لهم، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.
فلو كان هذا منسحبا إلى ذا الآن وإلى ما شاء الله، لما ترك الصحابة- ﵃ والتابعون لهم بإحسان هذه القربة التي ذم الله سبحانه من تخلف عنها، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق لها من بعدهم ممن لا يؤبه له من الناس ولا يعد في أهل العلم، ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجودا، وقد دعيت فيه إلى المجيء ليستغفر لها، وذم من تخلف عن هذا المجيء، فلما توفي ﷺ ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له، ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة.
الوجه الرابع: أنه لو كان المجيء إلى قبره بعد وفاته مشروعا لأمر به أمته وحضهم عليه ورغبهم فيه، لأنه من كمال شفقته ورحمته ورأفته بالمؤمنين، فلا خير إلا دل عليه أمته وأمر هم به، ولا شر إلا حذرها عنه ونهى ١ عنه، لأنه أكمل الخلق نصحا للأمة، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ومن كمال نصحه وشفقته بأمته أنه نهى عن اتخاذ قبره
стр. 107
عيدا. فقال ﷺ "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا" الحديث,. فمن أتى إلى قبره بعد وفاته ليستغفر له فقد ارتكب ما نهى عنه وفعل ما يسخطه.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: آية ٧] وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري ١ عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال إن النبي- ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني".
وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن ٢ علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: مالي رأيتك عند القبر. فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال:"لا تتخذوا قبري٣ عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سوي
стр. 108
وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر ابن أبي شيبة حدثنا ١ زيد بن الحباب حدثنا ١جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا ١ علي بن عمر عن أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو. فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال:"لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني ٢ أينما كنتم ٣.
الوجه الخامس: أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٤ وقد كان من المعلوم أن الصحابة ﵃ لم يكونوا يفعلون ٥ هذا. ولا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم لرسول الله فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، كانوا كما قال
стр. 109
عبد لله بن سعود- ﵁: من كان منهم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم، ١ اختارهم الله لصحبة نبيه ولإظهار دينه، فاعرفوا لهم فضلهم فاهتدوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم.
وقد قال مالك في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي ويدعو له ولأبي بكر وعمر فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو مرتين أو أكثر عند القبر، يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا من أحد من أهل الفقه في بلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراداه والله أعلم٢.
стр. 110
فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ
...
فصل
قال الملحد: "وهنا آيات أخر تشير إلى الالتجاء به ﷺ منها قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: آية ٦] وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: آية ١٠٧] وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: آية١٢٨] ".
فالجواب أن يقال: ليس في هذه الآيات ما يشير إلى الالتجاء به ﷺ ، لا لفظا ولا معنى، والإلتجاء من خصائص الإلهية، فصرفه لغيره شرك يخرج من الملة، فمن التجأ إلى غير الله كان مشركا، فقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: آية ٦] .
قال في جامع البيان: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ . في أمور الدارين. قال عمر ﵁: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﵇:"لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء حتى من
стр. 111
نفسي فقال:"الآن يا عمر" ١ وعن بعض المفسرين معناه: النبي أولى من بعضهم ببعض في وجوب طاعته عليهم، انتهى.
وفال في الإكليل: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعا:"ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرأوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته ٢ من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه"، انتهى٣.
وفي صحيح البخاري أيضا: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" ٤.
стр. 112
إذا علمت هذا فغاية ما في هذه الآيات إخباره تعالى بأن رسوله- ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم في أمور دنياهم وأخراهم، وأن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين ليخرجهم من الظلمات، أي ظلمات الكفر والمعاصي، إلى النور نور الإيمان والطاعة"وكان بالمؤمنين رحيما" كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: آية١٢٨] فرأفته ورحمته بالمؤمنين، وغلظته وشدته على الكافرين، فمن آمن بالله ورسوله وأخلص العبادة بجميع أنواعها لله ولم يشرك فيها أحدا، لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، فضلا عن غيرهما، فالرسول أولى به من نفسه، ورأفته ورحمته- ﷺ خاصة بالمؤمنين به المؤتمرين لأمره، المنتهين عما نهى عنه، ومن أشرك بالله في عبادته أحدا من مخلوقاته كائنا من كان، والتجأ إليه في كشف المهمات وإغاثة اللهفات وصرف له خالص حق الله فرسوله الله منه بريء فلا تنال رأفته ورحمته وشفقته من أشرك بالله، ولا يكون من أهل ولاية الله في الدنيا والآخرة.
