الدعاء, وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا, وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر, ويسلم على النبي ﷺ , ثم يدعو مستقبل القبلة ويوليه ظهره, وقيل: [لا يوليه ظهره] ١ فاتفقوا في استقبال القبلة, وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء, ويشبه والله أعلم أن يكون مالك ٢ ﵀ سئل ٣ عن استقبال القبر عند السلام عليه, وهو يسمى ذلك دعاء, فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضا, ومالك يرى استقبال القبر في هذا الحال كما تقدم. وكما قال في رواية ابن٤وهب عنه: إذا سلم على النبي ﷺ يقف ووجهه إلى القبر, لا إلى القبلة ٥, ويدنو, ويسلم, ويدعو, ولا يمس القبر بيديه. وقد تقدم قوله: إنه يصلي عليه, ويدعو له.
ومعلوم أن الصلاة عليه, والدعاء له توجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال في الحديث الصحيح:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول, ثم صلوا علي فإنه من صلى علي
стр. 247
مرة صلى الله عليه عشرا, ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله, وأرجو أن أكون ذلك العبد, فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" ١.
فقول مالك في هذه الحكاية- إن كان ثابتا عنه- معناه أنك إذا استقبلته, وصليت عليه, وسلمت عليه, وسألت الله له الوسيلة, يشفع فيك يوم القيامة, فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته, واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعله ما يشفع به له يوم القيامة, كسؤال الله تعالى له بالوسيلة, ونحو ذلك, وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا, يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة, ويدعو ويسلم, يعني دعاءه ٢ للنبي ﷺ وصاحبيه.
فهذا هو الدعاء المشروع هناك, كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين, وهو الدعاء لهم, فإنه أحق الناس أن يصلي عليه, ويسلم عليه, ويدعى له, بأبي هو وأمي ﷺ . وبهذا تتفق أقوال مالك, ويفرق بين الدعاء الذي أحبه, والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة.
стр. 248
وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية١: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء–٦٤] فهو- والله أعلم- باطل٢, فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم, ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل بعد الموت لا استقلالا ٣ ولا غيره, وكلامه المنصوص عنه وأمثاله ينافي هذا, انتهى٤.وقد تقدم الجواب على هذه الآية.
وأما القول هذا الملحد: "والمراد من قوله وحرمته ميتا أي حال انتقاله إلى البرزخ, فلا ينافي ما تقدم: أنه حي في قبره ﷺ .
والجواب أن يقال: ليس هذا مالك ﵀, فإنه إمام عالم عربي فقيه, ومن أعلم أهل زمانه بالحديث ومعانية, فإنه حال حكايته مع المنصور- لو ثبت- لا يخاطب المنصور بحال انتقاله إلى البرزخ بأنه ميت, وإنما يخاطبه حال الحكاية معه وقت المناظرة بعد وفاته بزمان طويل, أن حرمته ميتا في هذا الوقت- أي وقت المناظرة- كحرمته في حال الحياة في
стр. 249
غض الصوت عنده وعدم رفعه, فما قاله مالك- ﵀ ينافي ما تقدم من الحكايات الموضوعة, والأحاديث المكذوبة, وما كان منها ضعيفا فمؤلف محرف, من تحريفات هؤلاء الغلاة المارقين.
وأما حكايته عن شارح "نور الإيضاح" فككلام ١ غيره من المصنفين في الزيارة ممن لا يوثق به, ولا يعتمد على قوله ونقله, وليسوا من أهل الحديث المعروفين بالرواية والدراية والأمانة, وفيما نقلنا عن مالك وأصحابه, وأبي حنيفة وأصحابه, وأحمد وأصحابه, والشافعي وأصحابه ما يكفي ويشفي عن كلام هؤلاء, وليس ٢ المراد من ذكر أصحاب مالك, وأبي حنيفة, وأحمد, وشافعي من تأخر منهم, إنما المراد بأصحاب الأئمة من نهجوا منهجهم, وأخذوا بمذهبهم, وكانوا على طريقتهم في الأقوال, والأفعال, والمآخذ من الأصول المنقولة المأثورة عن الصحابة – ﵃ أجمعين.
стр. 250
فصل: ذكر الملحد قصة العتبي نقلا عن النووي، وبيان بطلانها ... الخ
...
فصل:
قال الملحد: "وفي "الإيضاح" للنووي المؤلف في مناسك الحج على مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- ما نصه: ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحبين له, قال: كنت جالسا عند قبر النبي- ﷺ فجاء أعرابي, فقال: السلام عليك يا رسول الله, سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: آية ٦٤] وقد جئتك مستغفرا من ذنبي, مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته ...
