حتى يزول العارض، وتعود النعمة بالتجلي. والمتأمل في ظاهرة الكسوف، يقف على حقائق ثابتة، تدفع النفس إلى التوحيد الخالص من كل شبهة، والعمل على طاعة الله، والبعد عن

стр. 385

المعاصي والذنوب ... تعود الناس رؤية الشمس كل صباح حتى المساء.. ولما غلبت عليهم العادة، غفلوا عن كونها من آيات الله، فتأتي ظاهرة الكسوف، لتخرج الناس من غفلتهم، ولتبين لهم أن الله موجود، وأنه وحده سبحانه هو المتصرف في الكون، وأنه على كل شيء قدير.. فتعود العقول الضالة إلى رشدها، والقلوب الغافلة إلى انتباهها، فتراقب الله، وتتقرب إليه.

стр. 386

صلاة الاستسقاء: الاستسقاء لغة وشرعاً: - الاستسقاء لغة: طلب السقي، قال في اللسان١: "استقى الرجل واستسقاه: طلب منه السقي، وهو استفعال من طلب السقيا، أي إنزال الغيث على البلاد والعباد". - شرعاً: هو الدعاء بطلب السقيا من الله تعالى، على صفة مخصوصة، عند حصول الجدب وانقطاع المطر. وكان في الأمم الماضية، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ ٢، وأخرج الحاكم في المستدرك، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خرج نبي من الأنبياء يستسق، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا، فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة" ٣. حكم الاستسقاء: وهو سنة مؤكدة ثابتة بفعل الرسول ﷺ وخلفائه ﵃، عن عباد بن تميم عن عمه قال: "خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى

стр. 387

القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة"١. واجمع المسلمون على مشروعيته. قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم٢. متى يشرع الاستسقاء: ويشرع الاستسقاء إذا أجدبت الأرض – أي: أمحلت، وانحبس المطر، الذي هو حياة كل كائن حي، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٣، والماء من أجل نعم الله على الخلق. لذا كانت المصيبة بفقده من أعظم المصائب، التي لا يقدر على إزالتها إلا الله وحده جل وعلا. ومثل جدب الأرض وقحط المطر، ما يصيب الناس من الضرر بغور العيون والأنهار أو نقص مائها أو تغير بملوحة.. فيفزع الناس إلى ربهم يتضرعون إليه، يستسقونه ويستغيثون به بصفة من الصفات الثابتة عن النبي ﷺ . يدعو الخطيب ويؤمن المسلمون على دعائه من غير صلاة للاستسقاء، أو بالدعاء عقب الصلوات، وفي الخلوات من غير صلاة ولا خطبة.

стр. 388

صفة صلاة الاستسقاء: وصلاة الاستسقاء ركعتان. قال في المغني: لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافاً في أنها ركعتان١. وصفتها في موضعها وأحكامها كصفة وأحكام صلاة العيد، لما روي عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ خرج متبذلاً ... وصلى ركعتين، كما كان يصلي في العيد"٢. قال الترمذي: قال الشافعي: يصلي الاستسقاء نحو صلاة العيدين، يكبر في الركعة الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً، واحتج بحديث ابن عباس٣. ويستحب فعلها في المصلى، وهي كصلاة العيد في عدد الركعات والجهر بالقراءة، وفي كونها تصلى قبل الخطبة، وفي التكبيرات الزوائد في الركعتين قبل القراءة، إلا أنه ليس لصلاتها وقت معين، ولا تصلى في أوقات النهي، لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي. والأولى فعلها في وقت صلاة العيد لشبهها في الموضع والصفة، ولحديث عائشة ﵂: " ... فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس.."٤.

стр. 389

وروي في صفتها أنها تصلي ركعتين كصلاة التطوع، قال في المغني: يصلي ركعتين كصلاة التطوع، وهو مذهب مالك والأوزاعي وأبي ثور وإسحق. عن عباد بن تميم عن عمه "أن النبي ﷺ استسقى فصلى ركعتين وقلب رداءه"١، وروى أبو هريرة٢ نحوه، ولم يذكر التكبير، وظاهره أنه لم يكبر، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وكيفما فعل كان جائزاً حسناً٣.

стр. 390

ذلك من كمال الزينة، وهذا يوم تواضع واستكانة، يظهرون فيه الافتقار إلى الله تعالى. قال في المغني: ويستحب التنظيف بالماء، واستعمال السواك وما يقطع الرائحة، ويستحب الخروج لكافة الناس، وخروج من كان ذا دين وستر وصلاح، والشيوخ أشد استحباباً، لأنه أسرع للإجابة. فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لها، فأما الشواب وذوات الهيئة، فلا يستحب لهن الخروج، لأن الضرر في خروجهن أكثر من النفع، ولا يستحب إخراج البهائم، لأن النبي ﷺ لم يفعله١. ويصلي بهم الإمام ركعتين كما ذكرنا آنفاً، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بسورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ٢ وفي الثانية بسورة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ٣ لقول ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج متبذلاً ... وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد"٤. قال في المغني: ولا يسن لها أذان ولا إقامة، لا نعلم فيه خلافاً ... ولأنها صلاة نافلة، فلم يؤذن لها كسائر النوافل، قال أصحابنا: وينادى لها: "الصلاة جامعة" كقولهم في صلاة العيد والكسوف٥. ثم يخطب خطبة واحدة، قال في الكافي: لأنه لم ينقل أحد من الرواة خطبتين٦. وقال بعض أهل العلم خطبتين، والأمر واسع،
следующие страницы →