← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7663

الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية

سليمان بن سحمان

Полный текст (322 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهذا الرجل- عامله الله بعدله- يقول: "ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله" إلى آخر كلامه. وإنما حمله على هذا الكلام الحسد والهوى؛ وعدم خشية الله؛ والغلو الذي خرج به عن الصراط المستقيم وسلوك طريق أئمة الدين من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين الذين لهم قدم صدق في العالمين؛ فشيخ الإسلام هو الذي نصر الله به السنة؛ وقمع به أهل البدعة؛ فصاروا ببدعتهم مستترين؛ وأعز الله به الإسلام بعد أن كاد ينثلم. وقال الإمام محمد التافلاني مفتي الحنفية بعد كلام له: وقد أثنى عليه جمهور معاصريه؛ وجمهور من تأخر عنه؛ وكانوا خير مناصرية؛ وهم ثقاة صيارفة حفاظ عريفهم في النقد دونه عريق عكاظ؛ وطعن فيه بعض معاصريه بسبب أمور أشاعها مشيع لحظ نفسه؛ أو لأجل معاصرة التي لا ينجو من سمها إلا من قد كمل في قدسه؛ فخلف من بعدهم مقلدهم في الطعن فتجاوز فيه الحد؛ ورماه بعظائم موجبة للتعزير والحد؛ ولو قال هذا المقلد كقول بعض السلف حين سئل عما جرى بين الإمام علي ومعاوية فقال"تلك دماء طهر الله منها سيوفنا أفلا نطهر منها ألسنتنا" لنجا من هذا العنا؛ وهذا الإمام تصانيفه قد ملأت طباق الثرى؛ واطلع عليها القاصي والداني من علماء الورى؛ فما وجدوا فيها عقيدة زائغة؛ ولا عن الحق

стр. 212

رابغة ١؛ كم سل السيوف الصوارم على فرق الضلال؛ وكم رماهم بصواعق براهين محرقة كالجبال؛ تنادي عقيدته البيضاء بعقيدة السلف؛ ولا ينكر صحتها وأفضليتها من خلف منا ومن سلف؛ شهد له الأقران بالإجهاد؛ ومن منع له فقد خرط بكفه شوك القتاد. وقال الإمام الحافظ بن عبد الهادي في رده على السبكي لما قال:"إن المبالغة في تعظيمه أي الرسول واجبة" فقال: إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما؛ حتى الحج إلى قبره؛ والسجود له؛ والطواف به؛ واعتقاده أنه يعلم الغيب؛ وأنه يعطي ويمنع؛ ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع؛ وأنه يقضي حوائج السائلين؛ ويفرج الكروب؛ وأنه يشفع فيمن يشاء؛ ويدخل الجنة من يشاء؛ فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك؛ وانسلاخ من جملة الدين. انتهى. ولو ذهبنا نذكر ما ذكره العلماء في مناقبه وفضائله؛ وما ردوا به على مخالفيه في هذه الباحث لطال الكلام. فإذا تحققت ما ذكره أهل العلم في شيخ الإسلام تبين لك أن السبكي هو الذي خرج عن الصراط المستقيم؛ وخالف ما عليه الأئمة من علماء المسلمين؛ وأنه هو الذي ابتدع مالم

стр. 213

يقله عالم قبله؛ فصار بافترائه وعدوانه مثلة بين أهل الإسلام؛ ممن له معرفة بالعلوم ومدارك الأحكام؛ فلا يلتفت إلى مفترياته عاقل؛ ولا ينظر في أساطيل أساطيرها فاضل؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 214

فصل: ذكر الملحد عن معروف الكرخي أنه قال لتلاميذه:.. الخ ... فصل وأما قوله: "وروى القشيري عن معروف الكرخي أنه قال لتلامذته: إذا كانت لكم إلى الله حاجة؛ فاقسموا عليه بي؛ فإني الواسطة بينكم وبينه وذلك بحكم الوراثة عن المصطفى ﷺ انتهى". فالجوال: أن هذا من الكذب المعلوم كذبه بالإضطرار عند من له معرفة بالنقل؛ ومقادير الأئمة الأخيار؛ فإن مثل هذه الحكاية الواهية الساقطة المنتنة المظلمة لا يتصور صدورها عمن هو دون معروف الكرخي فضلا عن ذلك الزاهد الفاضل إلا من هو من أبعد الناس معرفة بحقيقة دين الإسلام؛ فإنه لا يقول هذا ويفتريه على أهل الإسلام والعلماء العاملين إلا أمثال هؤلاء الغلاة المنحرفين الحيارى المفتونين؛ فنعوذ بالله من طمس القلوب؛ ورين الذنوب. ثم قال هذا الملحد: "وفي الفتوحات ما نصه:- مستمد جميع الأنبياء والمرسلين من روح محمد ﷺ ؛ إذ هو قطب الأقطاب؛ فهو ممد لجميع الناس أولا وآخرا؛ فهو ممد كل