على الصراط إذا ما زلت القدم
стр. 251
وصاحباك فلا أنساهما أبدا ... مني السلام عليكم ما جرى القلم
قال: ثم انصرف, فغلبتني عيناي, فرأيت رسول الله- ﷺ في النوم, فقال يا عتبي: إلحق الأعرابي وبشره بأن الله قد غفر له, انتهى.
والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان, فقد ذكر العلماء الأدلة الشرعية, وحصروها, وليس أحد منهم استدل على الأحكام برؤيا آحاد الأمة, لا سيما إذا تجردت عما يعضدها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف- ﵀: وهذه القصة ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء, ولم يذكرها غيرهم ممن يعتد به, ويقتدى به, كالأئمة المتبوعين, وأكابر أصحابهم, وأهل الوجوه في مذاهبهم, كأشهب, وابن القاسم, وسحنون, وابن وهب, وعبد الملك, وابنه, والقاضي إسماعيل من المالكية. ولا من الشافعية كالمزني, والبويطي, وابن عبد الحكيم, ومن بعدهم كابن خزيمة, وابن سريج, وأمثالهم ونظرائهم من أهل الوجوه. وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة, ومحمد بن الحسن اللؤلؤي, وزفر بن الهذيل, ومن بعدهم كالطحاوي حامل لواء المذهب. وكذلك أصحاب
стр. 252
أحمد, وأصحاب الوجوه في مذهبه, لم يذكرها أحد منهم كعبد الله, وصالح, والخلال, والأثرم, وأبي بكر عبد العزيز, والمروذي, وأبي الخطاب, ومن بعدهم كابن عقيل, وابن بطة.
وبعض ١من ذكر هذه الحكاية يرويها بلا إسناد, وبعضها عن محمد بن حرب الهلالي, وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسي الزعفراني عن الأعرابي, وقد ذكرها البيهقي ٢ بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم.
ووضع لها بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب ٣. كما روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي, عن علي بن محمد بن علي, حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي, قال حدثنا أبي عن أبيه سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن
стр. 253
أبي طالب, فذكر نحو ما تقدم ١.
قال الحافظ بن عبد الهدي: هذا الخبر منكر موضوع ٢ لا يصلح الاعتماد عليه, ولا يحسن المصير إليه, وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض, والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم أظنه ابن عدي الطائي, فإن لم يكن هو فهو كذاب متروك ٣, وإلا فمجهول٤, وقال عباس٥ الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب, وقال العجلي وأبو داود: كذاب, وقال أبو حاتم الرازي ٦والنسائي والدولابي والأزدي متروك الحديث, وقال
стр. 254
السعدي: ساقط كشف قناعه, وقال أبو زرعة: - ليس بشيء ١,وقال ابن عدي: ما أقل ما له من المسند, وإنما هو صاحب أخبار, وأسمار, ونسب, وأشعار٢, وقال الحاكم أبو عبد الله:- الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديثه منكرة, وقال العباس بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول: قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب؟.
فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة لم تثبت بسند يعول عليه ويحتج به.
قال الشيخ: ولو سلمنا ثبوت هذه الحكاية فلا دليل فيما على ما ذهب إليه هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين, وطلب الحوائج منهم. والأعراب لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلا شرعيا إلا مصاب في عقله, مفلس في فهمه وعلمه, وكذلك نقل العتبي ومن مضى من رجال سندها ليسوا بشيء. وقد تقدم أن أدلة الأحكام هي الكتاب, والسنة, والإجماع, والقياس المعتبر فيه خلاف, وغير ذلك ليس من
стр. 255
الأدلة في شيء, ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت, لا طلب الاستغفار ولا غيره, وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالي أنه حكي الإجماع على منعه.
ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له فذلك أيضا لا يدل على حسن حاله, وأسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله تعالى, وقد يستجاب لعباد الأصنام استدراجا, كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى-في كتابه"اقتضاء الصراط المستقيم" ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئا, غايتة أنه توسل به, ومسألة التوسل بذاته ﷺ غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب منه, وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: آية ١٣٥] فإذا كان هذا المختص بمغفرة الذنوب فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى وتقدس, وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ بما أغنى عن إعادته هنا.
وأما ذكره في"المستوعب" لأبي عبد الله السامري الحنبلي وفيه" اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك ﵇: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ "الآية".
فنقول هذا من نمط ما قبله وقد تقدم الكلام عليه.
