سنن الغسل:
١- التسمية:
ذهب جمهور أهل العلم إلى سنية التسمية وهو قول الحنفية١ والشافعية٢ وخالف الحنابلة٣ فقالوا بوجوبها، لقوله ﷺ : " ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"٤.
فقالوا: بأنه تقاس إحدى الطهارتين على الأخرى والصحيح عندي أنها ليست بواجبه بل هي سنة في الوضوء والغسل وبه قال شيخنا ﵀. ٥.
٢- غسل الكفين:
اتفق الفقهاء على سنية غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا ابتداء قبل إدخالهما الإناء وذلك لحديث ميمونة ﵂ حيث قالت: " وضعت للنبي ﷺ ماء الغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثا" رواه البخاري ومسلم٦.
стр. 72
٣-إزالة الأذى:
السنة البداءة بغسل النجاسة وأما نفس إزالتها فلا بد منه ولو قليلة لكن السنة أن يبدأ بإزالتها دليل ذلك حديث ميمونة ﵂ وفيه: " ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره"١.
٤-الوضوء قبله:
البدء بالوضوء قبل الغسل من سنن الغسل وذلك لفعله ﷺ كما ذكر ذلك كل من عائشة وميمونة ﵄ ففي حديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضأ وضوءه للصلاة"٢.
أما حديث ميمونة ﵂ قالت: " وضعت للنبي ﷺ ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه فغسلها مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يديه بالأرض ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه، قالت فأتيته بخرقة فلم يردها ٣.وجعل ينفض الماء بيده"٤.
لكن اختلف الفقهاء هل يغسل قدميه مع باقي أعضاء الوضوء أم
стр. 73
يؤخرها حتى ينتهي من غسله.
نقول: ظاهر حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ غسلها مع أعضاء وضوئه أما حديث ميمونة فهو صريح في تأخيرها فالصحيح من المذهب١ وبه قال الحنفية٢ والشافعية٣ في الأصح أنه لا يؤخر غسل القدمين إلى آخر الغسل بل يغسلهما مع أعضاء الوضوء مباشرة.
والمالكية٤ يرون أنه يندب تأخير غسلها لحديث ميمونة، لأنه مقيد، أما حديث عائشة فهو مطلق، والمطلق يحمل على المقيد.
والمختار عند شيخنا أنه يغسل قدميه في مكان آخر عند الحاجة كما لو كانت الأرض طينا، لأنه لو لم يغسلها لتلوثت رجلاه بالطين٥.
٥-البدء باليمين:
يستحب للمغتسل أن يبدأ بالجانب الأيمن.
دليل ذلك حديث عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله".
стр. 74
وفي حديث آخر لها ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعى بشيء نحو الحلاب١، فأخذ بكفه ثم بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر"٢.
وهنا مسألة هامة في تثليث الغسل:
فقد ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية٣ والشافعية٤ والحنابلة٥ إلى تثليث غسل الأعضاء في الغسل وعدوا ذلك من السنن وذلك لحديث ميمونة ﵂ حيث قالت: " ... ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات"٦
فقال الجمهور أنه مع أن هذه الثلاث وردت في غسل الرأس إلا أن أعضاء باقي الجسد تقاس على الوضوء.
والصحيح أن تثليث غسل البدن لا يسن ولا يستحب تكرار الغسل للبدن وهو مذهب المالكية٧ وبه قال شيخ الإسلام لحديث
стр. 75
ميمونة ﵂ حيث قالت في نفس الحديث السابق: " ثم أفاض الماء على سائر جسده"١ فلم تذكر تثليثا ﵂.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ولا يستحب تكرار الغسل على بدنه وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد" ٢.
стр. 76
٦- صفة الغسل:
للغسل صفتان: صفة أجزاء، وصفة كمال.
فصفة الأجزاء: أن ينوي بقلبه الغسل المراد ثم يسمي ثم يعم بدنه بالغسل مرة واحدة مع المضمضة والاستنشاق.
أما صفة الكمال: فهي
١-أن ينوي بقلبه.
٢-ثم يسمي ويغسل يديه ثلاثا ويغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءا كاملا ثم يحثي الماء على رأسه ثلاث مرات ويروي أصول شعره ثم يعم بدنه بالغسل ويدلك بدنه بيده ليصل الماء إليه ثم يغسل رجليه في مكان آخر إن احتاج لذلك.
стр. 77
٧-الأغسال المستحبة:
والمراد بها من يمدح فاعلها ويثاب عليها وإذا تركها لا لوم عليه ولا عقاب.
стр. 78
فمن هذه الأغسال:
١-غسل الجمعة:
لقوله ﷺ : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" والمراد بالوجوب هنا تأكيد الاستحباب لا الوجوب المأمور به والاستحباب قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وبالوجوب قال شيخنا رحمه الله١: وقد اختلف الفقهاء في وقت الاغتسال للجمعة فمذهب الحنفية٢ والشافعية٣ والحنابلة٤ قالوا بأن وقته من طلوع الفجر، لأن النهار لا يدخل إلا بطلوع الفجر.
وفي رواية لأحمد أن أول وقته من آخر الليل.
وقال آخرون بأن وقته يبدأ من طلوع الشمس؛ لأن ما بين الفجر وطلوع الشمس وقت لصلاة خاصة وهي الفجر ولا ينتهي وقتها إلا بعد طلوع الشمس.
وعلى هذا فيكون الإبتداء بالإغتسال من طلوع الشمس، ويستحب قبيل ذهابه وهذا هو الأقرب وهو اختيار شيخنا٥.
٢- ومن الأغسال المستحبة: غسل الإحرام:
فيستحب لمن أراد الحج أو العمرة أن يغتسل وذلك لفعله ﷺ .
стр. 79
بعض المسائل المتعلقة بالغسل
المسألة الأولى:
السنة أن يغتسل الجنب بالصاع إلى خمسة أمداد فإن نقص أو زاد لحاجة على ما سبق جاز لكن لا يجوز الإسراف في الماء.
المسألة الثانية:
إذا اغتسل من الجنابة ولم يكن قد توضأ فإنه يقوم الغسل مقام الوضوء.
المسألة الثالثة:
يجوز للرجل أن يغتسل من الجنابة مع زوجته من إناء واحد ولو رأى كل منهما عورة الآخر.
المسألة الرابعة:
السنة أن يغتسل من الإنسان بعد الجماع ويجوز للإنسان أن ينام وهو جنب.
المسألة الخامسة:
يجوز للرجل أن يغتسل ببقية الماء الذي اغتسلت منه المرأة والعكس.
المسألة السادسة:
النية لمن عليه أكثر من غسل لها أربع حالات:
стр. 80
الأولى: أن ينوي رفع الحدثين جميعا فيرتفعان.
الثانية: أن ينوي رفع الحدث الأكبر فقط ويسكت عن الأصغر فيرتفعان على الصحيح من أقوال أهل العلم.
الثالثة: أن ينوي ما لا يباح إلا بالوضوء أو باعتبار الحدثين جميعا كالصلاة، فإذا نوى الغسل للصلاة ولم ينو رفع الحدث ارتفع عنه الحدثان.
الرابعة: أن ينوي ما يباح بالغسل فقط دون الوضوء كقراءة القرآن أو المكث في المسجد فيرتفع الحدثان.
المسألة السابعة:
إذا نوى غسلا مستحبا فهل يكفي عن الوضوء؟
نقول: نعم يكفي عن الوضوء بشرط أن يتمضمض ويستنشق.
стр. 81
التيمم:
معنى التيمم لغة واصطلاحا:
التيمم لغة: القصد.
واصطلاحا: التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين.
стр. 82
دليل مشروعيته ومتى يشرع
...
دليل مشروعيته:
وقد ثبتت مشروعيته في الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ١.
-وعن أبي أمامة الباهلي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره" ٢، وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل..".
стр. 83
-وقد أجمع أهل العلم على مشروعية التيمم بدلا عن الوضوء والغسل في أحوال خاصة، ويرفع التيمم الحدث الأصغر والأكبر.
متى يشرع التيمم؟:
عند حاجة الإنسان إلى رفع الحدث في أي وقت، وعدم الماء، أو وجده بثمن يعجز عن دفعه فهو كالعادم للماء، لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ١، أو وجده وخاف إن استعمله أن يتضرر بدنه من مرض ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ٢، أو خاف من ضرر ببدنه عند طلبه كشدة برودة أو وجود سبع في الطريق ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٤، أو خاف إن استعمل الماء ضرر رفقته، أو من له ولاية عليهم من النساء، أو دابته من العطش أو المرض الذي يحتاج لإزالته إلى الماء، أو الهلاك من شدة العطش.
стр. 84
بم نتيمم ؟:
ويجب طلب الماء، والجد بالبحث عنه في رحله، أو رفقته، أو بالقرب من مكانه، فلو كان لا يدل المكان طلب من غيره أن يدله ولو بأجر.
ويحرص أن لا يفوته وقت الصلاة، فإن تيقن عدم وجود الماء تيمم، عن أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ : "إن الصعيد
стр. 85
الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ... " ١، ولا يختص التيمم بالتراب بل يصح بكل أجزاء الأرض لقول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ٢، والصعيد هو كل ما تصاعد على وجه الأرض، رطبا كان أو يابسا، والطيب هو الطهور.
стр. 86
صفة التيمم:
يجب على المتيمم أن يستحضر النية لرفع الحدث بقصد الطهارة وقبل الشروع في المسح، ومحلها القلب، لما روي عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... " ١ ثم يسمي الله تعالى كتسميته في الوضوء، ويضرب بكفيه الصعيد الطاهر ضربة واحدة، ويمسح بهما وجهه، ثم يمسح الكفين بعضهما ببعض، لما روي عن عبد الرحمن ابن أبزى قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إن أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه" ٢.
روي بلفظ آخر " ... أن النبي ﷺ قال: "يا عمار، إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك
стр. 87
وكفيك إلى الرسغين" ١.
وأما قول بعض العلماء بأن التيمم إلى المرفقين، مستدلين بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" ٢، فهو حديث ضعيف، وقياسهم التيمم على الوضوء في ذلك مردود.
ويباح للمتيمم ما يباح للمتوضئ من الصلاة والطواف ومس المصحف، وله أن يصلي ما شاء من النوافل والفرائض، فهو كالوضوء في رفع الحدث سواء بسواء.
стр. 88
نواقض التيمم:
كل ما ينقض الوضوء ينقض التيمم، وقد تقدمت نواقض الوضوء في مبحث الوضوء، لأن التيمم بدل من الوضوء، كما ينقضه وجود الماء
стр. 89
لمن تيمم لفقده، لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ١، فيعود الحدث بوجود الماء، ولقول النبي ﷺ : " ... فإذا وجد الماء، فليتقي الله وليمسه بشره فإن ذلك خير" ٢.
ولما كان التيمم بدلا عن الوضوء، فعند وجود الماء تزول البدلية.
ويبطل التيمم عن الحدث الأكبر بموجبات الغسل.
стр. 90
فاقد الطهورين:
ولو حبس الإنسان في مكان، ولم يجد ماء ولا تراب، ولا يستطيع الخروج ولم يجد من يجلب له الماء أو التراب، صلى على حسب حاله، ولا إعادة عليه، ولا يؤخر صلاته حتى يقدر على أحد الطهورين، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١، ولما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال: رسول الله ﷺ : " ... وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" ٢، وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " ... فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما ستطعتم ... " ٣.
стр. 91
مقدمات الصلاة
مدخل
...
مقدمات الصلاة:
تتحقق العبودية الحقة لله خلال الصلاة، بما فيها من الإخلاص والخشوع والتذلل للخالق سبحانه، ويملأ العبد جوانبه بزاد روحي يكسبه قدرة على القيام بالواجبات، وترك المحذورات.
وفي الصلاة يلتقي العبد بمولاه، به يستعين، وبه يستغيث، ومنه يطلب الهداية، يتحرك لسانه بالذكر، وينشغل عقله بالتأمل والفكر في معنى الذكر، وقلبه يخفق من عظمة اللقاء، فتشرق جنبات نفسه بالنور، فيرتفع عن الشهوات، ويبتعد عن الشبهات، ويقف عند حدود الله، يعظم ما عظم الله، وينأى عن ما حرم.
إنها الرباط الروحي الذي يصل المسلم بمولاه، فيزداد ثباتا واستقرارا، فلا تتزعزع عقيدته، ولا تضعف عزيمته، لأنه دائم الاتصال بالله، وقد أخبر النبي ﷺ : "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة.." ١.
وحتى يقف المسلم بين يدي الله ليؤدي الصلاة، عليه أن يستعد بالطهارة، وستر العورة، وترديد الأذان، والتوجه إلى القبلة، ولا يؤدي صلاة الفريضة إلا عندما يحل وقتها، وفي الصفحات القادمة سنتحدث بشيء من التفصيل عن هذه المقدمات.
стр. 92
١- الطهارة:
لم يفرض الله سبحانه فرضا يستمر في حال الصحة والمرض، والغنى والفقر، والسفر والحضر، - غير الصلاة، وألزم عباده بخمس صلوات في كل يوم وليلة، يسعى إليها العبد لمناجاة ربه، فيتهيأ لهذا اللقاء بالتطهر، ومن حكمة الله سبحانه أن جعل الصلاة لا تقبل بغير طهور، فيغتسل العبد أو يتوضأ أو يتيمم، فيطهر جوارحه من ملوثات المادة، ويتجمل ليلقى ربه نظيفا نقيا، وقد تخلص من غفلته وكسله واستبدل ذلك بنشاط وانتباه.
لقد عظم الله سبحانه قدر الصلاة فمنع الحائض منها حتى تطهر من حيضها، ومنع النفساء حتى تطهر من نفاسها، فانعكست آثار الطهارة على حياة المسلمين عامة حتى أصبحت النظافة ديدنهم.
ويمتد معنى الطهارة إلى ما هو أعمق من النظافة الحسية الظاهرة، فيجوب النفس ويجليها من أصداء المعاصي وأدران الذنوب، فإذا كانت هذه الجوارح هي التي ترتكب المنكرات، فهو يغسل ظاهرها، وكله عزم ويقين على تطهيرها، بالتكفير عن الذنوب، والبعد عن الرذائل، والقرب من الله.
وتتحقق الطهارة من الحدث الأصغر بالوضوء، ومن الحدث الأكبر بالغسل، وينوب التيمم عنهما بشروط خاصة سبق ذكرها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً
стр. 93
فَاطَّهَّرُوا﴾ ١، وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول " ٢.
ويجب على المسلم قبل الصلاة أن يتحرى طهارة بدنه وثوبه ومكان صلاته، فإذا علق بأحدها نجاسة مما خرج من السبيلين، أو النجاسات الأخرى فإنه يجب تطهيره بالماء لما روي عن علي ﵁ قال: كنت رجلا مذاء، وكنت أستحي أن أسأل النبي ﷺ لمكانة ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: "يغسل ذكره ويتوضأ" ٣.
وعن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" ٤.
وعلى المرأة أن تزيل أثر الدم عنها، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " ... فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم وصلي" ٥.
ولا يليق مع جلال الوقوف بين يدي الله، أن يقف المسلم بثوب قد أصابته النجاسة، قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ٦، ولذا يجب تطهير الثوب بغسله بالماء حتى تزول عنه النجاسة، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: سأل رجل النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يأتي فيه
стр. 94
أهله؟ قال: "نعم. إلا أن يرى فيه شيئا فيغسله" ١.
فإن بقي بعد الغسل أثر يشق زواله كلون الدم، فهو معفو عنه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بماء ثم لتصلي فيه" ٢.
أما ذيل ثوب المرأة فالأرض تطهره، لما روي أن امرأة قالت لأم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ : إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ : " يطهره ما بعده" ٣.
وعند إزالة النجاسة من الثوب يجب التأكد من تمام إزالتها وعدم بقاء جرم لها ولا لون أو رائحة أوطعم إلا ما تعذر، وتحصل الطهارة في الثوب الذي أصابه البول بغسله ولو مرة واحدة حتى تزول الرائحة ويذهب الأثر، ويفرك ما علق الثوب من المني يابسا ورطبا.
ويجب على المسلم قبل الصلاة أن يتحرى المكان الطاهر يصلي فيه، وتطهر الأرض إذا أصابتها نجاسة بزوال عينها إن كانت النجاسة لها جرم، فإن كانت النجاسة مائعة تطهر بصب الماء عليها، لما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم
стр. 95
النبي ﷺ : "دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" ١.
والمداومة على الطهارة في الجسد والثوب والمكان، تجعل المسلم في جميع أوقاته طيب النفس، رفيع الذوق، سامي المشاعر، ولنتأمل ماذا كان حالنا لو لم يشترط الشرع هذه الطهارات؟
لذا ينبغي للمسلم أن يطهر باطنه كما طهر جسده وثوبه ومكان صلاته، حتى يقبل على الله وقد خلا قلبه من الحقد والحسد والرياء، فيسارع بالتوبة والاستغفار، والعزم الأكيد على عدم العودة إلى ما يدنس النفس ويغضب الله تعالى.
إن مراجعة القلب قبل كل صلاة وتطهيره مما علق به، سيعيد للقلب طمأنينته، وللصدر سلامته، فيكون هذا هو حاله كل وقت، عندئذ يقف العبد أمام ربه لا يشغله شيء من الدنيا، فيخشع لله، ويشعر بلذة العبادة، قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢.
стр. 96
٢- ستر العورة:
ويجدر بالمسلم قبل أن يدخل في الصلاة أن يلبس أجمل ثيابه، ويشترط فيها أن تستر العورة، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ١.
وأقل الزينة ما يستر العورة، والمسجد بيت الله الذي أنشىء للعبادة، واستجابة لأمر الله تعالى في الآية السابقة، ينبغي للمسلم أن يلبس أحسن ثيابه عندما يتجه إلى المسجد، لأنه سيناجي ربه، رب جميع المخلوقات، وهو سبحانه أجدر أن يزين للقائه، ولقد أمر رسول الله ﷺ قومه بالتزين، عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبه فإن الله أحق من يزين له" ٢، قال ابن عبد البر: احتج من قال الستر من فرائض الصلاة، بإجماع على إفساد من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلى عريانا، قال: وهذا أجمعوا عليه كلهم٣.
ويشترط في الثوب أن يستر العورة، فإن كان خفيفا يبدو من تحته لون البشرة لم تجز الصلاة فيه، والشرع عندما يحدد اللباس الذي تصح به الصلاة إنما يلفت إلى تعظيم الله في الظاهر والباطن،
стр. 97
بتغطية مساوىء البدن، فتكون درسا يتعلمه المسلم، فيتزين من الداخل كما تزين من الخارج، ويبتعد عن كل ما يفسد معاني الجمال في النفس.
وعورة المرأة الحرة البالغة في الصلاة، تغطي جميع بدنها ما عدا وجهها، فلو كشفت رقبتها أو جميع شعر رأسها في الصلاة تعيد الصلاة، قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام١.
بل نص بعض الفقهاء على كراهية تغطية المرأة وجهها في الصلاة، أما في غير الصلاة فالوجه أم العورات في النظر.
واختلف في يد المرأة وقدمها، هل يجب سترهما في الصلاة؟ ولا يوجد أدلة صريحة على وجوب ستر الكفين والقدمين، والأحوط سترهما.
وعورة الرجل البالغ في الصلاة، التي يجب عليه سترها، ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليسا داخلين فيها.
واختلف فيما بين السرة والركبة عدا السوأتين، بين كونها عورة يجب تغطيتها، وبين كونها ليست عورة لتعارض الآثار، لما رواه أنس رضي اله عنه: "أن رسول الله ﷺ غزا خيبر ... ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ ... "٢، ولما روي عن جرهد أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي ﷺ : "غط فخذك فإنها من العورة" ٣.
стр. 98
وحديث أنس ضمن الأدلة التي استدل بها الفريق القائل أن الفخذ ليست عورة، ولو كانت عورة لما كشفها رسول الله ﷺ لأن بن مالك ولا لغيره.
وحديث جرهد مما استدل به على أنه عورة. قال البخاري ﵀: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط١.
وجواب ذلك: أن ما رواه أنس خارج الصلاة، والصحيح أن العورة للرجل في الصلاة ما بين السرة والركبة، وكذلك عورة المرأة دون البلوغ، والرقيقة ما بين السرة والركبة، أما عورة الصبي من سبع إلى عشر فالسوأتان فقط، ومن دون السبع فليس له عورة مطلقا.
وقد قسم الحنابلة العورة إلى ثلاثة أقسام:
١-مغلظة: للمرأة الحرة البالغة.
٢-متوسطة: للرجل البالغ والمرأة دون البلوغ والرقيقة.
٣-مخففة: لابن سبع إلى عشر سنين.
стр. 99
٣- الأذان:
معنى الأذان والإقامة وحكمهما:
والأذان لغة: الإعلام، وشرعا: الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة بذكر مخصوص، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ١، وعن مالك ابن الحويرث ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ... فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ... " ٢.
والإقامة: هي الإعلام بالقيام إلى الصلاة المفروضة بذكر مخصوص.
وحكم الأذان والإقامة فرض كفاية على جماعة الرجال، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، لما رواه مالك ابن الحويرث، فقول "أحدكم" دل على أنه فرض كفاية.
نداء حبيب:
والأذان نداء حبيب إلى كل نفس مؤمنة، يدعو إلى خير عمل، وأعظم لقاء، في أطهر مكان. فهو عبادة تتقدم الصلاة، يتردد صداها في الكون، الله أكبر، فكل ما نتصور أنه كبير، فالله أكبر، فكل شيء دون الله حقير، التجارة، الأموال، المتاع، الدنيا، ياله من نداء عظيم،
стр. 100
يدعو إلى التوحيد ونفي الشرك، ويثبت الرسالة لمحمد ﷺ ، فيرتفع ذكره مع كل أذان مقترنا بذكر الله تعالى، يتردد عبر الأزمان.
يدعو النداء أمة الإسلام أن تقبل على الله لأداء الصلاة، والفوز برضاه، وإلى الطاعة في صلاة الجماعة، في بيت الله، إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.
وينتهي الأذان معلنا لكل من شغلته الدنيا وألهته، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، حتى ينتبه، ويترك كل شيء، ويسعى إلى لقاء الله.
مشروعية الأذان:
شرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، ودليل مشروعيته، ما رواه عبد الله بن زيد ﵁، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت له: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى. قال: فقال: تقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله "، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقيمت الصلاة: "الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، لا إله إلا الله"، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: "إنها لرؤيا
стр. 101
حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك"، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد" ١.
стр. 102
صور الأذان:
وقد ورد الأذان بعدة صور ثابتة المشروعية، لذا ينبغي عدم التزام صورة واحدة منها، حتى لا يترتب على ذلك هجر لوجوه صحيحة من السنة. مثل الآذان الإقامة، والأفضل الإتيان بكل وجه تارة، لما فيه من الشمول والنفع.
لفظ الآذان ...
عدد الجمل ...
عدد الجمل ...
عدد الجمل ...
عدد الجمل
الله أكبر ...
٤ ...
٤ ...
٢ ...
٢
أشهد أن لا إله إلا الله ...
٢ ...
٢ ٢ترجيعا يخفض بها صوته ...
٢ ٢ترجيعا يخفض بها صوته ...
٢
أشهد أن محمدا رسول الله ...
٢ ...
٢ ٢ترجيعا يخفض بها صوته ...
٢ ٢ترجيعا يخفض بها صوته ...
٢
حي على الصلاة
حي على الفلاح ...
٢ ...
٢ ...
٢ ...
٢
الله أكبر لا إله إلا الله ...
١ ...
١ ...
١ ...
١
...
أذان بلال ﵁ لحديث عبد الله بن زيد المتقدم ...
عن أبي محذورة "أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة" [١] ...
لما رواه الإمام مسلم عن أبي محذورة أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان [٢] ...
عن مالك، لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: كان الأذان على عهد رسول الله مثنى مثنى والإقامة مرة مرة.. [٣]
[١] رواه الترمذي ١/٣٦٧ ح ١٩٢، وقال: حسن صحيح.
[٢] رواه مسلم ١/٢٨٧ ح٣٧٩.
[٣] رواه النسائي٢/٣ كتاب الأذان، باب تثنية الأذان، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي ١/١٣٥ ح٦١٠، قال ابن حجر في فتح الباري ٢/٨٣: وذلك يقتض أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك ولكن لم يختلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة.
стр. 103
صور الإقامة:
لفظ الإقامة ...
عدد الجمل ...
عدد الجمل ...
عدد الجمل
الله أكبر ...
٢ ...
٤ ...
٢
أشهد أن لا إله إلا الله ...
١ ...
٢ ...
١
أشهد أن محمدا رسول الله ...
١ ...
٢ ...
١
حي على الصلاة
...
١ ...
٢ ...
١
حي على الفلاح ...
١ ...
٢ ...
١
قد قامت الصلاة ...
٢ ...
٢ ...
١
الله أكبر ...
٢ ...
٢ ...
٢
لا إله إلا الله ...
١ ...
١ ...
١
...
إقامة بلال ﵁ لحديث عبد الله بن زيد المتقدم ...
لحديث أبي محذورة أن رسول الله ﷺ قال: "والإقامة سبع عشرة كلمة" [١] ...
وبه أخذ مالك ﵀ من الإقتصار على التكبير في الأذان مرتين، وعلى كلمة الإقامة مرة واحدة، لأن ذلك عمل أهل المدينة [٢] .
إلا أن ابن القيم ﵀ ذكر أنه لم يصح عن رسول الله ﷺ إقرار كلمة "قد قامت الصلاة" البتة [٣] .
وقال ابن عبد البر: ذلك من الاختلاف المباح..فإن ثنى الإقامة أو أفردها كلها أو إلا "قد قامت الصلاة" فالجميع جائز [٤]
[١] رواه النسائي ٢/٤ كتاب الأذان، باب كم الأذان من كلمة؟ واللفظ له، والترمذي ١/٣٦٧ ح١٩٢ وقال: حسن صحيح.
[٢] انظر زاد المعاد: ابن القيم الجوزية ٢/٣٩٠.
[٣] المصدر السابق.٢/٣٨٩.
[٤] فتح الباري: ابن حجر ٢/٨٤.
стр. 104
الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة:
قال ابن حجر: قيل: ... الأذان لإعلام الغائبين فيكرر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين، ومن ثم استحب أن يكون الأذان في مكان عال بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مرتلا، والإقامة مسرعة.
ويشرع للمؤذن في أذان الصبح فقط قول: "الصلاة خير من النوم" مرتين بعد الحيعلتين، لما قال أبو محذورة: يا رسول الله: علمني سنة الأذان.. وفيه".. فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"١.
ويشرع الأذان في الحضر والسفر، لفعل النبي ﷺ ، وأمره لمالك بن الحويرث وأصحابه ".. فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم." ٢ وقد كانوا على أبهة سفر.
ومن نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها بعد أن يؤذن لها ويقيم، لما روي عن عمرو بن أمية الضمري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فنام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فاستيقظ رسول الله ﷺ ، فقال: "تنحو عن هذا المكان" قال: ثم أمر بلالا فأذن، ثم توضؤوا وصلوا ركعتي الفجر، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم
стр. 105
صلاة الصبح"١.
فإن تعددت الفوائت صلاها بأذان واحد، وإقامة لكل صلاة، لأمر النبي ﷺ حين شغله المشركون عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء، فأمر بلالا فأذن أذانا واحدا، ثم أقام للظهر، وأقام للعصر، وأقام للمغرب، وأقام للعشاء.
شروط الأذان:
ويشترط للأذان ما يلي:
١- دخول الوقت، لحديث " ... فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ... "، وحضور الصلاة معناها حضور وقتها، والأذان إعلام بدخول الوقت، ولا يكون ذلك قبله.
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن للصلوات بعد دخول وقتها إلا الفجر، ولأن الأذان شرع للإعلام بالوقت، فلا يشرع قبل الوقت، لئلا يذهب مقصوده"٢.
٢- الإسلام.
٣- البلوغ والعقل، لأن غيرهما غير موثوق به.
٤- الذكورية، قال ابن عمر ﵄: "ليس على النساء أذان ولا إقامة"٣ فليست المرأة من أهل الأذان.
стр. 106
قال ابن قدامة: "لا أعلم فيه خلاف.." وروي عن أحمد قال: إن فعلن فلا بأس، وإن لم يفعلن فجائز١.
١- عدم الزيادة أو النقص عما ورد به النص، لأن الأذان عبادة، ومدار العبادات على اتباع، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٢.
٢- رفع الصوت بالنداء، وإن كان منفردا في صحراء، لقول النبي ﷺ : "فليؤذن لكم أحدكم" ٣، وقوله "لكم" يشير إلى رفع الصوت ليسمع الآخرين، فمن خفت صوته كان آذانه لنفسه فقط، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له: "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء شهد له يوم القيامة"، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
٣- أن يؤتى بوجه لا يتغير به المعنى.
ويستحب للمؤذن أن يبتغي بآذانه وجه الله وأن يكون طاهرا من الحدثين، وأن يؤذن قائما مستقبل القبلة، وأن يلتفت يمينا في (حي على الصلاة) ، وشمالا في (حي على الفلاح) وأن يدخل إصبعيه في أذنيه
стр. 107
لفعل بلال ﵁.
عن معاوية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة" ١، وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا.." ٢.
ويسن أن يردد من يسمع الأذان فيقول مثل ما يقول المؤذن، لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" ٣، إلا في الحيعلتين فيقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "..ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله" ٤.
ويسن للمؤذن ولمن سمع الأذان وأجاب المؤذن، أن يصلي على النبي ﷺ بعده ثم يسأل الله له الوسيلة، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" ٥.
стр. 108
وعن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" ١.
стр. 109
٤- استقبال القبلة:
معنى القبلة لغة وشرعا:
والقبلة لغة: الجهة، وكل ما يستقبل من الشيء.
وشرعا: يراد بها البيت الحرام، الكعبة.
حكم استقبال القبلة:
واستقبال البيت الحرام عند الصلاة واجب، لقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١ فاستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، لقول الرسول ﷺ للمسيء صلاته: "..إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... " ٢.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفنا نحو الكعبة"٣.
وقد جاءت بعض الآثار أن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة قبل الهجرة بين الركنين، والكعبة بين يديه، ووجهه إلى بيت المقدس.
ومن تمكن من رؤية الكعبة، وجب عليه استقبال عينها، فإن حال
стр. 110
بينه وبينها حائل استقبل جهتها، وتحرى لذلك قدر الإمكان، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢، وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.." ٣.
وقال أهل العلم: لا يضر الانحراف اليسير، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" ٤، قاله لأهل المدينة لأن قبلتهم جنوب.
بم تعرف القبلة؟
وتعرف القبلة بالمحاريب في المساجد، أوببيت الإبرة (البوصلة) ، فإن خفيت لغيم أو ظلمة سأل من يدله عليها، فإن عدم اجتهد وصلى إلى جهة اجتهاده، وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، حتى لو ظهر له خطؤه بعد فراغه من صلاته، فإن تبين خطؤه في جهة القبلة أثناء الصلاة، توجه إلى القبلة ولا يقطع صلاته، والدليل على ذلك ما رواه ابن عمر ﵄، قال: "بينما الناس في صلاة الصبح بقباء، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة"٥، والشاهد في هذا الحديث أنهم لم يقطعوا صلاتهم عندما تغيرت القبلة واستداروا إلى الكعبة.
فإن اختلف في جهة القبلة، صلى كل منهم إلى ما يعتقد، والجاهل