← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7663

الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية

سليمان بن سحمان

Полный текст (322 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بشر قد وضع بأكفانه في لحده، ولو سلمنا أنه لو خطرت له وهو عنده في تلك الحضرة لتعوذ بالله منها، ووقف عند حده، ويا خيبة من أنكر عليهم حالهم، ويا شناعة من رد عليهم أمرهم، ويا خسارة من علمهم وأرشدهم، فإن ذلك عندهم١، قد تنقص الأولياء وهضمهم مرتبتهم عن السمو والارتقاء، ولو ذهبنا نذكر أفعالهم وأقوالهم لطال الجواب، فإلى الله المشتكى وبه المستغاث وهو المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 142

فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط ... فصل قال الملحد:" وإنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط بحصول المقصود من الله تعالى لعلو شأنهم عنده سبحان". فالجواب: أن نقول هكذا كان مشركو العرب الجاهلية حذو النعل بالنعل، كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، ويلتجئون إليهم ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم، ويعلمون أن الله تعالى هو النافع الضار وأن الله سبحانه هو المؤثر، وأن غيره لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لما جعلوا بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله تعالى فلم ينفعهم إقرارهم بتوحيد الربوبية. وقد قال شيخ الإسلام ﵀ لما سئل عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من وساطة بيننا وبين الله تعالى فإنا لا نقدر على أن نصل إليه بغير ذلك فما معنى الوساطة؟

стр. 143

وهل التوسط عام في كل شيء يوجده الله تعالى أم في ذلك بيان وتفصيل؟. فأجاب ﵀ ورضي عنه بقوله: الحمد لله إن أراد بذلك أنه لا بد من وساطة تبلغ أمر الله تعالى فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر الله به ونهى عنه، وما أعد لأوليائه من كرامته، وما أوعد به أعداءهم من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى، وصفاته العلا١ التي تعجز العقول عن الإحاطة بها، إلى أمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده. والمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم٢المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة. وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون وهم ضالون وعن ربهم محجوبون قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: آيات٣٥، ٣٦]ـ وذكر آيات في المعنى ـ ثم قال ﵀: وإن

стр. 144

أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونهم ذلك ويرجونهم فيه فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار، لكن الشفاعة لمن يأذن الله تعالى له فيها قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤] ، وقال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: آية٥١] وقال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: آيات:٢٢، ٢٣]ـ وساق آيات المعنى ـ إلى أن قال: وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمرن: آيات٧٩، ٨٠] فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء

стр. 145

وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: آيات ٢٦ـ٢٩] وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: آية١٧٢ وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: آيات٨٨ـ٩٥] وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: آية١٨] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: آية٢٦] وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا

стр. 146

بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: آية٢٥٥] وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: آية١٠٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: آية٣٨] ومثل هذا في القرآن كثير، ومن سوى الأنبياء من مشايخ العلم والدين فمن١ أثبتهم وسائط بين الرسول وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد أصاب في ذلك. وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم٢ حجة قاطعة لا يجتمعون على ضلالة، إلى أن قال: وإن أثبتهم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك وبين رعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من

стр. 147

الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل. قلت: وهذا عين كلام الشامي فإنه زعم أن الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط بحصول المقصود من الله تعالى لعلو شأنهم عنده سبحانه، والشيخ ﵀ هنا وفي جميع كلامه جزم بأن فاعل ذلك كافر مشرك يستتاب كما يستتاب المرتد فإن تاب وإلا قتل. ثم قال الشيخ: وهؤلاء المشبهون يشبهون الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا. وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى، فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة: إما لإخبارهم من أحوال الناس ما لا يعرفونه، ومن قال: إن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه١المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين.