ثم قال الملحد: "سئل العلامة الشهاب الرملي عن ما يقع
стр. 256
من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان ونحو ذلك, فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة, وللرسل والأنبياء والأولياء إغاثة بعد وتهم, لأن معجزة الأنبياء وكرامة الأولياء لا تنقطع, انتهى".
فالجواب أن يقال: قد تقدم أن الاستغاثة هي طلب الغوث, وهو: إزالة الشدة, كالاستنصار طلب النصر, والاستعانة طلب العون, وذكرنا فيما تقدم كلام أبي عبد الله القرشي أحد مشايخ الطريقة أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق, وعن ذي النون ١إستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وقال شيخ الإسلام ﵀ في الرسالة السنية: فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة, فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام لأسباب منها: الغلو في بعض المشائخ, بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ﵇, فكل من غلا في نبي أو رجل صالح, وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أنصرني, أو أغثني, وارزقني, أو أنا في حسبك, ونحو هذه الأقوال, فهذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل, فإن الله إنما أرسل الرسل, وأنزل
стр. 257
الكتب ليعبد وحده لا شريك له, ولا يدعى معه إله, والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق, أو تنزل المطر, أو تنبت النبات, وإنما كانوا يعبدونهم, أو يعبدون قبورهم, أو يعبدون صورهم يقولون: إنما نعبدهم, ليقربونا إلى الله زلفى, ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله سبحانه رسله تنهي أن يدعى أحد من دونه, لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة انتهى.
وقال أيضا: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم, ويتوكل عليهم, ويسألهم كفر إجماعا. نقله عنه ١ صاحب الفروع, وصاحب الإنصاف, وصاحب الإقناع.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن أنواع - يعني الشرك - طلب الحوائج من الموتى, والاستغاثة بهم, والتوجه إليهم, وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله, وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا, فضلا لمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله, وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده, وقد تقدم بتمامه.
وبالجملة فضابط هذا أن كل ما شرعه الله لعباده, وأمرهم به ففعله لله عبادة, فإذا صرف العبد من تلك العبادة شيئا لغير الله فهو مشرك, مصادم لما بعث الله به رسوله من قوله: ﴿قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: آية ١٤] .
стр. 258
فإذا عرفت هذا فهذا الرجل المسمى الشهاب الرملي إن كان من المعروفين بالعلم - لأني لا أعرف ما حاله - فهو من جنس السبكي وأضرابه الغالين الذين يصنفون في إباحة الشرك وجوازه زاعمين أن ذلك من تعظيم الرسول, وتعظيم الأنبياء والأولياء, وذلك لجهلهم, وعدم إدراكهم لحقائق الدين, ومدارك الأحكام, وليس لهم قدم صدق في العالمين, ولا كانوا من العلماء العاملين, فلا حجة في أقوالهم ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: آية ٤٠] ثم لو كان الشهاب الرملي من أهل الفضل والعلم والعبادة وأكابر أهل الفقه والورع والزهادة لكان قد أخطأ فيما قاله وأراده, ودعا إلى عبادة غير الله, وهذا يوجب كفره وارتداده.
وأما معجزات الأنبياء وكرامة الأولياء فهي لا تدل على دعائهم, ولا الاستغاثة بهم, وصرف خالص حق الله لهم, وإنما تدل على علو درجتهم, وكرامتهم على الله, وقربهم منه. وقد قال ﷺ لما طلب الصحابة ﵃ من النبي أن يغيثهم من المنافق الذي آذاهم: "إنه لا يستغاث بي, وإنما يستغاث بالله عزو جل" ١ وقد قال الله
стр. 259
تعالى لنبيه- ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: آية ٦٥] وهؤلاء الغلاة لا يأتمرون بما أمر الله به ورسوله, ولا ينتهون عما نهى الله عنه ورسوله, فالله المستعان.
стр. 260
فصل: ذكر الملحد حديث ابن عباس"أن عمر قال: اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك ... الخ
...
فصل
قال الملحد: "وروي عن ابن عباس أن عمر ﵁ قال:"اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك ﷺ , ونستشفع إليك وبشيبته, فسقوا" وفي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمي سق الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمر"
والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي ذكره عن ابن عباس لم يذكره بإسناده, ولم يعزه إلى شيء من الكتب المعتمدة, وفيه ألفاظ مخالفة للأخبار الصحيحة, فلا اعتماد على ما ذكره, والمحفوظ المعتمد عليه ما ذكره البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر استقى بالعباس بن عبد المطلب, وقال: " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" فيسقون.