قال شمس الدين الحافظ ابن القيم- رحمه الله تعالى:
يا من له عقل ونور قد غدا ... يمشي به في الناس كل زمان
لكننا قلنا مقاله صارخ ...
في كل وقت بينكم بأذان
стр. 113
الرب رب والرسول فعبده ... حقا وليس لنا إله ثان
فلذاك لم نعبده مثل عبادة ال ... رحمن فعل المشرك النصراني
كلا ولم نغل الغلو كما نهى ... عنه الرسول مخافة الكفران
لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا فرقان
فالحج للرحمن دون رسوله ... وكذا الصلاة وذبح ذي القربان
وكذا السجود ونذرنا ويمننا ... وكذا مثاب العبد من عصيان
وكذا التوكل والإنابة والتقى ... وكذا الرجاء وخشية الرحمن
وكذا العبادة واستعانتنا به ... إياك نعبد ذان توحيدان
وعليهما قام الوجود بأسره ... دنيا وأخرى حبذا الركنان
وكذلك التسبيح والتكبير والت ... هليل حق إلهنا الديان
стр. 114
لكنا التعزير والتوقير حـ ... ق للرسول بمقتضى القرآن
والحب والإيمان والتصديق لا ... يختص بل حقان مشتركان
هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة ... لا تجملوها يا أولي العدوان
حق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان
من غير إشراك به شيئا هما ... سببا النجاة فحبذا السببان
ورسوله فهو المطاع وقوله المـ ... قبول إذ هو صاحب البرهان
والأمر منه الحتم لا تخيير فيـ ... ـه عند ذي عقل وذي إيمان
إلى أن قال:
هذا الذي أدى إليه علمنا ... وبه ندين الله كل أوان
فهو المطاع وأمره العالي على ... أمر الورى وأوامر السلطان
وهو المقدم في محبتنا على الأ ... هلين والأزواج والوالدان
стр. 115
وعلى العباد جميعهم حتى على النفـ ... س التي قد ضمها الجنبان
إلى أن قال:
كفرتموا من جرد التوحيد جهـ ... لا منكمو بحقائق الإيمان
لكن تجردتم لنصر الشرك والبـ ... دع المضلة في رضى الشيطان
والله لم نقصد سوى التجريد للتـ ... ـوحيد ذاك وصية الرحمن
ورضى رسول الله منا لا غلو ... الشرك أصل عبادة الأوثان
والله لو يرضى الرسول دعاءنا ... إياه بادرنا إلى الإذعان
والله لو يرضى الرسول سجودنا ... كنا نخر له على الأذقان
والله ما يرضيه منا غير إخلا ... ص وتحكيم لذي القرآن
ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه ... فعل النصارى عابدي الصلبان
ولقد نهانا أن نصير قبره ...
عيدا حذار الشرك بالرحمن
стр. 116
فصل: في رد قول الملحد: قد فهم آدم من قرن اسمه تعالى باسم نبيه أنه الوسيلة ... الخ .
...
فصل
قال الملحد:"وقد فهم أبو البشر آدم ﷺ من قرنه اسمه تعالى باسم نبيه محمد ﷺ أنه الوسيلة إليه، فتوسل به إلى ربه بأن يغفر له، كما يأتي بالبان الثاني إن شاء الله".
فأقول هذا كذب محض، والحديث الآتي ذكره بعد موضوع وسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله تعالى.
وأما قوله:"فإذا علمت أن قرن اسم النبي باسمه تعالى يشعر بالتوسل به فخذ الآيات المقرون بها اسم النبي باسمه تعالى".
فالجواب أن يقال: هذه الآيات التي قرن الله اسم نبيه باسمه تعالى لا تشعر بالتوسل به، ولا تجيز صرف خالص حق الله له، وإنما غاية ما فيها تشريفه ﷺ ، والتنويه بذكره، فهو ﷺ رحمة للعالمين، وحسرة على الكافرين، وحجة على العباد أجمعين، قد افترض الله على ١ العباد طاعته، ومحبته،
стр. 117
وتعظيمه، وتوقيره، والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره ١، وأقسم بحياته في كتابه المبين، وقرن اسمه باسمه فلا يذكر إلا معه كما في التشهد والخطب والتأذين.