стр. 215

نبي وولي؛ سابق على ظهوره حال كونه بالغيب؛ وممد أيضا لكل ولي لا حق فيوصله بذلك إلى مرتبة كماله في حال كونه موجودا في عالم الشهادة؛ وفي حال كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البرزخ والدار الآخرة؛ فإن أنوار رسالته صلى لله عليه وسلم غير منقطعة عن العالم من المتقدمين والمتأخرين؛ فكل نبي تقدم زمان ظهوره فهو نائب عنه في بعثته لتلك الشريعة انتهى". والجواب أن نقول: ما ذكره هذا الملحد من كلام صاحب الفتوحات كلام باطل؛ فإن مستمد جميع الأنبياء والمرسلين إنما هو الوحي الذي نزل به الأمين من رب العالمين؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: آية ١٦٣] وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: آية ١٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: آية ٢٥] وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: آية ٢٥٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: آية ٩١] وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ [الأعراف: آية ١٤٥] الآية

стр. 216

والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا؛ فمستمد جميع الأنبياء والرسل ما أنزل الله عليهم من وحيه؛ فقوله: إن مستمد جميع الأنبياء والمرسلين من روح محمد ﷺ مصادم ومناف لما تقدم من الآيات؛ ولقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: آية ٤٩] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: آية ٥٢] وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: آية ٣] وهذا مبني على أن روح محمد ﷺ مخلوقة قبل جميع المخلوقات؛ وقد تقدم بطلان هذا القول؛ ومخالفته لصريح العقل والنقل في الكلام على ما نقله عن القسطلاني وما ذكره عن المناوي؛ وأن هذا القول مبتدع لم يقل به أحد من الأئمة المقتدى بهم؛ بل هذا مبني على مذهب الفلاسفة القائلين بأن الكتب المنزلة فيض فاض من العقل الفعال؛ على النفس المستعدة الفاضلة الزكية؛ فتصورت تلك المعاني وتشكلت في النفس بحيث يتوهمها أصواتا تخاطبه؛ وربما قوي الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه؛ وربما قوي ذلك ببعض الحاضرين فيرونها ويسمعون خطابها ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج؛ وهذا يكون عندهم بتجرد النفس عن العلائق؛ واتصالها بالمعارفات من العقول والنفوس المجردة؛ وهذه

стр. 217

الحقائق تحصل عندهم بالاكتساب؛ ولهذا طلب النبوة من تصرف على مذهب هؤلاء. فتبين من كلام هذا الملحد أن الأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام- لم ينزل عليهم وحي من الله؛ كما نزل به الروح الأمين على قلب محمد- ﷺ ؛ وإنما ذلك فيض فاض على أرواح الأنبياء من روح محمد- ﷺ ؛ واستمدوا من روحه ما أنزل الله عليهم وشرعه لهم من الدين؛ ويزعمون أن الولاية أعظم من النبوة؛ لأن الولي يأخذ عن الله بغير واسطة؛ والنبي الرسول بواسطة وينشدوان:- مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي ويقولون: إن ولاية النبي أعظم من نبوته؛ ونبوته أعظم من رسالته؛ ثم قد يدعي أحدهم أن ولايته وولاية سائر الأولياء تابعة لولاية خاتم الأولياء؛ وأن جميع الأنبياء والرسل من حيث ولايتهم هي عندهم أعظم من نبوتهم ورسالتهم؛ وإنما يستفيدون العلم بالله الذي هو عندهم القول بوحدة الوجود من مشكاة ١ خاتم الأولياء؛ وشبهتهم في أصل ذلك أن قالوا: الولي يأخذ عن الله بغير واسطة؛ والنبي والرسول بواسطة؛ ولهذا جعلوا ما يفيض في نفوسهم يجعلونه