قلت: وقد ورد في بعض الألفاظ: قم يا عباس فادع الله. فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته, وهو
стр. 261
أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته, فيدعون معه, كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق, كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق, ولما مات ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به.
ولهذا قال الفقهاء: يستحب الإستقاء بأهل الخير والدين, والأفضل أن يكونوا من أهل بيت النبي ﷺ , وقد استقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي, وقال: "اللهم أنا نستقي بيزيد بن الأسود: يا يزيد أرفع يديك, فرفع يديه ودعا, ودعا الناس حتى امطروا, وذهب الناس. ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به.
وأما قوله: "وفي رواية للزبير بن بكار أن العباس ﵁ قال في دعائه: وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك ﷺ فأسقنا الغيث, فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض. انتهى".
فأقول: قال الحافظ في الفتح, وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب, ولم يكشف إلا بتوية, وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك, وهذه أيدينا إليك بالذنوب, ونواصينا إليك بالتوبة, فاسقنا الغيث, فأرخت السماء مثل الجبال, حتى أخصبت الأرض, وعاش الناس.
وقد أسقط هذا الملحد من هذا الأثر قوله: اللهم إنه لم
стр. 262
ينزل بلاء إلا بذنب, ولم يكشف إلا بتوبة. لعلمه أنه يعود على مقصوده بالهدم, وذلك أنهم إنما سألوا به ليدعو لهم, فاستكان لله تعالى بالاعتراف وبالذنب, وأنهم قد أتوه بائبين منيبين.
وكذلك أسقط منه قوله: "ونواصينا إليك بالتوبة" وهذا توسل منه بهذا العمل الصالح, وهو التوبة, وعلى تقدير صحة هذا الأثر فلا دليل فيه على ما يتوهمه, فإن توسلهم بالعباس بدعاء حي يقدر على الدعاء, وهذا لا محذور فيه وقد فعله أصحاب رسول الله ﷺ وإنما المحذور المنهي عنه دعاء الأموات, وتوجه بهم, والتوسل بهم وهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة, ولا التابعين, ولا الأئمة المهديين, والعلماء والراسخين.
وأما قوله: "وفي هذا يبطل قول من منع التوسل مطلقا سواء كان في الأحياء وبالأموات, وقول من منع ذلك بغير النبي ﷺ لأن فعل عمر ﵁ حجة لقوله ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" رواه الإمام أحمد والترمذي"١.
стр. 263
فالجواب على هذا من وجوه:-
الأول: أن في سنده خارجة بن عبد الله الأنصاري, وهو ضعيف ضعفه أحمد.
الثاني: أن عمر استسقى بدعاء حي حاضر يقدر على الدعاء, وليس في هذا ما يدل على الاستسقاء بالأموات, ولو كان هذا جائرا لما عدل الفاروق عن الاستسقاء بالنبي ﷺ إلى الاستسقاء بالعباس الحي, فالقياس باطل, والتوهم تحكم.
الثالث: أن جعل الحق على لسان عمر وقلبه لا يستلزم كون فعله ﵁ حجة, ومن يدعيه فعليه البيان, خصوصا إذا خالف غيره من الصحابة.
الرابع: أن المقصود أن الله تعالى أجرى الحق على لسان عمر ﵁ في وقائع, كما قال ابن عمر راوي الحديث: ما نزل بالناس أمر قط, فقالوا فيه, وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر. ويقويه الحديث المتفق عليه عن أنس وابن عمر أن عمر قال:١وافقت ربي في ثلاث. قلت يا رسول الله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقر: آية
стр. 264
١٢٥] وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب, واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ونزلت كذلك. إلى غير ذلك من الأمور التي وافق فيها عمر, كقصة أسارى بدر وقصة الصلاة على المنافقين.
