وله في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى فيشفع لأهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية، فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، ويشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.
وله الحوض المورود في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.
стр. 37
وهو أول من يفتح له باب الجنة وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته.
والمقصود من هذا: أن قول هذا الملحد فيما أورده عن القسطلاني من تلك الحكاية، وما ذكره من هذا الحديث الموضوع " أن أول ما خلق الله من الأشياء نور محمد ﷺ ، وأن جميع المخلوقات خلقت من نوره حتى النار" ١مناقض لما ذكره الله في كتابه، وعلى لسان رسوله في سنته.
ولو كان حقا ثابتا، أو كان من الفضائل والخصائص لذكره أهل الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من الكتب المعتمدة، ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن هذا من الكذب الذي لا يمتري فيه عاقل، فضلا عن العلماء الذين هم أعلم الخلق بالله وبكتابه ورسوله وسنة نبيه.
وإذا كان نور رسول الله ﷺ على زعم هؤلاء مخلوقا من نور، فمن المعلوم بصريح النقل أن الملائكة مخلوقون من النور أيضا، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:" خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٢.
وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن أبيه
стр. 38
قال: قال عبد الله بن مسعود: " إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، ونور السموات من نور وجهه" الحديث إلى آخره١.
ونهى العلماء عن استقبال الشمس والقمر ببول أو غائط لما فيهما من نور الله٢، فإذا كان ذلك كذلك فما خاصية رسول الله ﷺ بذلك وامتيازه عن هذه المخلوقات؟ إذ من
стр. 39
المعلوم بالضرورة أن خلق آدم من صلصال كالفخار، وقد فضله الله على الملائكة وهم مخلوقون من نور، ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم، وآدم ﵇ فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وقد ذكر ﷺ في الحديث السابق أن الملائكة خلقت من نور، ولم يقل: خلقت من نور محمد فدل على أن هذا كذب عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: آية٢٦، ٢٧] وثبت بالإسناد الذي على شرط الصحيح عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قالت الملائكة: يا ربنا قد جعلت لبني آدم الدنيا يأكلون ويشربون، فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا، فقال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه، فقال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه، فقال: وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ١. فإذا ثبت أن الملائكة مخلوقون من نور وأن خلق آدم وذريته من
صلصال من حمإ مسنون؛ وأقسم بعزته جل ثنائه وتقدست أسمائه أن من خلق بيده أفضل من الملائكة المخلوقين من النور؛ وأنه لا يجعل صالح ذريته كلملائة؛ وقال عبد الله بن سلام:" ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد – ﷺ فقيل له: يا أبا يوسف ولا جبرائيل ولا ميكائيل؟ فقال: يا ابن أخي أو تعرف ما جبرائيل وميكائل؟ إنما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل الشمس والقمر ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد"وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ضي الله عنه قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: " خلق الله التربة يوم الاثنين؛ وخلق المكروه يوم الثلاثاء؛ وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس؛ وخلق آدم ١ بعد العصر من يوم الجمعة ٢ في آخر الخلق في آخر الساعة من الساعات
стр. 43
الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" ١ فتبين من هذا الحديث أن خلق النور يوم الأربعاء؛ وآدم خلق بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق.
وقد ثبت أن نبينا ﷺ قال: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ٢ فكيف يصح في الأذهان أن يكون آدم مخلوقا من نور أفضل ولده؟ وقد أخبرنا الله في كتابه وعلى لسان رسوله أن الله خلق آدم من صلصال من حمإ مسنون؛ أو تكون النار التي هي محل غضبه وسخطه مخلوقة من نور محمد؟
وقد ثبت أن الله خلق النار قبل أن يخلق آدم وذريته. ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن نور الله الذي هو صفته غير مخلوق؛ وليس من الله شيء مخلوق؛ وإنما تكون الأشياء وتخلق بأمره وتكوينه وأفعاله سبحانه وبحمده إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
فإذا عرفت هذا عرفت أن ما ذكره القسطلاني لا يصح وأن هذا الحديث موضوع مكذوب؛ وإذا كان ذلك كذلك تبين لك أنه لم يكن قبل خلق آدم خلق من ذريته يسمى عالم الغيب لا أرواح ذريته من الأنبياء ولا غييرهم.