стр. 218

من باب المخاطبات الإلهية؛ والمكاشفات الربانية أعظم من تكليم موسى بن عمران؛ وهو في الحقيقية إيحاءات شيطانية؛ ووساوس نفسانية؛ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم. وأما قوله: "وفي حال كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البرزخ والدار الآخرة. فإن أنوار رسالته ﷺ غير منقطعة عن العالم من المتقدمين والمتأخرين". فالجواب أن يقال: إن كان أراد إنه ﷺ له قدرة على إيصال الخيرات؛ ورفع المضرات بعد الممات؛ فقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: آية ١٨٨] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: آية ١٠٧] فإذا كان هذا حاله في الحياة فما الظن به أو بغيره بعد الممات؟. وإن كان أراد أن الخلق يستمدون منه أي مما جاء به من توحيد الله؛ وعبادته وحده لا شريك له؛ وترك عبادة ما سواه كائنا من كان؛ والعمل بسنته؛ والاهتداء بهديه؛ وترك ما نها عنه؛ فقد قال ﷺ في خطبته يوم عرفة:"وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله" الحديث ١. وقال ﷺ : "تركتكم على الحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ

стр. 219

عنها بعدي إلا هالك" ١ وقال ﷺ : "إنها ستكون فتن"٢ فقلنا له ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم؛ وخبر ما بعدكم؛ وحكم ما بينكم؛ هو الفصل ليس بالهزل؛ من بركه من جبار قصمه الله؛ ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله؛ هو حبل الله المتين؛ وهو الذكر الحكيم؛ وهو الصراط المستقيم؛ هو الذي لا تزيغ به الأهواء؛ ولا تلتبس به الألسنة؛ ولا تشبع منه العلماء؛ ولا يخلق عن كثرة الرد؛ ولا تنقضي عجائبه؛ هو الذي لم تنته الجن إذ ٣ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: آيات١-٢] من قال به صدق؛ ومن عمل به أجر؛ ومن حكم به عدل؛ ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" رواه الترمذي وقال غريب ٤.

стр. 220

فإذا عرفت هذا فلا يكون الاستمداد منه حال كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البزرخ والدار الآخرة, ولكن بما ترك فينا من كتاب الله وسنة رسوله, لأن أنوار رسالته ﷺ لا تنقطع ما عمل بالكتاب والسنة. وأما قوله: "فكل نبي تقدم على زمان ظهوره فهو نائب عنه في بعثته لتلك الشريعة". فالجواب أن نقول: هذا كلام باطل مصادم لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: آية ٤٨] ولقوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات" الحديث ١, وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ

стр. 221

وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧] ومن المعلوم بالضرورة أن الأغلال والآصار التي كانت عليهم وفي شريعتهم من قتل أنفسهم وغير ذلك من الأغلال, لم يكن موسى ﵇ نائبا عن نبينا في بعثته لتلك الشريعة من التكاليف الشاقة, من الآصار والأغلال التي كانت عليهم, بل من بركة هذا النبي الكريم, وأن الله أرسله رحمة للعالمين وضع عنهم الآصار والأغلال التي كانت عليهم, وأحل لهم الطيبات مما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم, ويحرم عليهم الخبائث كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا, فكان من المعلوم أن لكل رسول أرسله الله إلى أمته شريعة ومنهاجا, وأما الأصل الذي هو دين الإسلام فجميع الرسل والأنبياء فيه على طريقة واحدة كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: آية ١٣] ولا حاجة بنا إلى الكلام إلى استقصاء الكلام ١ على ما ذكره من كلام صاحب الفتوحات لسقوطه وتهافته, ومخالفته لصريح الكتاب والسنة, فلا نطيل برد كلام, لكن هذا على سبيل التنبية والإشارة, ثم كيف يستجيز من يؤمن بالله واليوم

стр. 222

الآخر النقل في هذه المباحث وغيرها عن ابن عربي صاحب "الفصوص" و"الفتوحات" الذي هو من أكفر خلق الله, وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم, ويعد من العلماء العاملين؟.. وإذا أردت حقيقة ما قلنا فانظر إلى ما قاله في"الفصوص" قال في الإدريسة: ومن أسمائه الحسنى العلي, على من وما ثم إلا ١ هو, فهو العلي لذاته أو عن ماذا, وما هو إلا هو, فعلوه لنفسه, وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها, وليست إلا هو- إلى أن قال-: فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره, وما ثم من يراه غيره, ومن ثم من يبطن عنه فهو الظاهر لنفسه باطن عنه, وهو المسمى أبو سعيد الحزاز, وغير ذلك من أسماء المحدثات- إلى أن قال-: ومن عرف ما قررناه في الأعداد, وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه, وإن كان قد تميز الخلق من الخالق فالأمر الخالق المخلوق, والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة, لا بل هو العين الواحدة, وهو العيون الكثيرة ﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: آية ١٠٢] والولد عين أبيه فما رأى٢ يذبح سوى نفسه, وفداه بذبح عظيم, فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان, فظهر بصورة لا بحكم ولد من

стр. 223

هو عين الوالد, وخلق منها زوجها فما نكح سوى نفسه- إلى أن قال-: فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية, بحيث لا يمكن أن يفوقه نعت منها, وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا, أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا, وليس ذلك إلا لمسمى ١ الله خاصة. فصرح عدو الله بأن الحق المنزه هو الخلق المشبه، وصرح بأنه المنعوت بكل نعت مذموم ومحمود, وصرح بأنه أبو سعيد الخزاز وغيره من المحدثات, كما صرح بأن المسمى محدثات هي العلية لذاتها, وليست إلا هو. وقال أيضا: ولما كان فرعون في منصب التحكم, وأنه الخليفة بالسيف, وإن جاز في العرف الناموسي لذلك قال: "أنا ربكم الأعلى" أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما, فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم عيهم, ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه, وأقروا له بذلك, وقالوا له: "إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض", فالدولة لك فصح قوله: "أنا ربكم الأعلى", وإن كان عين الحق. إلى أمثال هذه الكفريات, والله در الأمير محمد بن إسماعيل حيث يقول:- وأكفر خلق الله من قال: إنه ... إله فإن الله جل عن الند

стр. 224

مسماه كل الكائنات بأسرها ... من الكلب والخنزير والقرد والفهد وأن عذاب النار عذب لأهلها ... سواء عذاب النار أو جنة الخلد وينشدنا عنه نصوص فصوصه ... ينادي خذوا في النظم مكنون ما عندي "وكنت امرأ من جند إبليس فارتمى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي!! " فلو مات قبلي كنت أدركت بعده ... دقائق كفر ليس يدركها بعد فمن كان بهذه المثابة كيف يستجيز من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يذكر كلامه في جملة العلماء العاملين, أو يصغي إلى شبهات هؤلاء الغالين. وأما دعوى هؤلاء الملاحدة أن خاتم الأولياء هو أفضلهم, كما أن خاتم الرسل أفضلهم, بل يزعم ابن عربي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الرسل, لأن خاتم لأولياء يأخذ عن الله بلا واسطة, وخاتم الرسل إنما يأخذ عن الملك, فقد ذكر شيخ الإسلام أن خاتم الأولياء كلمة لا حقيقة لفضلها ومرتبتها, وإنما تكلم أبو عبد الله الترمذي بشيء من ذلك ولم يستند فيه إلى شيء, ومسمى هذا اللفظ هو آخر مؤمن يبقى, ويكون بذلك خاتم الأولياء, وليس ذلك أفضل الأولياء باتفاق

стр. 225

المسلمين, بل أفضل الأولياء سابقهم, وأقربهم إلى الرسول, وهو أبو بكر, ثم عمر, إذ الأولياء يستفيدون من الأنبياء فأقربهم إلى الرسول أفضل, بخلاف خاتم الرسل فإن الله أكرمه بالرسالة ولم يحله على غيره, فقياس أحد اللفظين على الآخر في وجوب كونه أفضل من أفسد القياس.

стр. 226

قال شيخ الإسلام: فصل: اتفق السلف على أن الأنبياء أفضل من الأولياء ... وقال أيضا: فصل وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء, وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مرات, فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: آية ٦٩] وفي حديث "ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد تعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر" وأفضل الأمم أمة محمد- ﷺ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: آية ١١٠] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: آية ٣٢] وقال النبي ﷺ في الحديث الذي في المسند " أنتم توفون سبعين أمة, أنتم خيرها, وأكرمها على الله" وأفضل أمة محمد القرن الأول, وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال:"خير القرون القرن الذي بعثت فيهم, ثم الذين يلونهم" وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه, وفي الصحيحين أيضا ﷺ أنه قال:

стр. 227

"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد- ١٠] , وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة- ١٠٠] والمراد بالفتح صلح الحديبية, فإنه كان أول فتح مكة, وفيه أنزل الله ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح- ١] فقالوا يا رسول الله أو فتح هو؟ قال نعم. وأفضل السابقين الأولين الخلفاء الأربعة, وأفضلهم أبو بكر, ثم عمر, وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان, وأئمة الأمة وجماهيرها, وقد دلت على ذلك دلائل بسطناها في "منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية". وبالجملة اتفق طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء, ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة. وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به