وجملة القول أن هذا الحديث على تقدير ثبوته ليس معناه إلا ما روي في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ولقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد فإنه عمر" المحدث الملهم١, وقيل الرجل الصادق الظن, وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به, وقيل من يجري الصواب على لسانه من غير قصد, وقيل المكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوت, وقيل الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه, وعلى كل تقدير لا يحكم بما وقع للمحدث بل لا بد له من عرضه على الكتاب والسنة, ومن ثم أجمع أهل السنة على أن إلهام غير النبي ﷺ ليس بحجة, وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل حديث ابن عمر المذكور, وليس الغرض أن الله جعل الحق في كل حادثه وواقعة على لسان عمر وقلبه, وأن فعله وقوله حجة شرعية, وأنه لا يقع منه خطأ قط, وإلا لما خالفه ونازعه أحد
стр. 265
من الصحابة والتابعين من بعدهم من أهل الحديث والفقه, والثاني باطل فإن مخالفات الصحابة لعمر ﵁ أكثر من أن يكتب في هذا المختصر, وأشهر أن يخفى على من له إلمام بكتب الحديث والأثر, ثم كيف يصح القول بحجية فعل عمر ﵁ عموما كما زعم هذا المؤلف فقد أخطأ عمر ﵁ في مسائل: منها عدم جواز التيمم عنده لمن أجنب فلم يجد الماء. ومنها عدم جواز التمتع في الحج عنده. ومنها قوله: إن لمعتدة ١الثلاث السكنى والنفقة, إلى غير ذلك من الأمور التي أخطأ فيها, ورجع فيها إلى الصواب. وكان الصديق ﵁ يقومه في أشياء كثيرة, كما قومه يوم صلح الحديبية, ويوم موت النبي ﷺ , بل كان آحاد الناس يبين له الصواب فيرجع إلى قوله, كما راجعته أمرأة في قوله:"لئن بلغني أن أحدا زاد صداقه على صداق أزواج النبي ﷺ وبناته إلا رددت الفضل في بيت المال" فقالت له امرأة: لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه؟ وقرأت قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ ٢ [النساء: آية ٢٠] فرجع إلى قولها وقال في لفظ آخر: الله أكبر أصابت امرأة وأخطأ عمر, وأمثال هذا كثير.
إذا عرفت هذا فليس في قول ﷺ : "إن الله جعل الحق
стр. 266
على لسان عمر وقلبه" حجة على جواز التوسل بالنبي, والاستغاثه به بعد موته ﷺ , ولا بأحد من الأموات والغائبين, لا من الأنبياء والأولياء, ولا غيرهم من الصالحين, غاية ما فيه أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه, ومن ذلك أنه عدل عن التوسل بالنبي ﷺ بعد موته إلى التوسل بدعاء العباس, وهذا من الحق الذي جعل الله على لسان عمر وقلبه, وسيأتي إيضاح هذا فيما بعد عن قريب إن شاء الله تعالى.
وأما قول الملحد: "ولا يقال فيه دليل على امتناع التوسل بالنبي ﷺ بعد انتقاله لأن التوسل والاستسقاء بالنبي ﷺ كان معلوما عندهم كما تقدم في القصة التي رواها ابن حنيف, وكما في توسل آدم في الحديث المتقدم الذي رواه عمر ﵁ , وإنما فعله عمر ﵁ لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي ﷺ لا يجوز".
فالجواب أن نقول: قد تقدم الجواب عن هذا, وأنه لم يكن يفعله أحد من الصحابة, ولا التابعين, ولا من بعدهم من الأئمة المقلدين, لذلك عدل عمر ﵁ عن التوسل به ﷺ إلى التوسل بالعباس, وقد ألهم الصواب لأن الله جعل الحق على لسانه وقلبه.
وأما حديث الأعمى فليس فيه ما يدل على غيبته ﷺ , وهو توسل بدعائه, كما كان الصحابة يتوسلون بذلك, ويسألونه الاستغفار والدعاء, وهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله علي وسلم
стр. 267
كما تقدم, وأما بعد وفاته فلم يفعله أحد من الصحابة ﵃.
وأما الذي حدثه عثمان بن حنيف فلم يخاطبه, ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى أعني مخاطبته ﷺ والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبة الرسول, بل هي ساقطة في الأصول المحررة, ومسألة السؤال به أو بحقه غير مسألة نفسه ودعائه.
وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب بتوسل آدم بجاه محمد فهو حديث موضوع مكذوب باتفاق أهل العلم بالحديث.
وأما قوله:"وإنما فعله عمر ﵁ لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي ﷺ لا يجوز."
فالجواب أن يقال: قد ثبت في صحيح البخاري عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس ﵁ , قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك ﷺ فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا فيسقون. فإنه لو كان التوسل به ﵊ بعد انتقاله من هذه الدار جائز لما عدلوا إلى غيره بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس وهو يجدون أدنى مساغ لذلك, فعدولهم هذا مع أنهم السابقون
стр. 268
الأولون وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله ﷺ بحقوق الله تعالى ورسوله ﵊, وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع, وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات, وتيسير العسير, وإنزال الغيث بكل طريق, دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره.
وأما قوله: "وإنما فعله عمر ﵁ لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي لا يجوز".
