الكلام فيه لرد معقولاتهم الفاسدة بالنقل والعقل، وإذا كان أصله ومادته كذلك فبطلانه معلوم بالاضطرار من دين الإسلام عقلاً ونقلاً.
قال شيخ الإسلام ﵀ في تفسير سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بعد كلام له سبق: وكان الذين امتحنوا أحمد ﵀ وغيره من هؤلاء الجاهلين، فابتدعوا كلاماً متشابهاً نفوا به الحق، فأجابهم أحمد لما ناظروه في المحنة وذكروا الجسم١ ونحو ذلك، فأجابهم بأني أقول كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الاخلاص:١-٢] .
وأما لفظ الجسم فلفظ مبتدع محدث، ليس على أحد أن يتكلم به البتة، والمعنى الذي يراد به مجمل ولم تبينوا مرادكم حتى نوافقكم على المعنى الصحيح، فقال: ما أدري ما تقولون لكن أقول: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، يقول: ما أدري ما تعنون بلفظ الجسم، فأنا لا أوافقكم على إثبات لفظ ونفيه إذا لم يرد الكتاب والسنة بإثباته ولا نفيه إن لم
стр. 247
يدر معناه المتكلم به، فإن عنى في النفي أو١ الإثبات ما يوافق الكتاب والسنة [وافقناه، وإن عنى ما يخالف الكتاب والسنة] ٢ في النفي والإثبات لم نوافقه ولفظ الجسم والجواهر لم يأت في كتاب ولا سنة، ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسائر أئمة الدين التكلم بها في حق الله تعالى لا بنفي ولا بإثبات.
ولهذا قال أحمد في رسالته إلى المتوكل: لا أحب التكلم في شيء من ذلك إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن رسول الله ﷺ ، أو عن الصحابة والتابعين.
وأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود.
وذكر أيضاً فيما حكاه عن الجهمية أنهم يقولون ليس فيه كذا وكذا وهو كما قال، فإن للفظ٣ الجسم في اللغة التي نزل بها القرآن معنى كما قال تعالى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] . وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] . قال ابن عباس: كان طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب، وكان يفوق الناس بمنكبيه٤ وعنقه
стр. 248
ورأسه والبسطة: السعة. قال ابن قتيبة: هو من قولك: بسطت الشيء إذا كان مجموعاً ففتحته ووسعته. قال بعضهم: والمراد بتعظيم الجسم فضل القوة إذ العادة أن من كان أعظم جسماً كان أكثر قوة. فهذا لفظ الجسم في لغة العرب التي نزل بها القرآن.
قال الجوهري: قال أبو زيد الأنصاري: الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان.
وقال الأصمعي: الجسم والجسمان والجسد والجثمان واحد١. قال جماعة: جسم الإنسان يقال له الجسمان، وقد جسم الشيء أي عظم فهو جسيم وجسام والجسام بالكسر جمع جسم.
قال أبو عبيدة: تجسمت فلاناً من بين القوم أي اخترته كأنك قصدت جسمه، كما تقول تأتيه أي قصدت أتيه٢ وشخصه، وأنشد أبو عبيدة:
تجسمته من بينهن بمرهف
وتجسمت الأرض إذا أخذت نحوها تريدها وتجسم من الجسم. وقال ابن السكيت: تجسمت الأمر أي ركبت أجسمه، وجسيمه أي معظمه. قال: وكذلك تجسمت
стр. 249
الرمل والجبل أي ركبت أعظمه، والأجسم الأضخم، قال عامر بن الطفيل:
لقد علم الحي من عامر ... بأن لنا الذروة والأجسما
فهذا الجسم في لغة العرب، وعلى هذا فلا يقال للهواء جسم، ولا للنفس الخارج من الإنسان جسم، ولا لروحه المنفوخة جسم، ومعلوم أن الله سبحانه لا يماثل شيئاً من ذلك لا بدن الإنسان ولا غيره، فلا يوصف الله بشيء من خصائص المخلوقين، ولا يطلق عليه من الأسماء ما يختص بصفات المخلوقين، فلا يجوز أن يقال: هو جسم ولا جسد، انتهى.
وإذا كان هذا الجسم في لغة العرب كان منتفياً عن الله بهذا المعنى، لأن الله أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فلا يماثله شيء من مخلوقاته، ولا يطلق عليه من الأسماء ما يختص بصفات المخلوقين، فإن من شبه الله بخلقه فقد كفر، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وأما قوله: (وأنت تعرف أن الجسم إن لم يكن مركباً من المادة والصورة فلا محيص أن يكون مركباً من الجواهر الفردة) .
стр. 250
فالجواب أن نقول: هذا على اصطلاح أهل الكلام، وقد عرفت ما في كلامهم من الاختلاف والنزاع بينهم، والجواب على كل مسلم أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله ورسوله أثبته، وما نفاه الله ورسوله نفاه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فتثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني، وتنفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني.
وأما هذه الألفاظ الذي تنازع فيها من ابتدعها فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما أهل الكلام فالجسم عندهم أعم من هذا، وهم مختلفون في معناه اختلافاً كثيراً عقلياً، واختلافاً لفظياً اصطلاحياً، فهم يقولون: كل ما يشار إليه إشارة حسية فهو جسم، ثم اختلفوا بعد هذا.
فقال كثير منهم: كل ما كان كذلك فهو مركب من الجواهر المنفردة، ثم منهم من قال: الجسم أقل ما يكون جوهراً بشرط أن ينضم إليه غيره. وقيل: بل هو الجوهران والجواهر فصاعداً. وقيل: بل أربعة فصاعداً. وقيل: بل ستة. وقيل: بل ثمانية. وقيل: بل ستة عشر. وقيل: بل اثنان وثلاثون. وهذا قول من يقول: إن الأجسام كلها مركبة من الجواهر التي لا تنقسم. وقال آخرون من أهل الفلسفة: كل الأجسام مركبة من الهيولي والصورة، لا من الجواهر المنفردة. وقال كثير من أهل الكلام وغير أهل
стр. 251
الكلام: ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا. وهذا قول الهشامية والكلابية والضرارية وغيرهم من الطوائف الكبار، لا يقولون بالجواهر الفردية، ولا بالمادة والصورة. وآخرون يدعون إجماع المسلمين على إثبات الجوهر الفرد، كما قال أبو المعالي وغيره: اتفق المسلمون على أن الأجسام تتناهى في تجزئتها وانقسامها حتى تصير أفراداً، ومع هذا فقد شك وكذلك شك فيه فيه أبو الحسين البصري، وأبو عبد الله الرازي.
ومعلوم أن هذا القول لم يقله أحد من أئمة المسلمين، لا من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من أئمة العلم المشهورين بين المسلمين، وأول من قال ذلك في الإسلام طائفة من الجهمية والمعتزلة، وهذا من الكلام الذي ذمه السلف وعابوه، ولكن حاكي هذا الإجماع لما لم يعرف أصول الدين إلا ما في كتب الكلام، ولم يجد إلا من يقول بذلك: اعتقد هذا إجماع المسلمين.
والقول بالجوهر الفرد باطل. والقول بالهيولي والصورة باطل. وقد بسط الكلام على هذه المقالات في مواضع أخر.
وقال آخرون: الجسم هو القائم بنفسه، وكل قائم بنفسه، وكل جسم فهو قائم بنفسه، وهو مشار إليه.
стр. 252
واختلفوا في الأجسام هل هي متماثلة أم لا على قولين مشهورين. وإذا عرف ذلك فمن قال: إنه جسم وأراد أنه مركب من الأجزاء فهذا قوله باطل، وكذلك إن أراد أنه يماثل غيره من المخلوقات فقد علم بالشرع والعقل أن الله ليس كمثله شيء في شيء من صفاته، فمن أثبت لله مثلاً في شيء من صفاته فهو مبطل، ومن قال: إنه جسم بهذا المعنى فهو مبطل، ومن قال: ليس بجسم بمعنى أنه لا يرى في الآخرة، ولا يتكلم بالقرآن، وغيره من الكلام، ولا يقوم به العلم والقدرة وغيرهما من الصفات، ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء، ولا عرج بالرسول إليه: فهذا قول باطل، وكذلك من نفى ما أثبت الله ورسوله، وقال: إن هذا تجسيم فنفيه باطل، وتسميته ذلك تجسيماً تلبيس منه، فإن أراد أن هذا يقتضي أن يكون جسماً مركباً من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة، أو أن هذا يقتضي أن يكون جسماً والأجسام متماثلة، قيل له: أكثر العقلاء يخالفونك في تماثل الأجسام المخلوقة، وفي أنها مركبة، فلا يقولون: إن الهواء١ مثل الماء، وأبدان الحيوان مثل الحديد والجبال، فكيف يوافقونك على أن الرب تعالى يكون مماثلاً لخلقه إذا أثبتوا له ما أثبته الكتاب والسنة، والله تعالى قد نفى الماثلة في بعض المخلوقات وكلاهما
стр. 253
جسم كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . مع أن كليهما بشر، فكيف يجوز أن يقال: إذا كان لرب السموات علم وقدرة أنه يكون مماثلاً لخلقه، والله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
ونكتة الأمر أن الجسم في اعتقاد هذا النافي يستلزم مماثلة سائر الأجسام، ويستلزم أن يكون مركباً من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة، قلت: وهذا هو نتيجة قول هذا العراقي ومرامه، حيث قال: وأنت تعرف أن الجسم إن لم يكن مركباً من المادة والصورة فلا محيص أن يكون مركباً من الجواهر الفردة.
ثم قال شيخ الإسلام: وأكثر العقلاء يخالفونه، فالتلازم منتف باتفاق الفريقين، وهو المطلوب، فإذا اتفقوا على انتفاء النقص المنفي عن الله شرعاً وعقلاً، بقي بحثهم في الجسم الاصطلاحي هل هو مستلزم لهذا المحذور، وهو بحث عقلي كبحث الناس في الأعراض هل تبقى أو لا تبقى، وهذا البحث العقلي لم يرتبط به دين المسلمين، بل لم ينطق كتاب ولا سنة ولا أثر عن السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى لا نفياً ولا إثباتاً، فليس لأحد أن يبتدع اسماً مجملاً يحتمل معاني مختلفة لم ينطق بها الشرع، ويعلق به دين المسلمين، ولو كان قد
стр. 254
نطق باللغة العربية، فكيف إذا أحدث اللفظ معنى آخر، والمعنى الذي يقصده إذا كان حقاً عبر عنه بالعبارة التي لا لبس فيها، فإذا كان معتقده أن الأجسام متماثلة فإن الله ليس كمثله شيء، وهو سبحانه لا سمي له، ولا كفؤ له، ولا ند له، فهذا عبارة القرآن تؤدي هذا المعنى بلا تلبيس ولا نزاع، وإن كان معتقده أن الأجسام غير متماثلة وإن كان يرى ما يقوم به من الصفات فهو جسم فإن عليه أن يثبت ما أثبته الله ورسوله من علمه وقدرته وسائر صفاته كقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذريات:٥٨] ، وقوله في حديث الاستخارة: "اللهم أني أستخريك بعلمك وأستقدرك بقدرتك على الخلق" ١، ويقول كما قال رسول الله ﷺ : " إنكم ترون ربكم يوم القيامة عياناً كما
стр. 255
ترون الشمس والقمر لا تضامون في رؤيته" ١، فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي كالمرئي، فهذه عبارات
стр. 256
الكتاب والسنة عن هذا المعنى الصحيح بلا تلبيس ولا نزاع بين أهل السنة المتبعين للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ثم بعد هذا من كان تبين له معنى من جهة العقل أنه لازم للحق لم يدفعه عن عقله فلازم الحق حق، لكن ذلك المعنى لا بد أن يدل الشرع عليه، فيشبه بالألفاظ الشرعية، وإن قدر أن الشرع لم يدل عليه لم يكن مما يجب على الناس اعتقاده، وحينئذ فليس لأحد أن
стр. 257
يدعو الناس إليه، وإن قدر أنه في نفسه حق.
ومسألة تماثل الأجسام وتركيبها من الجواهر المنفردة قد اضطرب فيها جماهير أهل الكلام، وكثير منهم يقول بهذا تارة، وبهذا تارة، وأكثر ذلك لأجل الألفاظ المجملة، والمعاني المتشابهة، وقد بسط١ الكلام عليه في غير هذا الموضع، لكن المقصود هنا أنه لو قدر أن الإنسان تبين له أن الأجسام ليست متماثلة ولا مركبة، لا من هذا ولا من هذا، لم يكن له أن يبتدع في دين الإسلام قوله: إن الله جسم، ويناظر على المعنى الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة، بل يكفيه إثبات ذلك المعنى بالعبارات الشرعية، ولو قدر أنه تبين له أن الأجسام متماثلة وأن الجسم مركب لم يكن له أن يبتدع النفي بهذا الاسم، ويناظر على معناه الذي اعتقده بعقله، بل ذلك المعلوم بالشرع والعقل يكمن إظهاره بعبارة لا إجماع فيها، ولا تلبيس، والذين يقولون: الجسم مركب من الجواهر. يدعي كثير منهم أنه كذلك في لغة العرب، لأن العرب يقولون: هذا أجسم من هذا، يريدون به أنه أكثر أجزاء منه، ويقولون: هذا جسيم أي كثير الأجزاء، قال: والتفضيل بصيغة أفعل إنما يكون لما يدل عليه الاسم،
стр. 258
فإذا قيل: هذا أعلم أو أسلم، كان ذلك دالاً على الفضيلة فيما دل عليه لفظ العلم والحلم، فلما قالوا: أجسم لما كان أكثر أجزاء، دل على أن لفظ الجسم عندهم المراد به المركب، فمن قال: جسم وليس مركب، فقد خرج من لغة العرب. قالوا: وهذه تخطئة في اللفظ، وإن كنا لا نكفره إذا لم يثبت خصائص الجسم من التركيب والتأليف، وقد نازعهم بعضهم في قولهم: هذا أجسم من هذا. وقالوا: ليس هذا اللفظ من لغة العرب كما يحكى عن ابن زيد. فيقال له: لا ريب أن العرب تقول هذا جسيم، أي عظيم الجثة، وهذا الجسم من هذا، أي أعظم جثة، لكن كون العرب تعتقد أن ذلك لكثرة الأجزاء التي هي الجواهر المفردة، إنما يكون إذا كان أهل اللغة قاطبة يعتقدون أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة، والجوهر الفرد هو شيء قد بلغ من الصغر والحقارة إلى أنه لا يتميز يمينه من يساره، ومعلوم أن أكثر العقلاء من بني آدم لا يتصور الجوهر الفرد، والذين يتصورونه أكثرهم لا يثبتونه، والذين أثبتوه إنما أثبتوه بطريقة خفية، طويلة بعيدة، فيمتنع أن يكون اللفظ١ الشائع في الغة التي ينطق بها خواصها وعوامها أرادوا به هذا.
стр. 259
وقد علم بالاضطرار أن أحداً من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ينطق بإثبات الجوهر الفرد، ولا بما يدل على ثبوته عنده، بل ولا العرب قبلهم، ولا سائر الأمم الباقين على الفطرة١، ولا اتباع الرسل، فكيف يدعى عليهم أنهم لم يقولوا لفظ الجسم إلا لما كان مركباً مؤلفاً، ولو قلت لمن شئت من العرب: الشمس والقمر والسماء مركب عندك من أجزاء صغار، كل منها لا يقبل التجزي، أو الجبال أو الهواء٢، أو الحيوان والنبات. لم يتصور هذا المعنى إلا بكلفة، ثم إذا تصور قد يكذب بفطرته، ويقول: كيف يمكن أن يكون شيء لا يتميز منه جانب عن جانب.
وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد، والفقهاء قاطبة تنكره، وكذلك أهل الحديث والتصوف. ثم ذكر كلاماً في استحالة بعض الأجسام إلى بعض، ثم ذكر بعد ذلك ما يراد بالجسم في لغة العرب، وأنهم إنما يريدون بقولهم هذا أجسم من هذا، أي أغلظ وأعظم منه، ونفى أن يكون ذلك لزيادة الأجزاء، ثم قال:
فقد تبين أن من قال: الجسم هو المؤلف والمركب، واعتقد أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة فقد ادعى
стр. 260
معنى عقلياً ينازعه فيه أكثر العقلاء من بني آدم، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه وافقه عليه، وأنه جعل لفظ الجسم في اصطلاحه يدل على معنى لا يدل عليه اللفظ في اللغة، فقد غير معنى اللفظ في اللغة، وادعى معنى عقلياً فيه نزاع طويل، وليس معه من الشرع ما يوافق ما ادعاه من معنى اللفظ، ولا ما ادعاه من المعنى العقلي، فاللغة ما تدل على ما قال، والشرع لا يدل على ما قال، والعقل لم يدل على مسميات الألفاظ، وإنما يدل على المعنى المجرد وذلك فيه نزاع طويل، ونحن نعلم بالاضطرار إلى ذلك المعنى الذي وجب نفيه عن الله لا يحتاج نفيه إلى ما أحدثه هذا من دلالة اللفظ، ولا ما ادعاه من المعنى العقلي، بل الذي جعلوه عمدتهم في تنزيه الرب على نفي مسمى الجسم، لا يمكنهم أن ينزهوه عن شيء من النقائص البتة، فإنهم إذا قالوا هذا من صفات الأجسام، فكل ما يثبتونه هو أيضاً من صفات الأجسام، مثل كونه حياً عليماً قادراً بل كونه موجوداً قائماً بنفسه، فإنهم لا يعرفون هذا في الشاهد إلا جسماً، فإذا قال المنازع: أنا أقول فيما نفيتموه نظير قولكم فيما أثبتموه انقطعوا، انتهى.
والمقصود أن الأجسام المحدثة المخلوقة ليست مركبة لا من المادة والصورة، ولا من الجواهر المنفردة، فلو كان فوق العرش جسم مخلوق ومحدث لم يلزم أن
стр. 261
يكون مركباً بهذا الاعتبار، فكيف ذلك في حق خالق الفرد والمركب الذي يجمع المتفرق، ويفرق المجتمع، ويؤلف بين الأشياء فيركبها كما يشاء؟
والعقل إنما دل على إثبات إله واحد، ورب واحد لا شريك له، ولا شبيه له، لم يلد ولم يولد، ولم يدل على أن ذلك الرب الواحد لا اسم له، ولا صفة ولا وجه، ولا يدين، ولا هو فوق خلقه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، فدعوى ذلك على العقل كذب صريح عليه، كما هي كذب صريح على الوحي.
стр. 262
فصل في إثبا الصفات وأنه لا يقتضي التجسيم
...
فصل
قال العراقي: (ثم قال –يعني صاحب الدين الخالص-: وإن أردتم ما يوصف بالصفات، ويرى بالأبصار، ويتكلم ويكلم، ويسمع ويبصر، ويرضى ويغضب، فهذه المعاني ثابتة للرب تعالى، وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه بتسميتكم الموصوف بها جسماً –إلى آخر ما قال. قال: فأقول: لم نعرف أحداً عرف الجسم بأنه المتكلم المكلم، السميع البصير، الذي يرضى ويغضب، وإنما هذه صفات تقوم بالحي العاقل. نعم إن الجسم يرى بالأبصار كما قال، ولكن إثبات الجسم له تعالى بهذه المعنى تنزيل له سبحانه منزلة مخلوقاته مما ينافي ألوهيته١، فإن كون الله تعالى جسماً بهذا المعنى نقص يجب تنزيهه عنه) .
والجواب أن يقال: ومن أنت يا ابن لكع حتى يلتفت إلى قولك وتعريفك، ونفيك وإثباتك، وتأصيلك
стр. 263
وتفصيلك، لأنك إنما أخذت هذه المباحث الملعونة عن قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، فإن أحداً من أئمة الإسلام ومن على طريقهم ومناهجهم لا يقول: إن الله جسم، بل لا يطلقون هذا اللفظ نفياً ولا إثباتاً حتى يستفصلوه عما أراد به، ومن أعظم الناس شمس الدين ابن القيم الذي تصديت لرد كلامه نفياً لهذه الأشياء، وله بحوث في هذا المقام يطول ذكرها، وقد ذكرها في الصواعق، وفي غيرها من كتبه، كالكافية الشافية وغيرها.
وأما قوله: (وإنما هذه صفات تقوم بالحي العاقل ... ) إلى آخره.
فأقول: قولك هذا منقوض بإثبات الأسماء والصفات، فإن الله حي عليم قدير، وإن أمكن إثبات حي عليم قدير وليس بجسم أمكن أن يكون له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم، وإن لم يمكن ذلك فما كان جوابكم عن إثبات الأسماء كان جوابنا عن إثبات الصفات.
ويقال أيضاً: ليس في هذا النفي ما يدل على صحة مذهب أحد من نفاة الصفات أو الأسماء، بل ولا يدل ذلك على تنزيهه سبحانه عن شيء من النقائص، فإن من نفى
стр. 264
شيئاً من الصفات لكون إثباته تجسيماً وتشبيهاً يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الأسماء والصفات كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية أو العلو أو الرؤية ونحو ذلك، وقال له: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه، لأنه لا يعقل ما هو كذلك إلا الجسم، قال له المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ما هو جسم، فإذا جاز لك أن تثبت هذه الصفات، وتقول الموصوف بها ليس بجسم جاز لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات، مع أن الموصوف بها ليس بجسم فإذن جاز أن يثبت مسمى بهذه الأسماء ليس بجسم.
فإن قال له: هذه معان وتلك أبعاض. قال له: الرضا والغضب والحب والبغض معان، واليد والوجه وإن كان بعضاً فالسمع والبصر أعراض لا تقوم إلا بجسم١ فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست أعراضاً ومحلها ليس بجسم جاز لي إثبات هذه مع أنها ليست أبعاضاً.
فإن قال نافي الصفات: أنا لا أثبت شيئاً منها. قال له: أنت أبهمت الأسماء، فأنت تقول: هو حي عليم، ولا يعقل حي عليم قدير إلا جسماً. وتقول: إنه هو ليس
стр. 265
بجسم، فإذا جاز أن تثبت مسمى هذه الأسماء ليس بجسم مع أن هذا ليس معقولاً١ لك٢ جاز لي أن أثبت موصوفاً بهذه الصفات وإن كان هذا غير معقول لي.
فإن قال الملحد: أنا أنفي الأسماء والصفات، قيل له: إما أن تقر بأن هذا العالم المشهود مفعول مصنوع له صانع فاعله، أو تقول: إنه قديم أزلي واجب الوجود بنفسه عن الصانع، فإن قلت بالأول فصانعه إن قلت هو جسم وقعت فيما نفيته، وإن قلت ليس بجسم فقد أثبت فاعلاً صانعاً للعالم ليس بجسم، وهذا لا يعقل في الشاهد، فإن أثبت خالقاً فاعلاً ليس بجسم وأنت لا تعرف فاعلاً إلا جسماً كان لمنازعك أن يقول هو حي عليم ليس بجسم وإن كان لا يعرف حياً عالماً إلا جسماً، بل لزمك أن تثبت له من الأسماء والصفات ما يناسبه.
وإن قال الملحد: بل هذا المشهود قديم واجب بنفسه غني عن الصانع فقد أثبت واجباً بنفسه، قديماً أزلياً، هو جسم حامل الأعراض، متحيز في الجهات، تقوم به الأكوان، وتحله الحوادث والحركات، وله أبعاض وأجزاء، فكان ما فر منه من إثبات جسم قديم قد لزمه مثله
стр. 266
وما هو أبعد منه، ولم يستفد بذلك الإنكار إلا جحد الخالف وتكذيب رسله، ومخالفة صريح المعقول١، والضلال المبين، الذي هو منتهى ضلال الضالين، وكفر الكافرين.
فقد تبين أن قول من نفى الصفات أو شيئاً منها لأن إثباتها تجسيم قول لا يمكن أحد أن يستدل به، بل ولا يستدل أحد على تنزيه الرب عن شيء من النقائص بأن ذلك يستلزم التجسيم، لأنه لا بد أن يثبت شيئاً يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه غيره فيما نفاه.
وإذا كان اللازم في الموضعين واحداً وما أجاب هو به أمكن المنازع أن يجيب مثله لم يكن أن يثبت شيئاً، وينفي شيئاً على هذا التقدير، وإذا انتهى إلى التعطيل المحض كان ما لزمه من تجسيم الواجب بنفسه القديم أعظم من كل تجسيم نفاه، فعلم أن مثل الاستدلال على النفي بما٢ يستلزم التجسيم لا يسمن ولا يغني من جوع. انتهى من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
وأما قوله: (نعم إن الجسم يرى بالأبصار كما قال،
стр. 267
ولكن إثبات الجسم له تعالى بهذا المعنى تنزيل له سبحانه منزلة مخلوقاته مما ينافي ألوهيته) .
فيقال: قد تقدم أنا لا نثبت الجسمية بهذا المعنى، لأن إثبات الصفات لا تستلزم الجسمية، لأن الموصوف بها ليس بجسم، وقد تقدم بيان ذلك وأن إثباتها ليس بنقص يجب تنزيه الله عنه بالعقل والنقل، مع أنا لا نسلم أن الجسم بهذه الأوضاع الاصطلاحية الحادثة مجمع على صحته عند العقلاء، بل قد تنازعوا في ذلك مع مخالفته لصريح اللغة، فإن الجسم معناه في لغة العرب هو: البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه. فلا يقال للهواء١ جسم لغة ولا للنار، ولا للماء، فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا.
وأما قوله: (أما عقلاً فلأن الرؤية كما تحقق في علم البصر إنما تتم بوقوع أشعة النور على سطح المرئي وانعكاسها عنه إلى البصر، فيلزم منه كون المرئي ذا سطح، وذلك يستدعي تركيبه من أجزاء ... ) إلى آخره.
فالجواب أن يقال: هذا العقل فاسد بالعقل والنقل. أما فساده بالعقل: فلأنه ليس في المعقول أن كل مرئي لا
стр. 268
يكون إلا مركباً من المادة والصورة، أو من الجواهر الفردة، لأن أكثر العقلاء ينكرون هذا ولا يثبتونه في الممكنات، فكيف بفاطر الأرض والسموات؟ وإذا كان في اعتقاد هذا النافي أن الجسم يستلزم مماثلة سائر الأجسام، ويستلزم أن يكون مركباً من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة، وأكثر العقلاء يخالفونه، فالتلازم منتف باتفاق الفريقين وهو المطلوب. فإذا اتفقوا على انتفاء النقص المنفي عن الله شرعاً وعقلاً بقي بحثهم في الجسم الإصطلاحي هل هو مستلزم لهذا المحذور، وهو بحث عقلي كبحث الناس في الأعراض هل تبقى أو لا تبقى، وهذا البحث العقلي لم يرتبط به دين المسلمين، بل لم ينطق كتاب ولا سنة ولا أثر عن السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى لا نفياً ولا إثباتاً، فليس لأحد أن يبتدع اسماً مجملاً يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويعلق به دين المسلمين. وقد تقدم بيان هذا.
ويقال أيضاً: وكل ما يستدعي تركيبه من أجزاء متفرقة –كما يقوله الفلاسفة والمتكلمون- أو من الجواهر الفردة –كما يقوله كثير من أهل الكلام- ممنوع لأن جمهور العقلاء عندهم: أن الأجسام المحدثة ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا، فلو كان فوق العرش جسم مخلوق ومحدث لم يلزم أن يكون مركباً بهذا الاعتبار، فكيف ذلك
стр. 269
في حق خالق الفرد المركب، الذي يجمع المتفرق ويفرق المجتمع، ويؤلف بين الأشياء فيركبها كما يشاء؟
والعقل إنما دل على إثبات إله واحد ورب واحد لا شريك له ولا شبيه له ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣] ، ولم يدل على أن ذلك الرب الواحد لا اسم له، ولا صفة، ولا وجه له، ولا يدين ولا هو فوق خلقه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، فدعوى ذلك على العقل كذب صريح عليه كما هي كذب على الوحي. قاله ابن القيم رحمه فهذا ما نفاه العقل.
وأما النقل ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن أناساً قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ "، قالوا: لا، قال:"فإنكم ترونه كذلك". الحديث بطوله.
وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، وفي لفظ في الصحيح: "إنما ترون ربكم عياناً" فأخبر أنا نراه عياناً بأبصارنا.
стр. 270
وأما قوله: (وأما نقلاً فلقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] .
فالجواب أن يقال: لست ممن يعرف أدلة النقل المأثورة عن السلف الصالح، ولا تعرف ما ذكره المفسرون على هذه الآية، كما أنك لا تعرف من الأدلة العقلية إلا ما يذكره الفلاسفة والمتكلمون الخارجون عن سبيل المؤمنين، وأما ما يذكره أهل السنة والجماعة من المعقولات والمنقولات فلست منه في شيء.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد ذكره أقوال الفرق المخالفة، قال: وأما الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وأبي حنيفة وأبي يوسف وأمثال هؤء وسائر أهل السنة والحديث والطوائف المنتسبين إلى السنة والجماعة، كالكلابية، والكرامية والأشعرية والسالمية وغيرهم، فهؤلاء كلهم متفقون على إثبات الرؤية لله تعالى، والأحاديث متواترة عن النبي ﷺ عند أهل العلم بحديثه، وأما احتجاج النفاة بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ، [الأنعام:١٠٣] فالآية حجة عليهم لا لهم، لأن الإدراك إما أن يراد
стр. 271
به مطلق الرؤية، أو الرؤية المقيدة بالإحاطة، والأول باطل، لأنه ليس كل من رأى شيئاً يقال: إنه أدركه، كما يقال أحاط به، كما سئل ابن عباس ﵄ عن ذلك فقال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: أكلها ترى؟ قال: لا. ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل، أو البستان، أو المدينة لا يقال: إنه أدركها، وإنما يقال: أدركها إذا أحاط بها رؤية.
ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك، وإنما ذكرنا هذا بياناً لسند المنع، بل المستدل بالآية عليه أن يبين أن الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية وأن كل من رأى شيئاً يقال في لغتهم: إنه أدركه، وهذا لا سبيل إليه، كيف وبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص، فقد تقع رؤية بلا إدراك، وقد يقع إدراك بلا رؤية، أو اشتراك لفظي، وأن الإدراك يستعمل في أدراك العلم، وإدراك القدرة، فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد كالأعمى الذي يطلب رجلاً هارباً فأدركه ولم يره، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١-٦٢] ، فنفي موسى الإدراك مع إثبات الترائي. فعلم أنه قد يكون رؤية بلا إدراك، والإدراك هنا هو إدراك القدرة، أي ملحقون محاط بنا، وإذا انتفى هذا الإدراك فقد تنتفي إحاطة البصر أيضاً.
стр. 272
ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه ، ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح، لأن النفي المحض لا يكون مدحاً إن لم يتضمن أمراً ثبوتياً، لأن المعدوم أيضاً لا يرى، والمعدوم لا يمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه، وإن كان المنفي هو الإدراك فهو سبحانه لا يحاط به رؤية، كما لا يحاط به علماً، ولا يلزم من نفي إحاطة العلم والرؤية نفي الرؤية، بل يكون ذلك دليلاً على أنه يرى ولا يحاط به، فإن تخصيص الإحاطة يقتضي أن مطلق الرؤية ليس بمنفي، وهذا الجواب قول أكثر العلماء من السلف وغيرهم، وقد روي معناه عن ابن عباس ﵄ وغيره، فلا تحتاج الآية إلى تخصيص، ولا خروج عن ظاهر المعنى، فلا نحتاج أن نقول: لا نراه في الدنيا، أو نقول لا تدركه الأبصار، بل المبصرون، أو لا يدركه كلها بل بعضها، ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تكلف.
وأما قوله: ولا تعارض هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] ، لأن كيفية رؤيته تعالى يوم القيامة مجهولة، كما هو معتقد أهل الحق.
فالجواب أن يقال: هذه الآية لا تعارض الآية المتقدمة، فإن كلام الله لا يتعارض، بل يصدق بعضه
стр. 273
بعضاً. قال البغوي ﵀ في تفسيره على هذه الآية: قال ابن عباس وأكثر الناس: تنظر إلى ربها عياناً بلا حجاب. وقال الحسن: تنظر إلى الخالق وحق لها أن تنضر١ وهي تنظر إلى الخالق.
أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أنا عبد الله بن أحمد الحموي، أخبرنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، أخبرنا عبد بن حميد٢، حدثنا شبابة، عن إسرائيل عن ثوير قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه، وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية"، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣.
وهذا الحديث يبطل تأويل من تأول من الجهمية والمعتزلة وأشباههم، ويبطل أيضاً قول هذا الملحد في قوله: ويدل على ذلك قوله: ﴿وُجُوهٌ﴾ ولم يقل عيون.
وأما قوله: كما هو معتقد أهل الحق، فيمكن أن تكون الرؤية يومئذ بنوع من الإنكشاف والتجلي من غير حاجة للباصرة، ولا محاذاة لها، ويدل على ذلك قوله
стр. 276
وجوه، ولم يقل عيون، وفي قوله: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ ما يفصح عن حصول السرور التام لها بذلك الانكشاف.
فالجواب أن نقول: إن أهل الحق عند هذا الملحد غلاة الجهمية كالمريسي وأشباهه، وكالمعتزلة والرافضة، وهم عند أهل السنة والجماعة من أكفر أهل الأرض، بل هم أهل الباطل المحض، وهؤلاء الملاحدة يؤولون الآيات والأحاديث الواردة في ذلك كقولهم هي زيادة علم وانكشاف بحيث نعلم ضرورة ما كان يعلم نظراً، وهذا الملحد نحا نحو هؤلاء الملاحدة بهذه التأويلات الباطلة الخارجة عن أقوال سلف الأمة وأئمتها.
وإذا تبين ذلك فإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة إلى الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقة موضوعة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ ، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديته بنفسه، فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] ، وإن عدي بـ (في) فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ [الأعراف: ١٨٥] ، وإن عدي بإلى فمعناه المعاينة
стр. 277
بالأبصار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩] ، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟.
ويؤيد ذلك الحديث الذي في الصحيح قوله: "إنكم ترون ربكم عياناً"، فأخبر أنا نراه عياناً بأبصارنا، وقد أخبرنا الله أنه قد استوى على العرش، فهذه النصوص يصدق بعضها بعضاً، والعقل أيضاً يوافقها، ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته فوق سمواته، وأن وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانس له محال في بديهة العقل، فإذا كانت الرؤية مستلزمة لهذه المعاني فهذا حق، وإذا سميتم أنتم هذا قولاً بالجهة وقولاً بالتجسيم لم يكن هذا القول نافياً لما علم بالشرع والعقل، إذ كان معنى هذا القول والحال هذه ليس منتفياً لا بشرع ولا عقل، فإن تسميتكم ما سميتموه جهة وتجسيماً أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. وما أحسن ما قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، أحد أئمة المدينة الثلاثة، الذين هم: مالك بن أنس وابن الماجشون وابن أبي ذئب، فقال ﵀ في كلام له سنذكره إن شاء الله تعالى: فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] ، فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحدوا أفضل كرامة الله
стр. 278
التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه، ونظرتهم إياه في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينظرون ... إلى أن قال: وقد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا قبل ذلك مؤمنين به، وكان له جاحداً. انتهى.
стр. 279
فصل في الإشارة إلى السماء، وإنكار الملحد ذلك
...
فصل
قال العراقي: (ثم قال –أي صاحب الدين الخالص-: (وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية، فقد أشار أعرف الخلق بالله تعالى إليه بأصبعه رافعاً لها إلى السماء ... إلى آخره –قال العراقي-: فأقول: إن بداهة العقل حاكمة بأن المشار إليه بالإشارة الحسية لا بد أن يكون في جهة ومكان، وأن يكون مرئياً، وكل ذلك مستحيل على الله تعالى، لأنه تعالى لو كان في مكان أو جهة لزم قدم المكان أو الجهة، وقد قام البرهان على أن لا قديم سوى الله تعالى) .
والجواب أن يقال: أولاً: أن بداهة العقل حاكمة بصدق رسول الله ﷺ فيما أخبر به، وحاكمة بأن من رد على رسول الله ﷺ قوله أو اتهمه فيما فعله وأمر به فهو كافر حلال المال والدم، وقام البرهان من الكتاب والسنة على أن الله يرى في الآخرة عياناً كما ترى الشمس
стр. 280
والقمر، وهذا ليس بمستحيل في العقول الصحيحة الموافقة لصريح المنقول عن الرسول.
ونحن نعلم بضرورة العقل أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول ولا بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، ولا يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته، وقام البرهان من الكتاب والسنة على أن الله تعالى وتقدس فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، فمن قال غير هذا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.
ويقال ثانياً: لهؤلاء الملاحدة: ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة، والجهة فممتنعة؟ أتعنون بالجهة أمراً وجودياً أم أمراً عدمياً؟ فإن أردتم أمراً وجودياً وقد علم أنه ما ثم موجود إلا للخالق والمخلوق، والله فوق سمواته بائن من مخلوقاته، لم يكن والحالة هذه في جهة موجودة. فقولكم: (إن المرئي لا بد أن يكون في جهة موجودة) قول باطل، فإن سطح العالم مرئي وليس هو في عالم آخر. وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون: (إن الجسم في حيز، والحيز تقدير مكان، وتجعلون ما وراء العالم حيزاً) .
فيقال لكم: الجهة والحيز إذا كان أمراً عدمياً فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي فليس هو في شيء، ولا فرق بين قول القائل هذا ليس في شيء، وبين
стр. 281
قوله هو في العدم أو أمر عدمي، فإذا كان الخالق تعالى مبايناً للمخلوقات عالياً عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلاً عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به.
فطريقة السلف والأئمة إنما يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فيعتدون بها ما وجدوا إليها سبيلاً، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة أيضاً، وقالوا: إنه قابل بدعة ببدعة، ورد باطلاً بباطل. انتهى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد تبين لكل من له أدنى مسكة من عقل ومعرفة أن ما ألزم به هذا الملحد من هذه اللوازم من لفظ المكان والجهة، وقوله: (لو كان في مكان لكان محتاجاً إلى مكانه) ... إلى آخره ما هذي به في كلامه أنها من أقوال الجهمية والمعتزلة والفلاسفة والمتكلمين، وقد تقدم الكلام عليها.
وأما لفظ المكان، فقال شيخ الإسلام ﵀: وأما القائل الذي يقول: (إن الله تعالى ينحصر في مكان) . إن أراد به أن الله تعالى لا ينحصر في جوف المخلوقات، وأنه
стр. 282
لا يحتاج إلى شيء منها فقد أصاب، وإن أراد أن الله ليس فوق السموات، ولا هو مستو على العرش استواء لائقاً بذاته، وليس هناك إله يعبد، ومحمد ﷺ لم يعرج به إلى الله تعالى، فهذا جهمي فرعوني معطل.
ومنشأ هذا الضلال أن يظن الظان أن صفات الرب سبحانه كصفات خلقه، فيظن أن الله تعالى على عرشه كالملك المخلوق على سريره، فهذا تمثيل وضلال، وذلك أن الملك مفتقر إلى سريره، ولو زال سريره لسقط، والله غني عن العرش، وعن كل شيء، وكل ما سواه محتاج إليه، وهو حامل العرش وحملة العرش، وعلوه عليه لا يوجب افتقاره إليه، فإن الله تعالى قد جعل المخلوقات عالياً وسافلاً، وجعل العالي غنياً عن السافل، كما جعل الهواء فوق الأرض وليس هو مفتقر إليها، وجعل السماء فوق الهواء وليست محتاجة إليه، فالعلي الأعلى رب السموات والأرض وما فيهما أولى أن يكون غنياً عن العرش وسائر المخلوقات وإن كان عالياً عليه سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
والأصل في هذا الباب أن كل ما ثبت في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وجب التصديق به، مثل علو الرب، واستوائه على عرشه ونحو ذلك.
стр. 283
وأما الألفاظ المبتدعة في النفي والإثبات، مثل قول القائل: (هو في جهة، أو ليس في جهة، وهو متحيز، أو ليس متحيزاً) ، ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع فيها الناس وليس مع أحد منهم نص لا عن رسول الله ﷺ ، ولا عن الصحابة ﵃، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة المسلمين، هؤلاء لم يقل أحد منهم إن الله تعالى في جهة، ولا قال ليس هو في جهة، ولا قال هو متحيز، ولا قال ليس بمتحيز، بل ولا قال هو جسم أو جوهر، ولا قال ليس بجسم ولا بجوهر، فهذه الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب، ولا السنة، ولا الإجماع ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
وأما قوله: (وأيضاً لو جاز أن يشار إليه بالإشارة الحسية لجاز أن يشار إليه من كل نقطة من سطح الأرض، وحيث إن الأرض كرية يلزم أن يكون سبحانه محيطاً بها من جميع الجهات، وإلا ما صحت الإشارة إليه، ولما كان تعالى مستوياً على عرشه ومستقراً عليه كما تزعمه الوهابية كان عرشه محيطاً بالسموات السبع، فيلزمه من نزوله إلى السماء الدنيا وصعوده منها- كما تقول الوهابية –أن يصغر جسمه تعالى عند النزول، ويكبر عند الصعود، فيكون
стр. 284
متغيراً من حال إلى حال، تعالى الله عنه عما يقول الجاهلون) .
فالجواب أن نقول: قد أشار إليه بالإشارة الحسية أعرف الخلق به بأصبعه رافعاً بها إلى السماء، بمشهد الجمع الأعظم، مستشهداً له، وهو سيد ولد آدم ﵊، وهو أعلم الناس بربه، وأعظم تنزيهاً له وتقديساً وتعظيماً.
ولما كان هذا العراقي جهمياً معتزلاً، واعتقد أن الأرض إذا كانت كرية أنه يلزم أن يكون الله سبحانه محيطاً بها من جميع الجهات، وإلا ما صحت الإشارة إليه، وكلام العراقي يقتضي أن يكون الله تعالى تحت بعض خلقه، وإذا كان ذلك من كلامه مفهوماً فقد قال شيخ الإسلام في بعض أجوبته:
وقد يظن بعض الناس أن ما جاءت به الآثار النبوية من أن العرش سقف الجنة، وأن الله على عرشه مع ما دلت عليه من أن الأفلاك مستديرة: متناقض أو مقتضٍ أن يكون الله تعالى تحت بعض خلقه، كما احتج بعض الجهمية على إنكار أن يكون الله تعالى فوق العرش باستدارة الأفلاك، وأن ذلك يستلزم كون الرب تعالى أسفل، وهذا من غلطهم في تصور الأمر، ومن علم أن
стр. 285
الأجسام المستديرة، بأن المحيط الذي هو السقف هو أعلا عليين، وأن المركز الذي هو باطن ذلك وجوفه، وهو قعر الأرض، وهو سجين وأسفل سافلين، علم بسبب مقابلة الله تعالى بين أعلى عليين، وبين سجين، مع أن المقابلة إنما تكون في الظاهر بين العلو والسفول، أو بين السعة والضيق، وذلك أن العلو مستلزم للسعة، والضيق مستلزم للسفول، وعلم أن السماء فوق الأرض مطلقاً، لا يتصور أن تكون تحتها قط، وإن كانت مستديرة محيطة، وكذلك كلما علا كان أرفع وأشمل.
وعلم أن الجهة قسمان: قسم ذاني، وهو العلو والسفول فقط. وقسم إضافي، وهو ما ينسب إلى الحيوان بحسب حركته، فما أمامه يقال له أمام، وما خلفه يقال له خلف، وما عن يمينه يقال له اليمين، وما عن يساره يقال له اليسار، وما فوق رأسه يقال له فوق، وما تحت قدميه يقال له تحت، وذاك أمر إضافي، أرأيت لو أن رجلاً علق رجلاه إلى السماء ورأسه إلى الأرض، أليست السماء فوقه وإن قابلها برجليه، وكذلك النملة وغيرها لو مشى تحت السقف مقابلاً له برجليه وظهره إلى الأرض لكان العلو محاذياً لرجليه وإن كان فوقه، فأسفل سافلين ينتهي إلى جوف الأرض، والكواكب التي في السماء وإن كان بعضها محاذياً لرؤوسنا وبعضها في النصف الآخر من الفلك فليس شيء منها