стр. 44
فإذا عرفت هذا فنذكر هنا من الأحاديث الصحيحة ما يبطل دعى هؤلاء الوضاعين الغلاة وأن الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ أن أول ما خلق الله تعالى من الأشياء العرش أو القلم كما ذكره أهل العلم.قال الشيخ الإسلام: الوجه التاسع أنه قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق الآخر قولين كما ذكره الحافظ أبو العلاء الهمذاني وغيره أحدهما: أن القلم خلق أولا؛ كما أطلق ذلك غير واحد؛ وهذا "١ هو الذي يفهم في الظاهر في كتب من صنف في الأوائل كالحافظ ابن أبي عروبة وابن أبي معشر الحراني وأبي القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت أنه قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله ﷺ يقول:"إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: يا رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني" ٢.
والثاني: أن العرش خلق أولا، قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه في الرد على الجهمية حدثنا محمد بن كثير العبدي أنبأنا سفيان الثوري حدثنا ابن هشام عن مجاهد عن ابن عباس قال: " إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فكان أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه" ١ ورواه أيضا أبو القاسم اللالكائي في كتابه في شرح أصول السنة من حديث يعلى عن سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد قال: قيل لابن عباس: "إن ناسا يقولون في القدر قال: يكذبون بالكتاب لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونّه – أي لآخذن بناصيته – إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه" ٢ وكذلك روى الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات لما ذكر بدء الخلق فذكر حديث عبد الله بن عمرو ٣؛٤ وعمران بن حصين ٥ وغيرهما؛ وسنذكر هذين
стр. 47
الحديثين إن شاء الله تعال؛ ثم ذكر حديث الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: آية ٧] على أي شيء كان؟ قال: "على متن الريح" ١ وروى حديث القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون" ٢ قال البيهقي: ويروى ذلك عن عبادة بن الصامت مرفوعا. قال البيهقي: وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش ٣ القلم؛ وذلك بين في حديث عمران بن حصين "ثم خلق السماوات والأرض".
стр. 48
وفي حديث أبي ظبيان ١ عن عباس موقوفا عليه " ثم خلق النون فدحا ٢ الأرض عليها".
وروى بإسناده الحديث المعروف عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان ١ عنى ابن عباس قال:"إن ٣ أول ما خلق الله من شيء القلم فقال له: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب القدر. قال فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. قال: ثم خلق النون فدحا ٢ الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السماوات واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال وإنها لتفتخر على الأرض إلى يوم القيامة" ٤.
قلت: حديث عمران بن حصين الذي ذكر هو ما رواه البخاري من غير وجه منها ما رواه في كباب التوحيد في "باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم"٥ قال أبو
стр. 49
العالية: استوى إلى السماء: ارتفع. وقال مجاهد: استوى ١ على العرش.
وذكره من حديث أبي حمزة عن الأعمش عن جامع بن شداد ٢ عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: " إني عند النبي – ﷺ إذا جاءه قوم من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم؛ قالوا: بشرتنا فأعطنا؛ فدخل الناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذا لم يقبلها بنو تميم؛ فقالوا قد قبلنا جئناك لنتفقه ٣ في الدين؛ ولنسألك عن أول هذا الأمر؛ قال: كان الله ولم يكن شيء قبله؛ وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض؛ وكتب في الذكر كل شيء؛ ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهب فانطلقت أطلبها فإذا السراب ينقطع دونها وأيم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم" رواه البيهقي كما رواه محمد بن خهارون الروياني في مسنده.
وعن عثمان بن سعيد وغيرهما من حديث الثقات المتفق على ثقتهم عن أبي إسحاق الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: أتيت النبي – ﷺ – فعقلت ناقتي بالباب ثم دخلت؛ فأتاه نفر
стр. 50
من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا تميم قالوا: بشرتنا فأعطنا. فجاء نفر من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها إخوانكم من بني تميم فقالوا: قبلنا يا رسول الله أتيناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض قال: ثم أتاني رجل فقال: أدرك ناقتك قال: فذهبت فخرجت فوجدتها ينقطع دونها السراب؛ وأيم الله لوددت أني تركتها. ففي هذا الحديث الصحيح بيان أنه كتب في ١ الذكر ما كتبه بعد أن كان عرشه على الماء وقبل أن يخلق السماوات والأرض.