فأقول فيه كلام من وجوه:-
الأول: أن المراد بالاستسقاء بالعباس والتوسل به الوارد في حديث أنس ﵁ هو الاستسقاء بدعاء العباس, على طرية معهودة في الشرع, وهي أن يخرج من يستسقى به إلى المصلي, فيستسقي ويستقبل القبلة داعيا, ويحول رداءه, ويصلي ركعتين أو نحوه من هيئات الاستسقاء التي وردت في الصحاح, والدليل عليه قول عمر ﵁: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. ففي هذا القول دلالة واضحة على أن التوسل بالعباس كان مثل توسلهم بالنبي ﷺ , والتوسل بالنبي ﷺ لم يكن إلا بأن يخرج, ويستقبل القبلة, ويحول رداءه, ويصلي ركعتين أو نحوه من الهيئات الثابتة في الاستسقاء, ولم يرد في حديث ضعيف فضلا عن الحسن والصحيح أن الناس طلبوا السقيا من الله في حياته متوسلين به ﷺ من غير أن يفعل ما يفعل في
стр. 269
الاستسقاء المشروع من طلب السقيا والدعاء والصلاة وغيرهما مما ثبت بالأحاديث الصحيحة, ومن يدعي وروده فعليه الإثبات.
إذا تمهد هذا فاعلم أن الاستسقاء والتوسل على الهيئة التي وردت في الصحاح من الاستسقاء لا يمكن إلا بالحي لا بالميت, فالقول بإمكان هذا الاستسقاء بالنبي ﷺ بعد وفاته من أبطل الباطل, وكان القول بأنه لو استسقي بالنبي ﷺ لربما يفهم منه بعض الناس أو يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغيره بديهي البطلان, فإن ما ثبت بفعله ﷺ هو مشروع لنا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: آية ٧] وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: آية ٢١] ما لم يدل دليل على كونه مخصوصا بالنبي ﷺ , فلا مجال لهذا التوهم حتى يحتاج إلى دفعه.
والثاني: أن المقصود لو كان دفع التوهم المذكور لكان أولى بأن يتوسل بحي غير النبي ﷺ في حياته, أو بميت غير النبي ﷺ بعد وفاته, أو بميت غير النبي صلى الله عليه وسلمفي حياته, فإن هذه الصور الثلاث أبعد من أن يبدو فيها الاحتمال الآتي من أنه إنما استسقي بالعباس لأنه حي, والنبي ﷺ قد مات, وأن الاستسقاء بغير الحي لا يجوز, فلما ترك عمر ﵁ تلك الصور, واختار الصورة التي يتأتي فيها الاحتمال المذكور
стр. 270
دل هذا الصنيع على أن مقصوده ﵁ ليس دفع التوهم المذكور.
الثالث: أن توهم عدم جواز الاستسقاء بغير النبي ﷺ أخف من توهم عدم جواز الاستسقاء بالميت, لا سيما إذا كان ذلك الميت غير النبي ﷺ , فكان هذا التوهم أولى بالدفع, فكان الأنسب حينئذ أن يستسقي بميت غير النبي ﷺ .
الرابع: أن هذا التعليل فاسد لأن المعلل لم يقم عليه برهان ولا دليل فلا يصغي إليه.
стр. 271
فصل: نقل المعترض حكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة وبيان بلادة المعترض ... الخ
...
فصل:
قال الملحد: "وقد ذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى "بالخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة" في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة ﵁ يجيء إلى ضريحه يزور فيسلم عليه, ثم يتوسل إلى الله تعالى في قضاء حاجاته, وقد ثبت توسل الإمام أحمد بالشافعي ﵄ حتى تعجب ابنه عبد الله من ذلك, فقال له الإمام أحمد: إن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن"١.
والجواب أن يقال لهذا الجاهل البليد كيف يثبت دين الله تعالى بمثل هذه الأقوال الكاسدة, والشبه المعتلة الفاسدة. أيظن أن كل أحد يروج عليه الباطل, ويشتبه عليه العاطل؟ طلا فإن الله رجالا ينفون عن دينه زيغ المبطلين, وتحريف الملحدين.
ثم إن هذه الحكاية من الكذب المعلوم كذبه بالاضطرار
стр. 272
عند من له معرفة بالنقل والآثار ١,فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة, بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا, وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين, من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده.
ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذي أدركوه مثل أبي يوسف, ومحمد بن الحسن, وزفر, والحسن بن زياد, وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء عند قبر أبي حنيفة ولا غيره,
ثم إن الشافعي قد صرح في بعض كتبه بكراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها, وإنما يضع هذه الحكايات من يقل علمه ودينه, وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف, ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك لها حتى تثبت, فكيف بالمنقول عن غيره.
ثم هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به, أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله, مع العلم بأن الرسول لم يشرعها, وتركه مع قيام المقتضي بمنزلة فعله, وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من غير
стр. 273
نقل عن الأنبياء ١ النصارى وأمثالهم, وإنما المتبع في إثبات أحكام الله وسنة رسوله ﷺ وسبيل السابقين الأولين لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا واستنباطا بحال.
وأما قوله: "وقد ثبت توسل الإمام أحمد بالشافعي" فهو من نمط ما قبله مما يعلم كل عاقل بالضرورة أنه من الكذب بل لا بد من رفع هذه الأمور إلى أصحابها بسند يعتمد عليه, ودونه لا يسمع, ثم لو ثبت ذلك فأفعالهم وتقريراتهم ليست من الحجة, في شيء, وحاشاهم من ذلك فهم أجل قدرا, وأعظم خطرا من أن تجري منهم هذه الأمور, وهي لم يفعلها أحد من أصحاب رسول الله ﷺ , وشيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه أجاب في كتابه"اقتضاء الصراط المستقيم" عن مثل شبه هذا الملحد بوجهين.- مجمل ومفصل, وقد أجاد فيها وأفاد, وحيث أن ذلك مما لا يمكننا نقل جميعه فلا بأس أن نذكر المجمل.
قال رحمه الله تعالى:- أما المجمل فالنقض, فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير, بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما يستجاب لهؤلاء أحيانا, وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة, فإن كان
стр. 274
هذا وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل, وذلك كفر متناقض, ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون عند نبي أو غيره, كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن بآخر, وكل منهم يزعم أن قرينه يستجاب عنده, ولا يستجاب عند غيره, فمن المحال أصابتهم جميعا, موافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح, والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد, فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثيرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم, وانصرافهم عن غيره, وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه دون ما ينفونه يضعف التأثير على زعمهم, فإن الواحد إذا حسن الظن بالإجابة عند هذا, وهذا لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن الظن بواحد دون آخر, وهذه كلها من خصائص الأوثان, ثم قد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى المؤمنين, وسلبه الله تعالى الإيمان, والمشركون قد يستسقون فيسقون, ويستنصرون فينصرون انتهى.
وفيه كفاية لمن كشف الله عن بصيرته حجب الغفلة, والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 275
فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت .
...
فصل:
قال الملحد: "وذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى "بالصواعق المحرقة لأهل الضلال والزندقة" إن الإمام الشافعي ﵁ توسل بأهل البيت النبوي حيث قال:-
آل النبي ذريعتي ... وهم إليه وسيلتي
أرجو بهم أعطى غدا ... بيدي اليمنى صحيفتي
انتهى, من كتاب "خلاصة الكلام" مع بعض تقرير واختصار".
والجواب أن نقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله, وفيه من الكلام كما فيما قبله. وابن حجر المكي - عامله الله بعدله - من الغالين في الصالحين, ومن الثالبين لأئمة المسلمين, الذين جردوا توحيد العبادة لله رب العالمين, وجاهدوا في الله ولله من خرج عن سبيل المؤمنين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: آية ١١٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: آية ٤٠] ومن كانت هذه حاله,
стр. 276
وهذه أقواله فحقيق أن لا يلتفت إليه. وعلى تقدير ثبوته وصحته إن كان النقل صحيحا أن المضاف هنا مقدر تقديره: إن حب آل محمد, وتعظيمهم, واتباعهم, والصلاة عليهم ذريعتي ووسيلتي, وكان في قوله: أرجو بهم, أي أرجو بحبهم وتعظيمهم واتباعهم.
وأما قول هذا الملحد: "فتحصل لنا من هذا جميعه أنه يجوز التوسل بالنبي ﷺ قبل وجوده وفي حياته وبعد انتقاله، وأنه يصح التوسل بغيره أيضا من الأحياء"
فأقول: أما التوسل به ﷺ قبل وجوده فمسند ١هؤلاء الغلاة فيه على حديث موضوع مكذوب كما بيناه فيما سبق وأما في حياته ﷺ فقد بينا فيما تقدم أن ذلك بدعائه كما ذكرنا كلام أهل العلم بما أغنى عن إعادته. وأما بعد وفاته فقد بينا أنه ليس من هدي الصحابةرضي الله عنهم, وأنهم لم يكونوا يفعلونه, ولا نقل ذلك عنهم أحد من العلماء الذين يعتد بهم.