ثم سرد هذا الملحد الآيات التي قرن الله اسمه باسم نبيه فيها كطاعته وطاعة رسوله، وترك معصية الله ورسوله، وعدم مشاقة الله ورسوله، وعدم محاربته ومحاداة رسوله، وأن الأنفال الخمس لله ورسوله، ورد إلى الله وإلى رسوله فيما تنازعت الأمة فيه، وأن الإيتاء لله ورسوله إلى غير ذلك من الآيات التي شرف الله بها رسوله ورفع له بها ذكره وأوجب بها على الخلق طاعته وغايتها ومقتضاها: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والإنتهاء عما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد
стр. 118
الله إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع ١، فمن فهم غير هذا منها بأن يتوسل به، ويدعى ويستغاث به، ويلجأ إليه، فقد ضل فهمه، وحمل كلام الله ما لا يحتمله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 119
فصل: في رد قول الملحد: الآيات التي تمسك بها الوهابية لا تدل على مدعاهم ... الخ
...
فصل
قال الملحد:"وأما الآيات التي تمسك بها الوهابية من قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: آية ٦٠] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: آية١٠٧] وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: آية١٦] ونحوها من الآيات الكريمة، فلا تدل على مدعاهم من امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام".
فالجواب أن نقول:
هذه الآيات ونحوها من الآيات التي يستدل بها الوهابي على امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وغيرهم من الملائكة، والأولياء والصالحين هي من أوضح الدلائل والبينات على امتناع دعائهم، والاستغاثة لهم، والاستشفاع بهم، والالتجاء إليهم، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، لأنها دالة على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة عن عبادة ما سواه كائنا من كان، وهي تتضمن كمال
стр. 120
الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم، وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: آية ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: آية٢٥] وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: آيات ٢٦-٢٨] وقال تعالى عنه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آيات٧٥-٧٧] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: آية ٤] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: آية ٤٥] وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم قالوا لقومهم:- اعبد الله ما لكم من إله غيره، وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا
стр. 121
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: آيات١٣-١٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: آية١١٦] في موضعين من كتابه وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: آية٧٢] .
قال الشيخ ﵀: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين، فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد- ﷺ ، فإنهم كانوا يدعونها١، ويلتجؤون إليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها، وشفاعتها لتقربهم إلى الله كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع٢من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: آية ١٨] وقال تعلى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: آية ٢٨] . قال ﵀: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات
стр. 122
والأرض، أو استلقوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: آية ٣٨] . فهم ١ معترفون بهذا مقرون به لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر، ولا يمسك الرحمة. ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لأول شيء وأدناه من ضر أو رحمة، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - إلى قوله: فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: آيات ٨٤-٨٩] . وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: آية ١٠٦] .ذكر فيه السلف كابن عباس وغيره: إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته وملكه. وفسر شركهم٢ بعبادة غيره.
قال ﵀: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ومنهم من أشرك
стр. 123
بالأصنام، وقد رد عليهم أجمعين وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: آية ٨٠] . وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: آية ٣١] ونحو ذلك في القرآن كثير. وبه يعلم المؤمن أن دعاء الأنبياء والصالحين كدعاء الكواكب والأصنام من حيث الشرك والكفر، واتفاقهما في ١ العلة التي هي دعاء غير الله.
وقال ﵀: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه كالحب والخضوع والإنابة والتوكل والدعاء والاستغاثة والاستعانة والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق القلوب والآمال بفيضه ومده وإحسانه وكرمه، فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها وكل عمل يخلو منها فهو خداج مرود على صاحبه وإنما أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصد غير الله بهذا وتأهيله لذلك قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: آية ١٧] وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: آية ٤٣] وقال ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا
стр. 124
تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: آيات ٢٣-٢٤] . وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها من دون الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آيات ٩٧، ٩٨] ومعلوم أنهم ما سووهم بالله في الخلق والتدبير والتأثير وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات.
وقال ﵀: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية، وما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة لا يكفر بها، ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا لعباد الأوثان والأصنام والقبور بكفر بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه، انتهى.
فما استدل به الوهابي على امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على عرف أهل هذا الزمان ولغتهم واصطلاحهم في معنى التوسل هو مقتضى هذه الآيات، فأما التوسل الذي هو بلغة الصحابة والتابعين فهو التوسل بدعائهم وذلك في حياتهم، وأما بعد وفاتهم فهو من البدع المكروهة المذمومة المحرمة والله أعلم.
стр. 125
فصل: في الجواب عن قوله: إن القائلين بالتوسل بالأنبياء والصالحين يقولون: ... الخ
...
فصل
وأما قوله "وأما الذين أجمعوا من المسلمين على التوسل إلى الله بالأنبياء والمرسلين لا يقصدون بذلك تأثير شيء بإيجاد نفع، أو دفع ضرر، ولا يعتقدون ذلك ألبته. جميع المسلمين يعتقدون أن الله تعالى هو المنفرد بالإيجاد والإعدام والنفع والضر، فلا يعدون من توسل بالنبي ﷺ أو بالملائكة أنهم اتخذوهم أولياء من دون الله فكيف يتجرؤن على الاستشهاد على مذهبهم بقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: آية ٨٠] .
فالجواب أن نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، لقد والله أمكنت الرامي ١ من سواء الثغرة. فإن قولك هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ فإنهم كانوا يدعون الأنبياء والملائكة والأولياء والصالحين، ويلتجؤون ٢ إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم
стр. 126
ليقربوهم ١ إلى كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: آية ١٨] .وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: آية ٣] .وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: آية ٢٨]
ومن المعلوم أن الكفار الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ وقاتلهم واستحل دماءهم وأموالهم كانوا مقرين أن الله هو الخالق الرزاق المحيي المميت النافع الضار الذي يدبر جميع الأمور، ويعتقدون أن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء وإعدامه، وأن النفع والضر بيده وأنه هو رب كل شيء ومليكه، ولا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: آية ٣٨] فهم
стр. 127
معترفون بهذا، ومقرون به لا ينازعون فيه. ولكن لم يدخلهم ذلك في الإسلام، وقاتلهم رسول الله ﷺ إلى أن يكون الدين كله لله.
فإذا عرفت أن هذا لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبي عن الإقرار به المشركون هو توحيد الله تعالى، وأفعال العبد الصادرة منه كالدعاء والحب والخوف والرجاء والخضوع والخشوع والإنابة والتوكل والاستقامة والاستعانة والخضوع والتذرع والالتجاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله بها دون من سواه، وأن من صرف منها شيئا لغيره، كان مشركا سواء اعتقد التأثير ممن يدعوه ويرجوه، أو لم يعتقد. فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة المتقدم ذكرها، فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية ١ فعله ذلك تألها ٢ وعبادة وشركا. ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلا وتشفعا، وتعظيما للصالحين وتوقيرا، فالاعتبار بحقائق الأمور، لا بالأسماء والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة لا مع الأسماء.
стр. 128
إذا عرفت هذا فمن أنواع هذا الشرك الذي يسميه هؤلاء توسلا وتشفعا بجاه النبي ﷺ أو بحقه، وغير ذلك من الألفاظ، أو بجاه غير النبي كالملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، أن يعتقد الإنسان في غير الله أنه يقدر بذاته على جلب منفعة لمن دعاه أو استغاث به، أو دفع مضرة. قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الآية [فاطر: آية ٢] . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: آية ١٠٧] فإذا ثبت في القلب أن الله بهذه الصفات فوجب أن لا يستغاث إلا به، ولا يدعى إلا هو، ولا يخاف ولا يرجى إلا هو، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: آية ٥١] فقال تعالى توبيخا لأهل الكتاب الذين يستغيثون بعيسى وأمه وعزير ﵈ لما أنزل الله عليهم القحط والجدب: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: آية ٥٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية [الكهف: آية ١١٠] وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: آية ٤٩] .
ومن أنواع هذا الشرك التوكل والصلاة والنذر والذبح لغير الله. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: آية ١٢٣] .