стр. 228

الرسول واتباعا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه, وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به, وعملا به فهو أفضل أولياء الله, إذا كانت أمة محمد ﷺ أفضل الأمم, وأفضلها أصحاب محمد ﷺ وأفضلهم أبو بكر ﵁ وقد ظن طائفة غالطة أن "خاتم الأولياء" أفضل الأولياء قياسا على خاتم الأنبياء, ولم يتكلم أحد من المشائخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي, فإنه صنف مصنفا غلط فيه في مواضع, ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء, ومنهم من يدعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله, وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته, كما يزعم ذلك ابن عربي صاحب كتاب" الفتوحات المكية" وكتاب"الفصوص" فخالف الشرع والعقل, مع مخالفته جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه, كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم: لا عقل ولا قرآن, وذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة [والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء, فكيف الأنبياء كلهم؟] ١والأولياء ٢ إنما

стр. 229

يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم, ويدعي أنه خاتم الأولياء, وليس آخر الأولياء ١ أفضلهم, كما أن آخر الأنبياء أفضلهم, فإن فضل محمد ﷺ ثبت بالنصوص الدالة على ذلك كقوله ﷺ "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" كقوله "آتي باب الجنة فاستفتح, فيقول الخازن من أنت؟ فأقول محمد, فيقول بك ٢ أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك" وليلة المعراج رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم, فكان أحقهم بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: آية ٢٥٣] إلى غير ذلك من الدلائل, كل منهم يأتيه الوحي من الله, لا سيما محمد ﷺ لم يكن في نبوته محتاجا إلى غيره, فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق, بخلاف المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة, وجاء المسيح فكملها, ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح كالتوراة, والزبور, وتمام الأربع وعشرين نبوة, وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين, بخلاف أمة محمد ﷺ فإن الله أغناهم به ٣ فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى محدث, بل جمع له من الفضائل والمعارف والأعمال الصالحة ما فرقه في غيره من الأنبياء, فكان ما فضله

стр. 230

الله١به من الله ١بما أنزله إليه وأرسله إليه لا بتوسط بشر, وهذا بخلاف الأولياء فإن كل من بلغه رسالة محمد ﷺ لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد ﷺ , وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد, ﷺ وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه. ومن ادعى من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ من أن له طريقا ٢ إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد ٣, وإذا قال أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن, أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة, فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدا ٤ رسول إلى الأمين دون أهل الكتاب, فأن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفارا بذلك, وكذلك الذي يقول إن محمدا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن [آمن ببعض ما جاء به وكفر

стр. 231

ببعض فهو كافر, وهو أكفر من أولئك لأن علم الباطن] ١ الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطن, وهذا أشرف ٢ من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة. فإذا ادعى المدعي أن محمد- ﷺ إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان, وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة, فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض, الآخر, وهذا شر ٣ ممن يقول أؤمن ببعض وأكفر ببعض, ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين. وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولاية أفضل من النبوة, ويلبسون على الناس فيقولون: ولايته أفضل من نبوته وينشدون ٤:- مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي! ويقولون: نحن ٥ شاركناه في ولايته التي هي أعظم من

стр. 232

رسالته, وهذا من أعظم ضلالهم, فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ولا موسى, فضلا أن يماثله فيها هؤلاء الملحدون. وكل رسول نبي ولي, فالرسول نبي ولي, ورسالته متضمنة لنبوته, ونبوته متضمنة لولايته, وإذا قدروا مجرد إنباء ١ الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع, فإنه حال انبائه إياه ممتنع أن يكون إلا وليا ٢ لله, ولا تكون مجردة عن ولايته, ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول في ولايته إلى أن قال:- وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون"جبرائيل" هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي ﷺ , والخيال تابع للعقل, فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم "أولياء الله" وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله, وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة كابن عربي صاحب "الفتوحات" و "الفصوص" فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول, والمعدن عنده هو العقل, الملك هو الخيال, والخيال تابع للعقل, وهو بزعمه يأخذ عن الذي هو أصل الخيال, والرسول يأخذ عن٣ الخيال, فلهذا

стр. 233

صار عند نفسه فوق النبي ولو كان خاصة النبي ما ذكروه ١ ولم يكن هو من جنسه, فضلا عن أن يكون فوقه, فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين؟ والنبوة أمر وراء ذلك, فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة, ليسوا من صوفية أهل العلم, فضلا عن أن يكونوا من مشائخ أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض, وإبراهيم بن أدهم, وأبي سليمان الداراني, ومعروف الكرخي, والجنيد بن محمد, وسهل بن عبد الله التستري, وأمثالهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

стр. 234

فصل: أنشد الملحد أبياتا للبكري فيها الغلو والإطراء ... الخ ... وأما قول الملحد:"ولذا أنشد القطب الكبير سيدي محمد بن أبي الحسن البكري المصري:- ما أرسل الرحمن أو يرسل ... من رحمة تصعد أو تنزل في ملكوت الله أو ملكه ... من كل ما يختص أو يشمل إلا وطه المصطفى عبده ... نبيه مختاره المرسل واسطة فيها وأوصل لها ... يعلم هذا كل من يعقل فعذبه من كل ما تشتكي ... فهو شفيع دائما يقبل ولذ به في كل ما ترتجي ... فإنه المأمن المعقل

стр. 235

وحط أحمال الرجاء عنده ... فإنه المرجع والموئل وناده إن أزمة انشبت ... أظفارها واستحكم المعضل يا أكرم الخلق على ربه ... وخير من فيهم به يسأل قد مسني الكرب وكم مرة ... فرجت كربا بعضه يذهل فبالذي فضلك بين الورى ... برتبة عنها العلا تنزل عجل باذهاب الذي اشتكي ... فإن توقفت فمن أسأل فحيلتي ضاقت وصبري انقضى ... ولست أدري ما الذي أفعل وإن ترى أعجز مني فما ... لشدة أقوى ولا أجمل وأنت باب الله أي امرىء ... أتاه من غيرك لا يدخل عليك صلى الله ما صافحت ... زهر الروابي نسمة شمأل مسلما ما فاح عطر الحمى ... وطاب منه الند والمندل

стр. 236

والآل والأصحاب ما غردت ... ساجعة أملودها مخضل والجواب أن أقول:- أقول هذا كله لا يعقل ... ولا له في الشرع أصل منزل إلا أكاذيب رواها عصبة ... مرفوضة أقوالهم لا تنقل بل كلها موضوعة مكذوبة ... والطعن فيها كلها مستعمل بل الذي في الشرع أن المصطفى ... محمدا رسوله والأفضل مختاره من خلقه وأنه ... إلى جميع الخلق حقا مرسل وأنه للناس فيما بينهم ... وبين ربي بالهدى يفصل واسطة بوحيه يهديهموا ... بما به الله الكريم ينزل فمن يقول إنه أصل لهذا ... الخلق طرا أوه لما قد ينزل من رحمة من ربنا سبحانه ... في الملك والملكوت أو ما يرسل

стр. 237

إلا وهذا المصطفى أصل لها ... من كل ما يختص أو ما يشمل فقد أتى بفرية معلومة ... بل ليس هذا في العقول يعقل فليأتنا١بآية من قال ذا ... أو سنة محفوظة لا تجهل وقد أتى من بعد هذا كله ... بمنكر لا يرتضيه الكمل بأنه معاذ من يشكو له ... أف لما قد قاله ذا المبطل أو أنه من غير أذن شافع ... فهو شفيع سرمديا يقبل وأنه الملاذ فيما يرتجى ... وأنه الكهف المنيع المعقل وأنه محط أحمال الرجا ... لأنه الرجعى له والموئل وأن ينادي إن ألمت أزمة ... ونشبت أظفارها لا تمهل فهذا كله شرك به ... سبحانه عما يقول المبطل

стр. 238

فهو المنادي وحده سبحانه ... وهو الملاذ المرتجى الموئل وهو المعاذ وحده إن أزمة ... أو كربة تعدو لنا أو تنزل لا عبده المعصوم فهو المجتبي ... وهو المطاع أمره لا يهمل لكننا لا ندع إلا ربنا ... في كل ما نرجوه وما نأمل ما مس عبد كربة أو نابه ... من نائبات الدهر مما يعضل إلا وربي فراج لها ... لا عبده إن كنت ممن يعقل تالله ما هذا بقول يرتضى ... في المصطفى مما يقول المبطل فالمشتكى لله لا للمصطفى ... وهو الذي إن لم يجب من نسأل وهو الذي إن لم يعنا لم نطق ... حملا لعجزان دها ما يشغل وهو الذي لا رب حق غيره ... وهو الرجا والملتجا الموئل هذا الذي قالته وهابية ... والحق ما قالوه وهو الأكمل

стр. 239

وهو الصواب حقيقة إذا كله ... حق وتحقيق وأمر يعقل لا ما ادعاه الكسم أو قاله ... من قد دعوه القطب وهو الأرذل تالله ما هذا بقطب الورى ... في دينهم بل كان ممن يجهل بل كان قطب الكفر والشرك الذي ... أغوى به الشيطان من لا يعقل فانبذه خلف الظهر لا تعبأ بما ... قد قاله هذا الغوى المبطل

стр. 240

فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك ... فصل قال الملحد: "وفي الشفا للقاضي عياض قال: ناظر ١ أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله ﷺ , فقال: لا ترفع صوتك في هذا المسجد, فإن الله أدب قوما فقال ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات-٢] الآية ومدح قوما فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ الآية [الحجرات-٣] , وذم قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية, [الحجرات-٤] وحرمته ميتا كحرمته حيا, فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وادعو, أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه, وهو وسيلتك, ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله تعالى يوم القيام؟ بل استقبله, واستشفع به, فيشفعك الله وفي نسخة فيشفعه الله قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء – ٦٤] , انتهى.

стр. 241

والجواب أن يقال هذه الحكاية لا حجة فيها لمبطل لما سنذكره إن شاء الله تعالى, قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في "الصارم المنكي" قلت المعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء, وهذه الحكاية التي ١ ذكرها القاضي عياض, ورواها بإسناده عن مالك ليست بصحيحة عنه. وقد ذكر المعترض ٢ في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد, وهو مخطىء في هذا القول خطأ فاحشا, بل إسنادها إسناد ليس بجيد, بل هو إسناد مظلم منقطع, وهو مشتمل على من يتهم بالكذب, وعلى من يجهل حاله, وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي, وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته, ولم يسمع من مالك شيئا, ولم يلقه, بل رواية عنه منقطعة غير متصلة. وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقاة المخرج لهم في صحيح مسلم, قال: فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك, وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشا, ووهم وهما قبيحا. إلى أن قال: وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن

стр. 242

المعمري كأبي خيثمة ١,وابن نمير, وعمرو الناقد, وغيرهم إلى أن قال: وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية من غير واحد من الأئمة, ونسبه بعضهم إلى الكذب. قال يعقوب بن شيبة السدوسي محمد بن حميد الرازي كثير المناكير. وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة. وقال فضلك الرازي عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث لا أحدث عنه بحرف, وقال أبو العباس أحمد بن محمد الأزهري: سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد على محمد بن حميد, وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان. وقال صالح بن محمد الحافظ: كان كل ٢ ما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران, وما بلغه من حديث منصور يحيله على عمرو بن أبي قيس٣, وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء وعلى عنبسة, ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه. وقال

стр. 243

في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد, وما رأيت أحدا أجرأ ١ على الله منه كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضهم على بعض, وقال في موضع آخر: ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني, ومحمد بن حميد الرازي كان يحفظ حديثه كله, وكان حديثه كل يوم يزيد- ثم أطال الحافظ الكلام فيه ٢ إلى أن قال-: فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن فكيف يقال في حكاية رواها ٣ منقطعة: إسنادها جيد, مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف, إلى أن قال: فانظر هذه الحكاية وضعفها, وانقطاعها, ونكارتها, وجهالة بعض رواتها, ونسبة بعضهم إلى الكذب, ومخالفتها لما ثبت عن مالك, وغيره من العلماء. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم": ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي, أو غير نبي لأجل الدعاء عنده, ولا كان الصحابة

стр. 244

يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره من الأنبياء, وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ , وعلى صاحبيه, واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره, وتنازعوا عند السلام عليه, فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره, ويسلم عليه, وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي, وأظنه منصوصا عنه. وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه. وقال مالك: فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في" المبسوط" والقاضي عياض, وغيرهما ١:- لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو, ولكن يسلم ويمضي, وقال أيضا في "المبسوط": لا بأس لمن قدم من سفر, أو خرج أن يقف على قبر النبي ﷺ ويدعو له, ولأبي بكر وعمر, قيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر, وربما وقفوا في الجمعة, أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا, وتركه واسع, ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها, ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك, ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده من أنهم كانوا

стр. 245

إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاة والسلام, ويكرهون قصده للدعاء, والوقوف عنده للدعاء ١, ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه, ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة إما مستدير القبر, وإما منحرفا عنه, وهو أن يستقبل القبلة ويدعو, ولا يدعو مستقبل القبر, وهكذا المنقول عن سائر الأئمة, ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء ٢ أن يستقبل قبر النبي ويدعو عنده. وهذا الذي ذكرناه عن مالك يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه, وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال ناظر ٣ أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله- ﷺ , قال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد, فإن الله تعالى أدب قوما فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات-٢] وذكر باقي الحكاية, ثم قال: فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة, أو مغيرة, وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقاة من أصحابه, فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند

стр. 246

الدعاء, وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا, وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر, ويسلم على النبي ﷺ , ثم يدعو مستقبل القبلة ويوليه ظهره, وقيل: [لا يوليه ظهره] ١ فاتفقوا في استقبال القبلة, وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء, ويشبه والله أعلم أن يكون مالك ٢ ﵀ سئل ٣ عن استقبال القبر عند السلام عليه, وهو يسمى ذلك دعاء, فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضا, ومالك يرى استقبال القبر في هذا الحال كما تقدم. وكما قال في رواية ابن٤وهب عنه: إذا سلم على النبي ﷺ يقف ووجهه إلى القبر, لا إلى القبلة ٥, ويدنو, ويسلم, ويدعو, ولا يمس القبر بيديه. وقد تقدم قوله: إنه يصلي عليه, ويدعو له. ومعلوم أن الصلاة عليه, والدعاء له توجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال في الحديث الصحيح:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول, ثم صلوا علي فإنه من صلى علي

стр. 247

مرة صلى الله عليه عشرا, ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله, وأرجو أن أكون ذلك العبد, فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" ١. فقول مالك في هذه الحكاية- إن كان ثابتا عنه- معناه أنك إذا استقبلته, وصليت عليه, وسلمت عليه, وسألت الله له الوسيلة, يشفع فيك يوم القيامة, فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته, واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعله ما يشفع به له يوم القيامة, كسؤال الله تعالى له بالوسيلة, ونحو ذلك, وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا, يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة, ويدعو ويسلم, يعني دعاءه ٢ للنبي ﷺ وصاحبيه. فهذا هو الدعاء المشروع هناك, كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين, وهو الدعاء لهم, فإنه أحق الناس أن يصلي عليه, ويسلم عليه, ويدعى له, بأبي هو وأمي ﷺ . وبهذا تتفق أقوال مالك, ويفرق بين الدعاء الذي أحبه, والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة.

стр. 248

وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية١: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء–٦٤] فهو- والله أعلم- باطل٢, فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم, ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل بعد الموت لا استقلالا ٣ ولا غيره, وكلامه المنصوص عنه وأمثاله ينافي هذا, انتهى٤.وقد تقدم الجواب على هذه الآية. وأما القول هذا الملحد: "والمراد من قوله وحرمته ميتا أي حال انتقاله إلى البرزخ, فلا ينافي ما تقدم: أنه حي في قبره ﷺ . والجواب أن يقال: ليس هذا مالك ﵀, فإنه إمام عالم عربي فقيه, ومن أعلم أهل زمانه بالحديث ومعانية, فإنه حال حكايته مع المنصور- لو ثبت- لا يخاطب المنصور بحال انتقاله إلى البرزخ بأنه ميت, وإنما يخاطبه حال الحكاية معه وقت المناظرة بعد وفاته بزمان طويل, أن حرمته ميتا في هذا الوقت- أي وقت المناظرة- كحرمته في حال الحياة في

стр. 249

غض الصوت عنده وعدم رفعه, فما قاله مالك- ﵀ ينافي ما تقدم من الحكايات الموضوعة, والأحاديث المكذوبة, وما كان منها ضعيفا فمؤلف محرف, من تحريفات هؤلاء الغلاة المارقين. وأما حكايته عن شارح "نور الإيضاح" فككلام ١ غيره من المصنفين في الزيارة ممن لا يوثق به, ولا يعتمد على قوله ونقله, وليسوا من أهل الحديث المعروفين بالرواية والدراية والأمانة, وفيما نقلنا عن مالك وأصحابه, وأبي حنيفة وأصحابه, وأحمد وأصحابه, والشافعي وأصحابه ما يكفي ويشفي عن كلام هؤلاء, وليس ٢ المراد من ذكر أصحاب مالك, وأبي حنيفة, وأحمد, وشافعي من تأخر منهم, إنما المراد بأصحاب الأئمة من نهجوا منهجهم, وأخذوا بمذهبهم, وكانوا على طريقتهم في الأقوال, والأفعال, والمآخذ من الأصول المنقولة المأثورة عن الصحابة – ﵃ أجمعين.

стр. 250

فصل: ذكر الملحد قصة العتبي نقلا عن النووي، وبيان بطلانها ... الخ ... فصل: قال الملحد: "وفي "الإيضاح" للنووي المؤلف في مناسك الحج على مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- ما نصه: ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحبين له, قال: كنت جالسا عند قبر النبي- ﷺ فجاء أعرابي, فقال: السلام عليك يا رسول الله, سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: آية ٦٤] وقد جئتك مستغفرا من ذنبي, مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته ... على الصراط إذا ما زلت القدم
следующие страницы →