وإذا علمت هذا فقد قال النبي ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ,وفي رواية "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وما ذكره هؤلاء المشبهون من الأحاديث في جواز ذلك فمنها ما هو موضوع, ومنها ما هو معلول لا تقوم به الحجة, ولا تثبت به الأحكام الشرعية, وكذلك ما ذكر من
стр. 277
الحكايات التي هي كالخيالات الخرافات التي يوردها أهل الشبهات هي كلها من الموضوعات المكذوبات, والله الهادي إلى الصواب.
وأما قوله:"وقد أجمع من يعتد بإجماعه من المسلمين على ذلك".
فأقول: هذه دعوى مجردة, وقوله: "وهو مذهب الأئمة الأربعة" فأقول: وهذا أيضا أبطل مما قبله, فإنه لم يذكر عن الأئمة الأربعة إلا هذه الحكايات الموضوعة المكذوبة التي وضعها بعض الغلاة في الصالحين.
وقوله:"ومستندهم الكتاب والسنة لما قدمنا, والإجماع حجة قاطعة".
فأقول: هذا قول على كتاب الله, وعلى سنة رسول الله, وعلى جميع العلماء بغير علم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٣] .
وهذا الملحد لم يذكر من كتاب الله, وسنة رسوله, والإجماع القاطع ما يدل على ما توهمه, بل هو عليه لا له, ولا يعجز كل مبطل عن مثل هذه الدعوى فالله المستعان.
وإذا كان هذا جميع ما تحصل له من ما مر حكايته عنه من
стр. 278
القول القاسط, والهذيان الساقط, فيتعين أن نذكر من كلام أهل العلم ما يبطل دعواه: إن مستنده كتاب الله, وسنة رسوله, والإجماع القاطع, وما يترتب على ذلك من المفاسد.
стр. 279
فصل: قال ابن القيم: فصل: ذكر فيه مفاسد اتخاذ القبور أعيادا ... الخ
...
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فصل
ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله تعالى، وغيرة على التوحيد١، وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن ما لجرح بميت إيلام.
فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم، فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباة، وقبّلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت الأصوات بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على
стр. 280
الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا نزلوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر لمن صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعا سجدا، يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملؤوا أكفهم بالخيبة وخسرانا، فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، الذي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كمّلوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنيء بعضهم بعضا، ويقول: أجزل١الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجّه القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا ولو بحجك كل عام. هذا ولم
стр. 281
نتجاوز ما حكينا عنهم، ولا استقصينا جميع بدعتهم وضلالتهم إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.
وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه، وما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه، وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.
ورأيت لأبي الوفاء١بن عقيل في ذلك فصلا حسنا، فذكرته بلفظه، قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار، مثل تعظيم القبور وإلزامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا أو كذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يقبّل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل
стр. 282
الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر أو محمد وعلي، أو لم يعقد١على قبر أبيه أزجا بالجص والآخر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر، انتهى.
ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به، ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا.
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها.
ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله تعالى.
ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.
ونهى أن يتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذون أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.
وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي، قال قال علي بن أبي طالب ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ألا أدع ثمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته"، وفي صحيحه أيضا عن
стр. 283
ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبر فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها، وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها من الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب.
ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر وأن يعقد عليها وأن يبنى عليه بناء".
ونهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود في سننه عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن تجصيص القبور، وأن يكتب عليها. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره.
ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه.
وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب والآجر والأحجار والجص.
ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى القبر بآجر، وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره، وأوصى الأسود بن يزيد ألا تجعلوا على قبري آجرا.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم.
وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة: أن لا تضربوا
стр. 284
علي فسطاطا.
وكره الإمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاطا.
والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعيادا الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ ، ومحادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر.
قال ﵀: وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام.
فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره.
فمنها تعظيمها الموقع في الافتتان بها.
ومنها اتخاذها عيدا.
ومنها السفر إليها.
ومنها مشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف
стр. 285
عليها، والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها، وسدانتها، وعبادتها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيّمها ليلة يطفي القنديل المعلق عليها.
ومنها النذر لها، ولسدنتها.
ومنها اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء، وينصر على الأعداء، ويستنزل غيث السماء، ويفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الخائف إلى غير ذلك.
ومنها الدخول في لعنة الله تعالى، ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها.
ومنها الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.
ومنها إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى عند قبره١وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء، والمشائخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا