يدلك أصابع رجليه بخنصره١. ويعد الدلك من إسباغ الوضوء، وفي الحديث: "إسباغ الوضوء شطر الإيمان" ٢، لأن الوضوء يطهر الظاهر، والإيمان يطهر الباطن.
كما يسن التيامن، وهو البدء في الجهة اليمنى، ويعد من نوافل الخير عامة، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شانه كله"٣.
ولما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا لبستم، وإذا توضأتم، فابدؤوا بميامنكم" ٤.
ويسن الذكر بعد الوضوء بما ورد، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" ٥. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فقال:
стр. 37
سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة"١.
стр. 38
من آثار الوضوء:
بعد أن عرضنا كيفية الوضوء ينبغي أن نقف الآثار التي يتركها الوضوء في نفس صاحبه، فالوضوء عبادة يمتثل العبد لأوامر خالقه، ابتغاء مرضاته، يطهر بها جوارحه، ويغذي بها إيمانه، إستعدادا للوقوف بين يدي الله ...
فالوضوء ينشط الجسد، وينشط الذهن للقاء الله، ويهيء المسلم لتذوق لذة العبادة، بما يمنحه له من طهارة حسية في أعضاء الوضوء، وبما يزيل عنه من التوتر والغضب، قال رسول الله ﷺ : "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" ١.
وتتكرر عملية الوضوء في اليوم الواحد، وتستمر كل يوم، فيزداد الإنسان طمأنينة وسكينة، ويرتفع رصيده من الإيمان، وتتربى النفس على مراقبة الخالق، فلا يلبث العبد يقترف الذنب حتى يرجع عنه أو يتوب،
стр. 39
لأنه على موعد مع الخالق، ولا يليق به أن يلقى ربه بحال لا يرضيه.
وتدلل الأحاديث على أثر الوضوء الذي يتعدى الأثر الحسي إلى الطهارة المعنوية فيزيل الماء الذنوب، ويغسل الآثام، فيقف العبد في طهر ونقاء أمام ربه الرحمن.
عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، فإن قعد قعد مغفورا له" ١.
стр. 40
المسح على الخفين
الخفان
...
المسح على الخفين
والخفان: ما يلبس على الرجل من الجلود، وما يلحق به من الكتان والصوف ونحوه، وقد ثبت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع.
- قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١ على قراءة الجر (وأرجلكم) .
стр. 41
حكم المسح على الخفين
...
- ومن السنة: فقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي ﷺ ، ومنها ما روي عن الهمام ﵁ قال: "بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ قال: نعم. رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه"١.
- وقد أجمع أهل السنة على جواز المسح على الخفين.
стр. 42
ما يشترط للمسح:
ويشترط لجواز المسح أن يلبس الخف ونحوه من كل ساتر على وضوء، لما روي عن المغيرة عن أبيه قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فمسح عليهما"١.
стр. 43
ويجوز للمتوضئ أن يلبس خفا وجوربا بعد إنتهائه من الوضوء، فإذا أحدث صح له المسح عليه كلما أراد الوضوء، بدلا من غسل رجليه، فيمسح ظاهر الخفين، لحديث على ﵁ قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه"١.
стр. 44
زمن المسح:
وزمن المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ويبدأ حساب زمن المسح من وقت البدء في المسح على الصحيح.
ولا ينزع الماسح الخفين خلال المدة المقررة شرعا إلا من جنابة، لحديث صفوان بن عسال ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" ١.
وعن علي ﵁ قال: "جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم" ٢.
стр. 45
نواقض الوضوء:
للوضوء نواقض تبطله، ويلزم صاحبه الوضوء من جديد، وهي:
١- ما خرج من السبيلين، لقول لله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ١، ولقول النبي صلى لله عليه وسلم: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" ٢، قال النووي: فالخارج من قبل الرجل أو المرأة، أو دبرهما ينقض الوضوء، سواء كان غائطا أو بولا أو ريحا أو دودا أو قيحا أو دما أو حصاة، أو غير ذلك، ولا فرق في ذلك بين النادر والمعتاد٣.
٢- النوم العميق، لما روي عن علي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "العين وكاء السه٤، فمن نام فليتوضأ" ٥ فالنوم عينه ليس بحدث، ولكنه بسببه ينتقض الحدث، لأنه يخرج منه الخارج من غير
стр. 46
شعوره، بينما يحس المستيقظ بما يخرج منه، وعليه فإن نام المتوضىء مضطجعا غير متمكن من مستوى القعود، فعليه الوضوء للحديث السابق، فإن نام قاعدا ممكنا مقعده من الأرض، غير مضطجع، فهو على وضوءه وطهارته، لأنه يأمن إستطلاق الوكاء على هذه الحالة، لما رواه أنس ﵁ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم قعودا ثم يصلون ولا يتوضؤون"١.
٣-زوال العقل بغير النوم، كالإغماء والجنون والسكر والمرض المذهب للعقل، فينتقض الوضوء، لأنه لا يدري أخرج منه شيئ أم لا، فإذا انتقض الوضوء بالنوم فانتقاضه بجنون أو إغماء أو شرب دواء للحاجة أولى، قل أو كثر، وسواء مكن مقعدته من الأرض أم لا، لأن زوال العقل أبلغ من النوم، وهذا ما عليه جمهور العلماء.
٤- ذهب بعض أهل العلم إلى أن مس الفرج من قبل أو دبر بدون حائل ينقض الوضوء، وهذا يشمل الذكر والأنثى، سواء مس ذكر نفسه أو ذكر غيره، أو مست المرأة فرجها أو فرج غيرها، لحديث بسرة بنت صفوان ﵄، أن النبي ﷺ قال: "من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ" ٢، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه وضوء الصلاة" ٣.
стр. 47
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل مس فرجه فاليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فالتتوضأ" ١، وروى طلق بن علي " ... جاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال: "وهل هو إلا بعضة منك؟ " ٢.
وذهب كثير منهم إلى أن مس الفرج بشهوة ينقض الوضوء، وقال بعضهم: إنه لا ينقض البته، وليس في المسألة دليل صحيح صريح، ولا شك أن الأحوط استحباب الوضوء.
٥- أكل لحم الجزور، لحديث جابر بن سمرة ﵁: "أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أفنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ"، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم. فتوضأ من لحوم الإبل ... " ٣ وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: "فتوضؤوا منها"، وسئل عن لحوم الغنم فقال: "لا توضؤوا منها" ... "٤.
وذهب فريق إلى القول بأنه لا ينقض الوضوء مستدلين بحديث جابر ﵁ قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما
стр. 48
غيرت النار"١، مما يشمل الإبل وغيره، وإذا كان هذا آخر الأمرين فيترتب الأخذ به لنسخه الأول، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل"٢.
وأجيب عن حديث جابر بأنه عام، وما ورد في نقض الوضوء بلحم الإبل خاص، والعام يحمل على الخاص، ولا يقال بالنسخ بإمكان الجمع والنبي ﷺ إذا أمر بأمر وفعل ضده دل فعله على أن الأمر ليس للوجوب.
وأما حديث ابن عباس فضعيف، قال ابن حجر: "وفي إسناده الفضيل ابن المختار وهو ضعيف جدا، وفيه شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف"٣.
وينقض الوضوء بأكل اللحم نيئا أو مطبوخا، ويدخل معه الكبد والشحم والكرش والكلية والأمعاء وما أشبه ذلك، ولا فرق بين أكل القليل أو الكثير من الجزور الكبير أو الصغير.
ويستحب الوضوء من ألبان الإبل لما رواه أحمد في مسنده بسند حسن عن أسيد بن حضير أن النبي ﷺ قال: "توضؤوا من ألبان
стр. 49
الإبل" ١.
٦- الردة: وهي الإتيان بما يخرج من الإسلام بقول أوعمل أو اعتقاد، فمن كفر بعد إسلامه انتقض وضوءه، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٢، فالشرك يحبط العمل، والوضوء من العمل.
٧-مس الرجل المرأة بشهوة والعكس، واختلف أهل العلم في هذا الناقض، فمنهم من ذهب إلى أن المس بشهوة ينقض مستدلا بقول الله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٣، والآية ليس فيها قيد الشهوة، ولكن الشهوة مظنة الحدث، ولو كان مجرد اللمس ناقضا لانتقض وضوء النبي ﷺ عندما غمز عائشة ﵂ وهو يصلي، فكفت رجليها واستأنف الصلاة.
وإيجاب الوضوء بمجرد المس فيه مشقة عظيمة، وما كان فيه حرج ومشقة فهو منفي شرعا.
وذهب غيرهم إلى أن المس ينقض الوضوء مطلقا، ولو بغير شهوة أو قصد، ودليلهم غير صريح، وذهب آخرون إلى أنه لا ينقض مطلقا ولو بشهوة، واستدلوا بتقبيل الرسول ﷺ بعض نسائه ثم خروجه إلى الصلاة ولم
стр. 50
يتوضأ، وأخذوا بتفسير ابن عباس ﵂ لقول الله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ١، بأنه موجب الطهارة الكبرى (الغسل) .
والراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه شيء.
стр. 51
مسائل حول نواقض الوضوء:
ختلف أهل العلم في بعض النواقض، والصحيح أنها لا تنقض الوضوء، منها:
١- كثير القيء ونحوه مما خرج من غير السبيلين، واستدلوا على قولهم بما روي عن أبي الدرداء ﵁: "أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ.."١ والأسوة الحسنة أن نفعل كفعله، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٢، ثم إنها فضلات خرجت من البدن فأشبهت البول والغائط، ونظرا لاختلاف المخرج، فالبول والغائط قليله وكثيره ينقض، أما القيء ونحوه فلا ينقض إلا الكثير.
ورد على ذلك، بأن الأصل عدم النقض، ولا يوجد دليل شرعي صحيح صريح، والحديث الذي احتجوا به ضعفه كثير من أهل العلم، وهو مجرد فعل، وكذا لا يدل على الوجوب لخلوه من الأمر، وهو مقابل بحديث ضعيف، عن أنس ابن مالك ﵁ قال: "احتجم رسول الله ﷺ فصلى ولم يتوضأ ... " ٣
.٢- غسل الميت، واحتجوا بما روي عن ابن عمر وأبي هريرة وابن
стр. 52
عباس ﵃: "أنهم أمروا غاسل الميت بالوضوء"١، والغاسل المباشر لأعمال الغسل، لا من يصب عليه الماء، وبأن غاسل الميت غالبا يمس فرجه، ومس الفرج من نواقض الوضوء.
ورد عليهم بأنه لا دليل على هذا الناقض من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وما جاء من هؤلاء الصحابة الثلاثة قد يؤخذ على الاستحباب.
وأما قولهم في مس فرج الميت، فهو قياس غير صحيح، حيث لا يسلم أن يكون مس الفرج ناقضا، ولو سلمنا بأنه ناقض، فيبقى احتمال مس الفرج من عدمه، والاحتمال لا ينقض الوضوء، ثم إنه لا يجوز للغاسل أن يمس فرج الميت إلا من وراء حائل، ولو غسل حيا مع احتمال مس الفرج لا ينتقض الوضوء.
وعليه، فالراجح أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، وهذا اختيار الموفق، وشيخ الإسلام، وجماعة من أهل العلم.
قال ابن قدامة: قال أبو الحسن: "لا وضوء فيه، وهذا قول أكثر الفقهاء، وهو الصحيح إن شاء الله، لأن الوجوب من الشرع، ولم يرد في هذا نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فبقي على الأصل، ولأنه غسل آدمي، فأشبه غسل الحي".٢.
٣- القهقهة ولو في الصلاة، عده فريق من النواقض، والصحيح ما عليه جمهور من العلماء أنه غير ناقض.
стр. 53
٤- خلع الخفين لمن مسح عليهما، اختلفت الأقوال فيه، فمنهم من ذهب إلى وجوب الوضوء لبطلان الطهارة بزوال الممسوح في موضعه، والطهارة لا تتجزأ، فمتى بطلت في عضو بطلت في الجميع.
ومنهم من يشترط الموالاة في الوضوء، وحيث أنها لم تفت لأن الأعضاء لم تنشف، فيبني على وضوئه الأول، ويغسل قدميه فقط.
ومنهم من لا يشترط الموالاة، فيرى غسل قدميه فقط.
والأصل بقاء الطهارة حتى يثبت العكس بدليل شرعي.
٥- تمام المدة للماسح والمقيم والمسافر، ولا دليل على ذلك من الكتاب أو السنة أو إجماع أهل العلم، والنبي ﷺ وقت لمدة المسح، وليس لانتهاء الطهارة فإن تمت المدة والإنسان على طهارة فهل تبطل طهارته؟ المسألة محل خلاف بين أهل العلم.
стр. 54
الغسل
تعريفه وحكمه
...
الغسل:
تعريفه: هو استعمال ماء طهور في جميع البدن على وجه مخصوص بشروط وأركان١.
حكمه: الغسل مشروع بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ٣ أي يغتسلن.
أما دلالة السنة على مشروعيته، فلما رواه مسلم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل" ٤.
والغسل قد يكون واجبا وقد يكون مسنونا كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
стр. 55
من موجبات الغسل أولا: خروج المني
...
موجبات الغسل:
أعني بموجبات الغسل ما يكون سببا في وجوبه.
الأول من موجباته: خروج المني:
اتفق الفقهاء على وجوب الغسل في حالة خروج المني، بل قد نقل النووي الإجماع على ذلك١.
ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.
والأصل في ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنما الماء من الماء" ٢.
ومعناه: أنه يجب الغسل بالماء من إنزال الماء وهو المني، وعن أم سليم ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم إذا رأت الماء" ٣ أي المني.
وهنا مسائل أربع يحسن التنبيه عليها حول هذا الموجب.
المسألة الأولى:
هل يشترط لخروج المني للغسل شهوة عند خروجه؟.
стр. 56
هذا محل خلاف بين الفقهاء فالحنفية١ والمالكية٢ والحنابلة٣ يشترطون لإيجاب الغسل خروجه بشهوة.
أما الشافعية فيرون وجوب الغسل بخروج المني مطلقا٤.
المسألة الثانية:
إذا قبل الرجل المرأة فأحس بانتقال المني ونزوله فأمسك بذكره ولم يخرج منه في الحال شيء ولم يعلم بخروجه بعد ذلك.
فالشافعية٥ يرون أنه لا غسل عليه؛ لقوله ﷺ : "إنما الماء من الماء٦".
أما الحنابلة فلا يشترطون الخروج بل بمجرد الإحساس بالانتقال فهو موجب للغسل، فإذا أحس بانتقاله فحبسه؛ فقد وجب الغسل.
والصواب في هذه المسألة قول الشافعية وهو إختيار شيخ الإسلام وبه قال شيخنا٧.
المسألة الثالثة:
من رأى منيا من غير تذكر إحتلام فعليه الغسل، ومن احتلم فلم
стр. 57
يجد منيا فلا غسل عليه١.
وهذا بدليل حديث أم سلمة ﵂ حين سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها غسل؟ قال: "نعم إذا هي رأت الماء" ٢.
فدل الحديث على وجوب الغسل إذا استيقظ الإنسان ووجد الماء، أحس بخروجه أم لم يحس، وسواء رأى أنه احتلم أم لم ير، وذلك لأن النائم قد ينسى.
المسألة الرابعة:
من خرج منه مني بعد الغسل هل يجب عليه إعادة الغسل.
هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء، والصحيح عندي وهو قول شيخنا أنه لا إعادة عليه وذلك لأمرين:
الأول: أن السبب هو مني واحد ولذا أوجب غسلا واحدا.
والثاني: أن خروج المني هنا لغير شهوة ولا لذة فأشبه الخارج لبرد، وبهذا علل الإمام أحمد ﵀ حيث قال: لأن الشهوة ماضية وإنما هو حدث أرجو أن يجزيه الوضوء٣.
стр. 58
من موجبات الغسل ثانيا: إلتقاء الختانين
...
ثانيا: التقاء الختانين
هذا هو الموجب الثاني للغسل دليل ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ مرفوعا: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل" وفي رواية لمسلم: "وإن لم ينزل" ١.
ولهما من حديث عائشة ﵂: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان؛ فقد وجب الغسل" ٢.
والتقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة في الفرج وليس المراد بالتقاء الختانين هنا التصاقها وضم أحدهما إلى الآخر كما يتوهمه البعض فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها ولم يدخله في مدخل الذكر لم يجب الغسل.
وهنا مسألة تتعلق بهذا الموجب:
وهي هل يجب الغسل في الإيلاج بحائل؟
فالمالكية يقولون بأنه لا يجب الغسل على من أولج حشفته بخرقة ملفوفة على ذكره وهذه الخرقة كثيفة تمنع الفرج فإن كانت رقيقة بحيث يجد معها لذة وحرارة الفرج فإنه يجب عليه الغسل٣.
والشافعية٤ - في الصحيح عندهم – يرون وجوبه حتى في
стр. 59
الخرقة الكثيفة؛ لأنه يسمى مولجا ولقوله ﷺ : "إذا التقى الختانان أو مس الختان الختان فقد وجب الغسل" ١.
أما الحنابلة فإنهم يقولون فإنه لا يجب على من أولج بحائل مطلقا سواء كان الحائل كثيفا أو رقيقا٢.
والأقرب في هذه المسألة هو قول المالكية والأحوط أن يغتسل وهذا هو قول شيخنا رحمه الله٣.
стр. 60
من موجبات الغسل ثالثا: الحيض والنفاس
...
ثالثا: الحيض والنفاس
هذا هو الموجب الثالث من موجبات الغسل وقد اتفق الفقهاء على أن الحيض والنفاس من موجبات الغسل ونقل غير واحد الإجماع على ذلك.
ودليل ذلك الكتاب والسنة.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ٤.
стр. 61
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي فإذا اغتسلن فمنع الله تعالى الزوج من وطئ زوجته قبل غسلها فدل على وجوبه عليها.
ومن السنة قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي جحش: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" ١.
وسيأتي الكلام عن هذا الموجب أعني الحيض والنفاس قريبا إن شاء الله.
стр. 62
من موجبات الغسل رابعا: الموت
...
رابعا: الموت
فالموت موجب من موجبات الغسل وهذا هو مذهب الحنفية١ وبعض المالكية٢ والشافعية٣ والحنابلة٤.
دليل ذلك قوله ﷺ حين توفيت إحدى بناته "أغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك" ٥.
وذهب بعض المالكية إلى سنية غسل الميت وهذا غير صحيح.
стр. 63
من موجبات الغسل خامسا: إسلام الكافر
...
خامسا: إسلام الكافر
المذهب١ وكذا مذهب المالكية٢ أن إسلام الكافر موجب من موجبات الغسل فمتى أسلم الكافر وجب عليه أن يغتسل.
وقال آخرون أنه لا يجب عليه الغسل إلا إذا أتى بما يوجب الغسل كالجنابة مثلا.
وقال آخرون أنه لا يجب عليه الغسل مطلقا لأنه حال كفره غير مكلف وغير مأمور بشرائع الإسلام.
والصحيح أنه لا يجب عليه الغسل ولكن الأحوط عليه أن يغتسل وبه قال شيخنا٣.
стр. 64
فرائض الغسل:
أولا النية:
النية في اللغة: القصد.
وفي الاصطلاح: عزم القلب على فعل الشيء. عزما جازما سواء كان عبادة أو معاملة أو عادة.
فالنية شرط في جميع العبادات، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"١.
والنية في الغسل وغيرها من العبادات لها نوعان:
الأول: نية العمل والمراد بها في الغسل نية الغسل فهذه هي المصححة للعمل فإذا فقدت في الغسل لم يصح.
الثاني: نية المعمول له.
أي ينوي بها التقرب إلى الله تعالى وطاعة له وهذه يغفل عنها الكثير فلا يستحضرون نية التقرب وإن كان نية العمل موجودة وهنا يحصل للإنسان نقص في الأجر بسبب الغفلة عن نية التقرب إلى الله بهذا الغسل، وإن كان الغسل صحيحا بفقدها لكن استحضارها أكمل وأحسن وزيادة في الأجر.
стр. 65
وهنا مسألتان:
المسألة الأولى: اختلف الفقهاء في حكم النية في الغسل فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على أنها فرض في الغسل، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" ١.
وذهب الحنفية إلى أن النية سنة في الغسل وليست فرضا.
المسالة الثانية: من اجتمع في حقه غسلان كأن يكون عليه غسل جنابة وغسل جمعة أو كمن عليها غسل حيض وغسل جنابة فإنه يجزءه غسل واحد عن جنابة وجمعة، أو عن حيض وجنابة على الصحيح من قول الفقهاء.
стр. 66
فرائض الغسل ثانيا: تعميم البدن بالماء
...
ثانيا: تعميم البدن بالماء
اتفق الفقهاء على أن تعميم البدن (الشعر والبشرة) بالماء من فروض الغسل.
قال النووي: "إفاضة الماء على جميع البدن شعره وبشرته واجب بلا خلاف ومن ثم يجب إيصال الماء إلى كل ظاهر الجسد ومنه ما تحت الشعر سواء كان الشعر الذي على البشرة خفيفا أو كثيفا يجب إيصال الماء إلى جميعه وجميع البشرة التي تحته بلا خلاف"١.
قلت: وقد استدل الفقهاء على ذلك بما جاء في صفة غسل
стр. 67
النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ وكذا ميمونة ﵂.
فأما حديث عائشة ﵂ فقد قالت: "كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدء فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاثة غرفات بيده ثم يفيض على جسده كله"١.
أما حديث ميمونة ﵂: "توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليها الماء ثم نحى رجليه فغسلها هذا غسله من الجنابة"٢.
وهنا مسألتان متعلقتان بتعميم البدن بالماء في الغسل:
المسألة الأولى: في حكم المضمضة والإستنشاق في الغسل ذهب الحنفية٣ والحنابلة٤ إلى وجوبهما في الغسل وقالوا بأن الفم والأنف من الوجه لدخولهما في حده فتجب لهما المضمضة والإستنشاق في الطهارة الكبرى والصغرى.
أما المالكية٥ والشافعية٦ قالو بأنهما ليستا بواجبتين، لأن
стр. 68
الفم والأنف ليسا من ظاهر الجسد فلا يجب غسلها ومن هنا كانت المضمضة والإستنشاق من سنن الوضوء.
والصواب أنهما واجبان في الغسل كوجوبهما في الوضوء وهو قول شيخنا رحمه الله١.
المسألة الثانية:
نقض شعر المرأة لضفائرها في الغسل؟
ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية٢ والمالكية٣ والشافعية٤ إلى عدم وجوب نقض الضفائر في الغسل إذا كان الماء يصل إلى أصولها.
استدل الجمهور بما رواه مسلم من حديث أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: " لا: إنما يكفيك أن تحثي على شعر رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" ٥.
فمتى وصل الماء إلى أصول شعر المرأة فإنه لا يلزمها نقض ضفائرها أما إذا لم يصل إليه الماء فإنه يلزمها نقضها حينئذ.
أما الحنابلة ٦ ففرقوا بين غسل الجنابة والحيض والنفاس فوافقوا
стр. 69
الجمهور في عدم وجوب نقض الشعر المضفور في غسل الجنابة وقالوا بوجوبه في غسل الحيض والنفاس، واستدلوا على وجوبه في الحيض بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: "انقضي شعرك وامتشطي" ١.
فقالوا-: ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور – ولأن الأصل وجوب نقض الشعر لتحقيق وصول الماء إلى ما يجب غسله فعفي عنه في غسل الجنابة لأنه يكثر فشق ذلك فيه والحيض بخلافه فيبقى على الأصل في الوجوب والنفاس في معنى الحيض.
والصحيح عدم وجوب نقض ضفائر شعر المرأة مطلقا في الجنابة والحيض والنفاس لاسيما حديث أم سلمة السابق ذكره في مسلم في رواية أخرى حيث قالت: "لا: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" ٢.
وهذه الزيادة يجب قبولها وهي صريحة في نفي الوجوب كما قال ذلك ابن قدامة ﵀ في المغني٣.
стр. 70
فرائض الغسل ثالثا: الموالاة
...
ثالثا: الموالاة.
تعريفها: هي أن لا يؤخر غسل عضو من الأعضاء حتى ينشف الذي قبله.
حكمها: ذهب الحنفية١ والشافعية٢ إلى أنها سنة لفعل النبي ﷺ .
أما المالكية٣ فيرن فرضيتها في الغسل وبه قال شيخ الإسلام٤ وهو الصحيح عندي.
стр. 71
سنن الغسل:
١- التسمية:
ذهب جمهور أهل العلم إلى سنية التسمية وهو قول الحنفية١ والشافعية٢ وخالف الحنابلة٣ فقالوا بوجوبها، لقوله ﷺ : " ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"٤.
فقالوا: بأنه تقاس إحدى الطهارتين على الأخرى والصحيح عندي أنها ليست بواجبه بل هي سنة في الوضوء والغسل وبه قال شيخنا ﵀. ٥.
٢- غسل الكفين:
اتفق الفقهاء على سنية غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا ابتداء قبل إدخالهما الإناء وذلك لحديث ميمونة ﵂ حيث قالت: " وضعت للنبي ﷺ ماء الغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثا" رواه البخاري ومسلم٦.
стр. 72
٣-إزالة الأذى:
السنة البداءة بغسل النجاسة وأما نفس إزالتها فلا بد منه ولو قليلة لكن السنة أن يبدأ بإزالتها دليل ذلك حديث ميمونة ﵂ وفيه: " ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره"١.
٤-الوضوء قبله:
البدء بالوضوء قبل الغسل من سنن الغسل وذلك لفعله ﷺ كما ذكر ذلك كل من عائشة وميمونة ﵄ ففي حديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضأ وضوءه للصلاة"٢.
أما حديث ميمونة ﵂ قالت: " وضعت للنبي ﷺ ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه فغسلها مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يديه بالأرض ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه، قالت فأتيته بخرقة فلم يردها ٣.وجعل ينفض الماء بيده"٤.
لكن اختلف الفقهاء هل يغسل قدميه مع باقي أعضاء الوضوء أم
стр. 73
يؤخرها حتى ينتهي من غسله.
نقول: ظاهر حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ غسلها مع أعضاء وضوئه أما حديث ميمونة فهو صريح في تأخيرها فالصحيح من المذهب١ وبه قال الحنفية٢ والشافعية٣ في الأصح أنه لا يؤخر غسل القدمين إلى آخر الغسل بل يغسلهما مع أعضاء الوضوء مباشرة.
والمالكية٤ يرون أنه يندب تأخير غسلها لحديث ميمونة، لأنه مقيد، أما حديث عائشة فهو مطلق، والمطلق يحمل على المقيد.
والمختار عند شيخنا أنه يغسل قدميه في مكان آخر عند الحاجة كما لو كانت الأرض طينا، لأنه لو لم يغسلها لتلوثت رجلاه بالطين٥.
٥-البدء باليمين:
يستحب للمغتسل أن يبدأ بالجانب الأيمن.
دليل ذلك حديث عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله".
стр. 74
وفي حديث آخر لها ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعى بشيء نحو الحلاب١، فأخذ بكفه ثم بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر"٢.
وهنا مسألة هامة في تثليث الغسل:
فقد ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية٣ والشافعية٤ والحنابلة٥ إلى تثليث غسل الأعضاء في الغسل وعدوا ذلك من السنن وذلك لحديث ميمونة ﵂ حيث قالت: " ... ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات"٦
فقال الجمهور أنه مع أن هذه الثلاث وردت في غسل الرأس إلا أن أعضاء باقي الجسد تقاس على الوضوء.
والصحيح أن تثليث غسل البدن لا يسن ولا يستحب تكرار الغسل للبدن وهو مذهب المالكية٧ وبه قال شيخ الإسلام لحديث
стр. 75
ميمونة ﵂ حيث قالت في نفس الحديث السابق: " ثم أفاض الماء على سائر جسده"١ فلم تذكر تثليثا ﵂.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ولا يستحب تكرار الغسل على بدنه وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد" ٢.