فتبين من هذه الأحاديث الصحيحة أن هذا الحديث الذي ذكره الملحد موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ وأن أول ما خلف الله العرش على الصحيح كما قال ابن القيم ﵀
واذكر حديث السبق للتقدير التو ... قيت قبل جميع ذي الأعيان
خمسين ألفا من سنين عدها ال ... مختار سابقة لذي الأكوان
هذا وعرش الرب فوق الماء من ... قبل السنين بمدة وزمان
стр. 51
والناس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عن أبي العلا الهمداني
والحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان
وكتابة القلم الشريف تعقبت ... إيجاده من غير فصل زمان
لما براه الله قال اكتب كذا ... فغدا بأمر الله ذا جريان
فجرى بما هو كائن أبدا إلى ... يوم المعاد بقدرة الرحمان
وهؤلاء الجهلة يزعمون أن أول ما خلق الله من الأشياء نور محمد – ﷺ ثم لما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم؛ وهذا مناقض ومناف لما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين " مرفوعا" قال: " كان الله ولم يكن شيئ قبله وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر [كل شيء ثم خلق السماوات والأرض] .
стр. 52
ففي هذا الحديث أنه كتب في الذكر] ١ بعد أن كان عرشه على الماء فصح أن العرش والماء مخلوقان قبل القلم؛ ولو كان الله خلق نور محمد – ﷺ قبل الأشياء لذكره في الحديث الصحيح؛ وقد سألوه عن أول هذا الأمر فأخبرهم أن الله كان ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء. وذكر البيهقي فيما تقدم على حديث عبادة أن أول شيء خلقه الله بعد خلق الماء والريح والعرش القلم. قال: وذكر بين في حديث عمران. ولم يذكر خلق نور محمد لا قبل العرش ولا القلم ولا بعده. ثم ذكر هذا الملحد أن الله قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السماوات ومن الثاني الأرض. وهذا مخالف للأحاديث كما في حديث أبي ظبيان عن ابن عباس قال: " أول ما خلق الله عزوجل القلم" فذكره وفيه: " ثم خلق النور فدحا الأرض فأثبتت بالجبال" فتبين من هذا الحديث أن خلق الأرض قبل السماء كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ - إلى قوله:- ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: آية ٩-١١] . وهذا الجاهل يقول ثم خلق من الجزء الأول السماوات ومن الثاني الأرض خلاف ما
стр. 53
ذكره ابن عباس – ﵄ وخلاف ما نزل به القرآن. وقال عثمان بن سعيد حدثنا عبد الله بن صالح المصري؛ حدثنا ابن لهيعة ورشدين بن سعد عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: " لما أراد الله ﵎ أن يخلق شيئا إذا كان عرشه على الماء وإذا لا أرض ١ ولا السماء؛ خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت أمواجه وأثار ركامه؛ فأخرج من الماء دخانا وطينا وزبدا؛ فأمر الدخان فعلا؛ وسما؛ ونمى؛ فخلق منه السماوات؛ وخلق من الطين الأرضين؛ وخلق من التربة الجبال " ٢.
وهذا الجاهل يقول إن الله خلق السماوات والأرض من الجزء الرابع من نور محمد ﷺ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: آية ١٦] .
стр. 54
فصل: ذكر الملحد حديث "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد".... الخ
...
فصل
وأما قول الملحد: " أخرج الإمام أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وأبو نعيم عن ميسرة الضبي قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيا؟ قال: " وآدم بين روح والجسد" ١ قال المناوي في قوله: "متى كنت نبيا" الحديث؛ ولم يقل إنسانا ولا موجودا إشارة إلى أن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب دون عالم الشهادة؛ فلما انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى وجود اسمه وارتباط الروح به؛ انتقل الحكم الزماني في جريانه إلى الاسم الظاهر؛ فظهر بذاته جسما وروحا فكان الحكم له باطنا أولا في كل ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل ثم صار له الحكم ظاهرا فنسخ كل شيء أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الاسمين وإن كان المشروع واحدا؛ انتهى".
فالجواب أن يقال: - ما ما ذكره المناوي على هذا الحديث
стр. 55
من قوله: " إشارة إلى أن نبوته كانت ١ موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب دون عالم الشهادة إلى آخره".
فهو من جنس الرموز والإشارات والاعتبار الذي سلكه المتصوفة من أهل السلوك؛ ومن جنس ما يذكره صاحب " الفصوص" في "الفتوحات"؛ ومن نمط ما يذكره أبو حامد الغزالي من الألفاظ المبتدعة المأخوذة عن الفلاسفة؛ كلفظ عالم الغيب والملكوت؛ وعالم الشهادة وغير ذلك من الألفاظ التي لا تذكر في شيء من الأحاديث؛ وإنما أصل هذه الألفاظ من وضع الفلاسفة واصطلاحاتهم؛ فيعبر هؤلاء بهذه العبارات المأخودة عن الفلاسفة؛ ويجعلون مراد الله ورسوله ﷺ من الآيات والأحاديث على ما أرادوا من معاني هذه الألفاظ المخترعة التي تخالف كاب الله وسنة رسوله.
ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ ومما جاء عن سيد الأنام؛ أنه ليس قبل خلق السماوات والأرض خلق من بني آدم أرواحا؛ ولا غيرها يسمى عالم الغيب؛ ولا يوجد ذلك في كلام أئمة الإسلام؛ وهذا بناء من هؤلاء على أن الأرواح مخلوقة قبل خلق السماوات والأرض؛ وعليه وضع الوضاعون تفرع خلق جميع المخلوقات جزءا بعد جزء من نور محمد ﷺ والذي ذكره أهل العلم من الأحاديث إنما هو
стр. 56
تقدير ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإن الله تعلى قدر مقادير الخلق وانقسام الخلق إلى سعيد وشقي؛ وميزهم قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح: " إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وعرشه على الماء" وسيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء ١ الله تعالى؛ ومن المعلوم أن رسول الله ﷺ ؛ قد كان نبيا في سابق علم الله قبل أن يخلق السماوات والأرض؛ فإن الله قدر ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ ولم يكن ثم عالم غيب من الأرواح لا أرواح الأنبياء ولا غيرهم من بني آدم. وهذا بخلاف ما قاله المناوي " من أن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب؛ يعني أنه كان في أول الزمان فعالم الغيب روح موجودة بالاسم الباطن؛ ثم انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى وجود جسمه وارتباط الروح به؛ إلى أن انتقل الحكم الزماني في جريانه إلى الاسم الظاهر؛ فظهر بذاته جسما وروحا" ومستنده في ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري في تاريخه؛ وأحمد والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم؛ عن ميسرة الضبي قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد".
ومن المعلوم أن هذا الحديث مناق لما قاله المناوي فإن
стр. 57
آدم ﵇ إنما خلقه الله بعد خلق السماوات والأرض بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل. ومعلوم أن خلق الزمان قبل خلق آدم بمدة طويلة؛ وإنما قال ﷺ "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" ولم يقل كنت نبيا في أول خلق الزمان؛ بمعنى انه كان في أول خلق الزمان روحا موجودة قبل خلق العرش والماء والريح والقلم؛ وأخرج ﷺ في جملة من اخرج لما مسح الله ظهر آدم بيده فاستخرج ذريته كأمثال الذر؛ فعلم أن هذا الحديث مناقض لما قاله المناوي ومناف له.
стр. 58
فصل: ذكر كلام ابن القيم في أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها .
...
قال شمس الدين بن القيم – رحمه الله تعالى وعفا عنه-:
فصل
وأما الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق ١ أبدانها فمن وجوه:
أحدها: أن خلق أبي البشر وأصلهم كان هكذا؛ فإن الله سبحانه أرسل جبرائيل فقبض قبضة من الأرض ثم خمرها حتى صارت طينا ثم نفخ فيه الروح بعد أن صوره فلما دخلت الروح فيه صار لحما ودما حيا ناطقا. ففي تفسير أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس؛ وعن مرة عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النبي- ﷺ ؛ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش؛ فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا؛ وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن؛ وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجن؛ وكان إبليس مع ملكه خازنا؛ فوقع في صدره ٢ فقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي.
وفي لفظ:- لمزية لي على الملائكة؛ فلما وقع ذلك الكبر
стр. 59
في نفسه اطلع الله على ذلك منه؛ فقال الله للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة؛ قالوا: ربنا وما يكون حال الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا؛ قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون – يعني من شأن إبليس- فبعث جبريل إلى الأرض يأتيه بطين منها؛ فقالت الأرض: أعوذ بالله أن تقبض مني؛ فرجع ولم يأخذ. فقال: رب إنها عاذت بك فأعذتها؛ فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها؛ فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره؛ فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم ياخذ من مكان واحد ١ فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء. فلذلك خرج بنو آدم مختلفين؛ فصعد به قبل الرب حتى عاد طينا لازبا- واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض – ثم قال للملائكة: إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين؛ فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه؛ ٢ وخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة؛ فمرت به الملائكة ففزعوا منه ٣ لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليسا؛ فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد
стр. 60
كما يصوت الفخار؛ يكون له صلصة؛ فذلك حين يقول ١: من صلصال كالفخار؛ ويقول لأمر ما خلقت؛ ودخل من فيه وخرج من دبره؛ فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإن ركبكم صمد؛ وهذا جوف لئن سلطت عليه لأهلكنه؛ فلما بلغ الحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح؛ قال للملائكة ٢: إذا نفخت فيه من روحي فاس جدوا له؛ ولما نفخ فيه الروح دخل الروح في رأسه فعطش؛ فقالت الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله فقال: يرحمك ربك؛ فلما دخل في عينيه نظر إلى ثمار الجنة؛ فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام قبل أن تبلغ الروح رجليه فنهض عجلان إلى ثمار الجنة فذلك ٣ حين يقول: خلق الإنسان من عجل وذكر باقي الحديث.
وقال ٤ يونس بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهب قال: حدثنا ابن زيد قال: لما خلق الله ٥ النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا. وقالوا: ربنا لما خلقت هذا النار ولأي شيء خلقتها؟ قال: لمن عصاني من خلقي.
стр. 61
ولم يكن لله ١ خلق يومئذ إلا الملائكة؛ والأرض ليس ٢ فيها خلق؛ إنما خلق آدم بعد ذلك؛ وقرأ قوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: آية١] قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ليت ذلك الحين. ثم قال: وقالت الملائكة ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟ لا يرون له خلقا غيرهم قال: لا إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة.وذكر الحديث.
قال ابن إسحاق: فيقال والله أعلم: خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تمسه نار فيقال والله أعلم: لما انتهى الروح إلى رأسه عطش فقال: الحمد لله. فذكر الحديث.
فالقرآن والحديث؛ والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق جسده فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح ولو كانت روحه مخلوقة قبل بدنه مع جملة أرواح ذريته لما عجبت الملائكة من خلقه ولما تعجبت من خلق النار وقالت لأي شيء خلقتها وهي ترى أرواح بني آدم فيهم المؤمن والكافر والطيب والخبيث. ولما كانت أرواح الكافر كلها تبعا لإبليس بل كانت الأرواح الكافرة مخلوقة قبل كفره فإن الله سبحانه إنما حكم عليه بالكفر لعد خلق بدن آدم وروحه ولم
стр. 62
يكن قبل ذلك كافرا فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة وهو لم يكن إذا ذاك؟ وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه فالأرواح الكافرة إنما حدثت بعد كفره؛ إلا أن يقال كانت كلها مؤمنة ثم ارتدت بسببه؛ والذي احتجوا به على تقدم خلق الأرواح بخلاف ذلك.
وفي حديث أبي هريرة في خلق ١ العالم الإخبار عن خلق أجناس العالم وتأخر خلق آدم إلى يوم الجمعة ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل خلق الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم أن خلقها تابع لخلق الذرية؛ وتمام الكلام في كتاب الروح فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه ٢.
والمقصود أنه لم يكن هناك خلق يسمى عالم الغيب من بني آدم؛ ونبينا ﷺ أشرف نسمة وأكرمها على الله من بني آدم؛ فعلمنا قطعا أن تفريع هؤلاء على هذا الحديث غير صحيح؛ مخالفا للكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
والمقصود أنه ذكر في الحديث الذي رواه عن الإمام أحمد والبخاري في تاريخه وغيرهما ممن رواه قوله: متى
стр. 63
كنت نبيا. قال: "وآدم بين الروح والجسد" وقد تقدم في كلام ابن القيم عن ابن اسحاق وغيره أنه كان بين نفخ الروح في آدم وبين تصوير جسده أربعون سنة؛ وهذا مناف لما قال المناوي:- إن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب فإن خلق الزمان كان قبل أن يخلق الله آدم بمدة طويلة اللهم إلا إن كان أراد أنه في علم الله الذي كتبه حين كتب مقادير كل شيئ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
إذا تحققت ذلك فلا يقال إن عالم الغيب هوعلم الله لأن علم الله صفة قائمة بذاته وهو غير مخلوق وما سوى الله من العالم فهو مخلوق عالم الغيب وعالم الشهادة؛ وقد كان من المعلوم أن آدم ﵇ إنما خلق بعد خلق السماوات والأرض آخر المخلوقات بعد هذا العدد المذكور؛ ونبينا ﷺ أكرم نسمة على الله من بني آدم وهو سيد ولد آدم.
فإذا عرفت هذا عرفت أن كلام المناوي من نمط ما يقوله أبو حامد الغزالي حيث قال: وأما الأفعال فبحر متسعة أكنافه؛ ولا ينال بالاستقصاء أطرافه؛ بل ليس في الوجود إلا الله وأفعاله؛ فكل ما سواه فعله؛ لكن القرآن اشتمل على الخلق منها الواقع في عالم الشهادة كذكر السماوات والكواكب والأرض والجبال والبحار والحيوان والنبات وإنزال الماء الفرات وسائر أصناف النبات وهي التي ظهرت للحس؛ وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها ما لا يظهر
стр. 64
للحسن بل هو في عالم الملكوت وهي الملائكة ١ الروحانية والروح والقلب أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت؛ وخارج عن عالم الملك والشهادة وذكر كلاما لا حاجة بنا إليه؛ ولكن المقصود أنه زعم أن الروح من جملة عالم الغيب والملكوت. قال شيخ الإسلام على هذا الكلام:-فهذا الكلام يستعظمه في باديء الرأي؛ أو مطلقا؛ من لم يعرف حقيقة ما جاء به الرسول؛ ولم يعلم حقيقة الفلسفة التي طبق هذا الكلام عليها وعبر عنها بعبارات المسلين.
فأما قول القائل إن القرآن اشتمل على الخلق؛ وهي التي ظهرت للحس؛ وأشرف أفعال الله تعالى ما لا يظهر للحس؛ يعني ولم يشتمل القرآن عليه. فهذا مع ما فيه من الغض بالقرآن؛ وذكر اشتماله على القسم الناقص دون الكامل؛ وتطرق أهل الإلحاد إلى الاستخفاف بما جاءت به الرسل؛ هو كذب صريح يعلم صبيان المسلمين أنه كذب على القرآن؛ فإن في القرآن من الأخبار عن الغيب من الملائكة والجن والجنة والنار وغير ذلك ما لا يخفى على أحد؛ وهو أكثر من أن يذكر هنا؛ وفي القرآن من الأخبار بصفات الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ما لا يهتدي هؤلاء إلى عشره؛ إذ ليس عندهم من ذلك إلا شيء قيل مجمل؛ بل الرسول إنما بعث ليخبرنا
стр. 65
بالغيب؛ والمؤمن من آمن بالغيب؛ وما ذكره من المشاهدات فإنما ذكره آية ودلالة وبينة على ما أخبر به من الغيب؛ فهذا وسيلة وذلك هو المقصود. ثم يقال: إنه إنما ذكر الوسيلة؛ يا سبحان الله إذا لم يكن الإخبار عن هذا القسم في هذا الكتاب الذي ليس تحت أديم السماء كتاب أشرف منه؛ وعلم هذا لا يوجد عن الرسول الذي هو أفضل خلق خلق الله تعالى في كل شيئ في العلم والتعليم وغير ذلك؛ أيكون ذكر ١ هذا في كلام أرسطو وذوية؛ وأصحاب رسائل إخوان الصفا؛ وأمثال هؤلاء الذين يثبون ذلك بأقيسة مشتملة على دعاوي مجردة؛ لا نقل صحيح ولا عقل صريح؛ بل تشبه الأقيسة الطردية الخالية عن التأثير؛ وتعود عند التحقيق إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج؛ كما سنبينه؛ وكذلك روح الإنسان وقبله في الكتاب والسنة من الإخبار عن ذلك ما لا يحصيه إلا الله.
ثم تكلم على ما أخطأ فيه من ذلك الملائكة وما يتضمن ذلك.
والمقصود أنما ذكره هذا الملحد عن المناوي إن كان النقل صحيحا فهو من جنس ما يذكره أبو حامد مما يعود حقيقته عند التحقيق ٢ إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج. وأما ما ذكره من هذين الاسمين الشريفين فلا يدلان على ما ذكره لا لفظا ولا معنى؛ ولا علاقة بينهما وبين ما ذكره؛ ولا
стр. 66
ارتباط بوجه من الوجوه لا بإشارة ولا بتلويح ولا بتصريح؛ وقد فسر أعلم الخلق بربه هذه الآية: قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: آية ٣] بأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء ١؛ قوله ﷺ : "الظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء" يدلان العبد على معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم وعظمته؛ وأن العوالم كلها في قبضته؛ وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: آية ٦٠] وقال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: آية ٢٠] ولهذا يقرن سبحانه بين هذين الاسمين الدليلين على هذين المعنيين اسم العلو الدال على أنه الظاهر وأنه لا شيء فوقه؛ واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء دونه؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: آية ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقر: آية ١١٥] وهو ﵎ كما أنه العالي فوق خلقه بذاته؛ فليس فوقه
стр. 67
شيء فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء؛ بل ظهر على كل شيء فكان فوقه؛ وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه؛ وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه؛ وكل شيء في قبضته وليس في قبضة نفسه؛ فهذا قرب الإحاطة والعامة.
وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابدية وسائلية؛ فمعرفة هذه الأسماء الأربعة وهي الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم والمعرفة؛ فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث تنتهي به قواه وفهمه؛ واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر؛ فأوليته عزوجل سابقة على أولية كل ما سواه؛ وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه؛ فأوليته سبقه بكل شيء؛ وآخريته بقاؤه بعد كل شيء؛ وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء؛ ومعنى الظهور يقتضي العلو وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه؛ وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه؛ وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه وهي إحاطتان زمانية ومكانية؛ فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن؛ فما من ظاهر إلا والله فوقه؛ وما من باطن إلا والله دونه وما من أول إلا والله قبله وما من آخر إلا
стр. 68
والله بعده؛ فالأول قدمه؛ والآخر دوامه؛ والظاهر علوه وعظمته؛ والباطن قربه ودنوه؛ فسبق كل شيء بأوليته؛ وبقى كل شيء بآخريته؛ وعلا كل شيء بظهوره؛ ودنا عن كل شيء ببطونه؛ فلا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا يحجب عنه ظاهر باطنا بل الباطن له ظاهر الغيب عنده شهادة والبعيد منه قريب والسر عنده علانية؛ فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد؛ فهو الأول في آخريته والآخر في أوليته والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا؛ انتهى ملخصا من سفر الهجرتين.
فتبين مما ذكرناه أن لا تعلق لهذين الإسمين الشريفين بشيء مما ذكره المناري؛ وإنما هو من التفريعات والرموزات والإشارات التي لا حقيقة لها عند التحقيق؛ ولا قوام لها بالثبات على الطريق؛ وإن زعموا أن هذا من علم المكاشفة فهو عند التحقيق مكاشفة. فإذا عرفت هذا وتحققت أنه لم يكن قبل خلق المخلوقات عالم من أرواح بني آدم يسمى علم الغيب؛ وأن أول ما خلق الله العرش والماء والريح ثم خلق القلم وكتب في الذكر كل شيء كائن إلى يوم القيامة علمت يقينا أن ما ذكره القسطلاني والمناوي من الترهات والأكاذيب الموضوعات؛ وأن هذا الحديث المروي عن جابر كذب مختلق؛ وأن الصحيح
стр. 69
الثابت عن رسول الله – ﷺ هو التقدير السابق كما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن وهب أخبرني أبو هاني الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات الأرض بخمسين ألف سنة"وعرشه على الماء " ورواه المسلم أيضا من حديث حيوة ونافع بن يزيد كلامها عن أبي هاني الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي أنه سمع رسول الله – ﷺ – يقول "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " ورواه البيهقي أيضا من حديث أبي مريم حدثنا الليث ونافع بن يزيد قالا: حدثنا أبو هاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله – ﷺ " فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات الأرض وعرشه على الماء بخمسين ألف سنة" ففي هذا الحديث الصحيح ما في ذلك الحديث من أنه قدر المقادير وعرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض؛ لكن بين فيه مقدار السبق أن ذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة والله أعلم.
ثم لو كان ما ذكره المناوي والقسطلاني حقا ثابتا معلوما عند أصحاب رسول الله ﷺ لذكره العباس بن عبد المطلب لما امتدح رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك؛ ففي السيرة النبوية
стр. 70
[روي عن عم أزي] ١ زحر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال: سمعة جدي خزيم بن أوس بن حارثة يقول: هاجرت إلى رسول الله- ﷺ منصرفه من تبوك فسمعت العباس يقول: يا رسول الله أريد أن أمدحك فقال: قل لا يفضض الله فاك فقال:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى علم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النو ... ر وسبل الرشاد نخترق
стр. 71
الظلال: ظلال الجنة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: آية ٤١] والمستودع هو الموضع الذي كان آدم وحواء يخصفان فيه عليهما من ورق الجنة أي يضمان بعضه إلى بعض يستتران به؛ ثم هبطت إلى الدنيا في صلب آدم وأنت لا بشر ولا مضغة؛ وقوله: تركب السفين يعني في صلب نوح؛ وصالب لغة غريبة في الصلب الفتحتان كسقم وسقم؛ والطبق القرن أي كلما مضى عالم وقرن جاء قرن؛ ولأن القرن يطبق الأرض؛ والنطق جمع نطاق وهو ما يشد به الوسط ومنه المنطقة أي أنت أوسط قومك نسبا وجعله في عليا وجعلهم تحته نطاقا؛ وضاءت لغة في أضاءت. انتهى.
وبهذا يعلم أنه لم مكن عندهم أعني الصحابة ﵃ خصوصا أهل بيته أن الله خلق الأشياء كلها ولا أن العرش واللوح والقلم والملائكة والجنة والنار وسائر والمخلوقاة خلقها الله من نور محمد جزاء بعد جزء وخلقا بعد خلق.
ثم ذكر هذا الملحد كلاما لا حاجة بنا إلى الجواب عنه.
стр. 72
فصل: قال الملحد: (الباب الأول: في الآيات القرآنية الدالة على جواز التوسل ... الخ .
...
فصل
قال الملحد: "الباب الأول في الآيات القرآنية الدالة على جواز التوسل به" ذكر بعض الآيات التي قرن الله بها اسمه باسم النبي- ﷺ وما يتعلق في بيان ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: آية ٦٤] وقال تعالى في شأن أهل أحد: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: آية ١٥٩] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: آية ١٩] .
والجواب أن يقال: قد سبق هذا الملحد إلى الاستدلال بهذه الآية من المشبهين أقوام وذكروا من الشبه نحو ما ذكره هذا وأكثر وأعظم تلبيسا وتمويها؛ وأجابهم على ذلك الأئمة الجهابذة الحفاظ الذين هم القدوة وبهم الأسوة وحسبنا ما ذكروه ووضحوه في هذه المسائل.
فقال الإمام الحافظ المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن عبد الهادي الحنبلي المقدسي؛ قدس الله روحه على ما
стр. 73
ذكره السبكي:- فأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: آية ٦٤] فالكلام فيها في مقامين:
" أحدها": عدم دلالتها على مطلوبه."الثانية": بيان دلالتها على نقيضه؛ وإنما يتبين الأمران بفهم الآية وما أريد بها وسيقت فه؛ وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه وهم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم؛ ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم؛ وقد ذم تعالى من تخلف عن هذا المجيء إذ ١ ظلم نفسه وأخبر أنه من المنافقين. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: آية ٥] وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت دون حكم رسول الله ﷺ ؛ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم ثم لم يجيء إلى رسول الله ﷺ ليستغفر له؛ فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنب؛ وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فستغفر لي؛ وكان هذا فرقا بينهم وبين المنافقين.
стр. 74
فلما استأثر الله بنبيه – ﷺ ونقله من بين ظهورهم إلى دار كرامته؛ لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره؛ ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فستغفر لي؛ ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت وافترى على كل ١ الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ وهم خير القرون على الإطلاق حيث تركوا هذا الواجب ٢ الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق ٣؛ وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة؛ فلم يدعوا إليه؛ ولم يرشدوا إليه؛ ولم يفعله أحد منهم ألبتة ٤؛ ووفق له من لا يؤبه ٥ له من الناس ولا يعد في أهل العلم؛ بل المنقول الثابت عنهم ٦ ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى
стр. 75
عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية.
ولما كان هذا المنقول شجا في حلوق الغلاة ١؛ وقذى في عيونهم؛ وريبة ٢ في قلوبهم؛ قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل؛ ومن اسحى ٣ منهم من أهل العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل؛ ويأبي الله إلا أن يعلى منار الحق؛ ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد؛ وتقوم الحجة على المعاند؛ فيعلي الله بالحق من يشاء؛ ويضع برده وبطره وغمص ٤ أهله من يشاء.
ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجود؛ وقد دعيت فيه إلى المجيء؛ إليه ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء؛ فلما توقي ﷺ ارتفع ظلمها له.
وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه المعترض هذه الآية تأويل باطل؛ ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة؛ ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة؛ لم