الظلال: ظلال الجنة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: آية ٤١] والمستودع هو الموضع الذي كان آدم وحواء يخصفان فيه عليهما من ورق الجنة أي يضمان بعضه إلى بعض يستتران به؛ ثم هبطت إلى الدنيا في صلب آدم وأنت لا بشر ولا مضغة؛ وقوله: تركب السفين يعني في صلب نوح؛ وصالب لغة غريبة في الصلب الفتحتان كسقم وسقم؛ والطبق القرن أي كلما مضى عالم وقرن جاء قرن؛ ولأن القرن يطبق الأرض؛ والنطق جمع نطاق وهو ما يشد به الوسط ومنه المنطقة أي أنت أوسط قومك نسبا وجعله في عليا وجعلهم تحته نطاقا؛ وضاءت لغة في أضاءت. انتهى.
وبهذا يعلم أنه لم مكن عندهم أعني الصحابة ﵃ خصوصا أهل بيته أن الله خلق الأشياء كلها ولا أن العرش واللوح والقلم والملائكة والجنة والنار وسائر والمخلوقاة خلقها الله من نور محمد جزاء بعد جزء وخلقا بعد خلق.
ثم ذكر هذا الملحد كلاما لا حاجة بنا إلى الجواب عنه.
стр. 72
فصل: قال الملحد: (الباب الأول: في الآيات القرآنية الدالة على جواز التوسل ... الخ .
...
فصل
قال الملحد: "الباب الأول في الآيات القرآنية الدالة على جواز التوسل به" ذكر بعض الآيات التي قرن الله بها اسمه باسم النبي- ﷺ وما يتعلق في بيان ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: آية ٦٤] وقال تعالى في شأن أهل أحد: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: آية ١٥٩] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: آية ١٩] .
والجواب أن يقال: قد سبق هذا الملحد إلى الاستدلال بهذه الآية من المشبهين أقوام وذكروا من الشبه نحو ما ذكره هذا وأكثر وأعظم تلبيسا وتمويها؛ وأجابهم على ذلك الأئمة الجهابذة الحفاظ الذين هم القدوة وبهم الأسوة وحسبنا ما ذكروه ووضحوه في هذه المسائل.
فقال الإمام الحافظ المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن عبد الهادي الحنبلي المقدسي؛ قدس الله روحه على ما
стр. 73
ذكره السبكي:- فأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: آية ٦٤] فالكلام فيها في مقامين:
" أحدها": عدم دلالتها على مطلوبه."الثانية": بيان دلالتها على نقيضه؛ وإنما يتبين الأمران بفهم الآية وما أريد بها وسيقت فه؛ وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه وهم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم؛ ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم؛ وقد ذم تعالى من تخلف عن هذا المجيء إذ ١ ظلم نفسه وأخبر أنه من المنافقين. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: آية ٥] وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت دون حكم رسول الله ﷺ ؛ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم ثم لم يجيء إلى رسول الله ﷺ ليستغفر له؛ فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنب؛ وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فستغفر لي؛ وكان هذا فرقا بينهم وبين المنافقين.
стр. 74
فلما استأثر الله بنبيه – ﷺ ونقله من بين ظهورهم إلى دار كرامته؛ لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره؛ ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فستغفر لي؛ ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت وافترى على كل ١ الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ وهم خير القرون على الإطلاق حيث تركوا هذا الواجب ٢ الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق ٣؛ وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة؛ فلم يدعوا إليه؛ ولم يرشدوا إليه؛ ولم يفعله أحد منهم ألبتة ٤؛ ووفق له من لا يؤبه ٥ له من الناس ولا يعد في أهل العلم؛ بل المنقول الثابت عنهم ٦ ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى
стр. 75
عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية.
ولما كان هذا المنقول شجا في حلوق الغلاة ١؛ وقذى في عيونهم؛ وريبة ٢ في قلوبهم؛ قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل؛ ومن اسحى ٣ منهم من أهل العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل؛ ويأبي الله إلا أن يعلى منار الحق؛ ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد؛ وتقوم الحجة على المعاند؛ فيعلي الله بالحق من يشاء؛ ويضع برده وبطره وغمص ٤ أهله من يشاء.
ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجود؛ وقد دعيت فيه إلى المجيء؛ إليه ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء؛ فلما توقي ﷺ ارتفع ظلمها له.
وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه المعترض هذه الآية تأويل باطل؛ ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة؛ ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة؛ لم
стр. 76
يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر؛ فكيف إذا كان التأويل بخلاف تأويلهم ويناقضه؛ وبطلان هذا التأويل أظهر من أن يطنب في رده؛ وإنما ننبه عليه بعض التنبيه.
ومما يدل على بطلان تأويله قطعا: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله ﷺ في حياته؛ وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه؛ كان مذموما غاية الذم مغموصا بالنفاق؛ ولا كان كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له؛ ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوبين؛ فقد جاهر بالباطل وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويلها؛ فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: آية ٦٤] وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذا ظلموا أنفسهم طاعة له؛ ولهذا ذم من تخلف عن هذا الطاعة؛ ولم يقل مسلم إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له؛ ولوكان هذا طاعة له لكان خير القرون عصوا هذه الطاعة وعطلوها؛ ووفق لها هؤلاء الغلاة العصاة؛ وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
стр. 77
[النساء: آية ٦٥] فإنه نعى الإيمان عمن لم يحكمه؛ وتحكيمه هو تحكيم ١ ما جاء به حيا وميتا ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي؛ وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه؛ يوضح ذلك أنه قال:"لا تجعلوا قبري عيدا" ٢؛ ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين؛ وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به؛ انتهى.
وأما قول الملحد: وقال تعالى: في شأن أهل أحد: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: آية ١٥٩] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: آية ١٩] .
فنقول: هذا كان في حياته بأبي هو وأمي وقد فعل ما أمره الله به؛ وأما بعد وفاته فحاشا وكلا؛ ولو كان مشروعا بعد موته لأمر به أمته وحضهم عليهم؛ ورغبهم فيه؛ ولكان الصحابة وتابعوهم
стр. 78
بإحسان أرغب شيء فيه وأسبق إليه؛ ولم ينقل عن أحد منهم قط وهو القدوة بنوع من نوع ١ الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له ويشتكي إليه ويسأله ٢.
والذي صح عنه من الصحابة مجيء القبر هو ابن عمر وحده؛ إنما كان يجيء للتسليم عليه ﷺ وعلى صاحبه عند قدموه من سفر؛ ولم يكن يزيد على التسليم شيئا؛ ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع مولى ابن عمر أو من أجلهم: لا نعلم أحدا من أصحابه النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر.
ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة؛ ولا تعظيم لرسول٣ الله فوق تعظيمهم؛ ولا معرفة لقده فوق معرفتهم؛ فمن خالفهم إما أن يكون ٤ أهدى منهم؛ أو مرتكبا ٥ لنوع بدعة؛ كما قال عبد الله بن مسعود- لقوم رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه بينهم-: لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنكم ٦ على شعبة ضلالة.
стр. 79
فتبين أنه ١ لو كان استغفاره لمن جاءه ٢ مستغفرا بعد موته ممكنا أو مشروعا؛ لكان كمال شفقته ورحمته بل رأفة مرسلة ورحمته بالأمة تقتضي٣ ترغيبهم في ذلك وحضهم ٤ عليه ومبادرة خير القرون إليه؛ انتهى٥.
وأما قوله: "فإن قال وهابي: هذا في حياته ﷺ "
فالجواب أن نقول: نعم؛ قول الوهابية وبه قال أهل العلم قديما وحديثا؛ ولم يخالفهم إلا كل مبتدع ضال مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها كما تقدم بيانه.
وأما قوله: "فأقول قد انععقد الإجماع على حياته في قبره ﷺ ".
فألجواب أن نقول: دعوى هذا الملحد أن الإجماع انعقد في حياته في قبره ﷺ ؛ مصادمة لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: آية٣٤] وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
стр. 80
أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: آية ١٤٤] وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: آية ٢٦؛ ٢٧] وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: آية ١٨٥] .
ومن المعلوم أنه لم يكن ﷺ حيا في قبره كالحياة الدنيوية المعهودة التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه؛ ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس والنكاح وغير ذلك؛ بل حياته ﷺ حياة برزخية وروحه في الرفيق الأعلى؛ وكذلك أرواح الأنبياء؛ والأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت؛ فمنها أرواح في أعلا عليين في الملأ الأعلى؛ وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء؛ ونبينا ﷺ في المنزلة العليا التي هي الوسيلة.
قال ابن القيم- رحمه الله تعالى- في كتاب الروح بعد كلام طويل: وقد بينا أن عرض مقعد الميت عليه من الجنة أو النار لا يدل على أن الروح في القبر ولا على فنائه دائما من جميع الوجوه بل لها إشراف واتصال بالقبر وفنائه؛ وذلك القدر منها يعرض عليه مقعده فإن للروح شأنا آخر تكون في الرفيق الأعلى في أعلى عليين؛ ولها اتصال بالبدن بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد الله عليه روحه فيرد ﵇ وهي في الملأ الأعلى وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الوضع؛
стр. 81
حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام؛ إذا شغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره؛ وهذا غلط محض؛ بل الروح تكون فوق السماوات في أعلا عليين فترد إلى القبر وترد السلام وتعلم بالمسلم وهي في مكانها.
وروح رسول الله ﷺ في الرفيق الأعلى دائما؛ ويردها الله إلى القبر فيرد السلام على من يسلم عليه ويسمع كلامه؛ وقد رأى رسول الله ﷺ موسى قائما يصلي في قبره ١ ورآه في السماء السادسة والسابعة ٢؛ فإما أن تكون سريعة الحركة ولانتقال كلمح البصر؛ وإما أن يكون متصل منها بالقبر وفنائه بمنزلة شعاع الشمس؛ وجرمها في السماء؛ انتهى.
стр. 82
فصل: سياق أبيات ابن القيم في نونيته فيما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم ...
...
وقال ابن القيم- رحمه الله تعالى- في " الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية":
فصل
في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم
ولأجل هذا رام ناصر قولكم ... ترقيعه يا كثرة الخلقان
قال الرسول بقبره حي كما ... قد كان فوق الأرض والرجمان
من فوقه أطباق ذاك الترب والل ... بيات قد عرضت على الجدران
لوكان حيا في الضريح حياته ... قبل الممات بغير ما فرقان
ما كان تحت الأرض بل من فوقها ... والله هذي سنة الرحمن
أتراه تحت الأرض حيا ثم لا ... يفتيهمو بشرائع الإيمان
ويريح أمته من الآراء وال ... خلف العظيم وسائر البهتان
أم كان حيا عاجزا عن نطقه ... وعن الجواب السائل لهفان
стр. 83
وعن الحراك فما الحياة اللأء قد ... أثبتموها أو ضحوا ببيان
هذا ولم لا جاءه أصحابه ... يشكون بأس الفاجر الفتان
إذا كان ذلك دأبهم ونبيهم ... حي يشاهدهم شهود عيان
هل جاءكم أثر بأن صحابه ... سألوه فتيا وهو في الأكفان
فأجابهم بجواب حي ناطق ... فأتوا إذا بالحق والبرهان
هلا أجابهمو جوابا شافيا ... إن كان حيا ناطقا بلسان
هذا وما شدت ركائبه عن ال ... حجرات للقاصي من البلدان
مع شدة الحرص العظيم له على ... إرشادهم بطرائق التبيان
أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ... ويكون للتبيان ذا كتمان
إن قلتموا سبق البيان صدقتمو ... قد كان بالتكرار ذا إحسان
هذا وكم من أمر أشكل بعده ... أعيى على العلماء كل زمان
стр. 84
أو ما ترى الفاروق ود بأنه ... قد كان منه العهد ذا تبيان
بالجد في ميراثه وكلالة ... وببعض أبواب الربا الفتان
قد قصر الفاروق عند فريقكم ... إذا لم يسله وهو في الأكفان
أتراهمو يأتون حول ضريحه ... لسؤال أمهمو أعز حصان
ونبيهم حي يشاهدهم ويسم ... عهم ولا يأتي لهم ببيان
أفكان يعجز أن يجيب بقوله ... إن كان حيا داخل البنيان
يا قومنا استحيوا من العقلاء و ... المبعوث بالقرآن والرحمان
والله لا قدر الرسول عرفتمو ... كلا ولا للنفس والإنسان
من كان هذا القدر مبلغ علمه ... فليستتر بالصمت والكتمان
ولقد أبان الله أن رسوله ... ميت كما قد جاء في القرآن
أفجاء أن الله باعثه لنا ... في القبر قبل قيامة الأبدان
стр. 85
أثلاث موتات تكون لرسله ... ولغيرهم من خلقه موتان
إذ عند نفخ الصور لا يبقي امرؤ ... في الأرض حيا قط بالبرهان
أفهل يموت الرسل أم يبقوا إذا ... مات الورى أم هل لكم قولان
فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيـ ... ئوا بالدليل فنحن ذو أذهان
أولم يقل من قبلكم للرافعي الأ ... صوات حول القبر بالنكران
لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ... ميتا كحرمته لدى الحيوان
قد كان يمكنهم يقولوا إنه ... حي فغضوا الصوت بالإحسان
لكنهم بالله أعلم منكمو ... ورسوله وحقائق الإيمان
ولقد أتوا يوما إلى العباس يس ... تسقون من قحط وجدب زمان
هذا وبينهم وبين نبيهم ... عرض الجدار وحجرة النسوان
فنبيهم حي ويستسقون غـ ... ير نبيهم حاشا أولى الإيمان
стр. 86
فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور
...
فصل
فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور
فإن احتججتم بالشهيد بأنه ... حي كما قد جاء في القرآن
والرسل أكمل حالة منه بلا ... شك وهذا ظاهر التبيان
فلذاك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل ولإيمان
وبأن عقد نسائه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيان
والأجل هذا لم يحل لغيره ... منهن واحدة مدى الأزمان
أفليس في هذا دليل أنه ... حي لمن كانت له أذنان
أولم ير المختار موسى قائما ... في قبره لصلاة ذى القربان
أفميت يأتي الصلاة وإن ذا ... عين المحال وواضح البطلان
стр. 87
أولم يقل إني أرد على الذي ... يأتي بتسليم مع الإحسان
أيرد ميت السلام على الذي ... يأتي به هذا من البهتان
هذا وقد جاء الحديث بأنهم ... أحياء في الأجداث ذا تبيان
وبأن أعمال العباد عليه تعـ ... رض دائما في جمعة يومان
يوم الخميس ويوم الإثنين الذي ... قد خص بالفضل العظيم الشأن
стр. 88
فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة
...
فصل
في الجواب عما احتجوا به في هذا المسألة
فيقال أصل دليلكم في ذاك حجـ ... تنا عليكم وهي ذات بيان
إن الشهيد حياته منصوصة ... لا بالقياس القائم الأركان
هذا مع النهي المؤكد أننا ... ندعوه ميتا ذاك في القرآن
ونساؤه حل لنا من بعده ... والمال مقسوم على السهمان
هذا وإن الأرض تأكل لحمه ... وسباعها مع أمة الديدان
لكنه مع ذاك حي فارح ... مستبشر بكرامة الرحمان
فالرسل أولى بالحياة لديه مع ... موت الجسوم وهذه الأبدان
وهي الطرية في التراب وأكلها ... فهو الحرام عليه بالبرهان
стр. 89
ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ... أيضا وقد وجدوه رأي عين
فانظر إلى قلب الدليل عليهمو ... حرفا بحرف ظاهر التبيان
لكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النسوان
خيرن بين رسوله وسواه فاخـ ... ترن الرسول لصحة الأيمان
شكر الإله لهن ذاك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكران
قصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن وشكر ذي الإحسان
وكذلك أيضا قصرهن عليه معـ ... لوم بلا شك ولا حسبان
زوجاته في هذه الدنيا وفي الأ ... خرى يقينا واضح البرهان
فلذا حرمن على سواه بعده ... إذ ذاك صون عن فراش ثان
لكن أتين بعدة شرعية ... فيها الحدود وملزم الأوطان
هذا ورؤيته الكليم مصليا ... في قبره أثر عظيم الشأن
стр. 90
في القلب منه حسيكة هل قاله ... فالحق ما قد قال ذو البرهان
ولذاك أعرض في الصحيح محمد ... عنه على عمد بلا نسيان
والدارقطني الإيمان أعله ... برواية معلومة التبيان
أنس يقول رأى الكليم مصليا ... في قبره فأعجب لذا الفرقان
بين السياق إلى السياق تفاوتا ... لا تطرحه فما هما سيان
لكن تقلد مسلم وسواه ممن ... صح هذا عنده ببيان
فرواته الأثبات أعلام الهدى ... حفاظ هذا الدين في الأزمان
لكن هذا ليس مختصا به ... والله ذو فضل وذو إحسان
فروي ابن حبان الصدوق وغيره ... خبرا صحيحا عنده ذا شأن
فيه صلاة العصر في قبر الذي ... قد مات وهو محقق الإيمان
فتمثل الشمس الذي قد كان ير ... عاها لأجل صلاة ذى القربان
стр. 91
عند الغروب يخاف فوت صلاته ... فيقول للملكين هل تدعان
حتى أصل العصر قبل فواتها ... قالا سنفعل ذاك بعد الآن
هذا مع الموت المحقق لا الذي ... حكيت لنا بثبوته القولان
هذا وثابت البناني قد دعا الر ... حمن دعوة صادق الإيقان
أن لا يزال مصليا في قبره ... إن كان أعطا ذاك من إنسان
لكن رؤيته لموسى ليلة المعـ ... ـراج فوق جميع ذي الأكوان
يرويه أصحاب الصحاح جميعهم ... والقطع موجبه بلا نكران
والذاك ظن معارضا لصلاته ... في قبره إذ ليس يجتمعان
وأجيب عنه بأنه أسرى به ... ليراه ثم مشاهدا بعيان
فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا ... بتناقض إذ أمكن الوقتان
هذا ورد نبينا لسلام من ... يأتي بتسليم مع الإحسان
стр. 92
ما ذاك مختصا به أيضا كما ... قد قاله المبعوث بالقرآن
من زار قبر أخ له فأتى بتسـ ... ـليم عليه وهو ذو إيمان
رد الإله عليه حقا روحه ... حتى يرد عليه رد بيان
وحديث ذكر حياتهم بقبورهم ... لما يصح وظاهر النكران
فانظر إلى الإسناد تعرف حاله ... إن كنت ذا علم بهذا الشأن
هذا ونحن نقول هم أحياء لـ ... ـكن عندنا كحياة ذي الأبدان
والترب تحتهمو وفوق رؤوسهم ... وعن الشمائل ثم عن أيمان
مثل الذي قد قلتموه ومعاذنا ... بالله من إفك ومن بهتان
بل عند ربهمو تعالى مثلما ... قد قال في الشهداء في القرآن
لكن حياتهمو أجل وحالهم ... أعلى وأكمل عند ذي الإحسان
هذا وأما عرض أعمال العبا ...
د عليه فهو الحق ذو إمكان
стр. 93
وأتى به أثر فإن صح الحديث ... به فحق ليس ذا نكران
لكن هذا ليس مختصا به ... أيضا بآثار روين حسان
فعلى أبى الإنسان يعرض سعيه ... وعلى أقاربه مع الإخوان
إن كان سعيا صلحا فرحوا به ... واستبشروا يا لذة الفرحان
أو كان سعيا سيئأ حزنوا وقا ... لوا رب رجعه إلى الإحسان
ولذا استعاذ من الصحابة من روى ... هذا الحديث عقيبه بليان
يا رب إني عائذ من خزية ... أخزي بها عند القريب الدان
ذاك الشهيد المرتضى ابن رواحة المحـ ... بو بالغفران والرضوان
لكن هذا ذو اختصاص والذي ... للمصطفى ما يعمل الثقلان
هذي نهايات لأقدام الورى ... في ذا المقام الضنك صعب الشان
والحق فيه ليس تحمله عقو ... ل بني الزمان لغلظة الأذهان
стр. 94
والجهلهم بالروح مع أحكامها ... وصفاتها للألف بالأبدان
فارض الذي رضي الإله لهم به ... أتريد تنقض حكمة الديان؟
هل في عقولهمو بأن الروح في ... أعلى الرفيق مقيمة بجنان
وترد أوقات السلام عليه من ... أتباعه في سائر الأزمان؟
وكذاك إن زرت القبور مسلما ... ردت لهم أرواحهم للآن
فهمو يردون السلام عليك ل ... كن لست تسمعه بذى الأذنان
هذا وأجواف الطيور الخضر ... مسكنها لدى الجنات والرضوان
من ليس يحمل عقله هذا فلا ... تظلمه واعذره على النكران
للروح شأن غير ذى الأجسام لا ... تهمله شأن الروح أعجب شأن
وهو الذي حار الورى فيه فلم ... يعرفه غير الفرد في الأزمان
هذا وأمر فوق ذا لو قلته ... بادرت بالإنكار والعدوان
стр. 95
فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ... ذاك الرفيق جريت في الميدان
هذا وقولي إنها مخلوقة ... وحدوثها المعلوم بالبرهان
هذا وقولي إنها ليست كما ... قد قال أهل الإفك البهتان
لا داخل فينا ولا هي خارج ... عنا كما قالوه في الديان
والله لا الرحمن أثبتم ولا ... أرواحكم يا مدعى العرفان
عطلتمو الأبدان من أرواحها ... والعرش عطلتم من الرحمن
وهذا الذي ذكره الحافظ شمس الدين هو مقتضى الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها وبما ذكره كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 96
فصل: استدل الملحد على النبي ﷺ بقوله: "من رآني في المنام فسيراني ... " الخ
...
فصل
قال الملحد: "كيف لا وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" ١ فرؤيته يقظة أكبر دليل على حياته- ﷺ .
والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه لا يدل على أن الرسول الله ﷺ يرى يقظة في الدنيا كما كان يرى حيا قبل أن يموت وكذلك ليس بصريح في أن النبي ﷺ حي قبره الحياة المعهودة في الدنيا ولا فيه دلالة على جواز التوسل به فضلا عن أن يدعى ويستغاث به ويرجى في كشف الشدائد والمهمات لتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأن يصرف له شيء من خالص ما
стр. 97
لرب الأرض والسماوات؛ من جميع أنواع العبادات التي صرفها المشركون لغير الله من المعبودات.
قال في السراج الوهاج على قوله: " فسيراني في اليقظة": أي سيراني يوم القيامة رؤيا خاصة في القرب منه؛ أو من رآني في المنام ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة إلي والتشرف بلقائي ويكون الله جعل رؤيته في المنام علما على رؤياه في اليقظة.
قال في المصابيح: وعلى الأول ففيه بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام وكفى بها بشارة وذلك أنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب منه إلا من تحقق منه الوفاة على الإسلام حقق الله لنا ولأحبابنا وللمسلمين والمتبعين ذلك بمنه وكرمه أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي.
قال العلماء: إن كان الواقع في نفس الأمر لكأنما رآني فهو كقوله فقد رآني؛ أو فقد رأى الحق؛ وإن كان سيراني في اليقظة ففيه أقوال؛ وسيأتي تفسيره: أحدها المراد به أهل عصره. الثاني: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة. الثالث: يراه في الآخرة رؤيا خاصة في القرب منه وحول شفاعته ونحو ذلك والله أعلم؛ انتهى.١
فغاية ما في هذا الحديث أن من رآه في المنام فسيراه في اليقظة في الآخرة رؤيا خاصة باعتبار القرب منه أو يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة وليس فيه أنه حي في قبره كحياته في الدنيا لا تصريحا ولا تلويحا؛ وإنما هذه الدعوى المجردة من الدليل من تصرف هؤلاء الغلاة؛ واعتقادهم الباطل المخالف لكتاب الله وسنة رسوله وكلام سلف الأمة وأئمتها.
وأما حياة الأنبياء في قبورهم ورؤيته ﷺ لموسى قائما يصلي في قبره فقد تقدم الجواب عنه في كلام الحافظ ابن القيم ﵀ وبه الكفاية.
وأما قوله: "وقد وقع الإخبار برؤيته ﷺ يقظة لجماعة من الأولياء اشتهرت كرامتهم؛ وعلت ١ مقاماتهم؛ واستقامت أحوالهم وجاءت على طبق الشريعة أقوالهم؛ من الخواص القائمين بالمراقبة؛ وصحة التوجه على قدم الصدق؛ ونهج الحق كالشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي العباس المرسي وسيدي علي وفاء وغيرهم من الأكابر؛ فلا يقدم على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم عن أنفسهم إلا متجازف".
فالجواب أن يقال: إن رؤيته ﷺ يقظة في هذه الدنيا من أمحل المحال وأبطل الباطل؛ فإن الله تعالى قد قبضه إليه
стр. 100
واستأثر به ورفعه إلى الرفيق الأعلى وإنما يتصور وجود هذا مناما فمن في المنام وكان من أهل الصلاح وعلى صفته التي هو عليها فقد رآه حقا؛ فإن الشيطان لا يتمثل به. وأما يقظة فهو من التخيلات الشيطانية التي أغوى بها الشيطان كثيرا من الناس ممن يدعي الولاية؛ فإن منهم من يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين؛ وقد جرى هذا لغير واحد ١. وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمهن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات؛ والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وهم على مذهبهم؛ والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطئ فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال؛ وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر فيغتر بهؤلاء كثير من الناس ممن قلت معرفته وغلظ حجاب قلبه عن معرفة الحق من الباطل.
وهؤلاء كما قال شيخ الإسلام تجد كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت؛ أو يطير في الهواء؛ أو ينفق بعض الأوقات من الغيب؛ أو يختفي أحيانا عن أعين الناس؛ أو أن
стр. 101
بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته؛ أو يخبر الناس بما سرق لهم؛ أو بحال غائب لهم؛ أو مريض؛ أو نحو ذلك من الأمور؛ وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله- ﷺ وموافقته لأمره ونهيه؛ وكرامات الأولياء أعظم من هذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله؛ فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكافر والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين؛ وتكون لأهل البدع؛ وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ليس لله بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام والظاهرة؛ انتهى.
وأما من ذكر من هؤلاء الذين يزعم أنهم أولياء فأما الشيخ عبد القادر الجيلاني- ﵀ وأمثاله ممن هو على طريقته وسيرته فهو من عباد الله الصالحين والعلماء العاملين؛ وله من الأحوال الإيمانية؛ والمآثر السنية الدالة على متابعة الكتاب والسنة ما هو معروف من حاله ومقاله؛ ولكنه تجارى عليه الملحدون؛ ووضعوا عليه أوضاعا؛ ونسبوا إليه أقوالا هو بريء منها؛ ومن جملتها هذه الحكاية التي لا أصل لها؛ ولا نقلها
стр. 102
عنه من هو مأمون على الدين معروف بالصدق واليقين.
وأما من عداه من هؤلاء الذين ذكر أنهم من أكابر أولياء الله ممن لا نعرف حالهم فالإقدام على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم عن أنفسهم هو من الأمور التي يحبها الله ويرضاها؛ ومن رد الباطل على من قال به؛ إذ من المعلوم بالضرورة أن رؤيته – ﷺ يقظة في هذه الدنيا لا تصح لا من الشيخ عبد القادر؛ ولا ممن هو أجل منه فضلا عمن هو دونه؛ لأن دعوى ذلك من المكابرة في الحسيات؛ والمباهتة في الضروريات والله أعلم.
"وأما قوله:
وإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه ١ بالأبصار"
فالجواب:
أقول من المحال نراه حيا ... بهذي الدار لا دار القرار
فغير مسلم تسليم هذا ... لأقوام رأوه بالأبصار
وهذا لا يكون فقد أتانا ... بذاك٢ النص متضح المنار
стр. 103
بأن المصطفى قد مات حقا ... وأنا ميتون وذاك ١ جاري
على كل الخلائق ليس يبقى ... سوى الخلاق من الخلق باري
فأما في المنام فذاك ٢ حق ... يراه الصالحون أولو الفخار
وأما يقظة فيراه حيا ... كما قد كان حيا ذو اختيار
وتدبير وتصريف ويدري ... كما يدريه في ماض وجار
فدعوى هذه دعوى لعمري ... تبين أفكها بالإضرار
فإذا تحققت هذا فهؤلاء لم تكن أحوالهم وخوارقهم ٢ أحوال وخوارق إيمانية؛ وإنما كانت أبصارهم وحقائق أحوالهم خيالات شيطانية؛ وعلى غير متابعة الكتاب والسنة مبنية؛ فلا يلتفت إلى أقوالهم؛ ولا يعول على ما ادعوه من أحوالهم؛ لأنها عن الحقائق الإيمانية خالية؛ وأقوالهم عن الدليل عارية.
وأما قوله:"فالآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: آية ٦٤] منسحب إلى الآن وإلى ما شاء الله."
стр. 104
فأقول: هذا غير مسلم وقد تقدم الجواب عن هذا فراجعة.
وأما قوله:"ولذا ترى العلماء جميعا ذكروا في باب زيارة قبر النبي ﷺ أن الإنسان عند المقابلة يتلو هذه الآية الكريمة كما يأتي نقل ذلك عنهم في الباب الثالث".
فالجواب أن يقال: نسبة هذا إلى العلماء جميعهم من أبطل الباطل، وأمحل المحال، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أتى قبر النبي صلى لله عليه وسلم وتلى هذه الآية واستحبها طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى.
وأما الأئمة وعلماء السلف فلم يذكره أحد منهم، ولا استحب أحد منهم سؤال النبي ﷺ الاستغفار بعد موته، ولا غير ذلك ألبتة، فنسبته إلى العلماء كلهم من الكذب عليهم كما سنبينه.
والحكايات والمنامات لا يثبت بها حكم شرعي ولا يسوغ مثل هذا إلا في دين النصارى، فإن دينهم مبني على الحكايات والمنامات والأوضاع المخترعات. وأما دين الإسلام فهو محفوظ بالإسناد، فلا يثبت حكم شرعي إلا بكتاب الله ، وبما صح الخبر به عن رسول الله ﷺ ،
стр. 105
وكان عليه عمل الصحابة ﵃، واشتهر ذلك بنقل الثقات العدول المتفق على عدالتهم.
وأما قوله:"على أن من يدعي أنها خاصة بقبل الوفاة فعليه الدليل وأنى له ذلك".
فالجواب أن يقال: أما كون المجيء إلى النبي ﷺ خاصا بحال حياته قبل وفاته فنعم، والدليل على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الآية نزلت في قوم معينين من أهل النفاق بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: آية ٦١] فإن قيل: فالآية وإن وردت في أقوام معينين في حال الحياة فإنها تعم بعموم العلة. قيل: نعم هذا حق فإنها تعم ما وردت فيه وما كان مثله فهي عامة في حق كل من ظلم نفسه، وجاء كذلك في حال حياته، وأما دلالتها على المجيء إليه في قبره فقد عرف بطلانه، يوضحه.
الوجه الثاني: أنه لو شرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين وهذه مصادمة صريحة لقوله ﷺ :"لا تجعلوا قبري عيدا" ١.
الوجه الثالث: أن أعلم الأمة بالقرآن ومعانية وهم سلف الأمة، لم يفهم أحد منهم إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر
стр. 106
لهم، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.
فلو كان هذا منسحبا إلى ذا الآن وإلى ما شاء الله، لما ترك الصحابة- ﵃ والتابعون لهم بإحسان هذه القربة التي ذم الله سبحانه من تخلف عنها، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق لها من بعدهم ممن لا يؤبه له من الناس ولا يعد في أهل العلم، ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجودا، وقد دعيت فيه إلى المجيء ليستغفر لها، وذم من تخلف عن هذا المجيء، فلما توفي ﷺ ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له، ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة.
الوجه الرابع: أنه لو كان المجيء إلى قبره بعد وفاته مشروعا لأمر به أمته وحضهم عليه ورغبهم فيه، لأنه من كمال شفقته ورحمته ورأفته بالمؤمنين، فلا خير إلا دل عليه أمته وأمر هم به، ولا شر إلا حذرها عنه ونهى ١ عنه، لأنه أكمل الخلق نصحا للأمة، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ومن كمال نصحه وشفقته بأمته أنه نهى عن اتخاذ قبره
стр. 107
عيدا. فقال ﷺ "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا" الحديث,. فمن أتى إلى قبره بعد وفاته ليستغفر له فقد ارتكب ما نهى عنه وفعل ما يسخطه.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: آية ٧] وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري ١ عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال إن النبي- ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني".
وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن ٢ علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: مالي رأيتك عند القبر. فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال:"لا تتخذوا قبري٣ عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سوي
стр. 108
وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر ابن أبي شيبة حدثنا ١ زيد بن الحباب حدثنا ١جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا ١ علي بن عمر عن أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو. فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال:"لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني ٢ أينما كنتم ٣.
الوجه الخامس: أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٤ وقد كان من المعلوم أن الصحابة ﵃ لم يكونوا يفعلون ٥ هذا. ولا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم لرسول الله فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، كانوا كما قال
стр. 109
عبد لله بن سعود- ﵁: من كان منهم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم، ١ اختارهم الله لصحبة نبيه ولإظهار دينه، فاعرفوا لهم فضلهم فاهتدوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم.
وقد قال مالك في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي ويدعو له ولأبي بكر وعمر فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو مرتين أو أكثر عند القبر، يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا من أحد من أهل الفقه في بلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراداه والله أعلم٢.
стр. 110
فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ
...
فصل
قال الملحد: "وهنا آيات أخر تشير إلى الالتجاء به ﷺ منها قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: آية ٦] وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: آية ١٠٧] وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: آية١٢٨] ".
فالجواب أن يقال: ليس في هذه الآيات ما يشير إلى الالتجاء به ﷺ ، لا لفظا ولا معنى، والإلتجاء من خصائص الإلهية، فصرفه لغيره شرك يخرج من الملة، فمن التجأ إلى غير الله كان مشركا، فقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: آية ٦] .
قال في جامع البيان: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ . في أمور الدارين. قال عمر ﵁: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﵇:"لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء حتى من