стр. 148

الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته، ودفع أعاديهم إلا بأعوان يعينونه، فلا بد له من أعوان وأنصار لذله وعجزه، والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل. قال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: آية٢٢] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: آية١١١] وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سبحانه خالقه وربه ومليكه، فهو الغني عن كل ما سواه، فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم١، وهم في الحقيقة شركاؤهم. والله سبحانه ليس له شريك في الملك، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما، فإن من يشفع عند غيره بغير إذنه، فهو شريك في حصول المطلوب؛ لأنه أثّر فيه بشفاعته حتى جعله يفعل ما يطلبه منه. والله لا شريك له بوجه من الوجوه. ويسمى الشفيع شفيعا؛ لأنه يشفع غيره أي يصير له شفعا، قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: آية٨٥] وكل

стр. 149

من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه. والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه. الوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته، والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج. فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعطفه، أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت أداة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، إما لما يحصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل له من الرغبة والرهبة من كلام المدل عليه. والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى١نفع العباد بعضهم على أيدي بعضهم، فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك، فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي والشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه أو من يرجوه الرب ويخافه ولهذا قال النبي ﷺ : "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" ٢ والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا

стр. 150

بإذنه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: آية٢٨] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: آية٢٣] بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك أو يكون شريكا لهم في الملك، وقد يكون مظاهرا لهم معاونا على ملكه، وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك والملك يقبل شفاعتهم تارة على إنعامهم عليه، حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه فإنه إن لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه، وأن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد لبعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة والله تعالى لا يرجو أحدا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: آية٦٦ـ٦٨] وقوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [يونس: آية٦٦] استفهام استنكار أي ليس متبع الذين يدعون من دون الله شركاء حجة ولا برهانا، ما يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، بين تعالى أن من دعا من دون الله

стр. 151

شركاء فليس معه علم، ليس معه إلا الظن والخرص والظن المقرون بالخرص هو ظن باطل غير مطابق للحق؛ فإن الخرص هنا بمعنى الكذب كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] ومن ظن أن "ما" هنا نافية فقد فسر الآية بما هو خطأ كما قد بسط في غير هذا الموضع، والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوقين. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: آية١٨] وقال عن صاحب يس١: ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِي﴾ [يس: آيات٢٢ـ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الاحقاف:٢٨] وأخبر عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: آية٣] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

стр. 152

[آل عمران: آية٨٠] . وقال: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: آيات ٥٦ـ٥٧] فأخبر أن من يدعي من دونه لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، وأنهم يرجون رحمته ويخاف عذابه، ويتقربون إليه فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسيط الملائكة والأنبياء. إلى أن قال: والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله تعالى وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائط يتقربون بها إلى الله تعالى، وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: آية٣١] وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: آية ١٨٦] ثم ذكر آيات في المعنى وهذا الذي قاله الشيخ لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنما اشتبه الأمر على هؤلاء الضلال لما قدم العهد، ونسي العلم، واعتادوا سؤال غير الله فيما يختص به تعالى، ونشئوا على ذلك.

стр. 153

فصل: في رد قول الملحد: (لكن ندعو العامة إلى الأدب في التوسل ... الخ ... فصل وأما قوله: "ولكن مع ذلك علينا أن نأمر العامة الأدب بالتوسل بأن يكون بالألفاظ التي ليس فيها إيهام، وذلك كأن يقول المتوسل: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بالنبي ﷺ وبأصحابه وبأحبابه أن تعطيني كذا وكذا وتدفع عني كذا وكذا إلى آخر مطلوبه، ولا يصح لنا أن نمنعه من التوسل مطلقا لما قدمنا من الآيات، ولما يأتي من الأحاديث، والإجماع فنعوذ بالله من طمس عين البصيرة ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: آية٨] . فالجواب أن نقول: إن قول القائل: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بالنبي وبأصحابه وبأحبابه أن تعطيني كذا وكذا قول مبتدع محرم منهي عنه في أصح القولين عند الحنابلة، وقد نص على المنع منه جمهور أهل العلم بل ذكر شيخ الإسلام في رده على ابن البكري أنه لا يعلم قائلا بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي ﷺ ، ولم يجزم بل علق

стр. 154

القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث١. ونقل القدوري وغيره من الحنفية عن أبي يوسف أنه قال: قال أبو حنيفة ﵁: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وذكر الملا في شرح التنوير على التتار خانية عن أبي حنيفة قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله سبحانه إلا به أي بالله سبحانه. وفي جميع متونهم: أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت والمشعر الحرام مكروه كراهة تحريم، وعللوا ذلك كلهم بقولهم: إنه لا حق للمخلوق على الخالق. انتهى. ولكن هؤلاء الغلاة مع كونهم مبتدعين هم مع ذلك يدعون الأنبياء والأولياء والصالحين ويلجؤون٢، وقد كان من المعلوم عند جميع أهل السنة والجماعة من جعل الأنبياء والأولياء والملائكة وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين والله الهادي إلى الصواب.

стр. 155

فصل: في رد قول الملحد: (الباب الثاني في ذكر الأحاديث الدالة على التوسل بالنبي ... الخ ... فصل قال الملحد: "الباب الثاني بذكر الأحاديث الدالة على التوسل بالنبي ﷺ أخرج البخاري في تاريخه، والبيهقي في الدلائل والدعوات وصححه، وأبو نعيم في المعرفة عن عثمان بن حنيف، أن رجلا ضريرا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله لي أن يعافيني. قال: إن شئت أخرت ذلك وهو خير لك، وإن شئت دعوت الله تعالى. قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم شفعه في" ففعل الرجل فقام وقد أبصر". والجواب أن يقال: هذا الحديث غير محفوظ، وفيه مقال مشهور وفي سنده أبو جعفر عيسى بن أبي عيسى بن ماهان الرازي التميمي١قال الحافظ بن حجر في التقريب:

стр. 156

الأكثرون على ضعفه، وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن المديني: ثقة كان يخلط، وقال مرة: يكتب حديثه إلا أنه يخطئ، وقال القلانسي: سيء الحفظ، وقال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير، وقال أبو زرعة يهم كثيرا، وقال الحافظ في التقريب أيضا في ترجمة الرازي التميمي مولاهم مشهور بكنيته واسمه عيسى بن أبي عيسى بن عبد الله ماهان، وأصله من مرو، وكان يتجر إلى الري صدوق سيء الحفظ خصوصا عن مغيرة من كبار السابعة مات في حدود الستين انتهى، وعلى تقدير صحته وثبوته فلا يدل على ما توهمه هذا الملحد، وببيان معنى الحديث يعلم أن ما توهمه هؤلاء الغلاة غير صحيح، فقوله: "اللهم إني أسألك" أي أطلب منك، وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ صرح باسمه مع ورود النهي عن ذلك تواضعا منه لكون التعليم من قبله، وفي ذلك قصر السؤال الذي هو أصل الدعاء على الله تعالى الملك المتعال، ولكنه توسل بالنبي

стр. 157

بدعائه؛ ولذلك قال في آخره: "اللهم فشفعه فيّ" إذ شفاعته لا تكون إلا بالدعاء لربه قطعا، ولو كان المراد التوسل بذاته فقط لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله: "نبيك" كاف في إفادة هذا المعنى. فقوله: "يا محمد إني توجهت بك إلى ربي" ١قال الطيبي: "الباء في بك للاستعانة" وقوله: "إني توجهت بك" بعد قوله: "أتوجه إليك" فيه معنى قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة٢٢٥] فيكون خطابا٢ لحاضر معاين في قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه بدعائه الذي هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيد كل ذلك أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه في دعائه فكأنه استحضره وقت ندائه. وقال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم": "والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره، وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه بصره فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول قوله "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعائه وبشفاعته كما قال عمر: "كنا نتوسل إليك بنبينا" فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد ثم قال: "يا محمد

стр. 158

يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه فيّ" فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه. وقوله: "يا محمد يا نبي الله" وهذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب، فلفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، يراد التسبب به لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو لكون الداعي محبا له مطيعا لأمره مقتديا به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته فلا يكون التوسل لا منه ولا من السائل بل بذاته أو بمجرد الإقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه، وكذلك السؤال بالشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب لكونه سببا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام إلى آخر ما قال انتهى. فإذا عرفت هذا فليس في حديث الأعمى ما يدل على التوسل به ودعائه والإلتجاء إليه بعد وفاته، وإنما فيه أنه توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألونه الاستغفار والدعاء وقد قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقال تعالى حاكيا عن المنافقين ﴿وَإِذَا

стр. 159

قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون ٥] فذم هذا الصنف بالصد عن ذلك، فهذا كان هديهم وفعلهم في حياته ﷺ ، وأما بعد موته ﷺ فلم يفعله أحد منهم، ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم. وأما قوله: "وليس لمانع التوسل أن يخصه بقبل وفاته ﷺ ؛ لأن الصحابة استعملوه بعد وفاته ﷺ ". فالجواب أن هذا كذب على الصحابة ﵃ فإن الصحيح الثابت عنهم التوسل به في حياته بدعائه، وأما بعد وفاته فلم يكن يفعل ذلك أحد منهم، وقد ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" فقد بين عمر ﵁، أنهم كان يتوسلون به في حياته فيسقون، وذلك التوسل أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم ويدعون معه فيتوسلون بشفاعته ودعائه، فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه، فلما مات توسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون به، ولم يتوسلوا به ويستسقونه بعد موته، ولا في مغيبه، ولا عند قبره. وكذلك معاوية بن أبي سفيان استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي وقال اللهم: "إنا نستشفع إليك بخيارنا يا يزيد ارفع يديك إلى الله" فرفع يديه ودعا فسقوا ولذلك قال العلماء:

стр. 160

يستحب أن يستسقي بأهل الصلاح والخير، فإذا كان من أهل بيت رسول الله ﷺ كان أحسن، ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي الصالح بعد موته، ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك لا في الاستسقاء ولا في غيره من الأدعية، والدعاء مخ العبادة، والعبادة مبناها على النية والاتباع، وإنما يعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ـ ٢١] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف ـ ٥٥] وقال النبي ﷺ : "إنه سيكون في هذه الأمة أقوام يعتدون في الدعاء والطهور" انتهى. وأما قوله: "فقد أخرج البيهقي، وأبو نعيم في المعرفة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف وشكى إليه ذلك. فقال: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي لتقضي حاجتي، واذكر حاجتك، ثم رح حين أروح، فانطلق الرجل وصنع ذلك، ثم أتا باب عثمان فجاء البواب فأخذه بيده وأدخله على عثمان، فأجلسه معه على الطنفسة فقال: "انظر ما كان لك من

стр. 161

حاجة" ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال: "جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته" قال: ما كلمته، ولكن رأيت النبي ﷺ وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له أو تبصر، قال يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال: "ائت الميضاة فتوضأ وصل١ ركعتين ثم قل اللهم إن أتوجه بك إلى ربي ليجلي بصري اللهم شفعه في وشفعني في نفسي، قال عثمان: فوالله ما تفرقنا حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضرر" انتهى من شرح الخصائص..". فالجواب: إن في سند هذا الحديث مقالا، وقد رواه الطبراني وفي سنده روح بن صلاح وقد ضعفه ابن عدي٢

стр. 162

........................................................................................................................................

стр. 163

........................................................................................................................................

стр. 164

........................................................................................................................................

стр. 165

بل قد قال بعضهم: إن إمارات الوضع لائحة عليه، فكيف يعارض جميع كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وعمل أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؟ وهل سمعت أحدا منهم جاء إليه بعد وفاته إلى قبره الشريف فطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وهم حريصون على مثل هذه المثوبات، لا سيما والنفوس مولعة بقضاء حوائجها تتشبث بكل ما تقدر عليه، فلو صح عند أحدهم أدنى شيء من ذلك لرأيت أصحابه يتناوبون قبره الشريف في حوائجهم زمرا زمرا، خصوصا في الفتن الكبار١التي جرت بزمنهم وبصدهم على الإسلام والمسلمين، ومثل ذلك تتوفر الدواعي على نقله، ولا وسّع٢الله طريقا لم يتسع للصحابة والتابعين وصلحاء علماء الدين. نعم كان ابن عمر ﵄ يأتي القبر المكرم ويقول: " السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت" ثم ينصرف، وكذلك أنس وغيره، فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة. ثم اعلم أن هذا الحديث مخالف لعمل الصحابة ﵃، وقد قال ﷺ : "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد". وأما دعوى هؤلاء الغلاة أن الصحابة استعملوا هذا الدعاء بعد وفاته فإن هذا مما يعلم بالضرورة أنه من الكذب على

стр. 166

الصحابة ﵃، ولو كان هذا الاستعمال صحيحا لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، ولما عدل الفاروق إلى التوسل بدعاء العباس، ومعاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، ولكان يمكنهم لو كان هذا الحديث صحيحا معروفا عندهم أن يتوسلوا بالنبي ﷺ ، ولا يطلبون من العباس أن يدعوا لهم، ومما يوضح لك الأمر أن هذا الحديث غير صحيح أن رواته مختلفون في متنه وسنده، مع أنه لم يذكر في شيء من الكتب المعتمدة، وإنما ذكره مثل البيهقي والطبراني والترمذي وأبي نعيم١، وهؤلاء يذكرون مثل هذه الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة على وجه التنبيه، وقد رأى علماء الإسلام الجهابذة النقاد ظلمات الوضع لائحة عليه فأعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه والله أعلم.

стр. 167

فصل: ذكر المعترض أن الناس اصابهم قحط في زمن عمر ... الخ ... فصل قال الملحد: وفي حاشية العلامة ابن حجر على الإيضاح للنووي ما نصه: " وقد صح في حديث طويل أن الناس أصابهم قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك، فجاءه في النوم وأخبره أنهم يسقون فكان كذلك" انتهى. فالجواب أن يقال: هذا الحديث الذي ذكره هذا الملحد في حاشية ابن حجر على الإيضاح للنووي قد رواه البيهقي وابن أبي شيبة عن بلال بن الحارث١وليس فيه دلالة على جواز دعاء النبي ﷺ ، والتوسل به، والإلتجاء إليه، والإستغاثة به بل هو من جنس المنامات التي لا يعتمد عليها في الأحكام، ولا يثبت بها حكم شرعي.

стр. 168

وأيضا ففي هذا الحديث مقال مشهور، قال الحافظ في الفتح١: وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار٢ - وكان خازن عمر ﵁ قال: "أصاب الناس قحط في زمن عمر ﵁، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه سلم في المنام، فقيل له إئت عمر" الحديث، وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلا بن الحارث المزني أحد الصحابة انتهى٣.

стр. 169

........................................................................................................................................

стр. 170

........................................................................................................................................

стр. 171

........................................................................................................................................

стр. 172

فعلم أن ما روي بإسناد صحيح ليس فيه أن الجائي أحد الصحابة، وما فيه أن الجائي أحد الصحابة ضعيف غاية الضعف، قال الذهبي في الميزان: سيف بن عمر الضبي١ الأسدي، ويقال التميمي البرجمي، ويقال السعدي الكوفي

стр. 173

مصنف الفتوح والرواة١وغير ذلك هو كالواقدي يروي عن هشام بن عروة، وعبد الله بن عمر، وجابر الجعفي، وخلق كثير من المجهولين، كان أخباريا عارفا، روى عنه جبارة بن المغلس، وأبو معمر القطيعي، والنضر بن حماد العتكي، وجماعة، قال عباس: عن يحيى ضعيف، وروى مطّين عن يحيى فلس٢خير منه. وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك، وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة، وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر، قال مكحول البيروني٣: سمعت جعفر بن أبان، سمعت ابن نمير يقول: سيف الضبي٤تميمي كان جميع يقول: حدثني رجل من بني تميم، كان سيف يضع الحديث، وقد اتهم بالزندقة انتهى ملخصا. قال الحافظ في التقريب: سيف بن عمر التميمي صاحب الردة، ويقال له الضبي، ويقال غير ذلك الكوفي، ضعيف في الحديث، عمدة في الأخبار أفحش ابن حبان القول فيه انتهى. وقال الذهبي في الكاشف: قال ابن معين وغيره ضعيف،

стр. 174

وقال في الخلاصة: سيف بن عمر١الأسدي الكوفي، صاحب الردة، عن جابر الجعفي، وأبي الزبير، وعنه محمد بن عيسى الطباع، وأبو معمر الهذلي ضعفوه انتهى. فهذا ما قيل في حديث بلال بن الحارث الذي رواه البيهقي وابن أبي شيبة٢فإن كان الذي رواه الحافظ في الفتح وعلى الإيضاح للنووي ففيه ما قال الحافظ من المقال آنفا وإن كان غير ذلك فغاية ما فيه أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام وهو يأمر أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس وهذا ليس من هذا الباب الذي نحن بصدد الكلام فيه فإن هذا قد يقع كثيرا لمن هو دون النبي ﷺ . قال شيخ الإسلام: وأيضا ما يروي أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس فإن هذا ليس من هذا الباب ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ أو لغيره من أمته حاجة فتقضي له فإن هذا قد وقع كثيرا وليس مما نحن فيه

стр. 175

وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ أو غيره لهؤلاء السائلين ليس هو مما يدل على استحباب السؤال فإنه هو القائل ﷺ إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها نارا فقالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم كما أن السائلين في الحياة كانوا كذلك وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا فرق بين هذا وهذا انتهى. وهذا الحديث على تقدير ثبوت صحته لا يدل على ما يتوهمه هذا الملحد غاية ما فيه أن سأل النبي ﷺ أن يستسقي لأمته فأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس فكان المستسقي بالناس عمر لا رسول الله ﷺ ، فتتبين من هذا أنه لا تطلب السقيا إلا من الحي بدعائه لا من الميت لأمره ﷺ بذلك وخروج عمر بالصحابة يستسقون فسقوا والله أعلم.

стр. 176

فصل: ذكر الملحد حديث توسل آدم ﷺ بنبينا محمد ... الخ ... فصل قال الملحد: "وأخرج البيهقي، والحاكم، والطبراني في الصغير، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما اقترف آدم الخطيئة، قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفر لي" فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدا؟ قال: لأنك يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه قد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك". والجواب أن يقال: هذا حديث ضعيف بل موضوع، فلا يعتمد عليه ولا يعول عليه، قال الذهبي في الميزان: عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري، عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الله بن زيد بن أسلم١ خبرا

стр. 177

باطلا فيه يا آدم لولا محمد ما خلقناك رواه البيهقي في "دلائل النبوة". قال في "مجمع الزوائد" رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه من لا أعرفهم، انتهى. وذكر الحافظ ابن عبد الهادي عن الإمام مالك ﵁ أنه قال فيه: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حدثك أبوك عن أبيه عن جده أن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت ركعتين؟ قال: نعم. وقال ابن خزيمة عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل العلم بحديثه. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدث عن أبيه لا شيء. وقال أيضا في الصارم المنكي: وإني أتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل، وفيه قول الله لآدم: "ولولا محمد ما خلقناك" مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو ضعيف الإسناد جدا، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد

стр. 178

صحيحا بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحا إلى عبد الرحمن لكان ضعيفا غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه. وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه، وتناقض تناقضا فاحشا كما عرف له ذلك في غير موضع، فإنه قال في كتاب " الضعفاء" بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم، وقال: ما حكيت عنه فيما تقدم أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة، أن الحمل فيها عليه. قال في آخر الكتاب: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا استحله تقليدا، والذي أختاره لصاحب هذا الشأن أن لا يكتب حديثا واحدا من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله ﷺ : "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه بالدليل، وأن الراوي لحديثه داخل في قوله ﷺ : "من حدث بحديث وهو يرى١ أنه كذب فهو أحد الكاذبين" انتهى.

стр. 179

فتبين من كلام العلماء حملة السنة، وأهل الجرح والتعديل الذين حفظ الله بهم الدين عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الزائفين أن هذا الحديث موضوع مكذوب لا يعتمد عليه، وأقل أحواله أن يكون ضعيفا، ولا نقول على رسول الله ﷺ حديثا لا نجزم بصحته وثبوته، وإن كان قد صححه الحاكم فالجرح١مقدم على التعديل، مع أنه قد قال في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما قال٢، فنأخذ بقوله مع أقوال أئمة هذا الشأن، ولا نأخذ بغلطه وخطئه فيما أخطأ فيه٣.

стр. 180

إذ عرفت هذا وتحققته فالصحيح المأثور عن أئمة التفسير على قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة٣٧] أن هذه الكلمات هي المفسرة بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف٢٣] وهذا مروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد. وعن ابن عباس قال علم شأن الحج. وعبيد بن عمير أنه قال: قال آدم: "يا رب خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي"؟ قال: بل كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل كتبته عليك قبل أن أخلقك قال فكما كتبته علي فاغفر لي قال: فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة٣٧] . وعن ابن عباس قال آدم ﵇: ألم تخلقني بيدك؟ قيل له بلى. ونفخت في من روحك؟ قيل بلي وعطست،
следующие страницы →