стр. 129
وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: آية ٥٨] . وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: آية ٢٣] . وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ والدَّمُ - إلى قوله- وَمَا ذُبِحَ﴾ [المائدة: آية ٣] . وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: آية ٢] . وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: آيات ١٦٢, ١٦٣] .
ومن أنواع هذا الشرك العكوف على قبور المشهورين بالنبوة الصلاح ١ والولاية, لأن الناس يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه, فيعكفون على قبره ويقصدون ذلك، فتارة يسألونه, وتارة يسألون الله عند قبره ٢.
ولما كان هذا مبدأ الشرك سد النبي ﷺ هذا الباب ففي الصحيحين أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "يحذر ما صنعوا" قالت عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره. لكن كره أن يتخذ مسجدا ٣، وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" ٣ وقال ﷺ : "لعن الله زائرات القبور
стр. 130
المتخذين عليها المساجد والسرج، ١، انتهى.
وأما قوله: "ولا يعدون من توسل بالنبي ﷺ أو بالملائكة أنهم اتخذوهم أربابا من دون الله, فكيف يتجرءون على الاستشهاد على مذهبهم بقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ الآية [آل عمران: آية ٨٠] .
فالجواب أن يقال: إن دعوى من دعا النبي ﷺ واستغاث به ولجأ إليه ودعا الملائكة أنهم لا يتخذوه أربابا من دون الله ولا يعدون ذلك، لا تجدي هذه الدعوى شيئا، فإن الكفار كما تقدم بيان ذلك يزعمون ٢ أن الأنبياء والملائكة استقلوا بشيء من أفعال الربوبية، أو شاركوا الله في إيجاد شيء، أو إعدامه
стр. 131
أو ساووهم بالله في التدبير والنفع والضر والتأثير، ولكن لما أشركوهم مع الله في عبادته بالحب والخوف والتعظيم والرجاء والتوكل والاستغاثة والالتجاء والذبح والنذر وغير ذلك، كان ذلك كفرا وشركا بالله، فإن من أشرك مع الله في عبادة غيره فقد اتخذه ١ ربا وإلها، ولذلك يحتج عليهم سبحانه بما أقروا به من توحيد الربوبية على ما جحده من توحيد الإلهية.
ولما قال- ﷺ : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال عدي بن حاتم ﵁: إنهم لا يعبدوهم. قال: أليسوا يحلون ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون ما أحل الله فيحرمونه. قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم ٢ فجعل ﷺ طاعتهم في التحليل والتحريم التي هي أفعالهم بتعظيم- أحبارهم ورهبانهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله- عبادة لهم مع الله.
ولهذا اجترأ الوهابية على تكفير من دعا غير الله، واستغاث به، ولجأ إليه، وصرف له شيئا من خالص حق الله، لأنه قد اتخذه ربا ومعبودا، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: آية ٨٠] كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
стр. 132
فصل: في رد قول الملحد: إن العوام الطالبين من الصالحين ما لا يطلب إلا من الله: طلبهم مجاز ... الخ
...
فصل
وأما قول الملحد:" فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون من الصالحين أحياء وأمواتا أشياء لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، والقرينة عليه صدوره من موحد، ويدلك على ذلك أنك إذا استفسرت العامي عند نطقه بهذه الألفاظ الموهمة يبين لك معتقده بأن الله هو الفاعل للأشياء ولا مشارك له في إيجاد شيء".
فالجواب أن نقول: الكلام على هذا من وجوه:
الأول: أن طلب بعض العوام، أو بعض الخواص من أهل القبور المعروفين بالصلاح من الأحياء والأموات، واعتقاد أنهم يقدرون على ما لا يقدر١عليه إلا الله ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ، حتى نطقت ألسنتهم بما
стр. 133
انطوت عليه قلوبهم، وصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالا، ويصرخون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعا زائدا على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي الله في الدعاء: هو اعتقاد كفار قريش الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ وقاتلهم عليه ليكون الدين كله لله، وأن يخلصوا العبادة له، ويخلعوا الأنداد المدعوة من دونه، فمن طلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق فقد أشرك ذلك المخلوق في عبادة الله، سواء كان المدعو نبيا أو ملكا أو رجلا صالحا أو غير ذلك.
الثاني: أن مجرد عدم التأثير والخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر إلا لله١ لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم أيضا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار، بل لا بد فيه من إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والطلب منه والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له وعنه، لا بغيره ولا من غيره، وكذلك النذر والذبح والسجدة كلها يكون لله.
الثالث: أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئا، وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون
стр. 134
الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام، حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز١التوسل بالأموات، مع أن العرف المعروف من لغة العرب في معنى التوسل بالأحياء التوسل بدعائهم، وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بالأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن، وأما التوسل في عرف هؤلاء فهو دعاؤهم والاستغاثة بهم والالتجاء إليهم، وهذا شرك وكفر وخروج من الدين بإجماع المسلمين المحكمين الكتاب والسنة.
وأما قول الملحد: " فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي".
فالجواب من وجوه:
الأول: أن تلك الألفاظ دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير من غير الله تعالى فما معنى الإيهام؟
والثاني: لو سلم هذا الحمل لاستحال٢ الارتداد وانسد باب الردة الذي يعقده الفقهاء في كل مصنف وكتاب من كتب أهل المذاهب الأربعة وغيرها فإن المسلم الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز٣.
стр. 135
والثالث: أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام؛ لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناه١الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي أي التكرم مثلا، فما هو جوابكم فهو جوابنا؟
والرابع: أنكم هؤلاء أوّلتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله والاستغاثة والنذر والذبح، فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركا، سواء اعتقد ذلك الغير مؤثرا أم لا. انتهى.
فإذا عرفت أن هذا هو اعتقاد كفار قريش وغيرهم من العرب، فإنهم كانوا معترفين بأن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في٢إيجاد شيء، ولا أدخلهم ذلك في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله واستحل دماءهم وأموالهم، إلى أن يخلصوا العبادة لله، ولا يشركوا في عبادته أحدا سواه كان دعوى٣هؤلاء أن هذا من الألفاظ الموهمة، من الأوهام الموبقة.
стр. 136
قال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي ﵀ في كتابه: " في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة" هذا وقد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على١أن ذلك منهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور.
قال وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفته لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: آية١٥٥] إلى أن قال: وأما القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾
стр. 137
[الزمر: آية٣٠] . ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: آية٤٢] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: آية٣٨] وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" الحديث١فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان، فدل ذلك على أن ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلعة متصرفة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾ [البقرة: آية١٤٠] قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين بحسب الأفعال الظاهرة، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه، فمن
стр. 138
خصائص الله لا يطلب فيها غيره، انتهى.
والمقصود أن أهل العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور الشركية التي عمت بها البلوى، واعتقدها أهل الأهواء، فلو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال الجواب، والبصير النبيل يدرك الحق من أول دليل، ومن قال قولا بلا برهان فقوله ظاهر البطلان، مخالف ما عليه أهل الحق والإيمان المتمسكين بحكم القرآن، المستجيبين لداعي الحق والإيمان، والله المستعان وعليه التكلان.
стр. 139
فصل: وإنما دهى الغلاة ما ألقاه الشيطان إليهم من قوله: إن هؤلاء المدعوين من دون الله ... الخ
...
فصل
وإنما دهى١الغلاة ما ألقاه الشيطان إليهم بكيده أن قال: إن هؤلاء قوم صالحون، وعند الله مقربون، ولهم ما يشاؤون، ولهم الجاه الأعلى، والمقام الرفيع الأسنى، فمن قصدهم لا يخيب سعيه، ولا يطيش رأيه، وإن ببركتهم تدفع البليات، وتقضى الحاجات، وبشفاعتهم يتقرب زوارهم إلى الله الغفار، فتحط عنهم بشفاعتهم عند الله الأوزار إلى غير ذلك من الدلائل التي يملأ بها قلوب أهل الأماني بمثل هذه المعاني، فيتلاعب بعقولهم السخيفة، وآرائهم الضعيفة، ويحسّن لهم البدع والمنكرات، بما يلقيه إليهم من الحكايات والخرافات، ويحثهم على التقرب إلى أهل القبور بما يقدرون عليه، من النحر والنذور والطواف والتزين بالزين المحرمة من القصب والذهب والفضة وتعليق القناديل وإيقاد شموع العسل وتصفيح الجدران والأعتاب والسنون والأبواب بالفضة
стр. 140
والذهب وغيرهما مما يجاوز الحساب ويفهمهم١أنهم٢كلما ازدادوا في مثل ذلك أحسنوا كل الإحسان، فدخلوا الجنان، ثم ما كفاه ذلك حتى استخفهم٣ فدعاهم إلى أن يطلبوا منهم النصر على الأعداء، والشفاء من عضال الداء فأجابوه إلى ما دعاهم مسرعين، وزادوا على ذلك بأن طلبوا منهم الحياة لأولادهم، فتراهم يقولون: قد علقنا أولادنا عليهم، ومنهم من يطلب منهم النسل إذا كان عقيما، والشفاء إذا كان سقيما، وكثيرا مما يطلب منهم منصبا فيه أخذ أموال العباد، والسعي في الأرض بكل فساد، فيجيء إليهم ويلازمهم معتقدا أن من لازمهم قضيت حاجته، ونجحت سعايته، واقترنت سعادته.
وإذا فتحت أبواب بيوت قبورهم المذهبة، ورفعت ستور الأبواب المطلاة المطرزة٤، وفاحت تلك الأرواح المسكية من الجدران المخلقة، وجد هذا الزائر في فؤاده من الخشية والرعب ما لا يجد أدنى معشار جزء عشره بين يدي خالق السموات والأرضين، وإله جميع العالمين، فيدخل إلى القبر خاشعا ذليلا متواضعا لا يخطر في قلبه مثقال ذرة من غير إجلاله، منتظرا فيض كرمه ونواله، فأقسم بالله أنه لم يتصوره
стр. 141
بشر قد وضع بأكفانه في لحده، ولو سلمنا أنه لو خطرت له وهو عنده في تلك الحضرة لتعوذ بالله منها، ووقف عند حده، ويا خيبة من أنكر عليهم حالهم، ويا شناعة من رد عليهم أمرهم، ويا خسارة من علمهم وأرشدهم، فإن ذلك عندهم١، قد تنقص الأولياء وهضمهم مرتبتهم عن السمو والارتقاء، ولو ذهبنا نذكر أفعالهم وأقوالهم لطال الجواب، فإلى الله المشتكى وبه المستغاث وهو المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 142
فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط
...
فصل
قال الملحد:" وإنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط بحصول المقصود من الله تعالى لعلو شأنهم عنده سبحان".
فالجواب: أن نقول هكذا كان مشركو العرب الجاهلية حذو النعل بالنعل، كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، ويلتجئون إليهم ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم، ويعلمون أن الله تعالى هو النافع الضار وأن الله سبحانه هو المؤثر، وأن غيره لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لما جعلوا بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله تعالى فلم ينفعهم إقرارهم بتوحيد الربوبية.
وقد قال شيخ الإسلام ﵀ لما سئل عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من وساطة بيننا وبين الله تعالى فإنا لا نقدر على أن نصل إليه بغير ذلك فما معنى الوساطة؟
стр. 143
وهل التوسط عام في كل شيء يوجده الله تعالى أم في ذلك بيان وتفصيل؟.
فأجاب ﵀ ورضي عنه بقوله: الحمد لله إن أراد بذلك أنه لا بد من وساطة تبلغ أمر الله تعالى فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر الله به ونهى عنه، وما أعد لأوليائه من كرامته، وما أوعد به أعداءهم من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى، وصفاته العلا١ التي تعجز العقول عن الإحاطة بها، إلى أمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده.
والمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم٢المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة. وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون وهم ضالون وعن ربهم محجوبون قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: آيات٣٥، ٣٦]ـ وذكر آيات في المعنى ـ ثم قال ﵀: وإن
стр. 144
أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونهم ذلك ويرجونهم فيه فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار، لكن الشفاعة لمن يأذن الله تعالى له فيها قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤] ، وقال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: آية٥١] وقال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: آيات:٢٢، ٢٣]ـ وساق آيات المعنى ـ إلى أن قال: وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمرن: آيات٧٩، ٨٠] فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء