قوله هو في العدم أو أمر عدمي، فإذا كان الخالق تعالى مبايناً للمخلوقات عالياً عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلاً عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به.
فطريقة السلف والأئمة إنما يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فيعتدون بها ما وجدوا إليها سبيلاً، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة أيضاً، وقالوا: إنه قابل بدعة ببدعة، ورد باطلاً بباطل. انتهى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد تبين لكل من له أدنى مسكة من عقل ومعرفة أن ما ألزم به هذا الملحد من هذه اللوازم من لفظ المكان والجهة، وقوله: (لو كان في مكان لكان محتاجاً إلى مكانه) ... إلى آخره ما هذي به في كلامه أنها من أقوال الجهمية والمعتزلة والفلاسفة والمتكلمين، وقد تقدم الكلام عليها.
وأما لفظ المكان، فقال شيخ الإسلام ﵀: وأما القائل الذي يقول: (إن الله تعالى ينحصر في مكان) . إن أراد به أن الله تعالى لا ينحصر في جوف المخلوقات، وأنه
стр. 282
لا يحتاج إلى شيء منها فقد أصاب، وإن أراد أن الله ليس فوق السموات، ولا هو مستو على العرش استواء لائقاً بذاته، وليس هناك إله يعبد، ومحمد ﷺ لم يعرج به إلى الله تعالى، فهذا جهمي فرعوني معطل.
ومنشأ هذا الضلال أن يظن الظان أن صفات الرب سبحانه كصفات خلقه، فيظن أن الله تعالى على عرشه كالملك المخلوق على سريره، فهذا تمثيل وضلال، وذلك أن الملك مفتقر إلى سريره، ولو زال سريره لسقط، والله غني عن العرش، وعن كل شيء، وكل ما سواه محتاج إليه، وهو حامل العرش وحملة العرش، وعلوه عليه لا يوجب افتقاره إليه، فإن الله تعالى قد جعل المخلوقات عالياً وسافلاً، وجعل العالي غنياً عن السافل، كما جعل الهواء فوق الأرض وليس هو مفتقر إليها، وجعل السماء فوق الهواء وليست محتاجة إليه، فالعلي الأعلى رب السموات والأرض وما فيهما أولى أن يكون غنياً عن العرش وسائر المخلوقات وإن كان عالياً عليه سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
والأصل في هذا الباب أن كل ما ثبت في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وجب التصديق به، مثل علو الرب، واستوائه على عرشه ونحو ذلك.
стр. 283
وأما الألفاظ المبتدعة في النفي والإثبات، مثل قول القائل: (هو في جهة، أو ليس في جهة، وهو متحيز، أو ليس متحيزاً) ، ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع فيها الناس وليس مع أحد منهم نص لا عن رسول الله ﷺ ، ولا عن الصحابة ﵃، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة المسلمين، هؤلاء لم يقل أحد منهم إن الله تعالى في جهة، ولا قال ليس هو في جهة، ولا قال هو متحيز، ولا قال ليس بمتحيز، بل ولا قال هو جسم أو جوهر، ولا قال ليس بجسم ولا بجوهر، فهذه الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب، ولا السنة، ولا الإجماع ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
وأما قوله: (وأيضاً لو جاز أن يشار إليه بالإشارة الحسية لجاز أن يشار إليه من كل نقطة من سطح الأرض، وحيث إن الأرض كرية يلزم أن يكون سبحانه محيطاً بها من جميع الجهات، وإلا ما صحت الإشارة إليه، ولما كان تعالى مستوياً على عرشه ومستقراً عليه كما تزعمه الوهابية كان عرشه محيطاً بالسموات السبع، فيلزمه من نزوله إلى السماء الدنيا وصعوده منها- كما تقول الوهابية –أن يصغر جسمه تعالى عند النزول، ويكبر عند الصعود، فيكون
стр. 284
متغيراً من حال إلى حال، تعالى الله عنه عما يقول الجاهلون) .
فالجواب أن نقول: قد أشار إليه بالإشارة الحسية أعرف الخلق به بأصبعه رافعاً بها إلى السماء، بمشهد الجمع الأعظم، مستشهداً له، وهو سيد ولد آدم ﵊، وهو أعلم الناس بربه، وأعظم تنزيهاً له وتقديساً وتعظيماً.
ولما كان هذا العراقي جهمياً معتزلاً، واعتقد أن الأرض إذا كانت كرية أنه يلزم أن يكون الله سبحانه محيطاً بها من جميع الجهات، وإلا ما صحت الإشارة إليه، وكلام العراقي يقتضي أن يكون الله تعالى تحت بعض خلقه، وإذا كان ذلك من كلامه مفهوماً فقد قال شيخ الإسلام في بعض أجوبته:
وقد يظن بعض الناس أن ما جاءت به الآثار النبوية من أن العرش سقف الجنة، وأن الله على عرشه مع ما دلت عليه من أن الأفلاك مستديرة: متناقض أو مقتضٍ أن يكون الله تعالى تحت بعض خلقه، كما احتج بعض الجهمية على إنكار أن يكون الله تعالى فوق العرش باستدارة الأفلاك، وأن ذلك يستلزم كون الرب تعالى أسفل، وهذا من غلطهم في تصور الأمر، ومن علم أن
стр. 285
الأجسام المستديرة، بأن المحيط الذي هو السقف هو أعلا عليين، وأن المركز الذي هو باطن ذلك وجوفه، وهو قعر الأرض، وهو سجين وأسفل سافلين، علم بسبب مقابلة الله تعالى بين أعلى عليين، وبين سجين، مع أن المقابلة إنما تكون في الظاهر بين العلو والسفول، أو بين السعة والضيق، وذلك أن العلو مستلزم للسعة، والضيق مستلزم للسفول، وعلم أن السماء فوق الأرض مطلقاً، لا يتصور أن تكون تحتها قط، وإن كانت مستديرة محيطة، وكذلك كلما علا كان أرفع وأشمل.
وعلم أن الجهة قسمان: قسم ذاني، وهو العلو والسفول فقط. وقسم إضافي، وهو ما ينسب إلى الحيوان بحسب حركته، فما أمامه يقال له أمام، وما خلفه يقال له خلف، وما عن يمينه يقال له اليمين، وما عن يساره يقال له اليسار، وما فوق رأسه يقال له فوق، وما تحت قدميه يقال له تحت، وذاك أمر إضافي، أرأيت لو أن رجلاً علق رجلاه إلى السماء ورأسه إلى الأرض، أليست السماء فوقه وإن قابلها برجليه، وكذلك النملة وغيرها لو مشى تحت السقف مقابلاً له برجليه وظهره إلى الأرض لكان العلو محاذياً لرجليه وإن كان فوقه، فأسفل سافلين ينتهي إلى جوف الأرض، والكواكب التي في السماء وإن كان بعضها محاذياً لرؤوسنا وبعضها في النصف الآخر من الفلك فليس شيء منها
стр. 286
تحت شيء، بل جميعها فوقنا في السماء.
ولما كان الإنسان إذا تصور هذا يبقى إلى وهمه السفل الإضافي كما احتج به الجهمي الذي أنكر علو الله على عرشه، وخيل إلى من لا يدري أن من قال إن الله فوق العرش فقد جعله تحت نصف المخلوقات، أو جعله فلكاً آخر، تعالى الله عما يقول الجاهل: إنه لازم لأهل الإسلام من الأمور التي لا تليق بالله تعالى، ولا هي لازمة.
وقال أيضاً١: واعلم أن العرش إن كان هذا الفلك التاسع، أو جسماً محيطاً به، أو كان فوقه من جهة وجه الأرض محيطاً به، أو قيل فيه غير ذلك، فيجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٧] .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض".
стр. 287
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر عنه ﵊ أنه قال: "يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أين الملوك أين الجبارون، أين المتكبرون؟ ". وفي لفظ: ويتميل برسول الله ﷺ على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفله شيء. وفي رواية أخرى قال: قرأ على المنبر ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. قال: "مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة "١.
ففي هذه الأحاديث وغيرها المتفق على صحتها ما يعين أن السموات والأرض وما بينهما بالنسبة إلى عظمته أصغر من أن تكون مع قبضه لها إلا كالشيء الصغير في يد أحدنا حتى يدحوها كما تدحى الكرة. ثم قال في الجواب٢:
فما وصف الله تعالى من نفسه وأسمائه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه، ولم نتكلف علم ما سواه، فلا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف، وإذا كان كذلك فهو قادر على أن يقبضها ويدحوها كالكرة،
стр. 288
وفي ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى، وإن شاء لم يفعل، وبكل حال فهو مباين لها ليس بمحايث لها.
ومن المعلوم أن الواحد منا –ولله المثل الأعلى- إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم يقبضها، بل جعلها تحته فهو في الحالين مباين لها، وسواء قدر أن العرش محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة بما فيها، أم قيل إنه فوقها وليس محيطاً بها كوجه الأرض الذي نحن عليها بالنسبة إلى جوفها، أو كالقبة بالنسبة إلى ما تحتها، أو غير ذلك، فعلى التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات، والخالق سبحانه فوقه، والعبد في توجهه إليه يقصد العلو دون التحت. ثم قال ﵀:
وأما إذا قدر أنه ليس بكري١ الشكل، بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه الأرض، وأنه فوق الأفلاك الكرية، كما أن وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكري، أو غير ذلك من التقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه٢، فعلى كل تقدير لا يتوجه٣ إلى الله تعالى إلا إلى العلو، مع كونه على عرشه، مبايناً لخلقه،
стр. 289
وعلى ما ذكرنا لا يلزم شيء من المحذور والتناقض، وهذا يزيل كل شبهة نشأت من اعتقاد فاسد، وهو أن يظن أن العرش إذا كان كرياً، والله تعالى فوقه، كما تقتضيه ذاته –سبحانه عن مشابهة المخلوقين- وجب فيما عند الزاعم أن يكون سبحانه كرياً، ثم يعتقد أنه إذا كان كرياً فيصح التوجه إلى ما هو كري كالفلك التاسع من جميع الجهات، وهذا خطأ، فإن القول بأن العرش كري لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها، وفي أقدارها، أو في صفاتها، بل قد تبين أنه سبحانه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده أصغر من الحمصة مثلاً في يد أحدنا، فإذا كانت الحمصة مثلاً في يد الإنسان أو تحته أو نحو ذلك هل يتصور عاقل إذا استشعر علو١ الإنسان على ذلك وإحاطته به بأن يكون الإنسان كالفلك، فالله تعالى –وله المثل الأعلى- أعظم من أن يظن به ذلك، وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق قدره، والأرض جمعياً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون، وإن لم يكن كرياً فالأمر ظاهر مما تقدم. انتهى٢.
стр. 290
فصل في إنكار الملحد للنزول
...
فصل
وأما قول العراقي: (ولما كان تعالى مستوياً على عرشه ومستقراً عليه كما تزعمه الوهابية كان عرشه محيطاً بالسموات السبع، فيلزم من نزوله إلى السماء وصعوده منها -كما تقوله الوهابية- أن يصغر جسمه تعالى عند النزول، ويكبر عند الصعود، فيكون متغيراً من حال إلى حال، تعالى الله عما يقول الجاهلون) .
فالجواب أن يقال: قد كان من المعلوم أن هذا الجهمي لا يعرف من صفات الخالق إلا ما يعرف من صفات المخلوقين، وأنه ما عرف الله حق معرفته، ولا قدره حق قدره، ولا عظمه حق عظمته، فلذلك نزهه عما يليق بجلاله وعظمته، وألزم من أثبت ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله باللوازم التي لا تليق إلا بالمخلوق ولا تليق بالخالق، مما قد علم أهل العلم بالله أنها من أوضاع الجهمية والمعتزلة والفلاسفة والمتكلمين الذين هم ورثتهم، وذلك أن في أصول ضلالهم ظنهم أن هذا تنزيه
стр. 291
عن التشبيه، وأنهم متى وصفوا بصفة إثبات أو نفي كان فيه تشبيه بذلك، ولم يعلموا أن التشبيه المنفي عن الله أبعد مما كان وصفه بشيء من خصائص المخلوقين، أو أن يجعل شيء من صفاته مثل صفات المخلوقين، بحيث يجوز عليه ما يجوز عليهم، أو يجب له ما يجب لهم، أو يمتنع عليه ما يمتنع عليهم مطلقاً، فإن هذا هو التمثيل الممتنع منه المنفي بالعقل مع الشرع، فيمتنع عليه وصفه بشيء من النقائص، ويمتنع مماثلة غيره له في شيء من صفات الكمال، فهذان إجماع لما ينزه الرب تعالى عنه.
فإذا عملت ذلك فالوهابية لا يقولون بشيء من هذه الأقوال ولا يعتقدونها، ولا يدينون الله بها، فإن جمهور أهل السنة يقولون: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد، وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته وهم متفقون على أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يعلم كيف ينزل، ولا تمثل صفته بصفات خلقه، فلا يلزم الوهابية شيء من هذه اللوازم الباطلة، وقولهم واعتقادهم في ذلك قول أهل السنة والجماعة، كما قال الفضيل بن عياض ﵀:
ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف، لأن الله
стр. 292
وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] ، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه، وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة، وهذا الاطلاع كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يطلع، وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهم فيه كيف وكيف. وإذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
وقال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة بن الماجشون، وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة، الذين هم: مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب، وقد سئل عما جحدت الجهمية:
أما بعد؛ فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت الجهمية ومن خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتدبير، وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدرته، وردت عظمته العقول فلم تجد مساغاً فرجعت خاسئة وهي حسيرة، وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال: لمن لم يكن مرة ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدئ، ومن لم يمت ولا يبلي، وكيف يكون
стр. 293
لصفة شيء منه حداً أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف، على أنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه، الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه لا تكاد تراه صغراً يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل بك، وأخفى عليك، فأظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وخالقهم وسيد السادة وربهم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
اعرف –رحمك الله- غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه لعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذ لم تعرف قدر ما وصف، فما تكلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته، أو تنزجر به عن شيء من معصيته، فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفاً قد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف به الرب، وسمى من نفسه، بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمي عن البين بالخفي، ويجحد ما وصف الرب من نفسه بصمت الرب عما لم نسم١ منها، فلم يزل يملي
стр. 294
له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] ، فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه، ونظرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينظرون ... إلى أن قال:
وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة، لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا قبل ذلك مؤمنين به، وكان له جاحداً، وقال المسلمون: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك".
وقال رسول الله ﷺ : "لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول" قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض".
وقال لثابت بن قيس: "لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة".
وقال فيما بلغنا: "إن الله تعالى ليضحك من أزلكم
стр. 295
وقنوطكم وسرعة إجابتكم". فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: "نعم". قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً. في أشباه لهذا مما لا نحصيه.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [صّ:٧٥] ، وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ، فوالله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقى في روعهم، وخلق على معرفته قلوبهم، فما وصف الله من نفسه فسماه على لسان رسوله ﷺ سميناه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه، لهذا ولهذا لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف.
اعلم –رحمك الله- أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك، ولا تجاوز ما حد لك، فإن من قوام الدين معرفة المعروف، وإنكار المنكر، فما بسطت عليه المعرفة، وسكنت إليه الأفئدة، وذكر أصله في الكتاب والسنة، وتوارثت علمه الأمة، فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف عن نفسه عيباً، ولا تكلفن لما وصف
стр. 296
لك من ذلك قدراً، وما أنكرته نفسك، ولم تجد ذكره في كتاب ربك، ولا في حديث عن نبيك من ذكر صفة ربك، فلا تتكلفن علمه بعقلك، ولا تصفه بلسانك، واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها.
فقد والله عز المسلمون الذي يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم، ولا يتكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن.
وما ذكر عن النبي ﷺ أنه سماه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى ووصف الرب تعالى من نفسه، والراسخون في العلم الواقفون حيث انتهى علمهم، الواصفون لربهم ما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها، لا ينكرون صفة ما سمى منها جحداً، ولا يتكلفون وصفه مما لم يسم تعمقاً، لأن الحق ترك ما ترك، وتسمية ما سمى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١
стр. 297
[النساء:١١٥] . وهب الله لنا ولكم حكماً وألحقنا بالصالحين.
قال شيخ الإسلام: وهذا كله كلام ابن الماجشون الإمام، فتدبره وانظر كيف أثبت الصفات، ونفي علم الكيفية، موافقاً لغيره من الأئمة، وكيف أنكر على من نفى الصفات بأنه يلزمهم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: إنه يلزم أن يكون جسماً أو عرضاً فيكون محدثاً. انتهى.
فتحصل لنا مما ذكره أئمة الإسلام، وقدوة الأنام، أن هذا الملحد جهمي معتزلي، وهذا يكفي العاقل من ضلاله وعتوه، وخروجه عن الصراط المستقيم، والحمد لله رب العالمين.
стр. 298
فصل في تأويل الملحد للإشارة والمعراج
...
فصل
قال العراقي: (وأما ما تمسكت به الوهابية من النقول التي تثبت الإشارة إليه تعالى فهي ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات، فتؤول إما إجمالاً، ويفوض تفصيلها إلى الله كما عليه أكثر السلف، وإما تفصيلاً كما هو رأي الأكثرين، فما ورد من الإشارة إليه في السماء محمول على أنه تعالى خالق السماء، وأن السماء مظهر قدرته لما اشتملت عليه من العوالم العظيمة التي لم تكن أرضنا الحقيرة إلا ذرة بالنسبة إليها، وكذلك العروج إليه تعالى هو بمعنى العروج إلى موضع يتقرب إليه بالطاعات فيه، إلى غير ذلك من التأويلات) .
فالجواب أن نقول: قد كان من المعلوم أن طريقة الوهابية التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وأقواله سلف الأمة وأئمتها، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ولا يعتقدون صواب ما ذهب إليه المتكلمون من تأويل آيات الصفات وأحاديثها، حيث
стр. 299
قالوا إن نصوص الكتاب والسنة ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات، وما أشبه ذلك من التمويهات. وهذا الضرب من الناس هم الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وإذا كان أدلة الكتاب والسنة ظواهر ظنية لا تعارض العقليات اليقينية فهلا قال رسول الله ﷺ يوماً من الدهر أو أحد من سلف الأمة: إن هذه الآيات والأحاديث ظواهر ظنية، فلا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه عقولكم ومقاييسكم، أو أولوها بكذا وكذا فإنه الحق، وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، لأن العقل مقدم على النقل إذ هو أصله؟!
ثم كيف يجوز أن يقال في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يعلم زيد وعمرو بعقله أنه باطل، وأن يكون كل من اشتبه عليه شيء مما أخبر به النبي ﷺ قدم رأيه على نص الرسول ﷺ في أنباء الغيب، وما أخبر به عن ربه، وما وصف به من صفات كماله ونعوت جلاله، بمجرد رأيه بدون الاستهداء بهدي الله، والاستضاءة بنور الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، مع علم كل أحد بقصوره، وتقصيره في هذا الباب، وبما وقع فيه الأكثرون من الاضطراب، ففي الجملة النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول قط، ولا يعارضها إلا ما فيه
стр. 300
اشتباه واضطراب، وما علم أنه حق لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم أنه حق، بل نقول قولاً عاماً كلياً: إن النصوص الثابتة عن رسول الله ﷺ لم يعارضها قط صريح معقول فضلاً عن أن يكون مقدماً عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة، وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبة سوفسطية لا براهين عقلية.
ثم كيف تكون أدلة كتاب الله وسنة رسوله ظواهر ظنية، وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي١ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها ستكون فتن" قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس٢ به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبة، ولا يشبع منه العلماء ". وفي رواية: "ولا تختلف به الآراء، هو
стр. 301
الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ ، ومن قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" ١.
стр. 302
وهذا الملحد يقول: إن لأدلة الكتاب والسنة ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات، واليقينيات عنده نحاتة أفكار الفلاسفة، وفروخ اليونان، وورثة المجوس، وزبالة أذهانهم.
فالحمد لله الذي أخذ بنواصي الوهابية فلم يسكلوا طريقة هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، بل سلك بهم طريقة أصحاب رسول الله ﷺ ، وسلف الأمة وأئمتها، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحد من خلقه.
قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى في "إغاثة اللهفان": ومن حيله ومكايده الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات المتناقضة، التي هي زبالة الأذهان، ونحاتة الأفكار، والزبد الذي تقذف به القلوب المظلمة المتحيرة التي تعدل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، قد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت عليها غيوم الخيالات، فركبها القيل والقال، والشك والتشكيك، وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه، ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾
стр. 303
[الأنعام: ١١٢] ، فقد اتخذوا لأجله ذلك القرآن مهجوراً، وقالوا من عند أنفسهم منكراً من القول وزوراً، فهم في شكهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تلته الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال فهم إليه محاكمون، وبه مخاصمون، فارقوا الدليل ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
ومن كيده بهم وتحيله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم أن لكلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع العقلية، والبراهين اليقينية، في المناهج الفلسفية والطرق الكلامية، فحال بينهم وبين اقتباس الهدي واليقين من مشكاة القرآن، وأحالهم على منطق يونان، وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العرية عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم قديمة صقلتها العقول والأذهان، ومرت عليها القرون والأزمان، فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان كما أخرج الشعرة من العجين. انتهى١.
стр. 304
وأما قوله: (فتؤول إما إجمالاً ويفوض تفصيلها إلى الله تعالى كما عليه أكثر السلف) .
فالجواب أن نقول: قد أجاب عن هذا الكلام شيخ الإسلام قدس الله روحه، فقال:
ثم الكلام في هذا الباب عنهم أكثر من أن يمكن تسطيره في هذه الفتوى وأضعافها، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه، ولا يجوز أيضاً أن يكون الخالفون أعلم من السابقين، كما يقوله بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها: من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف، إنما أوتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] .
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المعروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، وغرائب اللغات.
стр. 305
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.
وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف، فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بيّنات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.
فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين، وكانت النتيجة استجهال السابقين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين بمنزلة الصالحين العامة، لم يتجردوا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله –إلى أن قال-:
стр. 306
ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة له خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين والمهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف، وبواطن الحقائق، وبما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة؟
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة -لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته- من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين، وأشكالهم وأشباههم، أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن. –وذكر كلاماً طويلاً- إلى أن قال:
فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون
стр. 307
للصفات الثابتة في الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً فكيف يجوز على الله ثم على رسوله، ثم على خير الأمة، أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً ولا ظاهراً، حتى يجيء أنباط فارس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو فاضل أن يعتقدها؟ لئن كان١ ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين، فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً من الكتاب، ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة،
стр. 308
أو لم يكن موجوداً، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به.
ثم هم ههنا فريقان أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه، ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافاً أكثر من جميع الاختلاف على وجه الأرض فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتكم به، وما كان مذكوراً في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا أو يثبته ما لم تدركه عقولكم على طريقة أكثرهم فاعلموا أني امتحنتكم بتنزيله١ لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام، وأن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله مع نفي دلالته على شيء من الصفات. هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
وقال أيضاً في "موافقة العقل الصحيح للنقل الصريح": وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على أصل فاسد: وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول دينهم،
стр. 309
وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى، فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم، والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه، كما جعل الجهمية من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي نفوا بها صفات الله، ونفوا بها رؤيته في الآخرة، وعلوه على خلقه، وكون القرآن كلامه، ونحو ذلك، جعلوا تلك الأقوال محكمة، وجعلوا قول الله ورسوله مؤولاً أو مردوداً، أو غير ملتفت إليه، ولا متلقى للهدى منه، فتجدهم يقولون: ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا له كم ولا كيف، ولا تحله الأعراض والحوادث، ونحو ذلك، وليس بمباين للعالم، ولا خارج عنه ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
وسيأتي الكلام على مسألة التفويض وبطلان قول من زعم أن هذه طريقة السلف.
وبما ذكرناه هنا من كلام أهل العلم يتبين لكل منصف بطلان تأويل هذا الملحد بقوله: (فما ورد من الإشارة إليه في السماء محمول على أنه تعالى خالق السماء، أو أن السماء مظهر قدرته، لما اشتملت عليه من العوالم العظيمة التي لم تكنأرضنا الحقيرة إلا ذرة بالنسبة إليها، وكذلك العروج إليه تعالى هو بمعنى العروج إلى موضع يتقرب إليه بالطاعات فيه) . إلى غير ذلك من
стр. 310
التأويلات، وأنه بهذا قد خرج عن سبيل المؤمنين، وانتحل طريقة المتكلمين، الذين ليس لهم قدم صدق في العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم من العجب أنه يدعي تعظيم رسول الله ﷺ ، ويرمي الوهابية المعظمين له في الحقيقة بالتنقص للنبي ﷺ ، وهو قد تنقص رسول الله ﷺ ، وهضمه أعظم الهضم، وأشد التنقص: بزعمه أنه لم يعرج برسول الله ﷺ إلى١ الله بذاته إلى أن٢ وصل فوق السماء السابعة، ورأى من آيات ربه الكبرى ما رأى، وأنه ما زاغ منه البصر وما طغى، لكماله ﵊، فلله الحمد على ما من به من الإيمان بالله، وبما أخبر به على لسان رسوله ﷺ على ما يليق بالله وبنعوت جلاله وعظمته.
стр. 311
فصل في تأليه الملحد للعقل، وزعمه أن النقل يؤدي إلى الضلال
...
فصل
قال العراقي: (الوهابية ونبذها للعقل: لما كان صريح العقل، وصحيح النظر، مصادماً كل المصادمة لما اعتقدته الوهابية، اضطروا إلى نبذهم العقل جانباً، وأخذهم بظواهر النقل فقط، وإن نتج منه المحال، ونجم عنه الغي والضلال، فاعتقدوا متمسكين بظواهر الآيات أن الله تعالى ثبت على عرشه وعلاه علواً حقيقياً، وأن له تعالى وجهاً ويدين، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، ويصعد نزولاً وصعوداً حقيقيين، وأنه يشار إليه في السماء إشارة حسية بالأصبع، إلى غير ذلك مما يؤول١ إلى التجسيم البحت تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فالوهابية التي تسمي زائري القبور عباد الأوثان، إنما هي قد عبدت الوثن، حيث إنها جعلت معبودها جسماً كالحيوان، جالساً على عرشه، ينزل ويصعد، نزولاً وصعوداً حقيقيين، وله وجه ويد ورجل وأصابع حقيقة، مما يتنزه عنه المعبود الحق، وإذا رد عليهم بالبراهين العقلية، وأثبت لهم أن
стр. 312
ذلك مناف للألوهية عند العقل، قالوا في الجواب: لا مجال للعقل الحقير البشري في مثل هذه الأمور التي طورها فوق طور العقل. فأشبهوا في ذلك النصارى في دعوى التثليث، فإنك إذا سألتهم قائلاً: كيف يكون الثلاثة واحداً والواحد ثلاثة؟ قالوا: إن معرفة هذا فوق طور العقل، ولا يجوز إعمال الفكر في ذلك) .
والجواب أن يقال: نعم، لما كان صريح العقل من هؤلاء الملاحدة وصحيح النظر منهم على ما زعموه مصادماً كل المصادمة لما اعتقدته الوهابية من التمسك بصريح الكتاب، وصحيح السنة وصريحها، والسلوك على طريقة سلف الأمة وأئمتها، نبذوا ما جاءت به عقول هؤلاء الملاحدة من نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان، وريح المقاعد، وراء ظهورهم، ولم يلتفتوا إلى ما موهوا به من هذه الشبهات التي زعموا أنها عقليات ويقينيات، فاعتقدوا متمسكين بنصوص الكتاب والسنة: أن الله تعالى على عرشه، وعلا عليه علواً حقيقياً، وأن الله تعالى له وجه ويدان، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، ويصعد نزولاً وصعوداً حقيقيين على ما يليق بعظمته وجلاله وعظيم سلطانه، كما يشاء أن ينزل وكما يشاء أن يصعد، وأنه يشار إليه في السماء إشارة حسية بالأصبع، كما أشار إليه أعرف الخلق به، بأصبعه رافعاً إلى السماء، بمشهد الجمع الأعظم،
стр. 313
مستشهداً له لا للقبلة، إلى غير ذلك مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، لأن ذلك ليس بمستحيل في العقول الصحيحة، الموافقة لصريح المنقول عن الرسول ﷺ ، [ونحن نعلم بضرورة العقل أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول، بل بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتقاده، بل يخبرون بمعجز العقل عن معرفته] ١.
وأما قوله: (مما يؤول إلى التجسيم البحت) .
فنقول: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] ، وأما من أثبت لله ما أثبته لنفسه فذلك لا يؤول٢ إلى التجسيم، فإن القرآن قد دل على أنه ليس بجسم لأنه أحد، والأحد الذي لا ينقسم، وهو واحد والواحد لا ينقسم، وهو صمد والصمد الذي لا جوف له فلا يتخلله غيره، وإنما يؤول٣ إلى التجسيم. من قال إن له وجهاً كوجهي، ويدين كيدي، مما يماثل صفات المخلوقين، أو يشبهها بصفاتهم.
بل نحن على مذهب السلف أهل السنة المحضة،
стр. 314
ونقول: إن الله تعالى فوق عرشه حقيقة، مع نفي اللوازم التي يلزم بها أعداء الله ورسوله أهل الحق، وهي لا تلزم لا بعقل ولا بنقل، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وأما قوله: (فأما الوهابية التي تسمي زائري القبور عباد الأوثان، إنما هي عبدت الوثن، حيث إنها جعلت معبودها جسماً كالحيوان، جالساً على عرشه، ينزل ويصعد، نزولاً وصعوداً حقيقيين، وله وجه ويد ورجل وأصابع حقيقية، مما ينزه عنه المعبود الحق) .
فنقول: ما جعلت الوهابية زائري القبور مطلقاً عباد الأوثان -ومعاذ الله من ذلك- وإنما جعلت الوهابية من أشرك بالله في عبادته غيره عابداً للوثن سواء زار القبور أو قعد في بيت أمه. وذلك بأن يدعوه مع الله، أو يرجوه، أو يخافه، أو يحبه كمحبة الله، أو يستغيث به، أو يلتجئ إليه في رفع كربة أو كشف ملمة، أو يطلب منه جلب منفعة، أو يذبح له، أو ينذر له، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي هي مختصة بالله، فمن أشرك بالله فيها أحداً من خلقه نبياً أو ملكاً أو ولياً أو صالحاً أو شجراً أو حجراً فهو مشرك بالله في عبادته غيره.
стр. 315
وقوله: (إنما هي قد عبدت الوثن، حيث إنها جعلت معبودها جسماً) .. إلى آخره.
فأقول: قد تقدم نفي الجسمية عن الله تعالى، والوهابية ما عبدت إلا إلهاً واحداً، أحداً صمداً لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ولا تعقل إلهاً أحداً صمداً ليس على السماء فوق العرش، بائناً من خلقه، ولا وجه له ولا يدين، ولا ينزل إلى سماء الدنيا، ولا يصعد، ولا يشار إليه في السماء، وإنما تعقل إلهاً موجوداً واحداً فوق سماواته بجميع أسمائه وصفاته ونعوت جلاله. وأنتم إنما معبودكم العدم المحض، ولا تثبتون إلا إلها مقدراً في الأذهان لا حقيقة في الخارج، فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وأما كونه جالساً على عرشه، فقد جاء الخبر بذلك.
قال الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" في الرد على الجهمية، قال: حدثني أبي، وعبد الأعلى بن حماد النرسي١، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة،
стр. 316
عن عمر ﵁ قال: "إذا جلس ربنا ﵎ على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد".
وقد تقدم بيان ذلك، فنصدق بما قاله الله ورسوله، وبما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وإذا كان رسول الله ﷺ وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، وأهل السنة والجماعة من أهل الحديث وغيرهم من الأئمة المقتدين، والسادة المعظمين، قد وصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، فهم عند هذا الملحد الضال قد عبدوا وثناً بهذه اللوازم التي ابتدعها قدماء الفلاسفة، وورثتهم من المتكلمين الخارجين عن سبيل المؤمنين، فلعنة الله على الظالمين.
ثم قال الملحد: (وإذا رد عليهم بالبراهين العقلية، وأثبت لهم أن ذلك مناف للألوهية عند العقل، قالوا في الجواب: لا مجال للعقل الحقير البشري في مثل هذه الأمور التي طورها فوق طور العقل، فأشبهوا في ذلك النصارى في دعوى التثليث..) إلى آخره.
والجواب أن يقال: إن هذه البراهين التي تزعمون أنها عقلية إنما هي شبه خيالية مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أنها شبه
стр. 317
سوفسطائية لا براهين يقينية عقلية، ودعواه أن من نفاها قد شابه في ذلك النصارى. والنصارى عليهم لعنة الله، إنما نزعوا إلى ما نزعوا إليه من أمر التثليث إنما هو بمجرد عقولهم ونتائج قياساتهم وتركهم ما أنزله الله في كتبه على ألسنة رسله وبغلوهم في أنبيائهم كما غلوتم أنتم في الأنبياء والأولياء والصالحين، فأنتم الذين أشبهتم النصارى في دعوى التثليث، فإنهم إنما أثبتوا ذلك بمجرد معقولاتهم ونتائج قياساتهم وقدموا حكم العقل على النقل الذي أنزله الله في كتبه وعلى ألسنة رسله، وأنتم نفيتم ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله من إثبات صفات كماله ونعوت جلاله بمجرد معقولاتكم ونتائج قياساتهم ونبذتم كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهوركم، وزعمتم أن نصوص الكتاب والسنة ظواهر لا تفيد اليقين وإنما يقيد اليقين نتائج عقول الملاحدة التي هي نحانة الأفكار وزبالة الأذهان وريح المقاعد، فمن أشباه النصارى حينئذ إن كنتم تعلمون؟!.
стр. 318
فصل في زعم الملحد تقديم العقل لأنه الأصل
...
فصل
ثم قال العراقي: (لا ريب أنه إذا تعارض العقل والنقل أوِّل١ النقل بالعقل، إذ لا يمكن حينئذ الحكم بثبوت مقتضى كل منهما، لما يلزم عنه من اجتماع النقيضين، ولا بانتفاء٢ ذلك لاستلزامه ارتفاع النقيضين، لكن بقي أن يقدم النقل على العقل، أو العقل على النقل، والأول باطل؛ لأنه إبطال للأصل بالفرع وإيضاحه: أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل، وذلك لأن إثبات الصانع، ومعرفة النبوة، وسائر ما يتوقف صحة النقل عليه لا يتم إلا بطريق العقل، فهو أصل للنقل الذي تتوقف صحته عليه، فإذا قدم على العقل وحكم بثبوت مقتضاه وحده، فقد أبطل الأصل بالفرع، ويلزم منه إبطال الفرع أيضاً، إذ تكون حينئذ صحة النقل متفرعة على حكم العقل الذي يجوز فساده وبطلانه، فلا يقطع بصحة النقل، فلزم من تصحيح النقل بتقديمه على العقل
стр. 319
عدم صحته، وإذا كان تصحيح الشيء منجراً١ إلى إفساده كان مناقضاً لنفسه، فكان باطلاً، فإذا لم يمكن تقديم النقل على العقل بالدليل السابق، فقد تعين٢ تقديم العقل على النقل، وهو المطلوب) .
والجواب أن نقول: إذا تعارض النقل والعقل، وجب تقديم النقل، لأن العقل مصدق للنقل في كل ما أخبر به، والنقل لم يصدق العقل في كل٣ ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف على كل ما يخبر به العقل، فالواجب رد ما اشتبه٤ إلى نصوص الكتاب والسنة، ولا يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، أو بقول من يقول العقل يشهد بضد ما دل عليه النقل، والعقل أصل النقل، فإذا عارضه قدمنا العقل، وهذا لا يكون قط، لكن إذا جاء ما يوهم مثل ذلك، فإن كان النقل صحيحاً فذلك الذي يدعي أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك، وإن كان النقل غير صحيح، فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبداً، ونعارض٥ كلام من يقول ذلك بنظره٦.
فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل،
стр. 320
لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دل على صحة السمع، ووجوب قبول ما أخبر به الرسول ﷺ ، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه، وهذا بين واضح، فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يلزم أن يتبع بحال، فضلاً عن أن يقدم، فصار تقديم العقل على النقل قدحاً في العقل، فالواجب كمال التسليم للرسول ﷺ ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً، أو نحمله بشبهة أو شك، أو نقدم عليه آراء الرجال، وزبالة أذهانهم.
وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير١